نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٥

السيّد علي الحسيني الميلاني

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ١٥

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: المؤلّف
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٢٨
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

اهداء :

الى حامل لواء الامامة الكبرى والخلافة العظمى

ولي العصر المهدي المنتظر الحجّى ابن الحسن العسكري أرواحنا فداه

يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضّرّ

وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل

وتصدّق علينا إن الله يجزي المتصدّقين

علي

٥
٦

حديث الولاية

وأحَدُ ألفاظه :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

عليٌّ منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي

٧
٨

كلمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين.

وبعد ، فهذا قسم ( حديث الولاية ) والبحث عن سنده ومدلوله.

فأمّا من النّاحية السّنديّة ، فقد أخرجه غير واحد من أرباب الصّحاح والمسانيد والمعاجم والكتب المعتبرة المشهورة ، بأسانيد صحيحة ، عن اثني عشر نفسا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم :

١ ـ أمير المؤمنين علي عليه‌السلام.

٢ ـ الإمام الحسن السبط عليه‌السلام.

٣ ـ أبو ذر الغفاري.

٤ ـ عبد الله بن العبّاس.

٥ ـ أبو سعيد الخدري.

٦ ـ البراء بن عازب.

٧ ـ عمران بن الحصين.

٩

٨ ـ أبو ليلى الأنصاري.

٩ ـ بريدة بن الحصيب.

١٠ ـ عبد الله بن عمرو.

١١ ـ عمرو بن العاص.

١٢ ـ وهب بن حمزة.

كما ستعلم بالتّفصيل في أواخر قسم السند.

وله أسانيد في بعض المسانيد قد نصّ غير واحد من أعلام الحديث على صحّتها.

كما أنّا سنذكر في أول الملحق بعض الأسانيد الصحيحة الأخرى له بعون الله.

إذن ، لا جدوى للنقاش في صحّة الحديث وثبوت صدوره عن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... كما التجأ إليه ابن تيمية على عادته ... ولا مناص من الاعتراف بذلك ، كما فعل جماعة من الأعلام.

وأمّا من الناحية الدلاليّة ، فقد ذكر لها في هذا الكتاب أربعون وجها ، ممّا يتعلّق بفقه الحديث ، أو متنه ، أو القرائن الخارجيّة ، أو الأحاديث الأخرى ... كلّ ذلك على ضوء الكتب المعتبرة ، وبالاستناد إلى كلمات أشهر علماء القوم في العلوم المختلفة ... بحيث لا يبقى مجال للتشكيك في دلالة هذا الحديث الشريف على أفضليّة أمير المؤمنين وولايته بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة.

التحريف في لفظ الحديث

وهذا ما دعا جماعة من كبار علماء القوم إلى تحريف الحديث ، فالقدر المهم المستدل به في البحث هو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ مخاطبا لعلي

١٠

عليه‌السلام ـ : « أنت وليّ كلّ مؤمن من بعدي ». وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ مخاطبا بريدة لمّا شكى عليّا إليه ـ : « يا بريدة ، لا تبغضه ، إنّ عليّا منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي ».

فمنهم ـ كالبخاري ـ أخرج القصّة ورواها حتى النهي عن البغض ، وأمّا الفقرة : « إنّ عليّا ... » فأسقطها.

ومنهم : من رواها ، وأسقط كلمة « من بعدي » كالبغوي صاحب ( مصابيح السنّة ) ، وذلك لكي يكون الحديث دالا على الولاية ، لكن لا مباشرة!! ولذا قال بعضهم بصحّة الحديث ، وبدلالتها على الإمامة ، لكن في « حينها » أي بعد الخلفاء الثّلاثة!!

تأويلات وتمحّلات

وهذا الذي فعله البغوي ـ وتبعه عليه بعض من تأخّر ـ هو في الحقيقة اعتراف بصحّة الاستدلال بالحديث على الإمامة المباشرة ، لثبوت وجود لفظة « بعدي » فيه ، في الأسانيد الصّحيحة الموجودة في بعض الصحاح والمسانيد والكتب المعتبرة الأخرى.

فتأويل الحديث وحمله ـ بعد التلاعب في لفظه ـ على الإمامة والخلافة في « وقتها » ـ كما في تعبير بعضهم ـ ساقط ، بل إنّه شاهد بتمامية دلالته على ما تذهب إليه الإماميّة.

فاضطرّ بعضهم ـ كصاحب الصواعق ـ إلى أن يقول :

« وعلى تقدير الصحّة ، فيحتمل أنّه رواه بالمعنى بحسب عقيدته. وعلى فرض أنّه رواه بلفظه ، فيتعيّن تأويله على ولاية خاصّة ، نظير قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ : أقضاكم علي ».

إذن ، الحديث يدل على الإمامة والولاية بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

١١

وسلّم ، فتبطل خلافة غيره بكلّ وضوح ، وهذا ما يقتضي القول بأنّ الرّاوي كان شيعيّا فروى الحديث بالمعنى بحسب عقيدته!!

أوّلا : إذا فتحنا هذا الباب في الأحاديث المروية عن الرسول وغيره ، بطلت الشّريعة ، وتبدّل الدين الإسلامي بأصوله وفروعه ، وهذا ما لا يلتزم به مسلم!! وثانيا : من أين يثبت ابن حجر أنّ رواة هذا الحديث كلّهم شيعة ، وقد رووه بحسب العقيدة؟

وثالثا : ما ذا يقول ابن حجر في : أبي داود الطّيالسي ، وأحمد بن حنبل ، والترمذي ، والنسائي ، وأبي يعلى ، والطبري ، والطبراني ، والخطيب ، وابن عبد البرّ ، وابن حجر العسقلاني ، وجلال الدين السّيوطي ...؟ لم ينتبهوا إلى رواية الشيعي هذا الحديث « بحسب عقيدته »؟ أو كانوا شيعة مثله؟

هذا بالنسبة إلى تأويله الأول.

قال : « وعلى فرض أنّه رواه بلفظه فيتعيّن تأويله على ولاية خاصّة ».

إذن ، يدل على « الولاية » لكن « يتعيّن تأويله على ولاية خاصّة ».

فما هي « الولاية الخاصة »؟ وما هو « المخصّص »؟

لم يذكر لنا ابن حجر شيئا!! والكلام إذا كان ظاهرا في العموم والإطلاق لا يجوز رفع اليد عمّا هو ظاهر فيه إلاّ بدليل قوي ...

إذن ، التأويل غير جائز ، لأنّه بلا دليل ، وهذا ما اضطر إلى الاعتراف به فقال :

« على أنّه وإن لم يحتمل التأويل ... ».

فلما ذا « يتعيّن تأويله »؟

قال :

« فالإجماع على حقيّة ولاية أبي بكر وفرعيها ... ».

إذن ... كلّ هذه المحاولات ، كإنكار ابن تيمية أصل الحديث.

١٢

والتحريفات ، كما في رواية البخاري ، والبغوي ، ومن تبعهما ... والتمحّلات ، كما في كلمات ابن حجر المكي ... كلّ ذلك للإجماع على ولاية أبي بكر وفرعيها ، يعني : ولاية عمر وعثمان؟

فانتهى الكلام إلى هذا « الإجماع » وهو أوّل الكلام!!

نكات في الحديث

وثمّة أشياء يستخرجها الناظر في ألفاظ « حديث الولاية » الصادر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مناسبات مختلفة ، عمدتها قضيّة بعثه عليا وخالد بن الوليد على جيشين إلى اليمن ، وأنّه إذا التقيا كان علي عليه‌السلام على الجيش كلّه ، ففي ألفاظ هذا الخبر وملابساته أمور تجلب النظر وينبغي الالتفات إليها ، وتتلّخص في النقاط التالية :

١ ـ وجود أشخاص كانوا يبغضون عليا على حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول بريدة : « أبغضت عليّا لم أبغضه أحدا قط ، وأجبت رجلا من قريش لم أحبّه إلاّ على بغض علي ، فبعث الرجل على خيل ، فصحبته وما صحبته إلاّ على بغضه عليّا » وهذا الرجل هو « خالد بن الوليد » فهو الذي بعث ، وصحبه بريدة ، كما في الأحاديث الأخرى ، لكنّه هنا حيث يصرّح بالبغض لا يصرّح بالاسم!!

٢ ـ ثمّ إنّ هؤلاء كانوا ينتهزون الفرص للنيل من علي عند رسول الله ، ولذا لمّا أخذ علي الجارية من الخمس ، قال خالد لبريدة : « اغتنمها » وكتب بذلك إلى النبيّ ، وجعل بريدة يشيع الخبر في المدينة المنوّرة فقيل له ـ ولم ترد في الخبر أسماء القائلين ـ : « أخبره حتى يسقط من عينه »!!

٣ ـ فلمّا أخبر بريدة ـ هو وجماعة سيّرهم خالد معه ـ النبيّ بما صنع علي ، وجعل ينال منه ، وقرأ عليه كتاب خالد وجعل يصدّقه ، غضب رسول الله

١٣

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضبا شديدا ، وقال « دعوا عليا ، دعوا عليا ، دعوا عليا » وخاطب بريدة بقوله : « أتبغض عليا؟ قال : نعم. قال : فلا تبغضه » قال بريدة : « فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله أحبّ إليّ من علي » فتاب بريدة ، أمّا عن خالد والجماعة الآخرين فلا نعرف عن رجوعهم عن البغض شيئا ، بل إنّ الحوادث التي تلت وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكّدت استمراره على البغض والعداء!!

٤ ـ وجاء في الخبر أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لبريدة : « أنا فقت يا بريدة »؟ أي : إنّ بغض علي عليه‌السلام علامة النفاق ، وهذا ما جاءت به الأحاديث الصحيحة الكثيرة ، فاستغفر بريدة وأخذ يد النبيّ وقال : « أبايعك على الإسلام » ممّا يدل على أنّ بغض علي خروج عن الإسلام ... وبهذا تعرف حال خالد والجماعة الذين حرّضوا بريدة على الشكاية من علي عند النبيّ حتى « يسقط من عينه »!

٥ ـ وقد ذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الأخبار أنّ عليّا إنّما « يفعل ما يؤمر به ».

ودلالة هذه العبارة على علوّ مقامه غير خافية.

علي الحسيني الميلاني

٢٥ / ١ / ١٤١٦

١٤

كلمة السيّد صاحب العبقات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحميد الحكيم العلي ، الذي جعل الوصي وليّ المؤمنين بعد النبيّ ، وأنالهما وآلهما كلّ مقام سنيّ ، فحبّهم عنوان طيب الزكيّ وبغضهم علامة خبث الدّعي ، وصلّى الله على النبيّ الصفيّ وآله الكرام المخصوصين بالفضل الوضيّ.

وبعد ، فيقول العبد الضعيف الدني : حامد حسين ابن العلاّمة السيّد محمّد قلي الموسوي ـ بعثه الله يوم الرّوع بالوجه المشرق البهيّ ـ :

إنّ هذا هو المجلّد الثالث من المنهج الثاني من كتاب عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار.

وهذا المجلّد موضوع لذكر الحديث الثالث من الأحاديث التي ذكرها صاحب ( التحفة ) في باب الإمامة ، وحصر فيها استدلال أهل الحق والكرامة ، جسارة وقلّة اكتراث بالسّلامة ، والله وليّ التوفيق والصّيانة ، وبه الاستعانة وإليه الضّراعة والاستكانة.

١٥

كلام الدّهلوي

قال المحدّث الشيخ عبد العزيز الدهلوي :

« الحديث الثالث : ما رواه بريدة مرفوعا أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال :

إنّ عليا مني وأنا من علي وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي.

وهو حديث باطل. لأنّ في إسناده « الأجلح ». وهو شيعي متّهم في روايته ، وقد ضعّفه الجمهور ، فلا يجوز الاحتجاج بروايته.

وأيضا « الولي » من الألفاظ المشتركة ، فما الموجب لأن يكون المراد منه هو « الأولى بالتصرّف »؟

وأيضا : فإنّه غير مقيّد بوقت ، وهذا مذهب أهل السنة ، فإنّ حضرة الأمير كان الإمام المفترض الطّاعة في وقت من الأوقات بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم » (١).

__________________

(١) التحفة الإثنا عشرية : ٢١١.

١٦

مقدّمة

في بيان شناعة إنكار

فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام

أقول : لقد سوّلت لهذا الرّجل نفسه لأن يسعى وراء إنكار فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام بكلّ جهده ، فما من فضيلة من تلك الفضائل التي أوردها في كتابه إلاّ وطعن فيها أو ناقش في دلالتها ... ففي ( حديث الغدير ) و ( حديث المنزلة ) ضعّف دلالتهما على مقصود الإماميّة ، وهو ـ وإن لم يبطلهما كما فعل بعض أسلافه المتعصّبين ـ قد سكت عن ذكر تعدّد طرق حديث الغدير وصحته فضلا عن تواتره ، وعن ذكر تواتر حديث المنزلة كذلك ... وحاول تأويل هذين الحديثين وتوجيههما ، تأويلا وتوجيها ( كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ).

لكنّه وجد هذا الحديث ـ بسبب لفظ « بعدي » ـ أقوى دلالة ، فلم يتمالك نفسه ، فاتّبع أسلافه المعاندين وقال ببطلانه!

وكذا فعل في ( حديث الطير ) وحديث ( أنا مدينة العلم وعليّ بابها ) لمّا وجدهما قويّين في الدلالة على مذهب الإمامية ، فلم يستح من ردّهما وتكذيبهما ، مع أن والده من القائلين بثبوتهما!

وهكذا كان موقفه من ( حديث التشبيه ) و ( حديث النور ) اللذين يرويهما أكابر قومه بل والده أيضا من القائلين بثبوت أوّلهما ...

وهذا هو السبيل الذي سلكه في ( المنهج الأول ) بالنسبة إلى الآيات القرآنية ، فكان أول ما بدأ به القدح في رواية نزول قوله تعالى : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... ) بشأن سيدنا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، هذه الرواية التي

١٧

أخرجها كبار علماء الحديث والتفسير في كتبهم المعتمدة وأسفارهم المعتبرة ... فادّعى تفرّد الثعلبي بها ... ثم قدح في رواياته ونسب ذلك إلى المحدّثين من أهل السنة قاطبة! ووصف الثعلبي نفسه بأنّه حاطب ليل لا يفرّق بين الرّطب واليابس ...! مع أنّ الثعلبي يعدّ من أجلّة علمائهم ، كما لا يخفى على من يراجع كتبهم ، ومنها ( إزالة الخفا في سيرة الخلفا ) لوالد ( الدهلوي ) ... كما أنّ دعوى تفرده بهذه الرّواية من الأكاذيب الواضحة الفاضحة ...

وعلى الجملة ، فهذا أسلوب هذا الرّجل في كتابه ، إنّه لم يترك دليلا من الأدلة الدالّة على مذهب الإمامية ، الواردة في كتب أهل السنة المعتبرة على لسان كبار علمائهم الاعلام ، إلاّ وقابله بالتكذيب والردّ والتعصّب والعناد ... ومن ذلك هذا الحديث الشّريف ... الذي سيرى المنصف طرفا من أسانيده ، وسيجده من جلائل فضائل أمير المؤمنين الثابتة بالأخبار الصحيحة ، وسيظهر له مدى تمادي ( الدهلوي ) في البغضاء والشحناء ...

كلام لأبي جعفر الإسكافي

ولأجل أن يتبيّن فظاعة إنكار مناقب أمير المؤمنين وشناعة إبطال فضائله ننقل في هذا المقام كلاما لأبي جعفر الإسكافي قاله في جواب قول الجاحظ :

« قالت العثمانية : أفضل الامة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة ، لإسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد في عصره ، وذلك أن الناس اختلفوا في أوّل الناس إسلاما فقال قوم : أبو بكر. وقال قوم : زيد بن حارثة. وقال قوم : خبّاب بن الأرت.

وإذا تفقدنا أخبارهم وعدّدنا رجالهم ونظرنا في صحة أسانيدهم كان الخبر في تقدم إسلام أبي بكر أعم ورجاله أكثر وأسانيده أصح ، وهو بذاك أشهر

١٨

واللفظ فيه أظهر ، مع الأشعار الصحيحة والأخبار المستفيضة في حياة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وبعد وفاته ، وليس بين الأشعار والأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها التساعد والاتّفاق والتواطؤ.

ولكن ندع هذا المذهب جانبا ونضرب عنه صفحا اقتدارا على الحجة ، ووثوقا بالفلج والقوة ، وتقتصر على أدنى منازل أبي بكر وننزل على حكم الخصم فنقول :

إنّا وجدنا من يزعم أنّه أسلم قبل زيد وخباب ، ووجدنا من يزعم أنّهما أسلما قبله ، وأوسط الأمور أعدلها وأقربها من محبّة الجميع ورضا المخالف أن نجعل إسلامهم كان معا ، إذ الأخبار متكافئة والآثار متساوية على ما يزعمون ، وليست إحدى القضيتين أولى في صحة النقل من الأخرى.

ويستدل على إمامة أبي بكر بما ورد من الحديث ، وبما أبانه به الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من غيره ...

قالت العثمانية : فإن قال قائل : فما بالكم لم تذكروا علي بن أبي طالب في هذه الطبقة؟ وقد تعلمون كثرة مقدّميه والرّواية فيه؟

قلنا : قد علمنا بالرّواية الصحيحة والشهادة القائمة أنّه أسلم وهو حدث غرير وطفل صغير ، فلم نكذّب النّاقلين ولم نستطع أن نلحق إسلامه بإسلام البالغين ، لأنّ المقلّل زعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين ، والمكثر زعم أنّه أسلم وهو ابن تسع سنين ، فالقياس أن يؤخذ بالأوسط بين الروايتين وبالأمر بين الأمرين ، وإنّما يعرف حق ذلك من باطله بأن يحصى سنّيه التي ولي فيه الخلافة ، وسنيّ عمره ، وسنّي عثمان ، وسني أبي بكر ، ومقام النبيّ بالمدينة ومقامه بمكّة عند إظهار الدعوة ، فإذا فعلنا ذلك صحّ أنّه أسلم وهو ابن سبع سنين. فالتاريخ المجمع عليه أنّه قتل في شهر رمضان سنة أربعين » (١).

__________________

(١) العثمانية : ٥.

١٩

فقال أبو جعفر الإسكافي في جوابه :

« لو لا ما غلب على الناس من الجهل وحبّ التقليد لم نحتج إلى نقض ما احتجّت به العثمانيّة ، فقد علم الناس كافّة : أنّ الدولة والسلطان لأرباب مقالتهم ، وعرف كلّ أحد أقدار شيوخهم وعلمائهم وامرائهم وظهور كلمتهم وقهر سلطانهم وارتفاع التقيّة عنهم ، والكرامة والجائزة لمن روى الأخبار والأحاديث في فضل أبي بكر ، وما كان من تأكيد بني أمية لذلك ، وما ولّده المحدّثون من الأحاديث ، طلبا لما في أيديهم.

فكانوا لا يألون جهدا ـ في طول ما ملكوا ـ أن يخملوا ذكر علي وولده ، ويطفئوا نورهم ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم ، ويحملوا الناس على شتمهم وسبّهم ولعنهم على المنابر ، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم ، فكانوا بين قتيل وأسير وشريد وهارب ومستخف ذليل وخائف مترقب.

حتى أنّ الفقيه والمحدّث والقاصّ والمتكلّم ليتقدّم إليه ويتوعّد بغاية الإيعاد وأشدّ العقوبة أن لا يذكروا شيئا من فضائلهم ، ولا يرخّصوا لأحد أن يطيف بهم ، حتى بلغ من تقيّة المحدّث أنّه إذا ذكر حديثا عن علي كنّى عن ذكره فقال : قال رجل من قريش ، وفعل رجل من قريش. ولا يذكر عليا ولا يتفوّه باسمه.

ثمّ رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله ، ووجّهوا الحيل والتأويلات نحوها ، من خارجي مارق ، وناصب حنق ، ونابت مستبهم ، وناشئ معاند ، ومنافق مكذب ، وعثماني حسود يعترض فيها ويطعن ، ومعتزلي قد نفذ في الكلام وأبصر علم الاختلاف وعرف الشبه ومواضع الطعن وضروب التأويل ، قد التمس الحيل في إبطال مناقبه ، وتأوّل مشهور فضائله ، فمرة يتأوّلها بما لا يحتمل ، ومرة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض ، ولا تزداد مع ذلك إلاّ قوة ورفعة ووضوحا واستنارة.

٢٠