مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٤

آية الله مكارم الشيرازي

مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٤

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: سليمان‌زاده
الطبعة: ١
ISBN: 964-533-051-3
ISBN الدورة:
964-533-53-X

الصفحات: ٥٩٢

١
٢

٣
٤

٣١

سورة لقمان

محتوى السورة : إنّ محتوى هذه السورة يتلخص في خمسة أقسام :

١ ـ يشير ـ بعد ذكر الحروف المقطعة ـ إلى عظمة القرآن وكونه هدىً ورحمة للمؤمنين الذين يتمتّعون بصفات خاصة.

٢ ـ يتحدث عن آيات الله في خلق السماء ورفعها بدون أي عمد ، وخلق الجبال ، والأحياء المختلفة ، ونزول المطر ، ونموّ النباتات.

٣ ـ ينقل جانباً من كلام لقمان الحكيم والمتألّه في وصيته لابنه ، وتسمية هذه السورة بسورة «لقمان» بسبب هذا البحث المهم العميق المحتوى.

٤ ـ ثم تعود السورة إلى أدلة وعلامات التوحيد مرّة اخرى فتتحدث عن تسخير السماء والأرض ونعم الله الوفيرة ، وذمّ منطق الوثنيين الذين سقطوا في وادي الضلال والانحراف نتيجة التقليد واتّباع الآباء والأجداد.

وتكشف الستار عن علم الله المطلق بذكر مثال واضح.

٥ ـ إنّه يشير إشارة قصيرة مؤثرة تهزّ الوجدان إلى مسألة المعاد والحياة بعد الموت ، وتحذّر الإنسان من الإغترار بهذه الدنيا.

ثم تنهي هذا المبحث بذكر جانب من علم الله بالغيب بما يتعلق بالإنسان ، ومن جملة

٥

ذلك لحظة موته ، وحتى على الجنين في بطن امّه ، وبذلك تنتهي السورة.

فضيلة تلاوة السورة : في تفسير مجمع البيان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «ومن قرأ سورة لقمان ، كان لقمان له رفيقاً يوم القيامة ، واعطي من الحسنات عشراً بعدد من عمل بالمعروف وعمل بالمنكر».

وفي ثواب الأعمال عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال : «من قرأ سورة لقمان في ليلة وكّل الله به في ليلته ثلاثين ملكاً يحفظونه من إبليس وجنوده حتى يصبح ، فإذا قرأها بالنهار لم يزالوا يحفظونه من إبليس وجنوده حتى يمسي».

وكل هذا الفضل والثواب والإمتياز لتلاوة سورة من القرآن لأنّ التلاوة مقدمة للتفكر ، والتفكر مقدمة للعمل.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

(الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٥)

(الم) تبدأ هذه السورة بذكر أهمية وعظمة القرآن ، وبيان الحروف المقطعة في بدايتها إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ هذه الآيات التي تتركّب من حروف الألف باء البسيطة ، لها محتوى ومفهوم سام يغيّر مصير البشر بصورة تامة ، ولذلك فإنّها تقول بعد ذكر الحروف المقطعة : (تِلْكَءَايتُ الْكِتبِ الْحَكِيمِ).

«تلك» : في لغة العرب إشارة للبعيد ، وهذا التعبير كناية عن عظمة وأهمية هذه الآيات.

إنّ وصف «الكتاب» ب «الحكيم» إمّا لقوّة ومتانة محتواه ، لأنّ الباطل لا يجد إليه طريقاً وسبيلاً ، ويطرد عن نفسه كل نوع من الخرافات والأساطير ؛ أو بمعنى أنّ القرآن كالعالم الحكيم الذي يتكلّم بألف لسان في الوقت الذي هو صامت لا ينطق ، فيعلّم ، ويعظ وينصح ، ويرغّب ويرهّب ، ويحذّر ويتوعّد ، ويبيّن القصص ذات العبرة. وخلاصة القول فإنّه حكيم بكل معنى الكلمة. ولهذه البداية علاقة مباشرة بكلام لقمان الحكيم الذي ورد البحث فيه في هذه السورة.

٦

ثم تذكر الآية التالية الهدف النهائي من نزول القرآن ، فتقول : (هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ).

إنّ الهداية مقدّمة لرحمة الله ، لأنّ الإنسان يجد الحقيقة أوّلاً في ظلّ نور القرآن ، ويعتقد بها ويعمل بها ، وبعد ذلك يكون مشمولاً برحمة الله الواسعة ونعمه التي لا حدّ لها.

ثم تصف الآية التالية المحسنين بثلاث صفات ، فتقول : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).

فإنّ إرتباط هؤلاء بالخالق عن طريق الصلاة ، وبخلق الله عن طريق الزكاة ، ويقينهم بمحكمة القيامة باعث قوي على الإبتعاد عن الذنب والمعصية ، ودافع لأداء الواجبات.

وتبيّن الآية الأخيرة ـ من الآيات مورد البحث ـ عاقبة عمل المحسنين ، فتقول : (أُولئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

جملة (أُولئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبّهِمْ) توحي بأنّ هداية اولئك قد ضُمنت من قبل ربّهم.

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٩)

سبب النّزول

في تفسير مجمع البيان : نزل قوله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ) : في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ، كان يتّجر فيخرج إلى فارس ، فيشتري أخبار الأعاجم ويحدث بها قريشاً ويقول لهم : إنّ محمّداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا احدثكم بحديث رستم ، واسفنديار ، وأخبار الأكاسرة. فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن.

التّفسير

الغناء أحد مكائد الشياطين الكبيرة : الكلام في هذه الآيات عن جماعة يقعون تماماً في الطرف المقابل لجماعة المحسنين والمؤمنين الذين ذكروا في الآيات السابقة. الكلام والحديث

٧

هنا عن جماعة يستخدمون طاقاتهم من أجل بثّ اللاهدفية وإضلال المجتمع ، ويشترون شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم. فتقول أوّلاً : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا). ثم تضيف أخيراً : (أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ).

إنّ شراء لهو الحديث والكلام الأجوف إمّا أن يتمّ عن طريق دفع المال في مقابل سماع الخرافات والأساطير ، أو أن يكون عن طريق شراء المغنّيات لعقد مجالس اللهو والباطل والغناء. ويحتمل أيضاً أن يكون للشراء هنا معنى كنائي ، والمراد منه كل أنواع السعي للوصول إلى هذه الغاية.

وأمّا (لَهْوَ الْحَدِيثِ) فإنّ له معنىً واسعاً يشمل كل نوع من الكلام أو الموسيقى أو الترجيع الذي يؤدّي إلى اللهو والغفلة ، ويجرّ الإنسان إلى اللاهدفية أو الضلال ، سواء كان من قبيل الغناء والألحان والموسيقى المهيّجة المثيرة للشهوة والغرائز والميول الشيطانية ، أو الكلام الذي يسوق الإنسان إلى الفساد عن طريق محتواه ومضامينه.

ولجملة (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ) مفهوم واسع أيضاً ، يشمل الإضلال العقائدي ، كما قرأنا ذلك في قصة النضر بن الحرث وأبي جهل ، وكذلك يشمل الإفساد الأخلاقي كما جاء في أحاديث الغناء.

والتعبير ب (بِغَيْرِ عِلْمٍ) إشارة إلى أنّ هذه الجماعة الضالة المنحرفة لا تؤمن حتى بمذهبها الباطل ، بل يتّبعون الجهل والتقليد الأعمى لا غير.

أمّا وصف العذاب ب (المهين) فلأنّ العقوبة متناغمة مع الذنب ، فإنّ هؤلاء قد استهزؤوا بآيات الله وأهانوها ، ولذلك فإنّ الله سبحانه قد أعدّ لهم عذاباً مهيناً ، إضافة إلى كونه أليماً.

وأشارت الآية التالية إلى ردّ فعل هذه الفئة أمام آيات الله ، وتوحي بالمقارنة بردّ فعلهم تجاه لهو الحديث ، فتقول : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا). أي ثقلاً يمنعه من السماع ..

ثم تذكر أخيراً عقاب مثل هؤلاء الأفراد الأليم فتقول : (فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).

إنّ التعبير ب (وَلَّى مُسْتَكْبِرًا) إشارة إلى أنّ إعراضه لم يكن نابعاً من تضرّر مصالحه الدنيوية والحدّ من رغباته وشهواته فحسب ، بل إنّ الأمر أكبر من ذلك ، فإنّ فيه دافع التكبر أمام عظمة الله وآياته ، وهو أعظم ذنب فيه.

إنّ تعبير (بشّر) في مورد العذاب الإلهي الأليم ، يتناسب مع عمل المستكبرين الذين كانوا يتخذون آيات الله هزواً.

٨

ثم تعود الآيات التالية إلى شرح وتبيان حال المؤمنين الحقيقيين ، وقد بدأت السورة في مقارنتها هذه بذكر حالهم أوّلاً ثم ختمت به في نهاية هذا المقطع أيضاً ، فتقول : (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ).

والأهم من ذلك أنّ هذه الجنان الوافرة النعم خالدة لهؤلاء : (خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا) والله سبحانه لا يعد كذباً ، وليس عاجزاً عن الوفاء بوعوده (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

وللنعيم معنىً واسع يشمل كل أنواع النعم المادية والمعنوية.

بحثان

١ ـ تحريم الغناء : لا شك في أنّ الغناء بصورة إجمالية حرام على المشهور بين علماء الشيعة ، وتصل هذه الشهرة إلى حد الإجماع.

والذي يمكن استفادته من مجموع كلمات فقهاء في هذا المجال ، أنّ الغناء هو الأصوات والألحان التي تناسب مجالس الفسق والفجور ، وأهل المعصية والفساد ، ويحرّك القوى الشهوانية في الإنسان.

والملفت للنظر أنّ بعض الألحان تعدّ أحياناً غناءً ولهواً باطلاً بذاتها ومحتواها ، مثال ذلك أشعار العشق والغرام والأشعار المفسدة التي تُقرأ بألحان وموسيقى راقصة.

وقد تكون الألحان بذاتها غناءً أحياناً اخرى ، مثال الأشعار الجيدة ، أو آيات القرآن والدعاء والمناجاة التي تُقرأ بلحن يناسب مجالس الفاسدين والفساق ، وهو حرام في كلتا الصورتين «فتأمل».

ومن الطبيعي أن يكون للغناء موارد شك ـ ككل المفاهيم الاخرى ـ وأنّ الإنسان لا يعلم حقّاً هل أنّ الصوت الفلاني يناسب مجالس الفسق والفجور ، أم لا؟ وفي هذه الصورة يحكم بالحلّية بحكم أصل البراءة.

والكلام الأخير هو أنّ ما ذُكر أعلاه يتعلق بالغناء ، وأمّا استعمال الآلات الموسيقية وحرمتها ، فهو بحث آخر خارج عن هذا الموضوع.

٢ ـ فلسفة تحريم الغناء : فبنظرة سريعة إلى معطيات الغناء سنواجه المفاسد أدناه :

أوّلاً : الترغيب والدعوة إلى فساد الأخلاق :

لقد بيّنت التجربة أنّ كثيراً من الأفراد الواقعين تحت تأثير موسيقى وألحان الغناء قد تركوا طريق التقوى ، واتّجهوا نحو الشهوات والفساد.

٩

إنّ مجلس الغناء ـ عادةً ـ يُعدّ مركزاً لأنواع المفاسد ، والدافع على هذه المفاسد هو الغناء.

وينقل في تفسير روح المعاني حديثاً عن أحد زعماء بني امية أنّه قال لهم : إيّاكم والغناء فإنّه ينقص الحياء ، ويزيد في الشهوة ، ويهدم المروءة ، وإنّه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السكر. وهذا يبيّن أنّه حتى اولئك كانوا مطّلعين على مفاسده أيضاً.

ثانياً : الغفلة عن ذكر الله :

إنّ التعبير باللهو الذي فسّر بالغناء في بعض الروايات الإسلامية إشارة إلى حقيقة أنّ الغناء يجعل الإنسان عبداً ثملاً من الشهوات حتى يغفل عن ذكر الله.

في الأمالي للطوسي رحمه‌الله عن علي عليه‌السلام قال : «كلّما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر».

ثالثاً : الإضرار بالأعصاب :

إنّ الغناء والموسيقى أحد العوامل المهمة في تخدير الأعصاب ، ولهذا فإنّ كثيراً من مفاسد المخدّرات موجودة في الغناء ، سواء كان تخديره خفيفاً أم قوياً.

ويستفاد من الإحصاءات المعدّة للوفيّات في عصرنا الحالي بأنّ معدّل موت الفجأة قد ازداد بالمقارنة مع السابق ، وقد ذكروا أسباباً مختلفة كان من جملتها الغناء والموسيقى.

رابعاً : الغناء أحد وسائل الإستعمار :

إنّ مستعمري العالم يخافون دائماً من وعي الشعوب ، وخاصة الشباب ، ولذلك فإنّ جانباً من برامجهم الواسعة لاستمرار وإدامة الاستعمار هو إغراق المجتمعات بالغفلة والجهل والضلال ، وتوسعة وسائل اللهو المفسدة.

إنّ المخدّرات لا تتّصف اليوم بصفة تجارية فقط ، بل هي أحد الوسائل السياسية المهمة ، فإنّ السياسات الاستعمارية تسعى إلى إيجاد مراكز الفحشاء ونوادي القمار ووسائل اللهو الفاسدة الاخرى ، ومن جملتها توسعة ونشر الغناء والموسيقى ، وهي من أهم الوسائل التي يصرّ عليها المستعمرون لتخدير أفكار الناس ، ولهذا فإنّ الموسيقى تشكّل القسم الأكبر من وقت إذاعات العالم ووسائل الإعلام الأساسية.

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَا ذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (١١)

١٠

هذا خلق الله : مواصلة للبحث حول القرآن والإيمان به في الآيات السابقة ، تتحدث الآيتان أعلاه عن أدلة التوحيد الذي هو أهمّ الاصول العقائدية. تشير الآية الاولى إلى خمسة أقسام من مخلوقات الله التي ترتبط مع بعضها إرتباطاً وثيقاً لا ينفصل ، وهي : خلق السماء ، وكون الكواكب معلقة في الفضاء ، وخلق الجبال لتثبيت الأرض ، ثم خلق الدواب ، وبعد ذلك الماء والنباتات التي هي وسيلة تغذيتها ، فتقول : (خَلَقَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا).

«العَمَد» : جمع «عمود» وتقييد بنائها وإقامتها ب (تَرَوْنَهَا) دليل على أنّه ليس لهذه السماء أعمدة مرئيّة ، ومعنى ذلك أنّ لها أعمدة إلّاأنّها غير قابلة للرؤية ، فإنّ هذا التعبير إشارة لطيفة إلى قانون الجاذبية الذي يبدو كالعمود القوي جدّاً ، إلّاأنّه غير مرئي ، يحفظ الأجرام السماوية.

إنّ الجملة أعلاه أحد معاجز القرآن المجيد العلميّة ، وقد أوردنا تفصيلاً أكثر عنها في ذيل الآية (٢) من سورة الرعد.

ثم تقول الآية في الغاية من خلق الجبال : (وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ).

وبعد ذكر نعمة استقرار السماء بأعمدة الجاذبية ، واستقرار وثبات الأرض بواسطة الجبال ، تصل النوبة إلى خلق الكائنات الحية واستقرارها ، بحيث تستطيع أن تضع أقدامها في محيط هاديء مطمئن ، فتقول : (وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ).

إنّ التعبير ب (مِن كُلّ دَابَّةٍ) إشارة إلى تنوع الحياة في صور مختلفة.

إلّا أنّ من المعلوم أنّ هذه الحيوانات تحتاج إلى الماء والغذاء ، ولذلك فإنّ الجملة التالية أشارت إلى هذا الموضوع ، فقالت : (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ).

فالكرة الأرضية تعتبر سماطاً واسعاً ذا أغذية متنوعة يمتدّ في جميع أنحائها ، ويصلح لكل نوع منها حسب خلقته ، مما يدل على عظمة الخالق جل وعلا.

ثم تشير هذه الآية مرّة اخرى إلى مسألة (الزوجية في عالم النباتات) وهي أيضاً من معجزات القرآن العلمية ، لأنّ الزوجية ـ أي وجود الذكر والانثى ـ في عالم النباتات لم تكن ثابتة في ذلك الزمان بصورة واسعة ، والقرآن كشف الستار عنها.

بعد ذكر عظمة الله في عالم الخلقة ، وذكر صور مختلفة من المخلوقات ، وجّهت الآية الخطاب إلى المشركين ، وجعلتهم موضع سؤال واستجواب ، فقالت : (هذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِى

١١

مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ).

من المسلم أنّ اولئك لم يكونوا يستطيعون إدّعاء كون أيّ من المخلوقات من خلق الأصنام ، وعلى هذا فإنّهم كانوا يقرّون بتوحيد الخالق ، مع هذا الحال كيف يستطيعون تعليل الشرك في العبادة ؛ لأنّ توحيد الخالق دليل على توحيد الرب وكون مدبّر العالم واحداً ، وهو دليل على توحيد العبودية.

ولذلك اعتبرت الآية عمل اولئك منطبقاً على الظلم والضلال ، فقالت : (بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَللٍ مُّبِينٍ).

ومعلوم أنّ «الظلم» له معنىً واسعاً يشمل وضع كل شيء في غير موضعه ، ولما كان المشركون يربطون العبادة ، وتدبير العالم أحياناً بالأصنام ، فإنّهم كانوا مرتكبين لأكبر ظلم وضلالة.

(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٥)

لتكميل البحوث السابقة حول التوحيد والشرك ، وأهميّة وعظمة القرآن ، والحكمة التي استعملت واتّبعت في هذا الكتاب السماوي ، فقد ورد الكلام في هذه الآيات التي نبحثها والآيات الاخرى التالية عن لقمان الحكيم ، وعن جانب من المواعظ المهمة لهذا الرجل المتألّه في باب التوحيد ومحاربة الشرك.

إنّ هذه المواعظ العشرة التي ذكرت ضمن ستّ آيات ، قد بيّنت باسلوب رائع المسائل العقائدية ، إضافةً إلى اصول الواجبات الدينية والمباحث الأخلاقية.

لقد ورد اسم «لقمان» في آيتين من القرآن في هذه السورة ، وأنّ اسلوب القرآن في شأن

١٢

لقمان يوحي بأنّه لم يكن نبيّاً.

في تفسير مجمع البيان عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «حقّاً أقول : لم يكن لقمان نبيّاً ، ولكن كان عبداً كثير التفكّر ، حسن اليقين ، أحبّ الله فأحبّه ومنّ عليه بالحكمة».

تقول الآية الاولى : (وَلَقَدْءَاتَيْنَا لُقْمنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ).

إنّ الحكمة التي يتحدث عنها القرآن ، والتي كان الله قد آتاها لقمان ، كانت مجموعة من المعرفة والعلم ، والأخلاق الطاهرة والتقوى ونور الهداية.

فإنّ لقمان بامتلاكه هذه الحكمة كان يشكر الله ، فقد كان يعلم الهدف من وراء هذه النعم الإلهية ، وكيفية استغلالها والاستفادة منها ، وكان يضعها بدقة وصواب كامل في مكانها المناسب لتحقيق الهدف الذي خلقت من أجله ، وهذه هي الحكمة ، وهي وضع كل شيء في موضعه ، وبناءً على هذا فإنّ الشكر والحكمة يعودان إلى نقطة واحدة.

والتعبير ب (غَنِىٌّ حَمِيدٌ) إشارة إلى أنّ شكر الناس للأفراد العاديين إمّا أن يؤدّي إلى النفع المادّي للمشكور ، أو زيادة مكانة صاحبه في أنظار الناس ، إلّاأنّ أيّاً من هذين الأمرين لا معنى له ولا مصداق في حق الله تعالى ، فإنّه غني عن الجميع ، وهو أهل لحمد كل الحامدين وثنائهم.

وبعد تعريف لقمان ومقامه العلمي والحِكَمي ، أشارت الآية التالية إلى اولى مواعظه ، وهي في الوقت نفسه أهم وصاياه لولده ، فقالت : (وَإِذْ قَالَ لُقْمنُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

وأي ظلم أعظم منه ، حيث جعلوا موجودات لا قيمة لها في مصافّ الله ودرجته ، وهم يظلمون أنفسهم أيضاً حيث ينزلونها من قمّة عزّة العبودية لله ويهوون بها إلى منحدر ذلة العبودية لغيره.

والآيتان التاليتان جمل معترضة ذكرها الله تعالى في طيّات مواعظ لقمان ، لكن هذا الإعتراض لا يعني عدم الإتصال والإرتباط ، بل يعني الصلة الواضحة لكلام الله عزوجل بكلام لقمان ، لأنّ في هاتين الآيتين بحثاً عن نعمة وجود الوالدين ومشاقّهما وخدماتهما وحقوقهما ، وجعل شكر الوالدين في درجة شكر الله.

إضافةً إلى أنّهما تعتبران تأكيداً على كون مواعظ لقمان لابنه خالصة ، لأنّ الوالدين مع

١٣

هذه العلاقة القوية وخلوص النية لا يمكن أن يذكرا في مواعظهما إلّاما فيه خير وصلاح الولد ، فتقول أوّلاً : (وَوَصَّيْنَا الْإِنسنَ بِوَالِدَيْهِ). وعندئذ تشير إلى جهود ومتاعب الام العظيمة ، فتقول : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ).

وهذه المسألة قد ثبتت من الناحية العلمية ، إذ أوضحت التجارب أنّ الامّهات في فترة الحمل يُصبن بالضعف والوهن ، لأنّهن يصرفن خلاصة وجودهن في تغذية وتنمية الجنين ، ويقدّمن له من موادهن الحياتية أفضلها.

وهذا الأمر يستمر حتى في فترة الرضاعة ، لأنّ اللبن عصارة وجود الام ، ولهذا تضيف بعد ذلك فترة رضاعه سنتان : (وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ). كما اشير إلى ذلك في الآية (٢٣٣) من سورة البقرة : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ). والمراد فترة الرضاعة الكاملة ، وإن كانت تتمّ أحياناً بفترة أقلّ.

ثم تقول : (أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ). فاشكرني لأنّي خالقك والمنعم الأصليّ عليك ، ومنحتك مثل هذين الأبوين العطوفين الرحيمين ، واشكر والديك لأنّهما واسطة هذا الفيض وقد تحمّلا مسؤولية إيصال نعمي إليك.

ويقول الله تعالى في نهاية الآية بنبرة لا تخلو من التهديد والعتاب : (إِلَىَّ الْمَصِيرُ).

فإنّك إذا قصّرت هنا فستحاسب على كل هذه الحقوق والمصاعب والخدمات بدقة فيجب على الإنسان أن يؤدّي ما عليه من شكر مواهب الله.

إنّ الوصية بالإحسان إلى الأبوين قد توجد الإشتباه والوهم عند البعض وذلك حينما يظنّ أنّه يجب مداراتهما واتّباعهما حتى في مسألة العقيدة والكفر والإيمان ، لكن الآية التالية تقول : (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا).

فيجب أن لا تكون علاقة الإنسان بامّه وأبيه مقدمة على علاقته بالله مطلقاً ، وأن لا تكون عواطف القرابة حاكمة على عقيدته الدينية أبداً.

ولما كان من الممكن أيضاً أن يوجد هذا الأمر توهّم وجوب استخدام الخشونة مع الوالدين المشركين وعدم إحترامهما ، ولذلك أضافت الآية إنّ عدم طاعتهما في مسألة الشرك ليس دليلاً على وجوب قطع العلاقة معهما ، بل تأمره الآية أن : (وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا).

فلأطفهما وأظهر المحبة لهما في الحياة الدنيوية والمعاشرة ، ولا تستسلم لأفكارهما

١٤

واقتراحاتهما من الناحية العقائدية والبرامج الدينية ، وهذه بالضبط نقطة الإعتدال الأصلية التي تجمع فيها حقوق الله والوالدين ، ولذا يضيف بعد ذلك : (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ). لأنّ المصير إليه سبحانه : (ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

إنّ الآية أعلاه تشبه ما جاء في الآية (٨) من سورة العنكبوت ، حيث تقول : (وَوَصَّيْنَا الْإِنسنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (١٩)

كانت اولى مواعظ لقمان عن مسألة التوحيد ومحاربة الشرك ، وثانيتها عن حساب الأعمال والمعاد ، والتي تكمّل حلقة المبدأ والمعاد ، فيقول : (يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السَّموَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ). أي في يوم القيامة. ويضعها للحساب : (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ).

«الخردل» : نبات له حبّات سوداء صغيرة جدّاً يضرب المثل بصغرها ؛ وهذا التعبير إشارة إلى أنّ أعمال الخير والشر مهما كانت صغيرة لا قيمة لها ، ومهما كانت خفية كخردلة في بطن صخرة في أعماق الأرض ، أو في زاوية من السماء ، فإنّ الله اللطيف الخبير المطّلع على كل الموجودات ، صغيرها وكبيرها في جميع أنحاء العالم ، سيحضرها للحساب والعقاب والثواب ، ولا يضيّع شيئاً في هذا الحساب.

إنّ الإلتفات والتوجه إلى هذا الإطلاع التام من قبل الخالق سبحانه على أعمال الإنسان وعلمه بها ، هو أساس كل الإصلاحات الفردية والاجتماعية ، وهو قوة وطاقة محركة نحو الخيرات ، وسدّ منيع من الشرور والسيئات.

وبعد تحكيم اسس المبدأ والمعاد ، والتي هي أساس كل الإعتقادات الدينية ، تطرّق لقمان

١٥

إلى أهمّ الأعمال ، أي مسألة الصلاة ، فقال : (يَا بُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ). لأنّ الصلاة أهم علاقة وإرتباط مع الخالق ، والصلاة تنوّر قلبك ، وتصفّي روحك ، وتضيء حياتك ، وتطهّر روحك من آثار الذنب ، وتقذف نور الإيمان في أنحاء وجودك ، وتمنعك عن الفحشاء والمنكر.

وبعد الصلاة يتطرّق لقمان إلى أهم دستور اجتماعي ، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيقول : (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ).

وبعد هذه الأوامر العملية المهمة الثلاثة ، ينتقل إلى مسألة الصبر والإستقامة ، والتي هي من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فيقول : (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).

«العزم» : بمعنى الإرادة المحكمة القوية ، والتعبير ب (عَزْمِ الْأُمُورِ) هنا إمّا بمعنى الأعمال التي أمر الله بها أمراً مؤكّداً ، أو الامور والأعمال التي يجب أن يمتلك الإنسان فيها إرادة فولاذية وتصميماً راسخاً ، وأيّاً من هذين المعنيين كان فإنّه يشير إلى أهمية تلك الأعمال.

والتعبير ب «ذلك» إشارة إلى الصبر والتحمل.

ثم انتقل لقمان إلى المسائل الأخلاقية المرتبطة بالناس والنفس ، فيوصي أوّلاً بالتواضع والبشاشة وعدم التكبر ، فيقول : (وَلَا تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ). أي لا تعرض بوجهك عن الناس (وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَايُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).

«تُصعّر» : من مادة (صعّر) ، وهي في الأصل مرض يصيب البعير فيؤدّي إلى إعوجاج رقبته ؛ و «المرح» : يعني الغرور والبطر الناشيء من النعمة ؛ و «المختال» : من مادة «الخيال» و «الخيلاء» وتعني الشخص الذي يرى نفسه عظيماً وكبيراً ، نتيجة سلسلة من التخيلات والأوهام ؛ و «الفخور» : من مادة «الفخر» ويعني الشخص الذي يفتخر على الآخرين.

وعلى هذا ، فإنّ لقمان الحكيم يشير هنا إلى صفتين مذمومتين جدّاً وأساس توهين وقطع الروابط الاجتماعية الصميمية : إحداهما التكبر وعدم الاهتمام بالآخرين ، والاخرى الغرور والعجب بالنفس ، وهما مشتركتان من جهة دفع الإنسان إلى عالم من التوهم والخيال ونظرة التفوق على الآخرين ، وإسقاطه في هذه الهاوية ، وبالتالي تقطعان علاقته بالآخرين وتعزلانه عنهم.

إنّ مراد لقمان محاربة كل مظاهر التكبر والغرور.

في ثواب الأعمال عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من مشى على الأرض

١٦

اختيالاً لعنته الأرض ومن تحتها ومن فوقها».

ثم بيّن في الآية التالية أمرين وسلوكين أخلاقيين إيجابيين في مقابل النهيين عن سلوكين سلبيين في الآية السابقة فيقول : إبتغ الإعتدال في مشيك : (وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ). وابتغ الإعتدال كذلك في كلامك ولا ترفع صوتك عالياً ، (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).

إنّ هاتين الآيتين في الحقيقة أمرتا بصفتين ، ونهتا عن صفتين :

فالنهي عن «التكبر» و «العجب» ، فإنّ أحدهما يؤدّي إلى أن يتكبر الإنسان على عباد الله ، والآخر يؤدّي إلى أن يظنّ الإنسان أنّه في مرتبة الكمال وأسمى من الآخرين ، وبالتالي سيغلق أبواب التكامل بوجهه ، وإن كان لا يقارن بينه وبين الآخرين.

أمّا الأمر بصفتين ، فهما رعاية الإعتدال في العمل والكلام ، لأنّ التأكيد على الإعتدال في المشي أو إطلاق الصوت هو من باب المثال في الحقيقة.

والحق أنّ الإنسان الذي يتّبع هذه النصائح الأربع موفق وسعيد وناجح في الحياة ، ومحبوب بين الناس ، وعزيز عند الله.

في الكافي عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أكثر ما تلج به امتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق».

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) (٢٤)

بعد انتهاء مواعظ لقمان العشر حول المبدأ والمعاد وطريقة الحياة ، وخطط وبرامج القرآن

١٧

الأخلاقية والاجتماعية ، ولأجل إكمال البحث ، تتّجه الآيات إلى بيان نعم الله تعالى لتبعث في الناس حسن الشكر ... الشكر الذي يكون منبعاً لمعرفة الله وطاعة أوامره ، فيوجّه الخطاب لكل البشر ، فيقول : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ).

ثم تضيف الآية : (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظهِرَةً وَبَاطِنَةً).

«أسبغ» : من مادة «سَبغ» وهي في الأصل بمعنى الثوب أو الدرع العريض الكامل ، ثم اطلق على النعم الكثيرة الوفيرة أيضاً.

وتتحدث الآية في النهاية عمّن يكفر بالنعم الإلهية الكبيرة العظيمة ، والتي تحيط الإنسان من كل جانب ، ويهبّ إلى الجدال ومحاربة الحق ، فتقول : (وَمِنَ الْنَّاسِ مَن يُجدِلُ فِى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ). وبدل أن يعرف ويقدّر هبة وعطاء كل هذه النعم الظاهرة والباطنة ، فإنّه يتّجه إلى الشرك والجحود نتيجة الجهل.

والملفت للنظر هو أنّ «العلم» : إشارة إلى الإدراكات التي يدركها الإنسان عن طريق عقله ؛ و «الهدى» : إشارة إلى المعلمين والقادة الربانيين والسماويين ، والعلماء الذين يأخذون بيده في هذا المسير ويوصلونه إلى الغاية والهدف ؛ والمراد من «الكتاب المنير» : الكتب السماوية التي تملأ قلب الإنسان نوراً عن طريق الوحي.

إنّ هذه الجماعة العنيدة لا يمتلكون علماً ، ولا يتّبعون مرشداً وهادياً ، ولا يستلهمون من الوحي الإلهي ، ولما كانت طرق الهداية منحصرة بهذه الامور الثلاثة فإنّ هؤلاء لما تركوها سقطوا في هاوية الضلال والضياع ووادي الشياطين.

وتشير الآية التالية إلى المنطق الضعيف السقيم لهذه الفئة ، فتقول : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِءَابَاءَنَا). ولمّا لم يكن اتّباع الآباء الجهلة المنحرفين جزءاً من أيّ واحد من الطرق الثلاثة المذكورة أعلاه للهداية ، فإنّ القرآن ذكره بعنوان الطريق الشيطاني ، وقال : (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطنُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

ثم تطرّقت الآية التالية إلى بيان حال مجموعتين : المؤمنين الخلّص ، والكفار الملوّثين ، وتجعلهم مورد اهتمامها في المقارنة بينهم ، فقالت : (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى).

١٨

والإستمساك بالعروة الوثقى تشبيه لطيف لهذه الحقيقة ، وهي أنّ الإنسان يحتاج لنجاته من منحدر الماديّة والإرتقاء إلى أعلى قمم المعرفة والمعنويات وتسامي الروح ، إلى واسطة ووسيلة محكمة مستقرّة ثابتة ، وليست هذه الوسيلة إلّاالإيمان والعمل الصالح ، وكل سبيل ومتّكأ غيرهما متهرّيء متخرّق هاوٍ وسبب للسقوط والموت ، إضافة إلى أنّ ما يبقى هو هذه الوسيلة ، وكل ماعداها فانٍ ، ولذلك فإنّ الآية تقول في النهاية : (وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).

في تفسير البرهان : من طريق العامة عن الرضا عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام ، قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله» ستكون بعدي فتنة مظلمة ، الناجي منها من تمسّك بالعروة الوثقى. فقيل : يا رسول الله ، وما العروة الوثقى؟ قال : ولاية سيد الوصيين. قيل : يا رسول الله ، ومن سيد الوصيين؟ قال : أمير المؤمنين. قيل : يا رسول الله ومن أمير المؤمنين؟ قال : مولى المسلمين وإمامهم بعدي. قيل : يا رسول الله ، ومن مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال : أخي علي بن أبي طالب.

وقد رويت روايات اخرى في هذا الباب تؤيّد أنّ المراد من العروة الوثقى مودّة أهل البيت عليهم‌السلام ، أو حبّ آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو الأئمة من ولد الحسين عليهم‌السلام.

وقد قلنا مراراً : إنّ هذه التفاسير بيان للمصاديق الواضحة ، ولا تتنافي مع المصاديق الاخرى كالتوحيد والتقوى وأمثال ذلك.

ثم تطرقت الآية التالية إلى بيان حال الفئة الثانية ، فقالت : (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ و). لأنّك قد أدّيت واجبك على أحسن وجه ، وهو الذي قد ظلم نفسه.

فلا تحزن أن تكفر جماعة من الناس ، ويظلموا ويجوروا وهم متنعمون بالنعم الإلهية ولا يعاقبون ، فلا عجلة في الأمر ، إذ : (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُوا). فإنّنا مطّلعون على أسرارهم ونيّاتهم كاطّلاعنا على أعمالهم ، ف : (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

ثم يضيف بأنّ تمتّع هؤلاء بالحياة لا ينبغي أن يثير عجبك ، لأنّا (نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) ذلك العذاب الأليم المستمر.

إنّ هذا التعبير لعله إشارة إلى أنّ هؤلاء لا يتصوروا أنّهم خارجون عن قبضة قدرة الله سبحانه ، بل إنّه يريد أن يمهل هؤلاء للفتنة وإتمام الحجة والأهداف الاخرى.

* * *

١٩

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (٣٠)

عشر صفات لله سبحانه : بيّنت الآيات الستة أعلاه مجموعة من صفات الله سبحانه ، وهي عشر صفات رئيسية ، أو عشرة أسماء من الأسماء الحسنى : الغني ، الحميد ، العزيز ، الحكيم ، السميع ، البصير ، الخبير ، الحق ، العلي ، والكبير.

هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فإنّ الآية الاولى تتحدث عن «خالقية» الله ، والآية الثانية عن «مالكيته» المطلقة ، والثالثة عن «علمه» اللامتناهي ، والآية الرابعة والخامسة عن «قدرته اللامتناهية» ، والآية الأخيرة تخلص إلى هذه النتيجة ، وهي أنّ الذي يمتلك هذه الصفات ويتمتّع بها هو الله تعالى ، وكل ما دونه باطل أجوف حقير.

مع ملاحظة هذا البحث الإجمالي نعود إلى شرح الآيات ، فتقول الآية الاولى : (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ).

هذا التعبير يدل من جهة على أنّ المشركين لم يكونوا منكرين لتوحيد الخالق مطلقاً ، ومن جهة اخرى يدل على كون التوحيد فطريّاً وأنّ هذا النور كامن في طينة وطبيعة كل البشر.

ثم تقول : إذا كان هؤلاء معترفين بتوحيد الخالق ف (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).

ثم تتطرق إلى «مالكية» الله ، لأنّه بعد ثبوت كونه خالقاً لا حاجة إلى دليل على كونه مالكاً ، فتقول : (لِلَّهِ مَا فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ).

٢٠