التفسير الوسيط للقرآن الكريم - ج ٣

الدكتور محمد سيد طنطاوي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم - ج ٣

المؤلف:

الدكتور محمد سيد طنطاوي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
ISBN: 977-14-0524-1
الصفحات: ٤٢٢

١
٢

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٢٧)

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدّمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

وبعد : فإن خير ما اشتغل به العقلاء ، هو خدمة كتاب الله ـ تعالى ـ ، الذي أنزله ـ سبحانه ـ على قلب نبيه محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور.

ولقد عنى المسلمون منذ فجر الإسلام عناية كبرى بشأن القرآن الكريم. وقد شملت هذه العناية جميع نواحيه ، وأحاطت بكل ما يتصل به ، وكان لها آثارها المباركة النافعة التي استفاد منها كل مظهر من مظاهر النشاط الفكرى والعملي عرفه الناس في حياتهم الروحية والمادية.

وكان من أبرز مظاهر هذه العناية بشأن القرآن الكريم ، الاشتغال بتفسيره وتأويله على قدر الطاقة البشرية.

ولقد سبق لي أن كتبت تفسيرا وسيطا لسور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران.

ويسعدني أن أتبع ذلك بتفسير لسورة النساء ، حاولت فيه أن أكتب عما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من هدايات جامعة ، وتشريعات حكيمة وتوجيهات رشيدة ، وآداب سامية ، من شأنها أن توصل المتمسكين بها إلى طريق السعادة في دنياهم وآخرتهم.

وقبل أن أبدأ في تفسير آيات هذه السورة الكريمة بالتفصيل والتحليل. رأيت من الخير أن أسوق بين يديها تعريفا بها ، يتناول زمان نزولها ، وعدد آياتها ، وسبب تسميتها بهذا الاسم ، ومناسبتها لما قبلها ، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.

والله نسأل أن يوفقنا لخدمة كتابه ، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

محمد سيد طنطاوى

شيخ الأزهر

٥
٦

تمهيد بين يدي السورة

١ ـ سورة النساء هي الرابعة في ترتيب المصحف. فقد سبقتها سورة الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران.

ويبلغ عدد آياتها خمسا وسبعين ومائة آية عند علماء الحجاز والبصريين ، ويرى الكوفيون أن عدد آياتها ست وسبعون ومائة آية ، لأنهم عدوا قوله ـ تعالى ـ (أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) آية.

ويرى الشاميون أن عدد آياتها سبع وسبعون ومائة آية ، لأنهم عدوا قوله ـ تعالى ـ (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً) آية.

كما أنهم وافقوا الكوفيين في أن قوله ـ تعالى ـ (أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) آية.

أما علماء الحجاز والبصريون فيرون أن ما ذكره الكوفيون والشاميون إنما هو جزء من آية وليس آية كاملة.

٢ ـ وسورة النساء من السور المدنية. وكان نزولها بعد سورة الممتحنة ويؤيد أنها مدنية ما رواه البخاري عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت : «ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم».

ومن المتفق عليه عند العلماء أن دخوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على عائشة كان بعد الهجرة. وروى العوفى عن ابن عباس أنه قال : نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت.

قال الآلوسى : «وزعم بعض الناس أنها مكية. مستندا إلى أن قوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ...) نزلت بمكة في شأن مفتاح الكعبة. وتعقبه السيوطي بأن ذلك مستند واه ، لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات بمكة ، من سورة طويلة ، نزل معظمها بالمدينة ، أن تكون مكية. خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني. ومن راجع أسباب نزولها عرف الرد عليه» (١).

والحق ، أن الذي يقرأ سورة النساء من أولها إلى آخرها بتدبر وإمعان ، يرى في أسلوبها وموضوعاتها سمات القرآن المدني. فهي زاخرة بالحديث عن الأحكام الشرعية : من عبادات ومعاملات وحدود. وعن علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم. وعن أحوال أهل الكتاب

__________________

(١) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ١٧٨ طبعة منير الدمشقي.

٧

والمنافقين ، وعن الجهاد في سبيل الله. إلى غير ذلك من الموضوعات التي يكثر ورودها في القرآن المدني.

ومن هنا قال القرطبي : «ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها» (١).

٣ ـ سورة النساء سميت بهذا الاسم ؛ لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر مما نزل في غيرها.

وكثيرا ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الكبرى» تمييزا لها عن سورة أخرى عرضت لبعض شئون النساء وهي «سورة الطلاق» التي كثيرا ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الصغرى».

٤ ـ ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة آل عمران التي قبلها : أن سورة آل عمران اختتمت بالأمر بالتقوى في قوله ـ تعالى ـ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وسورة النساء افتتحت بالأمر بالتقوى. قال ـ تعالى ـ : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ).

قال الآلوسى : «وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور. وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر : تشابه الأطراف. وقوم يسمونه بالتسبيغ. وذلك كقول ليلى الأخيلية :

إذا نزل الحجاج أرضا مريضة

تتبع أقصى دائها فشفاها

شفاها من الداء العضال الذي بها

غلام إذا هز القناة رواها

رواها فأرواها بشرب سجالها

دماء رجال حيث نال حشاها (٢)

ومنها أن في سورة آل عمران تفصيلا لغزوة أحد. وفي سورة النساء حديث موجز عنها في قوله ـ تعالى ـ : (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا).

وكما في قوله ـ تعالى ـ : (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ).

ومنها : أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب ، وبيانا لأحوال المنافقين ، وتفصيلا لأحكام القتال.

ومن أمعن نظره ـ كما يقول الآلوسى ـ وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها. فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك».

__________________

(١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ١. طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٥٦ ه‍. سنة ١٩٣٧ م.

(٢) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ١٧٨.

٨

٥ ـ ومن الآثار التي وردت في فضل سورة النساء ، ما رواه قتادة عن ابن عباس أنه قال :

ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.

أولهن : (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ).

والثانية : (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ. وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً).

والثالثة : (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً).

والرابعة : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها).

والخامسة : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ).

والسادسة : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ).

والسابعة : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ).

والثامنة : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) (١).

وكأن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قد نظر إلى ما تدل عليه هذه الآيات الكريمة من فضل الله على عباده. ورحمة بهم ، وفتح لباب التوبة والمغفرة في وجوههم ، وإلا فإن القرآن كله بكل سوره وآياته خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.

٦ ـ هذا ، وسورة النساء تعتبر أطول سورة مدنية بعد سورة البقرة. وإنك لتقرؤها بتدبر وتفهم فتراها قد اشتملت على مقاصد عالية ، وآداب سامية. وتوجيهات حكيمة ، وتشريعات جليلة.

تراها تنظم المجتمع الإسلامى تنظيمة دقيقا قويما ، يؤدى اتباعه إلى سعادة المجتمع واستقراره داخليا وخارجيا.

فأنت تراها في مطلعها تحض الناس على تقوى الله والخشية منه ، وتبين الارتباط الإنسانى الجامع الذي تلتقي عنده البشرية جميعا.

قال ـ تعالى ـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً).

وإذا كان الناس جميعا ينتهون إلى أصل واحد ، فإن هذا الاتحاد يقتضى منهم أن يكونوا

__________________

(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٤٤٨ ، طبعة عيسى الحلبي.

٩

متراحمين متعاطفين ، ومن أبرز مظاهر التراحم ، الأخذ بيد الضعفاء ومعاونتهم في كل ما يحتاجون إليه.

لذا نجد السورة الكريمة بعد أن تفتتح بأمر الناس بتقوى الله ، تتبع ذلك بالأمر بالإحسان إلى اليتامى ـ الذين هم أوضح الضعفاء مظهرا ـ في خمس آيات في الربع الأول منها.

وهذه الآيات هي قوله ـ تعالى ـ : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ).

وقوله ـ تعالى ـ : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ).

وقوله ـ تعالى ـ : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ).

وقوله ـ تعالى ـ : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ).

وقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً).

ولم تكتف السورة الكريمة في أوائلها بالحض على الإحسان إلى اليتامى ، بل حضت ـ أيضا ـ على الإحسان إلى النساء ، وإعطائهن حقوقهن كاملة.

ثم تراها بعد ذلك في الربع الثاني منها تتحدث عن التوزيع المالى للأسرة عند ما يموت واحد منها ، وتضع لهذا التوزيع أحكم الأسس وأعدلها وأضبطها وتبين أن هذا التوزيع حد من حدود الله التي يجب التزامها وعدم مخالفتها.

قال ـ تعالى ـ : (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ، وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ).

ثم تحدثت السورة الكريمة عن حكم النسوة اللاتي يأتين الفاحشة ، وعن التوبة التي يقبلها الله ـ تعالى ـ ، والتوبة التي لا يقبلها. ووجهت نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه عن أخذ شيء من حقوق النساء ، وأمرتهم بحسن معاشرتهن ، كما نهتهم عن نكاح أنواع معينة منهن ، لأن نكاحهن يتنافى مع شريعة الإسلام وآدابه.

قال ـ تعالى ـ : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً).

ثم تراها في الربع الثالث منها تتحدث عن المحصنات من النساء وعن حقوقهن ، وبينت للناس أن الله ـ تعالى ـ ما شرع هذه الأحكام القويمة إلا لمصلحتهم ومنفعتهم.

١٠

استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى هذا المعنى فتقول : (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً).

ثم صرحت السورة الكريمة بأن للرجال القوامة على النساء ، وذكرت ضروب التأديب التي يملكها الرجل على زوجته ، وكلها من غير قسوة ولا شذوذ ولا طغيان ، ودعت أهل الخير إلى الإصلاح بين الزوجين إذا ما نشب بينهما نزاع أو شقاق.

قال ـ تعالى ـ : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما ، إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً).

وبعد أن فصلت السورة الكريمة الحديث عما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ، وبين أفراد الأسرة ، انتقلت في الربع الرابع منها إلى بيان العلاقة بين العبد وخالقه ، وأنها يجب أن تقوم على إخلاص العبادة له ـ سبحانه ـ كما يجب على المسلم أن يجعل علاقته مع والديه ومع أقاربه ومع اليتامى والمساكين. وغيرهم ، قائمة على الإحسان وعلى التعاطف والتراحم.

ثم توعدت السورة الكريمة من يشرك بالله ، ويخالف أوامره بالعذاب الأليم. وبينت أن الكافرين سيندمون أشد الندم على كفرهم يوم القيامة ولكن ندمهم لن ينفعهم ، لأنه جاء بعد فوات الأوان.

قال ـ تعالى ـ (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ ، لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً).

ثم شنت السورة الكريمة حملة عنيفة على اليهود الذين كانوا يجاورون المؤمنين بالمدينة ، والذين كانوا (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا) والذين كانوا ينطقون بالباطل ويشهدون الزور عن تعمد وإصرار ، وقد بينت السورة الكريمة أن حسدهم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذي دفعهم إلى افتراء الكذب على الله ـ تعالى ـ وأنهم قد طردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وعنادهم وإيذائهم لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم.

قال ـ تعالى ـ : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً).

١١

ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك في الربع الخامس منها : الأساس الذي يقوم عليه الحكم في الإسلام ، فذكرت أن العدل والأمانة هما الدعامتان الراسختان اللتان يقوم عليهما الحكم في الإسلام. ووجهت إلى المؤمنين نداء أمرتهم فيه بطاعة الله وطاعة رسوله وأولى الأمر منهم ، كما أمرتهم بأن يردوا كل تنازع يحصل بينهم إلى ما يقضى به كتاب الله وسنة رسوله ، لأن التحاكم إلى غيرهما لا يليق بمؤمن.

ثم أخذت السورة الكريمة في توبيخ المنافقين الذين يزعمون أنهم مؤمنون ومع ذلك (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ). وأمرت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بزجرهم وبالإعراض عنهم ، وأخبرته بأنهم لا إيمان لهم ما داموا لم يرتضوا حكمه.

قال ـ تعالى ـ : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

وبعد هذا التهديد والتوبيخ للمنافقين ، ساقت السورة الكريمة البشارات السارة للمؤمنين الصادقين فقالت : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً).

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الجهاد في سبيل الله ، لأن الحق يجب أن يكون هو السائد في الأرض ولأن المؤمن لا يليق به أن يستسلم للأعداء ، بل عليه أن يجاهدهم وأن يغلظ عليهم حتى تكون كلمة الله هي العليا.

لذا نجد السورة الكريمة توجه إلى المؤمنين نداء تأمرهم فيه بالحذر وأخذ الأهبة لقتال أعدائهم ، وتحرضهم على هذا القتال للأعداء ، بأقوى ألوان التحريض وأحكمها.

فأنت تراها في الربع السادس منها تأمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله ، وتبشر هؤلاء المقاتلين بأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين ، (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).

وتستبعد أن يقصر المؤمنون في أداء هذا الواجب ، لأن تقصيرهم يتنافى مع إيمانهم ، (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) وتبين لهم أن قتالهم إنما هو من أجل إعلاء كلمة الله ، وقتال أعدائهم لهم إنما هو من أجل إعلاء كلمة الطاغوت.

(الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً).

١٢

وتضرب لهم الأمثال بسوء عاقبة الذين جبنوا عن القتال حين كتب عليهم وقالوا : (رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ).

وتخبرهم بأن الموت سيدرك المقدام كما يدرك الجبان فعليهم أن يكونوا من الذين يقدمون على الموت بدون جبن أو وجل مادام الجبن لا يؤخر الحياة كما أن الإقدام لا ينقصها.

قال ـ تعالى ـ (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).

وهكذا تحرض السورة الكريمة المؤمنين على القتال في سبيل الله بأسمى ألوان التحريض وأشدها وأنفعها.

ثم عادت السورة الكريمة إلى تحذير المؤمنين من المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، والذين يعوقون أهل الحق عن قتال أعدائهم ، وأمرت النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بأن يمضى هو ومن معه في طريق القتال من أجل إعلاء كلمة الله دون أن يلتفت إلى هؤلاء المنافقين ، لأنهم لا يريدون بهم إلا الشر.

قال ـ تعالى ـ : (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ، وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ، عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً).

ثم واصلت السورة في الربع السابع منها حديثها عن المنافقين ، فذكرت ما ينبغي أن يعاملوا به ، وكشفت عن طبائعهم الذميمة ، وأخلاقهم القبيحة ، ونهت المؤمنين عن اتخاذهم أولياء أو نصراء ، وأمرتهم أن يضيقوا عليهم ويقتلوهم إذا ما استمروا في نفاقهم وشقاقهم وارتكاسهم في الفتنة.

قال ـ تعالى ـ : (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ، وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً ، فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً).

ثم تحدثت السورة عن حكم القتل الخطأ. وتوعدت من يقتل مؤمنا متعمدا بغضب الله عليه ، ولعنه له ، وإنزال العذاب العظيم به.

ثم أمرت المؤمنين بأن يجعلوا قتالهم من أجل إعلاء كلمة الله ، لا من أجل المغانم والأسلاب ، وألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم. وبشرت المجاهدين في سبيل الله بما أعده الله لهم من درجات عالية يتميزون بها عن غيرهم من القاعدين ، وتوعدت الذين يرضون الذلة لأنفسهم بسوء المصير ، وذلك لأن الحق لا تعلو رايته في الأرض إلا إذا كان أتباعه أقوياء. يأبون الذل والخضوع لغير سلطان الله ـ تعالى ـ.

١٣

قال ـ سبحانه ـ : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً).

ثم بشرت السورة الكريمة في مطلع الربع الثامن منها الذين يهاجرون في سبيل الله ، بالخير الوفير والأجر الجزيل فقالت.

(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً).

ثم أرشدت المؤمنين إلى الطريقة التي يؤدون بها فريضة الصلاة في حال جهادهم ، لأن الصلاة فريضة محكمة لا يسقطها الجهاد ، بل هي تقوى دوافعه ، وتحسن ثماره ونتائجه.

كما أمرتهم بالإكثار من ذكر الله في كل أحوالهم ، وبمواصلة جهاد أعدائهم بدون كلل أو ملل حتى تكون كلمة الله هي العليا.

قال ـ تعالى ـ : (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ ، فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ).

ثم بينت السورة الكريمة أن الله ـ تعالى ـ قد أنزل القرآن على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لكي يحكم بين الناس بالعدل الذي أراه الله إياه ، ونهت الأمة في شخصه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الخيانة والميل مع الهوى ووبخت المنافقين الذين «يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ، كما وبخت الذين يدافعون عنهم أو يسيرون في ركابهم. وذكرت جانبا من مظاهر عدله ـ سبحانه ـ ، ورحمته الشاملة.

أما عدله فمن مظاهره أنه جعل الجزاء من جنس العمل (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ).

وأما شمول رحمته فمن مظاهرها أنه ـ سبحانه ـ فتح باب التوبة لعباده وأكرمهم بقبولها متى صدقوا فيها : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً).

ثم بينت السورة الكريمة في مطلع الربع التاسع منها أن الاستخفاء بالأقوال والأفعال عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أكثره لا خير فيه فقالت :

(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).

١٤

ثم تحدثت عن الذين يؤذون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتوعدتهم بسوء المصير ، ووبختهم على جهالاتهم وضلالاتهم وسيرهم في ركاب الشيطان الذي (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً. أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً).

ثم بينت أن الله ـ تعالى ـ لا تنفع عنده الأمانى والأنساب ، وإنما الذي ينفع عنده هو الإيمان والعمل الصالح.

قال ـ تعالى ـ : (لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً).

ثم تحدثت السورة الكريمة عن بعض الأحكام التي تتعلق بالنساء وأمرت بالإصلاح بين الزوجين ، وبينت أن العدل التام بين النساء من كل الوجوه غير مستطاع ، فعلى الرجال أن يكونوا متوسطين في حبهم وبغضهم ، وعليهم كذلك أن يعاشروا النساء بالمعروف وأن يفارقوهن كذلك بالمعروف (وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً).

ثم وجهت السورة الكريمة في الربع العاشر منها نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يلتزموا الحق في كل شئونهم ، وأن يجهروا به ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين ، لأن العدالة المطلقة التي أتى بها الإسلام لا تعرف التفرقة بين الناس.

ثم بينت السورة الكريمة حقيقة النفاق والمنافقين وكررت تحذيرها للمؤمنين من شرورهم. وإن أدق وصف لهؤلاء المنافقين هو قوله ـ تعالى ـ في شأنهم : (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ ، وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً).

وقد توعدهم الله بسبب نفاقهم وخداعهم بأشد ألوان العذاب فقال ـ سبحانه ـ : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً).

ثم حكت السورة الكريمة في الربع الحادي عشر منها ما أدب الله به عباده ، وما أرشدهم إليه من خلق كريم وهو منع الجهر بالسوء من القول ، ولكنه ـ سبحانه ـ رخص للمظلوم أن يتكلم في شأن ظالمه بالكلام الحق. لأنه ـ تعالى ـ لا تخفى عليه خافية. قال ـ تعالى (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً. إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً).

ثم تحدثت عن بعض رذائل اليهود. وعن العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب ظلمهم وفسوقهم.

١٥

قال ـ تعالى ـ : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً).

أما في الربع الثاني عشر والأخير منها فقد تحدثت السورة الكريمة عن وحدة الرسالة الإلهية. وبينت أن الله ـ تعالى ـ قد أوحى إلى نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما أوحى إلى النبيين من قبله ، وأن حكمته ـ سبحانه ـ قد اقتضت أن يرسل (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).

ثم وجهت في أواخرها نداء عاما إلى الناس تأمرهم فيه بالإيمان بما جاءهم به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. كما وجهت نداء آخر إلى أهل الكتاب تنهاهم فيه عن السير في طريق الضلالة ، وعن الأقوال الباطلة التي قالوها في شأن عيسى ، فإن عيسى كغيره من البشر من عباد الله ـ تعالى ـ ، ولن يستنكف أن يكون عبدا لله ـ تعالى ـ :

(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ، وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ ، فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً).

وكما تحدثت السورة الكريمة في أوائلها عن بعض أحكام الأسرة ، فقد اختتمت بالحديث عن ذلك ، لكي تبين للناس أن الأسرة هي عماد المجتمع ، وهي أساسه الذي لا صلاح له إلا بصلاحها.

قال ـ تعالى ـ : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ، إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ، وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ، فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ، وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

هذا عرض إجمالى لبعض المقاصد السامية ، والآداب العالية ، والتشريعات الحكيمة ، والتوجيهات القويمة التي اشتملت عليها السورة الكريمة.

ومن هذا العرض نرى أن سورة النساء ـ كما يقول بعض العلماء ـ : «قد عالجت أحوال المسلمين فيما يتعلق بتنظيم شئونهم الداخلية ، عن طريق إصلاح الأسرة وإصلاح المال في ظل تشريع قوى عادل ، مبنى على مراعاة مقتضيات الطبيعة الإنسانية ، مجرد من تحكيم الأهواء والشهوات.

وذلك إنما يكون إذا كان صادرا عن حكيم خبير بنزعات النفوس واتجاهاتها وميولها.

١٦

كما عالجت أحوالهم فيما يختص بحفظ كيانهم الخارجي ، عن طريق التشريعات والتوجيهات التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، والتي من شأنها أن تحفظ للأمة كيانها وشخصيتها متى تمسكت بها ، وأن تجعلها قادرة على دفع الشر الذي يطرأ عليها من أعدائها.

بل إن السورة الكريمة لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية ، وإنما نبهت على ما يجب أن تحفظ به عقيدة الأمة ومبادئها من التأثر بما يلقى في شأنها من الشكوك والشبه. وفي هذا إيحاء يجب على المسلمين أن يلتفتوا إليه ، وهو أن يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم. وأن يحصنوا أنفسهم من شر حرب أشد خطرا ، وأبعد في النفوس أثرا من حرب السلاح المادي : تلك هي حرب التحويل من مبدأ إلى مبدأ ، ومن دين إلى دين ، مع البقاء في الأوطان والإقامة في الديار والأموال.

ألا وإن شخصية الأمة ليتطلب بقاؤها الاحتفاظ بالجانبين : جانب الوطن والسلطان. وجانب العقيدة والإيمان. وعلى هذا درج سلفنا الصالح فعاشوا في أوطانهم آمنين. وبمبادئهم وعقائدهم متمسكين» (١).

وبعد : فهذا تمهيد بين يدي تفسير سورة النساء. تعرضنا خلاله لعدد آياتها. ولزمان نزولها.

ولسبب تسميتها بهذا الاسم. ولوجه المناسبة بينها وبين سابقتها. ولجانب من فضائلها. وللمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.

ولعلنا بذلك ـ أخى القارئ ـ نكون قد قدمنا لك تعريفا لهذه السورة يعينك على تفهم أسرارها ، ومقاصدها. وتوجيهاتها قبل أن نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل.

والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

__________________

(١) تفسير القرآن الكريم ص ١٧٧ ، ص ٢٦٦ ـ بتصرف وتلخيص ـ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ـ رحمه‌الله ـ.

١٧
١٨

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(١)

افتتحت السورة الكريمة بهذا النداء الشامل لجميع المكلفين من وقت نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون قبيل ، ولا بقوم دون قوم ، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق ؛ ولأن ما في مضمون هذا النداء من إنذار وتبشير وأمر بمراقبة الله وخشيته ، يتناول جميع المكلفين لا أهل مكة وحدهم كما ذكره بعضهم ؛ لأن تخصيص قوله ـ تعالى ـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ) بأهل مكة تخصيص بغير مخصص.

والمراد بالنفس الواحدة هنا : آدم ـ عليه‌السلام ـ. وقد جاء الوصف وهو واحدة بالتأنيث باعتبار لفظ النفس فإنها مؤنثة.

ومن في قوله (مِنْها) للتبعيض. والضمير المؤنث «ها» يعود إلى النفس الواحدة.

والمراد بقوله ـ تعالى ـ : (زَوْجَها) حواء ؛ فإنها أخرجت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله ـ تعالى ـ (مِنْها).

قال الفخر الرازي ما ملخصه : «المراد من هذا الزوج هو حواء. وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان :

الأول : وهو الذي عليه الأكثرون : أنه لما خلق الله ـ تعالى ـ آدم ألقى عليه النوم؟ ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من

١٩

جزء من أجزائه. واحتجوا عليه بقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها».

والقول الثاني : وهو اختيار أبى مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) أى من جنسها. وهو كقوله ـ تعالى ـ (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً).

وكقوله (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وقوله (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ).

قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) ، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة (١).

وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين :

أولهما : وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له. فهو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم ، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم ، وهو الذي أوجد أبيضهم وأسودهم ، وعربيهم وأعجميهم.

وثانيهما : وحدة النوع والتكوين ، إذ الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم ـ عليه‌السلام ـ.

فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم. وأن يخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ، وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس على جنس ، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم ومالكهم ومدبر أمورهم.

والمعنى : يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه ، وبأن تشكروه فلا تكفروه ، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ، وذلك من أظهر الأدلة على كمال قدرته ـ سبحانه ، ومن أقوى الدواعي إلى اتقاء موجبات نقمته ، ومن أشد المقتضيات التي تحملكم على التعاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم ، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم ـ سبحانه ـ من نفس واحدة.

وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : «فإن قلت : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته ، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها؟

قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء ،

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ج ٩ ص ١٦١ طبعة عبد الرحمن محمد ـ الطبعة الأولى سنة ١٣٥٧ ه‍ سنة ١٩٣٨ م.

٢٠