أضواء على عقائد الشيعة الإماميّة وتأريخهم

الشيخ جعفر السبحاني

أضواء على عقائد الشيعة الإماميّة وتأريخهم

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: نشر مشعر
الطبعة: ١
ISBN: 964-6293-80-8
الصفحات: ٧٧٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدّمة الناشر

لا يأتي المرء بجديد إذا ذهب إلى القول بأنّ الحقبة الزمنيّة التي شهدت البعثة المباركة لخاتم الأنبياء محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وسنوات عمره المعطاءة القصيرة كانت تؤلّف بحدّ ذاتها انعطافاً رهيباً وتحوّلاً كبيراً في حياة البشرية ، في وقت شهد فيه الخطّ البياني الدالّ على مدى الابتعاد المتسارع عن المنهج السماوي وشرائعه المقدّسة انحداراً عميقاً وتردّياً ملحوظاً أصبح من العسير على أحد تحديد مدى انتهائه وحدود أبعاده.

بلى ، إنّ مجرّد الاستقراء المتعجّل لأبعاد التحوّل الفكري والعقائدي في حياة البشرية عقيب قيام هذه الدعوة السماوية في أرض الجزيرة ـ المسترخية على رمال الوهم والخداع وسيل الدم المتدافع ـ يكشف وبلا تطرّف ومحاباة عظم ذلك التأثير الإيجابي الذي يمكن تحديد مساره من خلال رؤية التحوّل المعاكس في كيفيّة التعامل اليومي مع أحداث الحياة وتطوّراتها ، وبالتالي في فهم الصورة الحقيقية لغاية خلق الإنسان ودوره في بناء الحياة.

كما أنّ هذه الحقائق المجسّدة تكشف بالتالي عن عظم الجهد الذي بذله صاحب

٥

الرسالة صلى‌الله‌عليه‌وآله في تحقيق هذا الأمر وتثبيت أركانه ، في وقت شهدت فيه البشرية جمعاء ضياعاً ملحوظاً في جميع قيمها ومعتقداتها ، وخلطاً وتزييفاً مدروساً في مجمل عقائدها ومرتكزات أفكارها ، كرّس بالتالي مسارها المبتعد عن الخطّ السماوي ومناهجه السويّة ، وأنّ أيّ استعراض لمجمل القيم السائدة آنذاك ـ والتي كانت تؤلّف المعيار الأساسي والمفصل المهمّ الذي تستند إليه مجموع السلوكيّات الفردية والجماعية ، وتشذَّب من خلاله ـ يكشف عن عمق المأساة التي كانت تعيشها تلك الأُمم في تلك الأزمنة الغابرة.

فمراكز التشريع الحاكمة آنذاك ـ والتي تعتبر في تصوّر العوام وفهمهم مصدر القرار العرفي والشرعي المدير لشئون الناس والمتحكّم بمصايرهم ومسار تفكيرهم ـ تنحصر في ثلاثة مراكز معلومة أركانها الأساسية : اليهود بما يمتلكونه من طرح عقائدي وفكري يستند إلى ثروات طائلة كبيرة ، والصليبيون بما يؤلّفونه من قوّة مادّية ضخمة تمتد مفاصلها ومراكزها إلى أبعد النقاط والحدود ، وأصحاب الثروة والجاه من المتنفّذين والمتحكّمين في مصائر الناس.

ومن هنا فإنّ كلّ الضوابط الأخلاقية والمبادئ العرفية والعلاقات الروحية والاجتماعية كانت تخضع لتشذيب تلك المراكز وتوجيهها بما يتلاءم وتوجّهاتها التي لا تحدّها أيّ حدود.

إنّ هذه المراكز الفاسدة كانت تعمل جاهدة لأن تسلخ الإنسان من كيانه العظيم الذي أراده الله تعالى له ، ودفعه عن دوره الكبير الذي خلق من أجله عند ما قال تعالى للملائكة : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (١) بل تعمل جاهدة لأن تحجب تماماً رؤية هذه الحقيقة العظيمة عن ناظر الإنسان ليبقى دائماً بيدقاً أعمى تجول به أصابعهم الشيطانية لتنفيذ أفكارهم المنبعثة من شهواتهم المنحرفة.

__________________

(١) البقرة : ٣٠.

٦

وأمّا ما يمكن الاعتقاد به من بقايا آثار الرسالات السابقة ، فلا تعدو كونها ذبالات محتضرة لم تستطع الصمود أمام تيارات التزييف والكذب والخداع التي مسخت صورتها إلى أبعد الحدود.

نعم بُعث محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قوم خير تعبير عنهم قول جعفر بن أبي طالب للنجاشي : أيها الملك كنّا أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويّ منا الضعيف.

هذا في الوقت الذي كانت فيه مراكز القوى تلك تتضخّم وتتعاظم على حساب ضياع البشرية وموت مبادئها.

وهكذا فقد كانت الدعوة الإسلامية الفتيّة وصاحبها صلى‌الله‌عليه‌وآله في مواجهة هذه المراكز بامتداداتها الرهيبة وقدراتها العظيمة ، والتي كوّنت أعنف مواجهة شرسة وقتالاً ليس له مثيل صبغ أرض الجزيرة ورمالها الصفراء بلون أحمر قانٍ لسنوات لم يعرف فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخيرة أصحابه للراحة طعماً وللسكون مسكناً.

إنّ تلك الحصون المليئة بالشرّ والخراب لم تتهاوَ إلّا بعد جهد جهيد وسيل جارف من الدماء الطاهرة التي لا توزن بها الجبال ، من رجال وقفوا أنفسهم وأرواحهم من أجل هذا الدين وصاحبه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فاستطاع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقيم حكومة الله تعالى في الأرض ، وأن يثبت فيها الأركان على أساس الواقع والوجود ، فلم تجد آنذاك كلّ قوى الشرّ بدّاً من الاختباء في زوايا العتمة والظلام تتحيّن الفرص السانحة والظروف الملائمة للانقضاض على هذا البنيان الذي بدا يزداد شموخاً وعلوّاً مع تقادم السنين.

لقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يدرك عياناً أنّ نقطة ضعف هذه الأُمّة يكمن في تفرّقها وفي تبعثر جهودها ممّا سيمكّن من ظهور منافذ مشرعة في هذا البنيان الكبير لا تتردّد أركان الكفر وأعداء الدين المتلوّنون والمتستّرون من النفوذ خلالها

٧

والتسلّل بين أهلها ، وفي ذلك الخطر الأكبر. ولذا فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصرّح ويحذّر من افتراق أُمّته ، ويلوح للمفترقين بالنار والجحيم.

بيد أنّ ما حذَّر منه صلى‌الله‌عليه‌وآله وما كان يخشاه ، بدت أوّل معالمه الخطرة تتوضّح في اللحظات الأُولى لرحيله صلى‌الله‌عليه‌وآله وانتقاله إلى عالم الخلود ، وعندها وجد أعداء هذا الدين الفرصة مؤاتية للولوج إلى داخل هذا البناء ، والعمل على هدمه بمعاول أهله لا بمعاولهم هم.

فتفرّقت هذه الأُمّة فرقاً فرقاً وجماعات جماعات ، لا تتردّد كلّ واحدة من أن تكفّر الأُخرى ، وتكيل لها التهم الباطلة والافتراءات الظالمة ، وانشغل المسلمون عن أعدائهم بقتال إخوانهم والتمثيل بأجسادهم ، وحلّ بالأُمّة وباء وبيل بدأ يستشري في جسدها الغضّ بهدوء دون أن تنشغل بعلاجه.

نعم بعد هذه السنين المرّة من الفرقة والتشتّت بدأ المسلمون في أُخريات المطاف يلعقون جراحاً خلّفتها سيوف إخوانهم لا سيوف أعدائهم في حين ينظر إليهم أعداؤهم بتشفّ وشماتة.

إنّ ما حلَّ بالمسلمين من مصائب وتخلّف في كافة المستويات أوقعتهم في براثن المستعمرين أعداء الله ورسله يعود إلى تفرق كلمتهم وتبعثر جهودهم وتمزّق وحدتهم ، ولعلّ نظرة عاجلة لما يجري في بقاع المعمورة المختلفة يوضّح لنا هذه الصورة المؤلمة والمفجعة ، فمن فلسطين مروراً بلبنان ، والعراق ، وأفغانستان ، والبوسنة والهرسك ، والصومال وغيرها وغيرها مشاهد مؤلمة لنتائج هذا التمزّق والتبعثر.

وإن كان من كلمة تقال فإنّ للجهود المخلصة الداعية إلى الالتفات إلى مصدر الداء لا أعراضه فقط الثقل الأكبر في توقّي غيرها من المضاعفات الخطيرة التي تتولّد كلّ يوم في بلد من بلاد المسلمين لا في غيرها.

٨

ولا نغالي إذا قلنا بأنّ للجمهورية الإسلامية في إيران ومؤسّسها الإمام الخميني ـ رضوان الله تعالى عليه ـ الفضل الأكبر في تشخيص موضع الداء وتحديد موطنه.

ولعل الاستقراء المختصر لجمل توجيهات الإمام قدس‌سره طوال حياته ولسنين طويلة يدلّنا بوضوح على قدرته التشخيصية في وضع يده على موضع الداء ، ودعوته إلى الالتفات إلى ذلك ، لا إلى الانشغال بما عداه.

فمن نداء له قدس‌سره إلى حجّاج بيت الله الحرام في عام ١٣٩٩ ه‍ قال : ومن واجبات هذا التجمّع العظيم دعوة الناس والمجتمعات الإسلامية إلى وحدة الكلمة وإزالة الخلافات بين فئات المسلمين ، وعلى الخطباء والوعّاظ والكتّاب أن يهتمّوا بهذا الأمر الحياتي ويسعوا إلى إيجاد جبهة للمستضعفين للتحرّر ـ بوحدة الجبهة ووحدة الكلمة وشعار (لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) ـ من أسر القوى الأجنبية الشيطانية والمستعمرة والمستغلّة ، وللتغلّب بالأُخوّة الإسلامية على المشاكل.

فيا مسلمي العالم ، ويا أتباع مدرسة التوحيد : إنّ رمز كلّ مصائب البلدان الإسلامية هو اختلاف الكلمة وعدم الانسجام ، ورمز الانتصار وحدة الكلمة والانسجام ، وقد بيّن الله تعالى ذلك في جملة واحدة : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (١) والاعتصام بحبل الله تبيان لتنسيق جميع المسلمين من أجل الإسلام وفي اتّجاه الإسلام ولمصالح المسلمين ، والابتعاد عن التفرقة والانفصال والفئوية التي هي أساس كل مصيبة وتخلّف.

وقال قدس‌سره في كلمة له مع وفد من كبار علماء الحرمين الشريفين سنة ١٣٩٩ ه‍ : رمز انتصار المسلمين في صدر الإسلام كان وحدة الكلمة وقوة الإيمان.

لو كان ثمة وحدة كلمة إسلامية ، ولو كانت الحكومات والشعوب الإسلامية

__________________

(١) آل عمران : ١٠٣.

٩

متلاحمة فلا معنى لأن يبقى ما يقارب مليار إنسان مسلم تحت سيطرة القوى الأجنبية ، لو أنّ هذه القدرة الإلهية الكبرى تقترن بقوة الإيمان ، ونسير جميعاً متآخين على طريق الإسلام فلا تستطيع أيّة قوّة أن تتغلب علينا.

وأكّد قدس‌سره على مغزى سر انتصار المسلمين في صدر الإسلام الأوّل رغم قلّة عددهم وتواضع إمكانياتهم ، وانكسارهم في الوقت الحاضر مع عظم إمكانياتهم وكثرة عددهم بقوله :

يا مسلمي العالم ما ذا دهاكم فقد دحرتم في صدر الإسلام بعدّة قليلة جداً القوى العظمى ، وأوجدتم الأُمّة الكبرى الإسلامية الإنسانية ، واليوم وأنتم تقربون من مليار إنسان ، وتملكون مخازن الخيرات الكبرى التي هي أكبر حربة ، تقفون أمام العدو بمثل هذا الضعف والانهيار ، أتعلمون أنّ كلّ مآسيكم تكمن في التفرقة والاختلاف بين زعماء بلدانكم وبالتالي بينكم أنتم أنفسكم.

وقال أيضاً : إثارة الاختلافات بين المذاهب الإسلامية من الخطط الإجرامية التي تدبّرها القوى المستفيدة من الخلافات بين المسلمين ، بالتعاون مع عملائها الضالّين بمن فيهم وعاظ السلاطين المسودّة وجوههم أكثر من سلاطين الجور أنفسهم ، وهؤلاء يؤجّجون نيران هذه الاختلافات باستمرار ، وكلّ يوم يرفعون عقيرتهم بنعرة جديدة ، وفي كل مرحلة ينفّذون خطّة لإثارة الخلافات ، آملين بذلك هدم صرح الوحدة بين المسلمين من أساسه.

وهكذا فإنّ الصورة تبدو أكثر وضوحاً عند قراءة سلسلة خطب الإمام الخميني وتوصياته المستمرّة إلى عموم المسلمين وخصوصاً في مواسم الحج التي تؤلّف أفضل تجمّع إسلامي تشارك فيه أعداد ضخمة من المسلمين ، ومن شتّى بقاع المعمورة في مؤتمر ضخم لا بد من أن يكرّسه المسلمون لتدارس أُمورهم وعلاج مشاكلهم ومناقشة معتقداتهم ، حيث إنّ الإمام قدس‌سره كان يواظب على إثارة هذه

١٠

الأُمور الحسّاسة والمهمّة في حياة الإسلام والمسلمين ، ولم يدّخر في ذلك جهداً.

كما أنّ الاطّلاع على فتاوى الإمام ـ رضوان الله تعالى عليه ـ يكشف بوضوح عن عمق توجّهه إلى هذا الأمر الحيوي والدقيق ، وتأكيده عليه.

فمن توجيهاته قدس‌سره إلى الحجّاج نورد هذه الملاحظات المختصرة :

قال : يلزم على الإخوة الإيرانيين والشيعة في سائر البلدان الإسلامية أن يتجنّبوا الأعمال السقيمة المؤدّية إلى تفرقة صفوف المسلمين ، ويلزم الحضور في جماعات أهل السنّة ، والابتعاد بشدّة عن إقامة صلاة الجماعة في المنازل ووضع مكبّرات الصوت بِشَكلٍ غير مألوف وعن إلقاء النفس على القبور المطهرة وعن الأعمال التي قد تكون مخالفة للشرع.

يلزم ويجزي (أي يكفي) في الوقوفين متابعة حكم القاضي من أهل السنّة ، وإن حصل لكم القطع بخلافه.

على عامّة الإخوة والأخوات في الدين أن يلتفتوا إلى أنّ واحداً من أهم أركان فلسفة الحج إيجاد التفاهم وترسيخ الأُخوّة بين المسلمين.

وغير ذلك من الفتاوى المهمّة التي ندعو جميع المسلمين إلى مطالعتها والتأمّل فيها.

وعلى هذا الخط المبارك واصلت الجمهورية الإسلامية مسارها في الدعوة إلى وحدة كلمة المسلمين بعد رحيل الإمام الخميني ـ رضوان الله تعالى عليه ـ وأخذت تؤكّد عليه في كلّ مناسبة ومكان على لسان قائدها سماحة آية الله السيد عليّ الخامنه اي ـ حفظه الله ـ وباقي مسئوليها ، ولم تدّخر جهداً في العمل على إقامة هذا الأمر الشرعي المهمّ والدفاع عنه ، من خلال توجيهاتها المستمرة في هذا المنحى أو دعمها غير المحدود لكلّ الجهود المخلصة في هذا الميدان.

وأخيراً .. فإنّ هذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم ـ وهو بقلم الباحث

١١

القدير الشيخ جعفر السبحاني ـ دعوة للتأمّل ضمن الحدود التي أشرنا إليها في حديثنا ، وهي بالتالي تعكس صورة صادقة عن حجم الهجمة الكافرة التي أرادت تمزيق الأُمّة ودفعها إلى التشتّت ، وبيان ما أخذت من مساحة واسعة في فكر هذه الأُمّة ومعتقداتها.

بلى لسنا في معرض الدفاع عن الوجود المقدّس لهذه الشريعة السماوية فحسب ، بل ابتغينا إزاحة اللثام وإماطة الخبث عن الدسائس الخبيثة التي تريد بالأُمّة الهلاك.

وقد قامت معاونية شئون التعليم والبحوث بنشره ، حتّى يعمّ نفعه ويتعرف المسلمون على الشيعة عن كثب.

والله تعالى من وراء القصد.

معاونية شئون التعليم والبحوث الإسلامية في الحجّ

١٢

مقدّمة المؤلّف :

التقريب ضرورة ملحّة

لا شكّ أنّ التقريب بين المذاهب الإسلامية ضرورة ملحّة يشعر بها كلّ من يحمل هموم المسلمين ، وتتفاقم الحاجة إليه كلّما ازدادت حدّة المواجهة بين الإسلام وأعدائه الذين يتربّصون به الدوائر ، لا سيّما ونحن في عصر العولمة الثقافيّة الذي تُشن فيه حملات مسعورة ضدّ ثقافتنا الإسلامية ، ممّا يلحّ علينا باطّراد إلى تقريب الخُطى وتوثيق التعاون المشترك بين كافّة الطوائف الإسلامية.

كما أنّ تعزيز أواصر التقريب المنشود رهن عوامل عديدة أبرزها :

وقوف كلّ طائفة على ما لدى الطائفة الأُخرى من أفكار ومفاهيم ، لتُدرك مدى عظمة المشتركات التي تجمعهما ، وهامشيّة الأسباب التي تباعدهما.

ومع الأسف الشديد أنّ التاريخ أسدل ستار الجهالة على الشيعة ، وهي الطائفة التي رفدت الفكر الإسلامي بالكثير من المفكّرين والعلماء والمثقفين ، ونسج حولها الأوهام والشكوك.

وأنا لا أنسى أبداً حينما زرت مكّة المكرّمة عام ١٣٧٦ ه‍ ونزلت في بيت أحد مدرّسي الحرم المكّي ، فإذا هو يباغتني بهذا السؤال ؛ هل للشيعة تأليف؟!

١٣

فقد هزّني كلامه هذا ، وقلت في نفسي ، سبحان الله ، في وسط هذا البلد الحرام يجهل مدرسُ الحرم المكّي تاريخَ الشيعة الإمامية ومصنّفاتها ، وكأنّه يسأل عن أُمّة بائدة لا تاريخ لها ولا ثقافة ، فما بال الآخرين الذين هم في منأى عن أُمّ القرى مكّة المكرّمة؟!!

ومنذ ذلك الحين راودتني فكرة تحرير كتاب عن تاريخ الشيعة ، وعقائدها ، وأئمّتها ، وأحكامها.

وقد حرصتُ في هذا الكتاب على بيان المشتركات التي تجمع بين الطائفتين (السنّة والشيعة) على صعيد العقيدة والشريعة والفكر ، إلى جانب بيان الفوارق التي ساقها إليهم الدليل والبرهان ، هذا في الوقت الذي نذعن فيه لما قاله أُستاذنا ورائدنا السيّد شرف الدين العاملي رحمه‌الله حينما خاطب علماء السنّة بقوله : ما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا.

وتبعه الشاعر المفلق محمّد حسن عبد الغني المصري شاعر الأهرام لمّا قال :

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّةً

ويضمّنا دينُ الهدى أتباعاً

ويؤلّف الإسلامُ بينَ قلوبنا

مهما ذهبْنا في الهوى أشياعاً

وفي الختام نرجو من الله سبحانه أن يكون هذا الكتاب مساهمة متواضعة في سبيل تقريب الخطى بين المسلمين وتوثيق أواصر الأُخوّة ، وتعزيز التعاون المشترك بينهم كي يكونوا صفّاً واحداً أمام أعدائهم ، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام

١٧ صفر المظفّر من شهور عام ١٤٢١ ه

١٤

الفصل الأوّل :

الشيعة

في موكب التاريخ

١٥
١٦

مبدأ التشيُّع وتاريخ نشأته

زعم غير واحد من الكتّاب القدامى والجدد : أنّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية ، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول بأنّه نتاج الجدال الكلامي والصراع الفكري. فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية ، وكأنّهم يتلقّون التشيّع بوصفه ظاهرة جديدة وافدة على المجتمع الإسلامي ، ويعتقدون بأنّ القطاع الشيعي وإن كان من جسم الأُمّة الإسلامية إلّا أنّه تكوّن على مرّ الزمن نتيجة لأحداث وتطوّرات سياسية أو اجتماعية فكرية أدّت إلى تكوين هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ، ومن ثمّ اتّسع ذلك الجزء بالتدريج.

ولعلّ هذا التصور الخاطئ لمفهوم التشيّع هو ما دفع أصحاب هذه الأُطروحات إلى التخبّط والتعثّر في فهمهم لحقيقة نشوء هذا المذهب ، ومحاولاتهم الرامية لتقديم التفسير الأصوب ، ولو أنّ أُولئك الدارسين شرعوا في دراستهم لتأريخ هذه النشأة من خلال الأُطروحات العقائدية والفكرية التي ابتني عليها التشيّع لأدركوا بوضوح ودون لبس أنّ هذا المذهب لا يؤلّف في جوهر تكوينه

١٧

وقواعد أركانه إلّا الامتداد الحقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي والذي قام عليه كيانه.

وإذا كان البعض يذهب إلى الاعتقاد بأنّ التشيع يظهر بأوضح صوره من خلال الالتفاف والمشايعة للوصي الذي اختاره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خليفة له بأمر الله تعالى ليكون قائداً وإماماً للناس ـ كما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ففي ذلك أوضح المصاديق على حقيقة هذا النشوء الذي اقترن بنشوء وتبلور الفكر الإسلامي الكبير ، والذي لا بدّ له من الاستمرار والتواصل والتكامل حتّى بعد رحيل صاحب الرسالة صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذي ينبغي له أن يكون الاستمرار الحقيقي لتلك العقيدة السماوية وحامل أعباء تركتها.

فإذا اعتبرنا بأنّ التشيّع يرتكز أساساً في استمرار القيادة بالوصي ، فلا نجد له تأريخاً سوى تأريخ الإسلام ، والنصوص الواردة عن رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

قد عرفت في الصفحات السابقة نصوصاً متوفرة في وصاية الإمام أمير المؤمنين ، وإذا كانت تلك النصوص من القوّة والحجّية التي لا يرقى إليها الشكّ ، وتعدّ وبدون تردّد ركائز عقائدية أراد أن يثبت أُسسها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهي بلا شك تدلّ وبوضوح على أنّ هذه الاستجابة اللاحقة استمرار حقيقي لما سبقها في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا كان كذلك فإنّ جميع من استجابوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانقادوا له انقياداً حقيقياً ، يعدّون بلا شكّ روّاد التشيع الأوائل وحاملي بذوره ، فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة ، ولم يغيِّروه ، ولم يتعدوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ

١٨

وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١) ففزعوا في الأُصول والفروع إلى عليّ وعترته الطاهرة ، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى مِنَ الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة ، حيث تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح.

إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الإمام عن لسان النبيّ الأكرم ـ والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي ، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة ، وإنّ النبيّ الأكرم وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون ، وإن كنت في شكّ من هذا فسأتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام :

١ ـ أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟ قال : «يا عائشة أما تقرئين : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ») (٢).

٢ ـ أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فأقبل عليّ فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» ، ونزلت :

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البريّة (٣).

٣ ـ أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : «عليّ خير البريّة» (٤).

٤ ـ وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

__________________

(١) الحجرات : ١.

(٢) الدر المنثور للسيوطي ٦ : ٥٨٩ والآية هي السابعة من سورة البيّنة.

(٣) الدر المنثور للسيوطي ٦ : ٥٨٩.

(٤) نفس المصدر.

١٩

الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين».

٥ ـ أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ألم تسمع قول الله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين» (١).

٦ ـ روي ابن حجر في صواعقه عن أُمّ سلمة : كانت ليلتي ، وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عندي فأتته فاطمة فتبعها عليّ ـ رضي الله عنهما ـ فقال النبيّ : «يا عليّ أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة» (٢).

٧ ـ روى ابن الأثير في نهايته : قال النبيّ مخاطباً عليّاً : «يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوُّك غضاباً مقمحين» ثمّ جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح. قال ابن الأثير : الإقماح : رفع الرأس وغض البصر (٣).

٨ ـ روى الزمخشري في ربيعه : أنّ رسول الله قال : «يا عليّ ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحجزتى ، وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم ، فترى أين يؤمر بنا؟» (٤).

٩ ـ روى أحمد في المناقب : أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ : «أما ترضى أنّك معي في الجنّة ، والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّيتنا ، وشيعتنا عن

__________________

(١) نفس المصدر.

(٢) الصواعق : ١٦١ ط القاهرة.

(٣) النهاية مادة قمح ٤ : ١٠٦ ورواه ابن حجر في الصواعق : ١٥٤.

(٤) ربيع الأبرار ١ : ٨٠٨ ، منشورات الشريف الرضي ـ قم المقدّسة.

٢٠