نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ١

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ١

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-357-152-1
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٦٢٩
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

التوبة : ١٢٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أصول الفقه

بين الماضي والحاضر

الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.

والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة ، تجمعها العناوين التالية : العبادات ، والمعاملات ، والإيقاعات والسياسات.

فالمتكلّم الإسلامي من تكفّل ببيان العقيدة ، وبرهن على الإيمان بالله سبحانه وصفاته الجمالية والجلالية ، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء ونصب الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.

كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع ، والتنويه بوظيفتهما أمام الله سبحانه ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.

بيد أنّ لفيفا من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين ، فهم

٥

في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه ، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه ، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.

فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها واستخراجها من الكتاب والسنّة رهن أمور ، أهمها : العلم بأصول الفقه ، وهو العلم الذي يرشد إلى كيفيّة الاجتهاد والاستنباط ، ويذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعيّة.

إنّ كلّ علم يوم حدوثه ونشوئه لم يكن إلّا مسائل عديدة لا تتجاوز عدد الأصابع شغلت بال الباحث أو الباحثين ، ولكنّها أخذت تتكامل وتتشعّب عبر الزمان حتّى صارت علما متكامل الأركان ، له خصوصيّات كلّ علم ، أعني : تعريفه ، وموضوعه ، ومسائله.

وهذه خصيصة كلّ علم من العلوم الّتي تسير مع تكامل الإنسان.

وأمامك علم المنطق ؛ فقد نقل الشيخ الرئيس في آخر منطق الشفاء عن أرسطوطاليس أنّه قال : إنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلّا ضوابط غير مفصّلة. وأمّا تفصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه وضروبه وتمييز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام ، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا وأسهرنا أعيننا حتّى استقام على هذا الأمر ، فإن وقع لأحد ممّن يأتي بعدنا فيه زيادة أو إصلاح فليصلحه ، أو خلل فليسدّه (١).

هذا هو نفس العلم ، وفي جانب كلّ علم ، بحث آخر ربّما يسمّى بتاريخ

__________________

(١) شرح المنظومة للحكيم السبزواري : ٥ ـ ٦. نقلا عن منطق الشفاء للشيخ الرئيس ابن سيناء.

٦

العلم ، وهو غير العلم نفسه ، حيث يستعرض الباحث في تاريخ العلم الأسباب الّتي أدّت إلى نشوئه ، أو صارت سببا لتكامله خلال العصور ، والإلماع إلى العلماء الذين كان لهم دور في تطوّر العلم ، إلى غير ذلك من المباحث الّتي تناسب تاريخ العلم.

وهنا نفترض أنّ سفينة تجري على ضفاف البحر ، وتشقّ الأمواج العاتية في وسطه ، متقدّمة إلى الأمام ، فهناك راكب فيها ، كما أنّ هناك ناظر إليها من بعيد ، ولكلّ بالنسبة إلى السفينة رؤية خاصّة ، فالراكب إذا أراد وصفها فسوف يصف معدّاتها الداخلية وما فيها من غرف الملّاحين ، ومخازن الأطعمة والأشربة ، ومقاعد الركاب وغرفهم ، إلى غير ذلك ممّا يقع نظره عليه.

وأمّا الآخر فهو ينظر إليها بما أنّها مصنوع قام بصنعها كبار المهندسين ومهرة العمّال وفق تخطيط دقيق باستخدام أدوات مختلفة ، وموادّ متنوعة ، حتّى صارت جاهزة تقلّ الركّاب وتنقل البضائع من ميناء إلى ميناء.

فالنظرة الأولى نظرة فاحصة متعلّقة بما في داخل السفينة ، والنظرة الثانية نظرة فاحصة تتعلق بخارجها.

وعلى ضوء هذا المثال يمكن التفريق بين نفس العلم وتاريخه ، فالنظر إلى داخل العلم بما له من موضوعات ومسائل وغايات ، هي دراسة لنفس العلم.

كما أنّ النظر إليه من حيث نشوئه وتكامله بيد أساتذته عبر الزمان ، هي دراسة لتاريخ العلم وسيره من بداية نشوئه إلى الحد الّذي بلغه.

وعلى هذا ف «أصول الفقه» علم له تعريفه وموضوعه ومسائله وغاياته ، وقد أفاض فيه علماء الأصول في بحوثهم ودراساتهم وكتبهم ، ونحن هنا

٧

لا نخوض فيه ، بل ننتقل إلى الجانب الثاني ـ أعني : دراسة تاريخ هذا العلم ـ والأسباب التي أدّت إلى نشوء هذا العلم وتدوينه بصورة رسائل وكتب.

حاجة الفقيه إلى أصول الفقه :

إنّ الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.

والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة تجمعها العناوين التالية :

«العبادات ، المعاملات ، الإيقاعات ، والسياسات». فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ، فلم يترك الدين شيئا يحتاج إليه المجتمع في عاجله وآجله ، وأغنى الإنسان المسلم عن كلّ تشريع وضعي سوى ما شرّعه الدين.

يرشدنا إلى إغناء التشريع الإسلامي عن كلّ قانون سواه ، لفيف من الآيات والروايات ، ونكتفي بما يلي :

١. قال سبحانه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً)(١).

٢. قال أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمّة إلّا أنزله في كتابه ، وبيّنه لرسوله ، وجعل لكلّ شيء حدّا ، وجعل عليه دليلا يدلّ عليه». (٢)

__________________

(١) المائدة : ٣.

(٢) الكافي : ١ / ٥٩ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.

٨

٣. قال الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : «ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنّة». (١)

٤. وقال أبو الحسن الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام في جواب من سأله : أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه.

قال : «بلى كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه». (٢)

هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، أنّه كلّما توسّع نطاق الحضارة ، وبلغ الإنسان منها ما بلغ ، احتاج في تنظيم حياته إلى تشريعات خاصّة أزيد ممّا كان يحتاج إليها في الظروف الغابرة ؛ وبما أنّ الحضارة الإنسانيّة ما زالت تتوسّع وتتكامل ، فذلك يستتبع حاجة الإنسان إلى تشريعات جديدة تستنبط من الكتاب والسنّة مع سائر الأدلّة.

وهذا الأمران هما :

١. استغناء المسلم عن كلّ تشريع سوى تشريع السماء.

٢. تزايد الحاجة إلى التشريعات الجديدة.

فهذان الأمران يفرضان على الفقيه الدقّة والإمعان في الكتاب والسنّة ، واستنطاقهما مع سائر الأدلّة في الحوادث المستجدّة ، وهذا هو نفس الاجتهاد الّذي فتح الله بابه على الأمّة الإسلاميّة منذ رحيل الرسول إلى يومنا هذا.

ومن المعلوم : أنّ استنطاق الأدلّة الأربعة يجب أن يكون تابعا لنظام منطقيّ يصون المجتهد عن الخطأ في الاستنباط. وهذا هو علم «أصول الفقه» فإنّ دوره هو تعليم المجتهد كيفيّة استنطاق الدليل الشرعي لاستنباط الحكم الإلهي في حقول مختلفة.

__________________

(١ و ٢) الكافي : ١ / ٥٩ ، باب الرّد إلى الكتاب والسنّة.

٩

إنّ إغناء الكتاب والسنّة والإجماع والعقل عن كلّ تشريع سواه ، رهن اشتمالها على مادّة حيويّة وأصول وقواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري عبر القرون والأجيال.

وهذه الثروة العلميّة من مواهبه سبحانه للأمّة بين سائر الأمم.

ومن المعلوم أنّ تبسيط المادة الحيويّة وتهيئتها للإجابة على مورد الحاجة دون نظام خاص يسهّل إنتاج الأحكام الفرعية من هذه الموادّ والأصول ، يوجد الفوضى في حقل الاستنباط.

فوزان علم الأصول بالنسبة إلى الفقه ، وزان علم المنطق إلى الفلسفة ، فكما أنّ المنطق يعلّم الباحث كيفية الاستدلال والبرهنة على المسائل العقليّة أو الكونيّة أو المعارف الإلهية ، فهكذا علم الأصول يرشد المجتهد إلى كيفيّة ردّ الفروع إلى الأصول.

المسلمون الأوائل والمسائل المستجدّة :

واجه المسلمون في فتوحاتهم واحتكاكهم مع الأمم الاخرى مسائل وموضوعات مستجدّة لم يجدوا حلّها في الكتاب والسنّة بصراحة ـ مع العلم بكمال الدين في حقلي العقيدة والشريعة ـ فأخذ كلّ صحابي أو تابعي بالإجابة وفق معايير خاصّة ، دون أن يكون هناك منهج خاص يصبّ تمام الجهود على مورد واحد ، فمسّت الحاجة إلى تدوين أصول وقواعد تضفي على الاجتهاد منهجيّة ونظاما خاصّا يخرجه عن الفوضى في الإفتاء ، فعند ذلك جاء دور أصول الفقه المتكفّل لبيان المنهج الصحيح للاستنباط.

١٠

جذور علم الأصول في أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام

إنّ أئمة أهل البيت عليهم‌السلام لا سيّما الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة في الاستنباط يقتنص منها قواعد أصوليّة أوّلا وقواعد فقهيّة ثانيا على الفرق المقرّر بينهما. وقد قام غير واحد من علماء الإماميّة بتأليف كتاب في جمع القواعد الأصوليّة والفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، ونخصّ بالذكر الكتب الثلاث التالية :

أ ـ الفصول المهمة في أصول الأئمّة : للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى ١١٠٤ ه‍).

ب ـ الأصول الأصليّة : للعلّامة السيّد عبد الله شبّر الحسيني الغروي (المتوفّى ١٢٤٢ ه‍).

ج ـ أصول آل الرسول ، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى ١٣١٨ ه‍).

وبمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط تدوين علم أصول الفقه عند الإماميّة على ضوء القواعد الكلّية الواردة في أحاديث أئمّتهم ، مضافا إلى ما جادت به أفكارهم.

فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى ٢٠٨ ه‍) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل والترجيح في الكتب الأصوليّة.

كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (٢٣٧ ـ ٣١١ ه‍) كتاب : الخصوص والعموم ، والأسماء والأحكام ، وإبطال القياس.

١١

إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي ، فألّف كتاب : «خبر الواحد والعمل به». وهذه هي المرحلة الأولى لنشوء علم أصول الفقه عند الشيعة القدماء.

وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة عليهم‌السلام سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأصولية ، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف.

وأمّا الآخرون فقد اشتهر أنّ أوّل من ألّف في أصول الفقه هو الإمام الشافعي.

قال الإمام الرازي : اتّفق الناس على أنّ أوّل من صنّف في هذا العلم ـ أي أصول الفقه ـ الشافعي ، وهو الّذي رتّب أبوابه ، وميّز بعض أقسامه في بعض ، وشرح مراتبها في القوة والضعف (١).

وما ذكره الرازي موضع تأمّل ، وإن اشتهر بين المتأخّرين أنّ الإمام الشافعي أوّل من ألّف في علم الأصول والّذي طبع باسم «الرسالة» ، وذلك :

١. أنّ أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفّى (عام ١٨٢ ه‍) أوّل من ألّف في أصول الفقه على وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة. (٢)

٢. أنّ محمد بن حسن الشيباني المتوفّى (عام ١٨٩ ه‍) هو أحد من ألّف في أصول الفقه ، كما صرّح به ابن النديم (٣) ، فلم يعلم تقدّم الشافعي على العالمين لو لم نقل بتقدّمهما عليه.

__________________

(١) مناقب الإمام الشافعي للرازي : ٥٦ ـ ٥٧.

(٢) وفيات الأعيان لابن خلكان : ٦ / ٣٨٣.

(٣) فهرست ابن النديم : ٢٥٨.

١٢

وعلى كل تقدير فنحن نقدر ونثمن جهود الفقهاء الّتي بذلوها في تنمية أصول الفقه وإظهاره للوجود ثم تطويره وتكامله ، وهو من مواهب الله سبحانه.

تعريف أصول الفقه :

إنّ البحث السابق رفع الستار عن واقع أصول الفقه وبالتالي عن تعريفه.

وهو عبارة عن : العلم بالقواعد الّتي يتوصّل بها الفقيه إلى استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها ، أو ينتهي إليها المجتهد بعد اليأس من العثور على الأدلّة الشرعيّة ، وهذا كالأصول العمليّة من البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب ، فالمستنبط يلتجئ إليها عند اليأس من العثور على الدليل التفصيلي.

فالمجتهد تارة يستنبط الحكم الشرعي الواقعي ، كما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنّة ؛ وأخرى يرشد المكلّف إلى وظيفته الفعلية من العمل بالبراءة والاحتياط وغيرها. والفرق بين الأمرين واضح لمن مارس أصول الفقه لدى الإماميّة.

موضوع علم الأصول :

المشهور أنّ موضوع أصول الفقه هو الأدلّة الأربعة ، أو الحجّة في الفقه ؛ والثاني هو الأظهر ، لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة بالأربعة ، وهناك من يحتجّ بالعقل ، ومنهم من لا يحتجّ به.

وبما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة ، فللأصولي

١٣

أن يبحث في أصول الفقه عن عوارض «الحجّة في الفقه» ، وعندئذ يقع الكلام في العوارض الّتي تعرض على «الحجّة في الفقه» والأصولي يبحث عنها؟ وهذا ما يحتاج إلى بيان زائد ، وهو :

إنّ العارض على قسمين :

أ ـ عارض خارجيّ يخبر عن عروض شيء على المعروض خارجا ، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجيّة كما في الفيزياء ، أو الداخليّة كما في الكيمياء ، إلى غير ذلك من الأعراض.

ب ـ عارض تحليلي وعقلي ، وهذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود ، حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد ، فالحكيم يبحث عن تعيّناته وتشخّصاته ، فصار يقسّمه إلى واجب وممكن ، وعلّة ومعلول ، ومادّي ومجرّد ، وواحد وكثير.

وعلى ضوء هذا ، فالموضوع في علم أصول الفقه هو «الحجّة في الفقه» ، فإنّ الفقيه يعلم وجدانا بأنّ بينه وبين ربّه حججا تتضمّن بيان الشريعة والأحكام العمليّة. فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال ، وأنّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ وبالقياس وعدمه ، إلى غير ذلك.

فقولنا : خبر الواحد حجّة أو القياس حجّة ، يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد والقياس وغيرهما ، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهرا في الوجوب ، والنهي في الحرمة ، يرجع لبّ البحث فيه إلى وجود الحجّة على لزوم إتيان الأمر الفلاني ، أو وجود الحجّة على تركه. (١)

__________________

(١) رسائل ومقالات : ٤ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠.

١٤

اتّجاهان في تدوين أصول الفقه

قام بتدوين أصول الفقه في أوّل الأمر طائفتان هما : المتكلّمون والفقهاء.

الطائفة الأولى : كانت تمثّل المذهب الشافعي في الفقه.

والطائفة الثانية : كانت تمثّل مذهب الإمام أبي حنيفة.

ولأجل التعرّف على كلا الاتّجاهين عن كثب ، نذكر شيئا منهما ، ثم نشير إلى أسماء الكتب الّتي ألّفت في هذين المضمارين.

طريقة المتكلّمين

تمتّعت طريقة المتكلّمين بالأمور التالية :

أ. النظر إلى أصول الفقه نظرة استقلاليّة ، حتى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهيّة ، فأخذوا بالفروع لما وافق الأصول وتركوا ما لم يوافق ، وبذلك صار أصول الفقه علما مستقلا غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأصول.

ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابع عقلي واستدلالي استخدمت فيه أصول مسلّمة في علم الكلام ، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليّين ، وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه ، إلى غير ذلك.

ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع.

يقول الشيخ أبو زهرة في وصف هذه المدرسة : «الاتّجاه الّذي

١٥

سمّي أصول الشافعيين أو أصول المتكلّمين ، كان اتّجاها نظريا خالصا ، وكانت عناية الباقين فيه متّجهة إلى تحقيق القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبيّ ، بل يدلّ انتاج أقوى القواعد ، سواء أكان يؤدّي إلى خدمة مذهبهم أم لا يؤدّي ـ إلى أن قال ـ وقد كثرت في هذا المنهاج ، الفروض النظريّة والمناحي الفلسفيّة والمنطقيّة ، فتجدهم قد تكلّموا في أصل اللغات ، وأثاروا بحوثا نظرية ، ككلامهم في التحسين العقلي والتقبيح العقلي ، مع اتّفاقهم جميعا على أنّ الأحكام في غير العبادات معلّلة معقولة المعنى.

ويختلفون كذلك في أنّ شكر المنعم واجب بالسمع والعقل ، مع اتّفاقهم على أنّه واجب.

وهكذا يختلفون في مسائل نظريّة لا يترتب عليها عمل ، ولا تسن طريقا للاستنباط ، ومن ذلك اختلافهم في جواز تكليف المعدوم. (١)

بل إنّهم لم يمتنعوا عن أن يخوضوا في مسائل من صميم علم الكلام ، ولا صلة لها في الفقه إلّا من ناحية أنّ الكلام فيها كلام فيها كلام في أصل الدين ، ومن ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء قبل النبوّة ، فقد عقدوا فصلا تكلّموا فيه في عصمة الأنبياء قبل النبوة». (٢)

ثمّ أضاف وقال : وإنّ ذلك الاتّجاه أفاد علم الأصول في الجملة ، فقد كان البحث فيه لا يعتمد على تعصّب مذهبي ، ولم تخضع فيه القواعد الأصوليّة للفروع المذهبيّة ، بل كانت القواعد تدرس على أنّها حاكمة على الفروع ، وعلى

__________________

(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي : ١ / ٢١٩.

(٢) أصول الفقه لأبي زهرة : ١٦.

١٦

أنّها دعامة الفقه ، وطريقة الاستنباط ، وأنّ ذلك النظر المجرّد قد أفاد قواعد أصول الفقه ، فدرست دراسة عميقة بعيدة عن التعصّب في الجملة ، فصحبه تنقيح وتحرير لهذه القواعد ، ولا شك أنّ هذه واحدها فائدة علميّة جليلة ، لها أثرها في تغذية طلّاب العلوم الإسلاميّة بأغزر علم وأدقّه. (١)

وسوف توافيك قائمة بأسماء بعض الكتب التي ألّفت على هذا المنهاج ، مع الإشارة إلى الفصول الّتي لا تقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي.

طريقة الفقهاء

وهناك طريقة أخرى تمتاز بما يلي :

أ. إنها تنظر إلى أصول الفقه نظرة آلية ، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأصول وعدمها هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب ، فكانوا يقرّرون القواعد الأصوليّة طبقا لما قرّره أئمة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهيّة ، وتكون القاعدة الأصوليّة منسجمة مع الفروع الفقهيّة ، فلو خالفتها لما قام لها وزن وإن أيّده البرهان وعضده الدليل ؛ فتجد كثرة التخريج تشكّل الطابع العام في كتبهم التي ألفت على هذه الطريقة.

ب. خلوّ هذه الطريقة من الأساليب العقليّة والقواعد الكلاميّة.

ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث ، وأوّل من ألّف على هذا الأسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى ٢٢٠ ه‍).

__________________

(١) أصول الفقه لأبي زهرة : ١٧.

١٧

قال أبو زهرة في تبيين ذلك الاتّجاه : الاتّجاه الثاني هو الاتّجاه المتأثر بالفروع ، وقد اتّجه فيه الباحثون إلى قواعد الأصول ليقيسوا بها فروع مذهبهم ، ويثبتوا سلامتها بهذه المقاييس. وبذلك يصحّحون بها استنباطها ويزودون بها في مقام الجدل والمناظرة ، فكانت دراسة الأصول على ذلك النحو صورة لينابيع الفروع المذهبيّة وحججها ، ولقد قال بعض العلماء : إنّ الحنفيّة أوّل من سلكوا هذه الطريقة ولم تكن لهم أصول فقهية نشأت في عهد الاستنباط (١).

نظرة إلى طريقة الفقهاء :

إذا كانت الغاية من تدوين علم الأصول هي التعرّف على قواعد تسهّل الاستنباط ، وتأخذ بيد المجتهد إلى استنباط الحكم الشرعي ؛ فيجب أن تكون القواعد الأصوليّة حاكمة على الفروع ودعامة للفقه ، وطريقة للاستنباط ، وهذا لا ينطبق إلّا على طريقة المتكلّمين.

وأمّا إذا كانت الغاية هي تصحيح الفروع التي أفتى بها الإمام ومخرجو مذهبه ، فيكون حينئذ قليلة الجدوى ، لأنّه يصبح دفاعا عن مذهب معيّن ، فلو وافقها أخذ به ، وإن خالفها رفضها.

والحاصل أنّ علم الأصول هو العلم الذي يعدّ منهاجا للاستنباط وطريقا إليه ، وأمّا إذا كانت الغاية منه تأييد المذهب والدفاع عنه ، فيصبح علم الأصول أداة طيّعة لفتوى الإمام ، ولا يكون منهاجا للاجتهاد.

__________________

(١) نفس المصدر : ١٨.

١٨

ولأجل هاتين الرؤيتين المختلفتين ، نرى اختلافا واضحا بين الأصوليّين لأتباع أئمّة المذاهب.

نعم الذي يؤاخذ على طريقة المتكلّمين هو أن الكتب الأصوليّة عندهم ، قد أصبحت مقتصرة على ذكر القواعد والأصول دون تطبيقها على مصاديقها ، وبذلك أصبحت لا تنفع للفقيه ، من حيث التطبيق والتدريب. نعم قام بعضهم بالجمع بين الأمرين في بعض كتبهم.

وهذا الإشكال ـ ذكر القواعد بلا تطبيقات وتمرينات ـ داء منتشر ولا يختصّ بكتب علم الأصول فقط ، بل يعمّ كتب النحو والصرف والمعاني والبيان ، فيجد المتعلّم فيها قواعد جافّة دون أن يطبقها على موارد في الكتاب والسنّة ، أو كلمات البلغاء وأشعار الفصحاء.

ولأجل أن يقف القارئ على نماذج ممّا ألّف في هذين المضمارين ، نشير إلى بعض من ذلك.

المؤلّفون على طريقة المتكلّمين :

قام غير واحد من الأصوليّين بتأليف كتب أصوليّة على هذه الطريقة ، ونشير إلى أسمائهم مع كتبهم على وجه الإيجاز :

١. أبو بكر الصيرفي (المتوفّى ٣٣٠ ه‍) :

مؤلّف : «البيان في دلائل الاعلام على أصول الأحكام».

١٩

٢. محمد بن سعيد القاضي (المتوفّى ٣٤٦ ه‍) :

مؤلف : «الهداية» وكان علماء خوارزم يتداولونه.

٣. القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى ٤٠٣ ه‍) :

مؤلّف : «التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد».

٤. قاضي القضاة عبد الجبار (٣٢٤ ـ ٤١٥ ه‍) :

مؤلّف : «النهاية» و «العمد».

٥. أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب (المتوفّى ٤٣٦ ه‍) :

مؤلّف : «المعتمد».

٦. أبو الوليد الباجي (المتوفّى ٤٧٤ ه‍) :

مؤلف كتاب «إحكام الفصول في أحكام الأصول».

٧. أبو إسحاق الشيرازي (المتوفّى ٤٧٦ ه‍) :

مؤلّف : «اللمع» وكتاب «التبصرة».

٨. أبو نصر أحمد بن جعفر بن الصباغ (المتوفّى ٤٧٧ ه‍) :

مؤلّف : «العدّة» و «تذكرة العامل» و «الطريق السالم».

٢٠