تراثنا ـ العددان [ 81 و 82 ] - ج ٨١ و ٨٢

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 81 و 82 ] - ج ٨١ و ٨٢

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤١٤
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦ الجزء ٧-٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠-٣١   الجزء ٣٤ الجزء ٣٥-٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨-٣٩ الجزء ٤١ ـ ٤٢ الجزء ٤٣-٤٤ الجزء ٤٥ - ٤٦ الجزء ٤٧ - ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ - ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ و ٥٤ الجزء ٥٥ و ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ و ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ و ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ و ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ و ٧٠ الجزء ٧١ و ٧٢ الجزء ٧٣ و ٧٤ الجزء ٧٥ و ٧٦ الجزء ٧٧ و ٧٨ الجزء ٧٩ و ٨٠ الجزء ٨١ و ٨٢ الجزء ٨٣ و ٨٤ الجزء ٨٥ و ٨٦ الجزء ٨٧ و ٨٨

١

تراثنا

صاحب الامتیاز :

مؤسسة آل البيت لإحياء التراث

المدير المسؤول :

السيّد جواد الشهرستاني

العددان الأوّل والثاني [٨١ ـ ٨٢]

السنة الحادية والعشرون

محتويات العدد

* كلمة العدد :

* زمن الانحطاط الفكري.

............................................................... هيئة التحرير ٧

* الإيمان البديعة من «وسائل الشيعة» (٢).

................................................ السيّد علي الحسيني الميلاني ١٣

* الإيمان والإسلام في كلام أهل البيت ومتكلّمي الشيعة.

..................................................... الشيخ رسول جعفريان ٥٩

* باب العلم بالحكم الشرعي بين الانسداد والانفتاح.

....................................................... السيد علي الهاشمي ٨٩

* النظرية الأُصولية نشوؤها وتطوّرها (١).

.................................................... السيّد زهير الأعرجي ١٣٧

٢

محرّم الحرام ـ جمادى الآخرة

١٤٢٦ هـ

* فهرس مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين / النجف الأشرف (١٨).

............................................. السيّد عبد العزيز الطباطبائي ١٨٨

* مصطلحات نحوية (٢٧).

.................................................. السيّد علي حسن مطر ٢٥٥

* من ذخائر التراث :

* أحلام اليقظة مع صدر المتألّهين ـ للشيخ محمّد رضا المظفر.

........................................... إعداد : الشيخ هادي القبيسي ٢٧٣

* عِقدٌ في إلزام غير الإمامي بأحكام نِحلَتِهِ ـ للشيخ محمّد جواد البلاغي.

......................................... تحقيق : السيّد محمّد علي الحكيم ٣٠٣

* من أنباء التراث

........................................................... هيئة التحرير ٣٩٤

صورة الخلاف : نموذج من مخطوطة الأصل لرسالة «عِقدٌ في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته» ، للعلامة الشيخ محمّد جواد البلاغي (١٢٨٢ ـ ١٣٥٢ هـ) ، المنشورة في هذا العدد ص ٣٠٣ ـ ٣٩٤.

٣

٤

٥
٦

كلمة العـدد :

زمن الانحطاط الفكري

هيئة التحرير

بسم الله الرحمن الرحيم

حينما يكون الدافع الأكبر لإبقاء الحياة رفيعة ، شريفة ، مهيبة ؛ هو الفكر ،الذي لولاه ما استحقّ الوجود عناية ، ولا سمت فحاويه باهماً فوق التراب ، ولكانت حياتنا كالخابية الفارغة ، ترنّ بدون تجاوب من خلف ..

حينما يُتغنّى بجـدّ في واقع الفكر ويُنعت هكذا ، بل ويوصف أنّه الوعي الأضخم والأغور ، الوعي الأبحّ في الطول والعرض والعمق ، ذلك الرفّاش الهائل الذي يجرف دفعةً كل هذا ..

فالمراد والمقصـود به الفكر الذي يتناول ما فات وما حضر وما هو آت من حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً ، الفكر الذي يستقطب كل نواحي اللطيفة البشرية ، على أنّها وحـدة لا تتكسّر ، لا تتفرفط أقساماً ، لا تتجزّأ. ولمّا لم يزل يعني بمفهومه ومحتواه إلاّ النظرة الشاملة في الوجودين الأصغر والأكبر ، فهو الفكر العقائدي الذي بفضله تشرف الحياة ويتمندل برفعة وسـموّ ، من فوق ..

٧

ولِمَ لا يكون إذاً ـ كما قيل ـ أقوى وأمضى سلاح على الإطلاق يملكه الإنسان في حربه مع المجهول؟! فلولا أن يعمل الفكر ويتأمّل في السكينة لكنّا لا زلنا قابعين في غياهب المغاور. وهذا السلاح يصدأبالإهمال وقلّة الاستعمال ، أو بالاستعمال في الأغراض التي ليس لأجلها وُجد. ونحن عندما نكثر الكلام في توافه الاُمور إنّما نسدّ على الفكر المنافذ إلى جليلها ، فنعطلّه عن العمل المثمر بدلاً من أنّ نشحذه وندفعه ، ونحن إذنلهي الفكر بالقيل والقال فكأنّنا نسخّر العاصفة لنقل قشّة من هنا إلى هناك ، الصاعقة لقتل ذبابة أو بعوضة. ومثلما لا يتمّ الحمل ولا ينمو الجنين إلاّ في سكينة الأرحام وظلماتها ، كذلك لا يحبل الفكر بعظائم الاُمور إلاّ في سكينة الخلوات والتأمّلات.

وعليه ، فقد أصّلوا للفكر :

أنّه إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم أن يكون حواراً بين «لا» و «نعم»وما يتوسطهما من ظلال وأطياف ، فلا الرفض المطلق الأعمى يعدّ فكراً ولا القبول المطلق الأعمى يعدّ فكراً ، ففي الأوّل عناد الأطفال ، وفي الثاني طاعة العبيد ..

وأنّه ليس ترفاً يلهو به أصحابه ، بل مرتبطٌ بالمشكلات التي يحياها الناس حياةً يكتنفها العناء ، فيريدون لها حلاًّ.

وفكرنا الإسلامي يقال فيه :

إنّه يوجب على معتنقيه النظر والتبصّر والاعتبار بتقلّبات الزمن والبحث المستمرّ عن اتجاهات الحياة ، ومحاولة التحكّم فى سير الأشياء وفقاًلما تستدعيه مصلحة الإنسان الذي اُنزل لهذه الأرض كي يخلف الإله فيها بالعمارة والإصلاح ..

٨

وهو الانتباه والحذر والحركة الدائبة والتجديد المستمرّ في الاُسلوب ، خصوصاً في الآلة النفسية التي تبعث على انتحاله ، وفي الحركة ولا سيّما في فهم العوامل الداخلية والخارجية التي تدعو إليها ، وهو أكثر من ذلك وازع الثورة على الخمود والاستنكار للجمود والامتلاء بروحانية العمل والكفاح للتمتّع بالحقّ والشعور بالعدل وتذوّق معاني الحرّية.

وتأسيساً على ذلك ، فكون الفكرة أصيلة حسنة جميلة موافقة للأنظمة الطبيعيّة ، تقود صاحبها إلى ذروة الفضائل ، ليست باطلة تافهة ولا مغايرٌمبدؤها لنواميس الوجود ؛ فكذا فكرة لا بدّ أن نلتمسها في القرآن وسنّة النبيّ والأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، اُصول تعاليمنا وقيمنا ومفاهيمنا وتشريعاتنا ومعاملاتنا وأخلاقياتنا ، التي من خلالها نفهم العلاقة القائمة بين الخالق والخلق ، الكون والحياة والإنسان ، الإنسان ونفسه ، الفرد والجماعة ، الفرد والدولة ، الجماعات الإنسانية كافة ، الجيل والأجيال.

وحصيلة الأمر : أنّ الفكر التربوي والتربية الفكرية ، هما توأمان ينهلان من ثدي الايديولوجيا ذاتها.

فالفكر التربوي والتربية الفكرية عموماً يولدان من رحم العقيدة التي ينضويان تحت لوائها وينموان في أحضانها ويتأثّران بكلّ خصائصهاومقوماتها ، فهما مصداق من مصاديق هويتها وعنوانها.

ولو قلّبنا صفحات الفكر والتربية والتأريخ لوجدنا ـ مثلاً ـ في اليونان القديم وفي اسبارطة بالذات أنّه جرى التركيز على إعداد الإنسان القوي القادرعلى الدفاع عن الدين والدولة ، ممّا مثّل انعكاساً للايديولوجيا والعقيدة القائمة آنذلك.

وكذا أرسطو لمّا دعى إلى التدرّج في الإنشاء والإعداد ، حيث يبدأ

٩

جسمياً ثم خلقياً ثم فكرياً ..

أو المسيحية من خلال استخدامها مناهج عبر الكنيسة ، حيث اتجهت في القرن الرابع إلى انقاذ المجتمع الروماني من الأزمة المادّية الحادّة ، فكان التوجّه إلى الرهبنة والاعتكاف في صوامع فردية هي الصورة البارزة لوضع المجتمع آنذاك ..

بينما نرى الحركة المدرسية في القرن الحادي عشر بزعامة «توماآلاكويني» قد دعت إلى بناء الحياة العقلية ودراسة الفلسفة والمنطق وتعبئة الذهن البشري بأكبر ما يمكن من هذه المعارف ، مضافاً إلى غرس الرؤى الدينية في نفوس التلامذة ..

حتى قيل : وهذا التناقض والاضطراب والتأرجح في مناهج المسيحية يعني أنّها ـ كديانة ـ جاءت لمعالجة مشكلات محدودة زمنياً ، فهي غير قادرة إذن على استيعاب كلّ المستجدّات عبر تطوراتها الزمنية.

وجاء «جان جاك روسو» ليقول : لنترك الطبيعة تعمل عملها في خلق الشخصية ، بعد أن قسّم مراحل التنشئة إلى أربع مراحل.

ونرى المنهج الكلاسيكي يؤكّد على ضرورة تنمية العقل ونقل التراث ودراسة العلوم بوصفها علوماً ورعاية اُسس ثابتة وعامّة في التعليم.

ونلحظ في أحد الاتجاهات المعاصرة أنّه يصرّ على تجنّب العقاب كأداة في توجيه الإنسان وترشيده ؛ إذ إنّ هناك قوى أساسية تتحرّك ـ كالإرادة والطاقة الشهوية ـ كي تستخدم العقل أساساً لتبرير معطياتها ، وبما أنّ حوافز الإرادة الأساسية لا يمكن تغييرها ، خاصّة في حالة انغمازها تحت الشعور في منطقة «اللاشعور» فإنّنا لا نستطيع حينئذ أن نحاسب الإنسان على أعماله وسلوكه ، وهذا يعني : أنّنا لا نعاقبه.

١٠

إنّ كلّ هذه المدارس والمناهج الفكرية والتربوية المشار إليها ـ وكذا غيرها ـ تمثّل في الواقع إفرازات وترشّحات عقائدية أثمرت وتجلّت بصور وأشكال وقوالب متفاوتة طبقاً لتفاوت الأنتماء الايديولوجي وتباينه مع الانتماءات الاُخرى.

ولا يشذّ الفكر التربوي والتربية الفكرية الإسلامية عن القاعدة العامّة المشار إليها. وإن تغايرت وتعارضت الرؤى والمناهج داخل البيت الكبيرفالأمر الأكثر أهمّيةً يكمن في تحليل الدراسات المختصّة الباحثة في الإسلام ـ فكراً وتربيةً ـ والتي نجدها ما بين دراسات مخلصة جادّة واُخرى تحريفية وثالثة مجحفة ورابعة ناقصة وهكذا ؛ ثم كيفية تناولها وفهمهالمصدريه الرئيسين في الفكر والتربية ـ القرآن والسنّة المباركة ـ اللذين يطرحان الإطار الفكري والتربوي الشامل المكّون للخلفية الايديولوجية لهما ، فالكتاب المجيد وقول المعصوم وفعله وتقريره هما منبعومصدر كل الرؤى والمناهج الإسلامية السليمة ، سواء على مستوى الفكروالتربية أو على مستوى الجوانب الاُخرى.

إنّ القرآن الكريم والسنّة الشريفة هما الضابط والميزان الذي به تأخذالفكرة الخاطئة المنحطّة طريقها إلى الهاوية ، فلا يجني المحتطبـحينئذـ في ظلام الأفكار بغياب سراج البصيرة سوى الخيبةوالفشل ؛ بينما تشقّ الفكرة الصحيحة طريقها متلألئةً شامخةً إلى سلالم المجد والفخر.

وفكرتنا التي تعني الإسلام الأصيل ـ فكراً وتربيةً ـ لا تخشى مساعي الحذف والتغييب والتشويه ، ولاتعدو لاهثةً خلف شعارات الحداثةوالحرية و... الفارغة ، وذلك بوحي من الأصالة التي تعني التعامل

١١

الواعي مع المحاولات والإثارات المذكورة ، آخذةً بعين الاعتبار منجزات الإنسانية الحديثة بلا سحق للقيم والمفاهيم الراسخة ولاتمرّغ على رمال الترف الفكري والميل الذاتي.

فنحن اُمّة لها كيانها الفكري والتربوي المتكامل المستوعب لعاملي الزمان والمكان كلّ الاستيعاب ، فلنا الاستحقاق الأوفر والأهلية الأتمّ كي ننقل الإنسان إلى مرافئ الأمان وقلل العزّ والكمال.

(كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).

والحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

هيئة التحرير

١٢

الفوائـد البديـعة

مـن

«وسائل الشـيعة»

(٢)

 السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني

(٧)

أخطأ ابن مسـعود

عن أبي عبـد الله عليه السلام : «أنّه سئل عن المعوّذتين ، أهما من القرآن؟

فقال الصادق عليه السلام : هما من القرآن.

فقال الرجل : إنّهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسـعود ولا في مصحفه.

فقال أبو عبـد الله : أخطأ ابن مسـعود ـ أو قال : كذب ـ وهما من القرآن.

فقال الرجل : فأقرأ بهما في المكتوبة؟

فقال : نعم».

وعن أبي بكر الحضـرمي ، قال : «قلت لأبي جعفر : إن ابن مسـعود كان يمحـو المعوّذتين من المصحـف.

١٣

فقال : كان أبي يقول : إنّما فعل ذلك ابن مسـعود برأيه ، وهما من القرآن» (١).

أقـول :

نترجم لابن مسـعود بإيجاز ، ثمّ نتكلّم عن الموضـوع ..

ترجمة ابن مسـعود :

هو : أبو عبـد الرحمن عبـد الله بن مسـعود بن غافل ... من أكابر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله.

كان إسلامه قديماً ، وهاجر الهجرتين جميعاً ، إلى الحبشة وإلى المدينة ، وشهد بدراً وسائر المشاهد مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

كذا في الإصابة وأُسـد الغابة وغيرهما (٢).

ووصفه الذهبي بـ : «الإمام الحبر ، فقيه الأُمّة ، كان من السابقين الأوّلين ومن النجباء العالمين ، مناقبه غزيرة ، روى علماً كثيراً ، اتّفقا له في الصحيحين على أربعة وسـتّين ، وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين حديثاً ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثاً ، وله عند بقيّ بالمكرّر ثماني مئة وأربعون حديثاً ، كان معدوداً في أذكياء العلماء» (٣).

وقال ابن حجر : «آخى النبي صلّى الله عليه وآله بينه وبين الزبير ،

__________________

(١) وسائل الشيعة ٦ / ١١٥ ـ ١١٦ ح ٧٤٩٢ وح ٧٤٩٣.

(٢) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٣ / ٣٨١ ، الإصابة في أسماء الصحابة ٤ / ١٩٨.

(٣) سير أعلام النبلاء ١ / ٤٦١.

١٤

وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ».

هذا ، وقد رووا في فضله عن رسول الله صلّى الله عليه وآله بعض الأحاديث ، عمدتها :

١ ـ عن حذيفة بن اليمان ، أنّه قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : «تمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبـد».

٢ ـ عن عمرو بن حريث ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : «رضـيت لكم ما رضي به ابن أُمّ عبـد».

و «ابن أُمّ عبـد» كنية عبـد الله بن مسـعود.

وقد ذكر المولوي عبـد العزيز الهندي الأوّل من هذين الحديثين في مقام المعارضة لحديث : «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ...» (١).

لكنّهما حديثان ساقطان سـنداً ..

أمّا الأوّل : فقد رواه ابن الأثير بإسناده عن قبيصة بن عقبة ، قال : «حدّثنا سفيان الثوري ، عن عبـد الملك بن عمير ، عن مولىً لربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبـد» ؛ قال : «وقد رواه سلمة بن كهيل ، عن أبي الزعراء ، عن ابن مسـعود».

وفيه :

«قبيصـة بن عقبة» ؛ قال ابن معين : «ثقة ، إلاّ في سفيان» (٢) ؛

__________________

(٤) التحفة الاثنا عشرية : ٢١٩.

(٥) ميزان الاعتدال ٣ / ٣٨٣.

١٥

والحديث عن سفيان!

«عبـد الملك بن عمير» ؛ قال إسحاق بن منصور : «ضعّفه أحمد جدّاً» ، وقال ابن معين : «مخلّط» ، وقال أبو حاتم : «ليس بحافظ ، تغيّر حفظه» ، وقال ابن خرّاش : «كان شعبة لا يرضاه» ، وقال ابن حجر : «كان مدلّساً» (١) ..

ثمّ إنّ «عبـد الملك» هذا لم يسمع الحديث عن «ربعي بن خراش» و «ربعي» لم يسمع من «حذيفة» ؛ نصّ على ذلك الأئمّة (٢).

«مولى ربعي» ؛ وهو مجهول.

وقد روي هذا الحديث بسند آخر : «عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي الزعراء ، عن ابن مسـعود» ، لكنّ رجاله مقدوحون جدّاً :

فإنّ «يحيى بن سلمة» ؛ قال البخاري : «منكر الحديث» ، وقال النسائي : «متروك الحديث» ، وقال الترمذي : «ضعيف» ، وقال ابن سعد : «كان ضعيفاً جدّاً» ، وقال الدارقطني : «متروك» ، وقال الذهبي : «ضعيف» (٣).

و «أبو الزعراء» ، وهو صاحب ابن مسـعود ؛ قال البخاري : «لا يتابع على حديثه» (٤).

وأمّا الثاني : فإنّه ـ بناءً على صحّة سنده ـ وارد في مورد خاص لا يدلُّ على منقبة أصلاً ؛ فقد أخرج الحاكم بإسناده عن عمرو بن حريث ،

__________________

(١) تهذيب التهذيب ٦ / ٣٦٠ ، ميزان الاعتدال ٤ / ٤٠٦ ، تقريب التهذيب ١ / ٦١٨.

(٢) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٢ / ٧٢ ـ ٧٣.

(٣) التاريخ الصغير ١ / ٣٤٧ ، الضعفاء والمتروكين ـ للنسائي ـ : ١٠٩ ، تهذيب التهذيب ١١ / ٢٢٥ ، الكاشف ٣ / ٢٥١.

(٤) تهذيب التهذيب ٦ / ٦١ ، ميزان الاعتدال ٢ / ٥١٦.

١٦

عن أبيه ، قال :

«قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لعبـد الله بن مسـعود : اقرأ. قال : أقرأ وعليك أُنزل؟ قال : إنّي أُحبّ أن أسمع من غيري.

قال : فافتتح سورة النساء حتّى بلغ : (فكيف إذا جئنا من كلّ أُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) (١) ، فاستعبر رسول الله وكفّ عبـد الله ، فقال له رسول الله : تكلّم.

فحمد الله في أوّل كلامه وأثنى على الله ، وصلّى على النبيّ ، وشهد شهادة الحقّ ، وقال : رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً ، ورضيت لكم ما رضي الله ورسوله.

فقال رسول الله : رضيت لكم ما رضي لكم ابن أُمّ عبـد» (٢).

ثمّ إنّ بين الحديثين ومواقف عمر وعثمان من عبـد الله بن مسـعود تنافياً بيّناً ؛ ففي ترجمة عمر أنّه حبس ثلاثة : ابن مسـعود وأبا الدرداء وأبا مسـعود الأنصاري ؛ قال : «قد أكثرتم الحديث عن رسول الله» (٣).

وفي رواية ابن سعد : «قال عمر بن الخطّاب لعبـد الله بن مسـعود ولأبي الدرداء ولأبي ذرّ : ما هذا الحديث عن رسول الله؟ قال : وأحسبه قال : ولم يدعهم يخرجون من المدينة حتّى مات» (٤).

وأمّا قضايا عثمان معه فمن ضروريات تاريخ الإسلام :

لقد اتفّقت المصادر على أنّ عثمان ضرب عبـد الله بن مسـعود ـ أو

__________________

(١) سورة النساء ٤ : ٤١.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣١٩.

(٣) تذكرة الحفّاظ ١ / ٥ ـ ٨.

(٤) الطبقات الكبرى ٢ / ٣٣٦.

١٧

أمر به فضُـرب ـ وكسر له ضلعان ، واختلفوا في السبب ؛ فروى ابن قتيبة في أخبار عثمان من كتاب المعارف : «وكان ممّا نقموا على عثمان أنّه ... طلب إليه عبـد الله بن خالد بن أُسـيد صلةً فأعطاه أربعمائة ألف درهم من بيت مال المسلمين ، فقال عبـد الله بن مسـعود في ذلك ، فضربه إلى أن دقَّ له ضـلعين» (١).

وفي تاريخ اليعقوبي ـ في قصّة المصاحف ـ : «فأمر به عثمان فجُرّ برجله حتّى كُسر له ضلعان ، فتكلّمت عائشة وقالت قولاً كثيراً ...» (٢) ..

وقصّة المصاحف طويلة جدّاً ؛ فإنّ عثمان لمّا عزم على جمع المصحف ، أو جمع المسلمين على قراءة واحدة ، عيّن لهذا العمل زيد بن ثابت ، وطلب من عبـد الله بن مسـعود تسليم مصحفه ، فامتنع من ذلك واعترض على تعيين زيد بن ثابت :

أخرج الحافظ ابن عبـد البرّ عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : «لمّا أمر عثمان في المصاحف بما أمر ، قام عبـد الله بن مسـعود خطيباً فقال : أيأمرونّي أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟! والذي نفسي بيده ، لقد أخذت من فيّ رسول الله سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب به الغلمان. والله ما نزل من القرآن شيء إلاّ وأنا أعلم في أيّ شيء نزل ، وما أحد أعلم بكتاب الله منّي ، ولو أعلم أحداً تبلّغنيه الإبل أعلم بكتاب الله منّي لأتيته. ثمّ استحيى ممّا قال فقال : وما أنا بخيركم.

قال شقيق : فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول الله ، فما سمعت

__________________

(١) كتاب المعارف : ١٩٤.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٥٩.

١٨

أحداً أنكر ذلك عليه ولا ردّ ما قال» (١).

أقول :

لكن زعمه الأعلمية بكتاب الله مردود بما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في علم عليّ بالقرآن ، وكذا ما قاله هو عليه السلام ، وما أقرّ به سائر الأصحاب في حقّه ..

أخـرج الحاكم وصحّحـه ، ووافقه الذهـبي : «أنّه سئل عليّ عن ابن مسـعود فقال : قرأ القرآن ثمّ وقف عنده وكفي به» (٢).

أمّا ابن مسـعود فقد رووا عنه : «ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن ، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن» (٣).

لكنّ القوم تصـرّفوا في كلام ابن مسـعود ، وأسـقطوا منه نيله من عثمان وزيد بن ثابت ؛ حفظاً لماء الوجه!! فأخرجه البخاري في كتابه عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : «خطبنا عبـد الله فقال : والله لقد أخذت من فيّ رسـول الله ...» (٤) ..

بل زعم بعضهم أنّ ما روي عنه في الطعن في زيد كلّه موضـوع (٥)!!

ثمّ انبرى علماؤهم في الكلام للدفاع عن عثمان في ضربه عبـد الله ابن مسـعود :

قال ابن حجر في الصواعق في مطاعن عثمان :

__________________

(١) الاستيعاب ٣ / ٩٣.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣١٨.

(٣) حلية الأولياء ١ / ٦٥.

(٤) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٩ / ٣٩.

(٥) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٩ / ٤٠.

١٩

«ومنها : أنّه حبس عطاء ابن مسـعود وأُبيّ بن كعب ، ونفى أبا ذرّ إلى الربذة ، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام إلى المدينة لمّا اشتكاه معاوية ، وهجر ابن مسـعود ، وقال لابن عوف : إنّك منافق ، وضرب عمّار ابن ياسر ، وانتهك حرمة كعب بن عجـرة ، فضربه عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال ، وكذلك حرمة الأشـتر النخعي.

وجواب ذلك : أمّا حبسه لعطاء ابن مسـعود وهجره له ، فلِما بلغه ممّا يوجب ذلك ، إلقاءً [إبقاءً] لأُبهّة الولاية» (١).

فكان قد وقع من ابن مسـعود ما استحقّ به حبس العطاء والهجر ، بل يظهر من ذلك أنّه ما كان يعتقد بولاية عثمان وخلافته ، فلو كان يعتقد لَما ألقى أُبّهتها!

وقال الفخر الرازي في نهاية العقول :

«قوله : سادساً : ضرب ابن مسـعود وعمّاراً وسيّر أبا ذر إلى الربذة.

قلنا : كما فعل ذلك ، فقد قيل عن هؤلاء : أنّهم أقدموا على أفعال استوجبوا ذلك» (٢).

ومن الضروري : إنّ الأفعال المستوجبة لضرب أعيان الصحابة وهتك عدولهم ، ليست إلاّ الكبائر الموبقة والمعاصي المهلكة ...

لكنّ الظاهر أن عبـد الله بن مسـعود كان مخالفاً لعثمان قبل تلك القضايا ؛ فقد كان يتكلّم فيه وهو في الكوفة ـ إذ أرسله عمر معلّماً لأهلها ـ فقد جاء في السيرة الحلبية ما نصّـه :

«وكان الوليد شاعراً ظريفاً حليماً شجاعاً كريماً ، شرب الخمر ليلةً من

__________________

(١) الصواعق المحرقة ١ / ٣٣٤.

(٢) نهاية العقول ـ مخطوط.

٢٠