نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ٤

السيّد علي الحسيني الميلاني

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - ج ٤

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: المؤلّف
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٥١
  نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين.

٣
٤

إهداء

الى حامل لواء الامامة الكبرى والخلافة العظمى

ولى العصر المهدى المنتظر الحجّة ابن الحسن العسكري أرواحنا فداه

يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ

وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ

وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ

علي

٥
٦

حديث السفينة

ومن ألفاظه :

« ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك ».

أخرجه أحمد

٧
٨

كلمة المؤلّف

لا ريب في أن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حريصا على أن تبقى شريعته وتثمر جهوده.

ولا ريب أيضا في أنه كان حريصا على أمته ورءوفا بهم.

فهذه مقدمة ... لا مناقشة فيها لأحد من المسلمين ...

ومقدمة أخرى : إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على علم بما سيكون في أمته ... ولا بدّ من أن يكون النبي كذلك ... والأحاديث الواردة عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تؤكّد ذلك.

لقد ثبت عنه واشتهر أنه قال : « افترقت أمّة موسى بعد نبيّها على إحدى وسبعين فرقة ، واحدة منها ناجية والباقون في النار ، وافترقت أمّة عيسى بعد نبيّها على اثنتين وسبعين فرقة ، واحدة منها ناجية والباقون في النار. وستفترق أمّتي بعدي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة منها ناجية والباقون في النار ».

وعلى ضوء هاتين المقدمتين نقول : ما ذا يكون موقف النبي الحريص على بقاء شريعته ونجاة أمّته ، وهو يعلم بافتراقها ويخبر عن أنّه لا ينجو من الأمة إلاّ

٩

فرقة واحدة؟

وهل يتصوّر منه إلاّ تعيين الفرقة الناجية؟

وفعلا ... عيّن الفرقة الناجية ...

عيّنها بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركب فيها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ».

فالفرقة الناجية من الأمة هي الراكبة في سفينة أهل البيت.

فمن الرّاكب في هذه السفينة؟

هل الذين قتلوا أهل البيت وأهانوهم وأعرضوا عن أقوالهم ، أو الذين أخذوا عنهم معالم الدين ، وتابعوهم في الأصول والفروع ، وتفانوا من أجلهم وضحّوا في سبيلهم؟

لم يتمكّن أهل السنّة ـ إلاّ الشاذّ النادر منهم ـ من إنكار أصل حديث السفينة وصدوره من النبي الكريم ... كما لا رواج لمناقشة بعضهم في دلالته في سوق الاعتبار عند أهل النظر ... ولأجل ما ذكرنا ... عمد بعضهم كابن حجر المكي وعبد العزيز الدهلوي إلى دعوى أن أهل السنة هم الشيعة لأهل البيت ، ولكنها دعوى تضحك الثكلى كما لا يخفى.

هذا ، ولو لا ثبوت هذا الحديث ودلالته الواضحة على حكم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه بالنجاة على الفرقة التي تتمسك بأهل البيت عليهم‌السلام ، وبالهلاك على كلّ فرقة تخالفهم في الأصول والفروع ... لما كان ذاك الاهتمام البالغ من سيدنا أبي ذر رضي‌الله‌عنه ـ هذا الشيعي المتفاني في سبيل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، الذي يدور الحق معه حيثما دار ولا يفترقان ـ بنشر هذا الحديث ، وإذاعته بين المسلمين ، وإعلامه بسماعه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخذا بباب الكعبة ، معرّفا بنفسه إلى الناس ، رافعا عقيرته قائلا : « أيها النّاس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة ... إني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ...

١٠

هذا الكتاب

وهذا هو الجزء الرّابع من كتابنا ( نفحات الازهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار ) وموضوعه حديث السفينة ( وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ في أحد ألفاظه ـ : مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك ) سندا ودلالة ، وهو يشتمل على البحث في ثلاث جهات :

الأولى : جهة السند ، وقد التزم في هذه الجهة جانب الاختصار ، وذلك لأنّ ( الدهلوي ) صاحب كتاب ( التحفة الإثنا عشرية ) المردود عليه لم يتطرّق إلى هذه الجهة بالنسبة إلى حديث السفينة ، وكأنه يذعن بصحّته ـ في الأقل ـ. لكنّ بعض أسلافه المتعصبين ، وهو ابن تيمية الحرّاني ـ كابر في هذه الجهة أيضا قائلا في الردّ على العلاّمة الحلي رحمه‌الله : « وأمّا قوله : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح. فهذا لا يعرف له إسناد أصلا ، صحيح ولا ضعيف ، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها ، وإن كان قد رواه من يروي أمثاله من حطّاب الليل الذين يروون الموضوعات ، فهذا ممّا يزيده وهنا وضعفا ».

فلم يكن بدّ من البحث في هذه الجهة ـ ولو باختصار ـ لغرض إثبات تواتر هذا الحديث وشهرته ـ فضلا عن صحّته ـ وأن له أسانيد صحيحة في كتب الحديث التي يعتمد عليها ، ليظهر بطلان دعوى ابن تيمية ويتبيّن كذبه أو جهله بهذه الحقيقة الراهنة.

فإذا لم يكن ( فضائل علي لأحمد ) و ( المستدرك على الصحيحين ) و ( تهذيب الآثار ) و ( مسند أبي يعلى ) و ( مسند البزار ) و ( المعجم الصغير ) و ( مشكاة المصابيح ) و ( المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ) وأمثالها « من كتب الحديث التي يعتمد عليها » فأيّ كتاب عندهم يعتمدون عليه؟!

وإذا كان ( الأعمش ) و ( أبو إسحاق السبيعي ) و ( مسلم بن الحجاج )

١١

و ( الشافعي ) و ( الطبراني ) و ( الدارقطني ) و ( أبو داود ) و ( أحمد بن حنبل ) و ( البزار ) و ( الطبري ) و ( الحاكم ) و ( أبو نعيم الأصفهاني ) و ( الخطيب البغدادي ) و ( ابن حجر العسقلاني ) وأمثالهم « من حطاب الليل الذين يروون الموضوعات » فمن هو المحدّث الذي يعتمدون عليه؟!

الثانية : جهة الدّلالة ـ حيث جاء ذكر بعض وجوه دلالة ( حديث السفينة ) على ( إمامة علي عليه‌السلام ) بايجاز. الثالثة : جهة الردّ على ( الدهلوي ) ـ حيث تمّ الردّ على مناقشة هذا الرجل وغيره في دلالة هذا الحديث على الإمامة جملة وتفصيلا ، والجواب عنها من شتّى جوانبها.

فالحمد لله على أن وفقنا لإتمام الحجة وإيضاح المحجة ، وإنارة السبيل وإثبات الحق.

ونسأله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى ، إنه سميع مجيب.

علي الحسيني الميلاني

١٢

كلام الدهلوي حول حديث السفينة

إنّ ( الدهلوي ) بعد أن ناقش في دلالة حديث الثقلين عطف عليه حديث السفينة قائلا :

« وكذلك حديث : « مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » فإنه لا يدلّ إلاّ على حصول الفلاح والهداية بحبّهم وببركة اتّباعهم ، وأن التخلّف عن حبّهم موجب للهلاك.

وهذا المعنى ـ بفضل الله تعالى ـ يختص من بين جميع الفرق الإسلامية بأهل السنّة ، لأنهم المتمسكون بحبل وداد أهل البيت كلّهم ، حسب ما جاء به القرآن : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) وموقفهم من أهل البيت هو نفس الموقف من الأنبياء ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) من دون أن يؤمنوا ببعضهم ويعادوا البعض الآخر.

بخلاف الشيعة ، إذ لا يوجد من بينهم فرقة تحب أهل البيت جميعا ، فبعضهم يوادّون طائفة ويبغضون الباقين ، والبعض الآخر على العكس.

أمّا أهل السنّة فليسوا كذلك ، بل إنهم يروون أحاديث الجميع ويستندون إليها ، كما تشهد بذلك كتبهم في التفسير والحديث والفقه. وإذا كان الشيعة لا يعتبرون كتب أهل السنة فبما ذا يجيبون عن الأحاديث الواردة عن الشيعة ـ سواء

١٣

في العقائد الإلهية والفروع الفقهية ـ الموافقة لأهل السنة كما سيأتي في هذا الكتاب؟

ولبعض علماء الشيعة في هذا المقام تأويل خدّاع ، لا بدّ من ذكره وتفنيده قال : إن تشبيه أهل البيت بالسفينة في هذا الحديث يقتضي أن لا يكون حب جميع أهل البيت واتّباعهم ضروريا في النجاة والفلاح ، فإن من يستقر في زاوية واحدة من السفينة ينجو من الغرق بلا ريب ، بل إن التنقل من مكان إلى مكان في السفينة ليس أمرا مألوفا. فالشيعة لتمسكهم ببعض أهل البيت ناجون ، ولا يرد عليهم طعن أهل السنة في ذلك.

أما الجواب عن هذا الكلام فيكون على نحوين.

الأول بطريق النقض : فالإمامية في هذه الصورة يجب أن لا يعتبروا الزيدية والكيسانية والناووسية والفطحية منحرفين ، بل هم مهتدون ، لأن كلا منهم قد استقر في زاوية من هذه السفينة الكبيرة ، ويكفي الاستقرار في زاوية واحدة منها للنجاة من الغرق ، بل على هذا يبطل النص على الأئمة الاثني عشر أيضا ، لأنّ كلّ زاوية من السفينة كافية في الإنجاء من أمواج البحر ، والإمام هو من يوجب اتباعه النجاة في الآخرة ، فبهذا يبطل مذهب الإثني عشرية بل طوائف الإمامية بأسرها.

وإذا ادّعى الزيدية ما ادّعاه الاثنا عشرية أجيبوا بنفس الجواب ، فلا يصلح لأيّة فرقة من فرق الشيعة التقيّد بمذهب معيّن لها ، ولازم ذلك اعتبار جميع المذاهب على صواب ، في حين أن التناقض قائم بين هذه المذاهب ، وأن اعتبار كلا الجانبين المتناقضين حقا يؤدّي إلى اجتماع النقيضين في غير الاجتهاديات ، وهو مستحيل قطعا.

والثاني بطريق الحل : فإن الاستقرار في زاوية من زوايا السفينة ، إنما يضمن النجاة من الغرق في البحر بشرط أن لا تثقب زاوية منها ، فإذا اقترن الجلوس في زاوية مع إثقاب الأخرى فإنّ ذلك سوف يؤدّي إلى الغرق حتما. وما

١٤

من فرقة من فرق الشيعة إلاّ وهي مستقرة في زاوية وهي تثقب الزاوية أو الزاويات الأخرى.

أجل ، فإن أهل السنة مهما تنقلوا في الزوايا المختلفة من السفينة ، فإنّ سفينتهم عامرة ، لأنهم لا يثقبون منها زاوية أصلا ، حتى يتسرب الموج من ذلك الجانب ويؤدّي بهم إلى الغرق. والحمد لله.

وبهذا يتمّ لأهل السنة إلزام النواصب في إنكارهم لهذين الحديثين ( حديث الثقلين ، وحديث السفينة ) حيث ناقشوا في صحتهما بالدليل العقلي ، فقالوا : إن مفاد هذين الحديثين هو التكليف بالممتنع عقلا ، وهو محال بالبداهة ، ذلك : لأنه إذا وجب التمسك بأهل البيت جميعهم ـ مع ما هم عليه من الاختلاف في الأصول والفروع ـ كان مستلزما للتكليف بالجمع بين النقيضين. وهو محال.

وإذا وجب التمسك ببعض أهل البيت فإمّا أن يكون البعض معيّنا أو لا ، فعلى الأول يلزم الترجيح بلا مرجح ، خصوصا مع وجود الاختلاف بين القائلين بذلك ، في تأكيد النص لصالحهم. وعلى الثاني : يلزم تجويز العقائد المختلفة والشرائع المتفاوتة في الدين الواحد من الشارع ، في حين أن قوله تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) صريح في خلاف ذلك. مضافا إلى استحالته بضرورة الدين.

ولا تستطيع أية فرقة من فرق الشيعة أن تخدش في دليل هؤلاء النواصب الأشقياء إلاّ عن طريق مذهب أهل السنة ».

١٥
١٦

سند حديث السفينة

١٧
١٨

إن من المناسب قبل الخوض في الردّ على مناقشة ( الدهلوي ) في دلالة حديث السفينة على الامامة أن نثبت هذا الحديث الشريف سندا ، ردّا على بعض المتعصبين ممّن نسبوا أنفسهم إلى السنة.

ثم نذكر بعض وجوه دلالته على مطلوب أهل الحق ، وهو إمامة أهل البيت عليهم‌السلام وخلافتهم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ببيان موجز.

ثم نشرع في نقض كلمات ( الدهلوي ) وتفنيد مزاعمه ومناقشاته في دلالة حديث السفينة.

ومن العجيب أن ( الدهلوي ) لم يطعن في سند حديث السفينة تبعا لبعض أسلافه ، ألا ترى إلى ابن تيمية الحراني وتعنته في هذا المقام كسائر الموارد ، إذ طعن في سند هذا الحديث ، وزعم أنه لا يعرف له إسناد أصلا ، صحيح ولا ضعيف!! لقد قال هذا المتعصب العنيد : « أما قوله : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح. فهذا لا يعرف له إسناد أصلا صحيح ولا ضعيف ، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها ، وإن كان قد رواه من يروي أمثاله من حطاب الليل الذين يروون الموضوعات فهذا مما يزيده وهنا وضعفا! » (١).

ولا يخفى بطلان هذا الكلام وهوانه على ذوي البصيرة والخبرة بالأحاديث ،

__________________

(١) منهاج السّنة ٤ / ١٠٥.

١٩

ولكنّا نذكر في ( الجهة الأولى ) من الكتاب أسماء طائفة من أئمة أهل السنة وكبار حفّاظهم ومشاهير علمائهم في جميع الطبقات وعبر القرون ، قد رووا حديث السفينة بطرق متكاثرة وأسانيد متضافرة ، إلى التابعين عن صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٢٠