نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٢

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-357-200-5
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٦٣٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

بسم الله الرّحمن الرّحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

التوبة : (١٢٢)

٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الذكرى المئوية السابعة

لرحيل العلّامة الحلّي قدس‌سره

إنّ تقدير العلماء وتخليد ذكرهم يعدّ من صفات الأمم الراقية والمجتمعات الواعية ، لأنّه يساهم في تكريس قيمة العلم ، وإعلاء دوره ومكانته ، وفي جعل العالم في موضع الأنموذج والقدوة الّتي تحتذى ، ممّا يحفّز همم الأجيال الصاعدة للتسابق إلى كسب العلم ، وإحراز المواقع المتقدّمة في ميادينه.

كما أنّ تجديد ذكرى العلماء المتميّزين يوجّه أنظار أبناء الأمّة إلى آرائهم وعطائهم ومواقفهم ، فتصبح محورا للدراسة والاهتمام ، وموردا للبحث والاستلهام.

ولأجل ذلك ، نرى المجتمعات المتقدّمة تبتكر مختلف الأساليب والوسائل لتقدير وتخليد عظمائها وعلمائها ، كعقد المؤتمرات لدراسة أفكارهم وآرائهم ، ورصد الجوائز التقديرية بأسمائهم ، والسعي إلى إبرازهم على

٥

المستوى العالمي كرموز وشخصيات عالمية تستقطب الاهتمام والاحترام على الصعيد البشري العامّ.

وفي تاريخ أمّتنا الإسلامية الحضاري والعلمي كفاءات عظيمة وشخصيات رائدة لكنّها لم تنل ما يناسب حقّها ومكانتها من الاحترام والتقدير ، فأغلب تلك الكفاءات واجهت في حياتها المشاكل والصعوبات من قبل الحاكمين المستبدين ، والحاسدين الحاقدين ، والجهلاء الغوغائيين ؛ وبعد وفاتها قوبلت بالتجاهل والإهمال.

لقد ضاع كثير من تراث علمائنا السابقين ، ولا يزال قسم كبير منه مخطوط يتراكم عليه الغبار ، ولم تتح له فرصة النشر والظهور.

وكم من أفكار عميقة ، وآراء دقيقة ، ونظريات ثريّة ، تفتقت عنها أذهان علماء أفذاذ ، تستحق الدراسة والبحث ، وأن تعقد حولها المؤتمرات ، ولكنّها بقيت مركونة مهملة بسبب أجواء التخلّف الّتي أبعدتنا عن الاهتمام بتقدير العلماء وتخليد ذكراهم ، فكان في ذلك حرمان لأجيال الأمّة ، وخسارة لمستقبلها في العلم والمعرفة.

وفي طليعة علماء الأمّة الأفذاذ الذين يستحقّون أعلى درجات التقدير والتمجيد والتخليد ، نابغة عصره ونادرة دهره آية الله العلّامة الحلّي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الأسدي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه‍).

لقد ظهر نبوغه العلمي في حداثة سنه ، وانتهت إليه زعامة الشيعة الإماميّة الذين لا يلقون أزمة أمورهم ومرجعيتهم الدينية إلّا للمتفوّق على أهل زمانه في العلم والفضل.

٦

كان رحمه‌الله كتلة من النشاط والحركة العلمية الدائبة طوال حياته الشريفة ، لم يترك البحث والتأليف حتّى في حالة السفر وركوب الدابة.

ومن أهم نقاط تميّزه العلمي ، عمق أبحاثه ودقّة تحقيقاته وثراء عطائه في مجال الأصولين : أصول الدين وأصول الفقه ، حيث تبلغ مؤلّفاته في هذين الحقلين أكثر من ثلاثين كتابا ، بعضها يقع في عدة مجلدات ، إضافة إلى كتاباته المختلفة في سائر مجالات العلوم ، كمؤلّفاته الكثيرة العميقة في الفقه الإسلامي.

ولو لم يكن من عطاء العلّامة الحلّي إلّا كتابه (نهاية الوصول إلى علم الأصول) لكفى ذلك في إظهار عبقريته ، وإبراز تفوّقه ، وكشف عمق تفكيره وسعة معارفه ، وإحاطته بالآراء المطروحة في المسائل الأصولية في زمانه.

كما يكشف الكتاب عن مستوى أخلاقي متقدّم لدى العلّامة الحلّي يتجلّى في أمانة نقله لآراء الآخرين ، واجتهاد في فهم مقولاتهم على أفضل فروض الصحة ما أمكن ، ثم التزام النهج العلمي والموضوعية في مناقشة الآراء بعيدا عن التعصّب والانحياز ، إلّا إلى ما يقود إليه الدليل الصادق والبرهان الصحيح.

إنّ هذا النهج في البحث العلمي والحوار الموضوعي الّذي سلكه العلّامة الحلّي وأرسى قواعده في كتاباته المختلفة ، لهو النهج الّذي تحتاجه الأمّة لتجاوز حالات القطيعة والنزاع بين طوائفها واتّباع مذاهبها الإسلامية المختلفة.

فالتعارف الصحيح الّذي يوضح صورة كلّ طرف أمام الآخر على حقيقتها ، وليس من خلال الإشاعات والاتّهامات الباطلة ، هو الأرضية المناسبة للتقارب والتواصل بين فئات الأمّة على تنوّع مشاربها ومذاهبها ، كما يقول الإمام

٧

شرف الدين رحمه‌الله : إنّ المسلمين إذا تعارفوا تآلفوا.

كما أنّ الحوار العلمي الموضوعي شرط ضروري لإثراء المعرفة ، وبلورة الرأي والاقتراب من موقع الحقيقة والصواب.

ومن توفيق الله تعالى لمؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام أن تقوم بتحقيق هذا الكتاب وتقديمه إلى عالم الفكر والمعرفة بطباعة أنيقة جميلة.

* * *

ونودّ الإشارة أخيرا إلى أنّ هذا العامّ (١٤٢٦ ه‍) يصادف الذكرى المئوية السابعة لوفاة العلّامة الحلّي سنة (٧٢٦ ه‍) لذا نهيب بحوزاتنا العلمية ، ومؤسّساتنا الدينية ، أن تستثمر هذه المناسبة في الاحتفاء بذكرى هذا الطود العظيم في العلم والمعرفة ، الّذي كرّس حياته للدفاع عن خط أهل البيت عليهم‌السلام وتبيين معالم مدرستهم في العقيدة والشريعة.

ومن أهم مظاهر الاحتفاء بذكرى العلّامة الحلي الاهتمام بتحقيق وطبع تراثه العلمي ونتاجه المعرفي على شكل موسوعة كاملة ، وترجمة بعض مؤلّفاته إلى اللغات العالمية الحيّة ، ليرى المفكرون المعاصرون سعة أفق الفكر الإسلامي وعمق مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.

كما أنّ عقد مؤتمر علميّ في هذه المناسبة لدراسة حياة هذا الرجل العظيم وقراءة أفكاره وآرائه ، سيبعث حركة وموجا ثقافيا فكريا في أوساطنا العلمية وساحتنا الإسلامية.

رحم الله العلّامة الحلّي وأعلى درجته ومقامه ، ووفق الله العاملين في

٨

خدمة الدين والعلم ، لمواصلة مسيرته المقدسة ، وتخليد ذكراه العطرة ، بإحياء آثاره وعلومه.

وفي الختام يتقدّم المؤسس بالشكر الجزيل للعلّامة الحجة الشيخ إبراهيم البهادري الّذي قام بتحقيق هذا الكتاب على أحسن وجه ، شكر الله مساعيه الجميلة ووفقه لأعمال علمية أخرى.

والحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام

قم المقدسة

١٠ ربيع الأوّل ١٤٢٦ ه

٩
١٠

بسم الله الرّحمن الرّحيم

شبهات وإيضاحات

حول أصول الفقه

للشيعة الإماميّة

لقد قمنا بزيارة المملكة المغربية في مستهلّ عام ١٤٢٥ ه‍ ، وتعرّفت على رجال الفكر والثقافة في تلك البلاد من خلال إلقاء المحاضرات في غير واحدة من جامعاتها وحول مواضيع مختلفة. وقد دوّنت خاطراتنا حول هذه الرحلة في كتاب سمّي «على ضفاف جبل طارق» وسيصدر قريبا إن شاء الله تعالى.

وممّا يجب ذكره : إنّي قد ألقيت محاضرة حول تطوّر أصول الفقه عند الإمامية في جامعة القرويين في مدينة فاس بتاريخ ٤ محرم الحرام ١٤٢٥ ه‍ ، وذكرت فيها التطوّر الّذي أحدثه علماء الإمامية في علم الأصول عبر القرون على نحو لا يرى نظيره في المدارس الأخرس ، وذكرنا نماذج من تقدم الحركة الأصولية ، وقد أعقبت هذه المحاضرة مناقشات واستفسارات أجبنا عنها حسب ما سمح لنا الوقت بذلك.

١١

وفي اليوم الأخير من سفرنا والّذي غادرنا فيه المملكة المغربية زرنا صباحا مؤسسة «دار الحديث الحسنية» الّتي يديرها الدكتور أحمد الخمليشي ، وقد استقبلونا بحفاوة وتكريم ، وتعرّفنا هناك على عدد من الأساتذة المحترمين من أصحاب الاختصاصات المتنوّعة ، وقد دار الحديث خلال هذه الزيارة في مواضيع عديدة لا يسع المجال لذكرها هنا.

كلّ ذلك كان بفضل ربنا سبحانه وتعالى حيث التقينا بشخصيات علمية بارزة ، ولمسنا منهم حب المعرفة والاطّلاع على مذهب الشيعة الإماميّة والتقريب بين المسلمين ، والاهتمام بالتبادل الثقافي بين الجمهورية الإسلامية والمملكة المغربية.

* * *

وقد وقفنا في هذه الأيام على مقال نشر في العدد الثاني من مجلة «الواضحة» ، الصادرة عن «دار الحديث الحسنية» في المغرب المؤرخ في ١٤٢٥ ه‍ ـ ٢٠٠٤ م تحت عنوان «أصول الفقه عند الشيعة الإمامية ـ تقديم وتقويم» بقلم : الدكتور أحمد الريسوني ، الأستاذ في جامعة محمد الخامس في الرباط.

ومن حسن الحظ أنّا قد التقينا بصاحب المقال مرتين :

الأولى : خلال إلقاء محاضرة في كلية الآداب والعلوم الإسلامية جامعة محمد الخامس ، والّتي كان موضوعها : «الفقه الإسلامي وأدواره التاريخية».

الثانية : كانت خلال الحفل الّذي أقيم في سفارة الجمهورية الإسلامية في المغرب لتكريم ضيفها.

ونشكر الله الّذي هيّأ لنا هذه اللقاءات الأخوية.

١٢

وقد قرأت المقال ووجدت أنّ المواضيع الّتي تخضع للبحث والنقاش فيه عبارة عمّا يلي :

١. تأخّر الشيعة في تدوين علم الأصول عن السنّة.

٢. أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية ، ومنها سنّة الأئمة الاثني عشر والإجماع.

٣. الإمامية ترفض الأخذ بالقياس والاستصلاح لأنّها أدلّة ظنية ، وفي الوقت نفسه يعملون بالظنّيات كالعمل بأخبار الآحاد.

٤. الإمامية يقولون بحجّية الدليل العقلي بينما يرفضون القياس وهو من بديهيات العقول وأوّلياتها.

٥. الإمامية ترفض حجّية المصلحة؟! ولكنّهم يأخذونها بأسماء وأشكال متعدّدة.

هذه هي المحاور الّتي يدور عليها مقال الدكتور الّذي مارس النقد البنّاء ، واستعرض وجهة نظره بعبارات مهذّبة ، ونحن نتناول تلك الأمور بالبحث والمناقشة ضمن فصول ، خضوعا لما أفاده في مقدّمة مقاله قائلا :

على أنّني حين أضع هذا المقال في سياق التقريب والسعي نحو التفاهم ، فإنّي لا أنفي حتمية النقاش الصريح والنقد الحر المتبادل ، لأنّ التقريب المنشود لا يمكن أن يبنى على المجاملة أو المحاباة ، ولكنّه بحاجة إلى تحسين الظن ، وتهذيب الخطاب ، وتحمّل النقد بحثا عمّا فيه من حق لقبوله ، لا بحثا ـ فقط ـ عمّا فيه من مداخل لنقضه وتسفيهه.

١٣

١

التقدّم في التأسيس أو التدوين

إنّ واقع العلم المنتشر قائم بأمرين :

١. إلقاء الأفكار الّتي تقدح في أذهان المؤسّسين إلى تلاميذهم.

٢. تدوين الأفكار من قبل المؤسّسين أو تلاميذهم الذين اقتبسوا من أضوائهم واستلهموا تلك الأفكار.

وليس علم الأصول شاذّا عن هذه القاعدة.

إذا كانت الغاية من علم الأصول هو تعليم الفقيه كيفية إقامة الدليل على الحكم الشرعي واستنطاق الأدلّة الشرعية لاستنباط الحكم الشرعي في الحقول المختلفة ، فإنّ أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ـ لا سيّما الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام ـ هم السابقون في هذا الميدان ، فقد أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة تتضمّن قواعد أصولية تارة وقواعد فقهية تارة أخرى ، فربّوا جيلا كبيرا من الفقهاء في مجال الاجتهاد والاستنباط حفلت معاجم الرجال والتراجم بأسمائهم وآثارهم.

فمن سبر ما وصل إلينا من آثار الفقهاء في القرن الثاني والثالث ممّن تربّوا في أحضان أهل البيت عليهم‌السلام ، يقف على مدى رقيّهم في سلم الاجتهاد ، فمن باب

١٤

المثال انظر إلى ما بقي إلى هذا الوقت من اجتهادات تلاميذ الإمامين الصادقين عليهما‌السلام ، نظير :

١. زرارة بن أعين (المتوفّى عام ١٥٠ ه‍) الّذي يقول في حقّه ابن النديم : زرارة أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا.

٢. محمد بن مسلم الثقفي (المتوفّى عام ١٥٠ ه‍).

٣. يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى عام ٢٠٨ ه‍).

٤. الفضل بن شاذان (المتوفّى عام ٢٦٠ ه‍) ، مؤلف كتاب «الإيضاح» المطبوع.

إلى غيرهم من الفقهاء البارزين ، الذين تركوا تراثا فقهيا مستنبطا من قواعد أصولية وفقهية على نحو يبهر العقول ، وقد ذكرنا شيئا من فتاواهم واجتهاداتهم في كتابنا (تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره ج ١ ص ١٩٥ ـ ٢٠٢).

وقد كانت اجتهاداتهم واستنباطاتهم على ضوء قواعد تلقّوها عن أئمتهم عليهم‌السلام واستضاءوا بنور علومهم. وقد جاءت هذه القواعد مبثوثة في ضمن أحاديث موجودة في جوامعنا الحديثية.

وقد قام جماعة من المحدّثين بفصل هذه الروايات وجمعها في مكان واحد ، نذكر منهم :

١. فقد جمعها العلّامة المجلسي (١٠٣٧ ـ ١١١٠ ه‍) ضمن موسوعته الكبيرة «بحار الأنوار» ، في كتاب العقل والعلم. (١)

__________________

(١) بحار الأنوار : ٢ / ٢٦٦ ـ ٢٨٣.

١٥

٢. ألّف الشيخ الحر العاملي (المتوفّى ١١٠٤ ه‍) كتابا مستقلا في هذا المضمار أسماه «الفصول المهمة في أصول الأئمة» وقد اشتمل على ٨٦ بابا أودع فيها الأحاديث الّتي تتضمّن قواعد أصولية وفقهية ممّا يبتنى عليها الاستنباط.

٣. صنّف المحدث الخبير السيد عبد الله شبّر (المتوفّى ١٢٤٢ ه‍) كتابا أسماه «الأصول الأصلية والقواعد الشرعية» يحتوي على مائة باب ، وقد طبع الكتاب في ٣٤٠ صفحة.

٤. أخيرهم لا آخرهم العلّامة الفقيه السيد محمد هاشم الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى ١٣١٨ ه‍) الّذي خاض بحار الأحاديث وصرف برهة من عمره في جمع هذا النوع من الروايات المروية عن أهل البيت عليهم‌السلام (والّتي تتضمن الأصول والقواعد الّتي يبتنى عليها الاستنباط) في كتاب سماه «أصول آل الرسول» وأورد فيه خمسة آلاف حديث من هذا النوع ، ولو أسقطنا المتكرر منها لكان في الباقي غنى وكفاية ، وهذا يشهد على تقدّم أئمة أهل البيت عليهم‌السلام في تأسيس الفكرة وهداية الأمّة إلى تلك القواعد والأصول.

هذا وإنّ كثيرا من أئمة الفقه كانوا سبّاقين في التأسيس لا في التدوين ، وإنّما قام بالتدوين تلاميذ منهجهم. ومن المعلوم أنّ الفضل للمؤسّس لا للمدوّن.

هذا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (٨٠ ـ ١٥٠ ه‍) أحد أئمة المذاهب الأربعة ، ومؤسّس الفقه الحنفي قد أسّس مدرسة فقهية توسّعت على يد تلاميذه ، وأخصّ بالذكر منهم : تلميذه المعروف محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ ـ

١٦

١٨٩ ه‍) ، وتلميذه الآخر القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (١١٣ ـ ١٨٢ ه‍) ، وهذان الفقيهان اتّصلا بأبي حنيفة وانقطعا إليه وتفقّها على يديه وبهما انتشر المذهب ، والفضل للمؤسّس لا للمدوّن.

وهذا هو أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤ ـ ٢٤١ ه‍) الحافظ الكبير حيث لم يصنّف كتابا في الفقه يعدّ أصلا ومرجعا ، وإنّما جمع أصوله تلميذ تلميذه «الخلال» من الفتاوى المتشتّتة الموجودة بين أيدي الناس ، وجاء من جاء بعده فاستثمرها وبلورها حتى صارت مذهبا من المذاهب.

يقول الشيخ أبو زهرة : إنّ أحمد لم يصنّف كتابا في الفقه يعدّ أصلا يؤخذ منه مذهبه ويعدّ مرجعه ولم يكتب إلّا الحديث. (١)

ومع هذا فقد صقل تلاميذه مذهبه وألّفوا موسوعة فقهية كبيرة ، كالمغني لابن قدامة ...

وأمّا مسألة التدوين فهي وإن كانت أمرا مهما قابلا للتقدير لكن لا نخوض فيها ، على الرغم من وجود تآليف في أصول الفقه للشيعة الإمامية يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري.

ومن سبر تاريخ الحديث والفقه ودور الأئمة الاثنى عشر وخاصّة الباقر والصادق عليهما‌السلام في حفظ سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتوعية الناس ، يقف على أنّ حضور مجالسهم كان واسعا جدا ، فكان يحضر فيها فئات مختلفة من طوائف المسلمين ، وكانت خطاباتهم موجهة إلى عامّة الحاضرين .. فإنّ الفوارق الّتي نشاهدها اليوم بين السنّة والشيعة لم تكن في عصر الإمامين عليهما‌السلام على حد تصد

__________________

(١) ابن حنبل حياته وعصره لأبي زهرة : ١٦٨.

١٧

غير شيعتهم عن الاختلاف إلى مجالسهم ومحاضراتهم ، فقد كان يشهد حلقات دروسهم فريق من التابعين وتابعي التابعين ، من غير فرق بين من يعتقد بإمامتهم وقيادتهم أو من يرى أنّهم مراجع للعقائد والأحكام.

هذا هو التاريخ يحكي عن أنّ حلقة درس الإمام الصادق كانت تضم عددا كبيرا من رجال العلم ، وها نحن نذكر فيما يلي أسماء البارزين منهم :

١. النعمان بن ثابت (المتوفّى ١٥٠ ه‍) صاحب المذهب الفقهي المعروف. يقول محمود شكري الآلوسي في كتابه «مختصر التحفة الاثنى عشرية» : هذا أبو حنيفة رضى الله عنه وهو من بين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : لو لا السنتان لهلك النعمان ، يريد السنتين اللتين صحب فيهما ـ لأخذ العلم ـ الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام. (١)

يقول أبو زهرة : وأبو حنيفة كان يروي عن الصادق كثيرا ، واقرأ كتاب الآثار لأبي يوسف ، والآثار لمحمد بن الحسن الشيباني فإنّك واجد فيهما رواية عن جعفر بن محمد في مواضع ليست قليلة. (٢)

٢. مالك بن أنس (المتوفّى ١٧٩ ه‍) وكانت له صلة تامّة بالإمام الصادق عليه‌السلام ، وروى الحديث عنه ، واشتهر قوله : ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد.

٣. سفيان الثوري (المتوفّى ١٦١ ه‍) من رؤساء المذهب وحملة الحديث

__________________

(١) مختصر التحفة : ص ٨ طبع عام ١٣٠١ ه‍.

(٢) الإمام الصادق : ٣٨.

١٨

وكان له اختصاص بالإمام الصادق ، وقد روى عنه الحديث ، كما روى كثيرا من آدابه وأخلاقه ومواعظه.

٤. سفيان بن عيينة (المتوفّى ١٩٨ ه‍) وهو من رؤساء المذاهب البائدة.

٥. شعبة بن الحجاج (المتوفّى ١٦٠ ه‍) ، خرّج له أصحاب الصحاح والسنن.

٦. فضيل بن عياض (المتوفّى ١٨٧ ه‍) ، أحد أئمة الهدى والسنّة. خرّج له البخاري.

٧. حاتم بن إسماعيل (المتوفّى ١٨٠ ه‍) خرج له البخاري ومسلم ، أخذ عن الصادق عليه‌السلام وأخذ عنه خلق كثير.

٨. حفص بن غياث (المتوفّى ١٩٤ ه‍) روى عن الصادق عليه‌السلام وروى عنه أحمد وغيره.

٩. إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المدني (المتوفّى ١٩١ ه‍) روى عن الصادق.

١٠. عبد الملك بن جريج القرشي (المتوفّى ١٤٩ ه‍).

هذه عشرة كاملة ومن أراد أن يقف على حملة علمه وتلامذة منهجه من السنّة ، فعليه بكتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لأسد حيدر ج ١ ص ٤٠٠ ـ ٤٢١.

هذه نبذة ممّن استناروا بنور الصادق عليه‌السلام الوهّاج وانتهلوا من نميره العذب وتلقّوا عنه الفقه والحديث كما تلقّاهما عنه غيرهم من شيعته.

* * *

١٩

٢

أدلّة الأحكام عند الإماميّة

اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ منابع الفقه ومصادره لا تتجاوز الأربعة ، وهي :

١. الكتاب.

٢. السنّة.

٣. الإجماع.

٤. العقل.

وما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع ، أو ترجع إليها.

هذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلي (٥٤٣ ـ ٥٩٨ ه‍) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه (السرائر) ويحدّد موضع كل منها ، ويقول : فإنّ الحق لا يعدو أربع طرق : إمّا كتاب الله سبحانه ، أو سنّة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتواترة المتّفق عليها (١) ، أو الإجماع ، أو دليل العقل ؛ فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في

__________________

(١) اشتراط التواتر نظرية خاصّة لقليل من علماء الإمامية ، فالجمهور منهم يعملون بخبر العدل أيضا.

٢٠