أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه

الشيخ جعفر السبحاني

أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-357-155-6
الصفحات: ٣٩٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله على جزيل إفضاله وعظيم إنعامه ، والصّلاة والسّلام على خاتم رسله وأنبيائه ، محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين الّذين هم عيبة علمه ، وموئل حكمه ، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج ، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد :

٤

«فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم الله بها عليهم النعمة ، حيث حفظهم عن وَصْمَة محاباة أهل الكتابين ، المؤدية إلى تحريف ما فيهما ، واندراس تينك الملّتين ، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلّا بيّنوه ، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلّا قوّموه ، حتّى اتضحت الآراء وانعدمت الأهواء ، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها وشفاء القلوب بها من أدوائها ، مأمونة من التحريف ، مصونة عن التصحيف». (١)

افتتحنا كتابنا هذا بهذه الكلمة القيمة لبعض الأعلام حول مخالفة العلماء بعضهم لبعض في الآراء والنظريات من دون محاباة ، لما فيه من حكمة بالغة تسهّل لنا موضوع النقاش والنقد الذي لم يزل يرافق العلم والعلماء عبر قرون.

إنّ الاختلاف بين الفقهاء نابع عن حبّ الحقيقة لا عن اتّباع الهوى فكان اختلافهم كاختلاف النبيّين العظيمين : داود وسليمان (عليهما‌السلام) في واقعة واحدة قال سبحانه : ﴿ وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ* فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ

__________________

(١) إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصفهاني : ١٠.

٥

الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ). (١)

ومن أسباب الاختلاف بين فقهاء الفريقين في الفتاوى هو اختلافهم في ما هو المرجع فيما لا نصّ فيه ، فالمرجع في الفقه الشيعي فيه هو الأُصول العملية الأربعة الّتي سيوافيك شرحها ومواردها وأدلّتها من الكتاب والسنّة والعقل.

لكن المرجع فيه عند فقهاء السنة هو القواعد التالية :

القياس ، الاستحسان ، الاستصلاح ، سدّ الذرائع أو فتحها ، وحجّية قول الصحابي ، إلى غير ذلك من القواعد الّتي استنبطوها ليُحلّوا بها مشكلة عدم النصّ في المسألة.

وهذه القواعد وإن لم تتفق كلمتهم على جميعها ، لكن القياس حجّة لدى الأئمّة الأربعة ، والاستحسان حجّة عند المالكية دون الشافعية وهكذا كما ستعرف.

وقد ألف غير واحد من فقهاء الفريقين كتباً ورسائل كثيرة في ما لا نصّ فيه ، واقتصر على بيان مذهبه دون أن يتعرض لمذهب الفريق الآخر من غير فرق بين شيعة وسنة. (٢)

ولما رأيت فراغاً في المقام خامرتني فكرة تأليف كتاب يتكفّل ببيان مذهب الفريقين فيما لا نصّ فيه بصورة مقارنة ، ليكون ذلك ذريعة للتفاهم والتعاضد.

__________________

(١) (الأنبياء : ٧٨ ٧٩.)

(٢) إلّا ما قام به الأُستاذ السيد محمد تقي الحكيم (رحمه‌الله) فألّف كتاباً في إطار أوسع باسم «الأُصول العامة للفقه المقارن» وقد طبع وانتشر وله صدى في الأوساط العلمية.

٦

وتحقيقاً لهذا الغرض عقدتُ بابين ، خصّصت الأوّل منهما للحديث عن المرجع عند الإمامية في ما لا نصّ فيه ، والثاني لبيان المرجع في ما لا نصّ فيه عند السنّة.

ولما كان هناك بعض المشتركات الّتي يعتمدها فقهاء الفريقين كالاستصحاب أو استصحاب البراءة فقد ذكرته في الباب الأوّل وأشرت في الهامش إلى أنّ هذا الأصل متّفق عليه.

ولو لمس القارئ في تقرير كلام المخالف شيئاً من القسوة في التعبير فذلك نابع عن حب الحقيقة والتعريف بها لا تنديد بالمخالف. فإنّي اثمّن الخلاف المبني على الدليل والبرهان.

رحم الله أُستاذنا الكبير السيد الإمام الخميني (قدس‌سره) فقد قال يوماً في بعض دروسه مثمِّناً مخالفة الفقهاء بعضهم لبعض والتي بها حياة العلم وتكامله وبقاء الشريعة ونضارتها ، قال ما هذا مثاله : لو أنّ صاحب الشريعة أو أحد الأئمّة المعصومين (عليهم‌السلام) كتب كتاباً جمع فيه أُصول أحكام العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات ثمّ أودعه بين الأُمّة ليقتصروا عليه دون أن يخضع للبحث والدراسة ، لماتت الشريعة وفقدت نضارتها ، وبقيت الشكوك تطرأ عليها وتجعلها في غمّة بعد غمّة ، فالذي أعطى للشريعة خلوداً وبقاءً ، وأضفى عليها رونقاً وبهاءً هو دراسة الآيات والروايات ، وبالتالي ظهور آراء وأفكار متنوعة في شتى المجالات. ومناقشة الفتاوى والنظريات.

وانطلاقاً من هذا المبدأ قمت بدراسة أحكام الموضوعات الّتي لا نصّ فيها على ضوء كلا الفقهين وأُصولهما وسميته ب «أُصول الفقه المقارن في ما لا نصّ فيه».

٧

أرجو من الله سبحانه أن يكون هذا العمل مصباحاً ينير الدرب أمام طلاب الحقيقة ويكون وسيلة لتقارب الخطى والتآلف والتعاضد في مجالي العلم والعمل.

فإنّ من أهمّ عوامل التفرقة هو الجهل بالطرف الآخر وبما يمتلكه من أفكار وآراء.

ونلفت نظر القارئ إلى أنّ أصحابنا الإمامية قد أشبعوا البحث في الأُصول العملية الأربعة التي هي المرجع فيما لا نصّ فيه عندهم ولذلك نقتصر بالقدر اللازم لإيقاف غير العارف بأُصولهم على حد الإمكان. ومن أراد التبسّط فعليه الرجوع إلى كتب أصحابنا في الأُصول من عصر الوحيد البهبهاني (١١١٨ ١٢٠٦ ه‍) إلى يومنا هذا ، مضافاً إلى محاضراتنا في الأُصول قسم الدراسات العليا (١).

ولتسليط (١) الضوء على المقصود نقدّم مقدمة فيها أُمور :

جعفر السبحاني

قم مؤسسة الإمام الصادق (عليه‌السلام)

الثاني والعشرون من جمادى الأُولى

من شهور عام ١٤٢٥ هـ

__________________

(١) المحصول : ج ٣ ؛ إرشاد العقول : ج ٣.

٨

١

كمال الدين وإتمام النعمة

دلّ القرآن الكريم على أنّه سبحانه أكمل دينه وأتمّ نعمته ، وهذا ما يتجلّى في قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (١) ، ومعنى ذلك أنّ ما جاء به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في حقل العقيدة والشريعة كامل أتمّ الكمال ، فهو يغني المسلمين في كلّ عصر عن كلّ فكر مستورد وقانون وضعي لا يمتّ إلى الوحي والسماء بصلة.

والسنّة تُدعم الكتاب في هذا المجال أشد الدعم ، كما يتّضح ذلك جلياً في كلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في خطبة حجة الوداع حيث جاء فيها : أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلّا ونهيتكم عنه. (٢)

وقال الإمام الباقر (عليه‌السلام) : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج له الأُمّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدلّ

__________________

(١) (المائدة : ٣.)

(٢) الكافي : ٧٤ / ٢ ، كتاب الإيمان والكفر.

٩

عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حداً». (١)

وقال الإمام الصادق (عليه‌السلام) : «ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنّة». (٢)

قال سماعة لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه‌السلام) : أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه أو تقولون فيه؟ قال (عليه‌السلام) : «بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة رسوله». (٣)

نعم وجود حكم كلّ شيء في الكتاب والسنّة ليس بمعنى أنّ كلّ مَن رجع إلى المصدرين يستطيع الوقوف على حكمه وإن لم تكن تتوفر فيه الصلاحيات والقابليات الخاصة ، بل ذاك رهن العلم والمعرفة والأنس بالكتاب والسنّة والتوغّل فيهما على نحو يخالط القرآن والسنّة روحه ودمه ليقف على المعاني السامية فيهما.

__________________

(١) (الكافي : ١ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة ، الحديث ٢ ، ٤ ، ١٠.)

(٢) (الكافي : ١ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة ، الحديث ٢ ، ٤ ، ١٠.)

(٣) الكافي : ١ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة ، الحديث ٢ ، ٤ ، ١٠.

١٠

٢

القرآن وسعة آفاق دلالته

من تمعّن في القرآن الكريم وتدبّر في معانيه ومفاهيمه يقف على سعة آفاق دلالته على مقاصده يقول سبحانه : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً). (١)

وها نحن نقدّم نموذجاً يدلّ على سعة آفاق الكتاب ، وأنّ للفقيه الواعي إمكان استخراج أحكام الموضوعات المستجدة عبر القرون من المصدرين الشريفين.

قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة ، فأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : الإيمان يمحو ما قبله ، وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي (عليه‌السلام) يسأله ، فلمّا قرأ الكتاب ، كتب : «يضرب حتى يموت».

فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب إليه يسأله عن العلّة ، فكتب :

بسم الله الرّحمن الرحيم : (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما

__________________

(١) النحل : ٨٩.

١١

كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ). (١)

فأمر به المتوكّل ، فضرب حتّى مات. (٢)

تجد أنّ الإمام الهادي (عليه‌السلام) لوقوفه على سعة دلالة القرآن ، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية ، وكم لها من نظير. ولو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات الّتي استشهد بها أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام) على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبدياً لوقف على سعة آفاق الذكر الحكيم.

ويدلّ على سعة دلالة آيات القرآن الكريم ما رواه المعلّى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله (عليه‌السلام) : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا وله أصل في كتاب الله عزوجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال». (٣)

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام) : «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم ، أُخبركم عنه أنّ فيه علم ما مضى ، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم ، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون ، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم». (٤)

وقد حكى بعض مشايخنا ، أنّ بعض الفقهاء استنبط من سورة «المسد» أربعة وعشرين حكماً شرعياً ، كما وقع قوله سبحانه : (قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) (٥) مصدراً للأحكام في باب النكاح.

__________________

(١) (غافر : ٨٤ ٨٥.)

(٢) (مناقب آل أبي طالب : ٤٠٣ / ٤.)

(٣) (الكافي : ٦٠ / ١ ٦١ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة ، الحديث ٦ ، ٧.)

(٤) (الكافي : ٦٠ / ١ ٦١ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة ، الحديث ٦ ، ٧.)

(٥) القصص : ٢٧.

١٢

إنّ أئمّة أهل البيت استدلّوا على جملة من الأحكام الفرعية ب آيات ربّما لا تصل إليها العقول العادية ، ولمّا سُئلوا عن وجه الدلالة ، أرشدوا أصحابهم إلى وجه الدلالة ، فسلّما واعترفوا بفضلهم في فهم كتاب الله سبحانه ، وللقارئ الكريم أن يجمع شتات الروايات الواردة في ذلك المجال ، فإنّها مبعثرة في طيّات كتب الحديث والتفسير.

١٣

٣

عدد آيات الأحكام أكثر من خمسمائة

على ضوء ما ذكرنا من سعة آفاق دلالة القرآن الكريم ، نقف على أنّ تخصيص آيات الأحكام بخمسمائة آية أو أقلّ منها أو أقلّ منها أنّه لأجل قصر النظر بالآيات التي تتبنّى الحكم الشرعي بدلالة مطابقية كآيات الإرث وغيرها ، وأمّا بالنظر إلى ما ذكرنا من دلالة قسم من الآيات ، على أحكام شرعية عملية ، دلالة التزامية أو غير ذلك ، فإنّها سوف تتجاوز الخمسمائة آية.

وبذلك يظهر النظر فيما ذكره بعض المحقّقين في هذا المقام : قال الفاضل المقداد :

اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو خمسمائة آية ، وذلك إنّما هو بالمتكرر والمتداخل ، وإلّا فهي لا تبلغ ذلك ، فلا يظن من يقف على كتابنا هذا ويضبط عدد ما فيه ، انّا تركنا شيئاً من الآيات فيُسيء الظن به ، ولم يعلم أنّ المعيار عند ذوي البصائر والأبصار ، إنّما هو التحقيق والاعتبار لا الكثرة والاشتهار. (١)

ويظهر من الأُستاذ «عبد الوهاب خلّاف» أنّ عدد آيات الأحكام ربّما تبلغ

__________________

(١) كنز العرفان في فقه القرآن : ٥ / ١.

١٤

٣٣٠ آية :

ففي العبادات بأنواعها نحو ١٤٠ آية.

وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووصية وحجر وغيرها نحو سبعين آية.

وفي المجموعة المدنية من بيع وإجارة ورهن وشركة وتجارة ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.

وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.

وفي القضاء والشهادة وما يتعلّق بها نحو عشرين آية. (١)

قال السيد محمد رشيد رضا : والمشهور عند علماء الأُصول أنّ آيات الأحكام العملية في القرآن من دينية وقضائية لا تبلغ عُشْر آياته ، وقد عدّها بعضهم خمسمائة آية للعبادات والمعاملات ، والظاهر أنّهم يعنون الصريح منها وأكثرها في الأُمور الدينية. (٢)

__________________

(١) (خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي : ٢٨ ٢٩.)

(٢) الوحي المحمدي : ١٨٧ ، ط سوريا.

١٥

٤

دراسة آيات الأحكام بصورتين :

نستطيع أن ندرس آيات الأحكام بصورتين ، غير أنّ الصورة الثانية أفضل من الصورة الأُولى ، وإليك بيانهما :

الأُولى : ما درج عليه فقهاء أهل السنّة كالجصاص وابن العربي وغيرهما حيث فسّروا الآيات حسب ترتيب السور ، وهذا ما لا نستحسنه ونراه منهجاً غير متكامل ، لأنّ القرآن حينما يتناول الجهاد مثلاً بالبحث لا يتطرق إليه في سورة واحدة ، بل يذكر معالمه وشروطه وآثاره في عدّة سور ، فالفقيه الّذي يريد استنباط أحكام الجهاد من القرآن ، لا بدّ له من مراجعة تلك الآيات في مواضع مختلفة ، وهذا يأخذ منه وقتاً كثيراً ولا يجد ضالّته إلّا بعد بذل جهد كثير.

الثانية : ما هو الدارج عند فقهاء الشيعة وهو دراستها حسب المواضيع الفقهية ، مثلاً يبحث عن جميع الآيات الواردة حول الطهارة أو الصلاة أو الصوم أو غيرها في باب خاص ، وهذا ما نطلق عليه التفسير الموضوعي في إطار خاصّ. (الفروع العملية).

ومما أعجبني ما ذكره الأُستاذ عبد الوهاب خلاف ، حيث اقترح ذلك المنهج

١٦

على الفقهاء ، غافلاً عن أنّ علماء الشيعة قد نهجوا ذلك المنهج منذ قاموا بتفسير آيات الأحكام ، قال : «وأوّل واجب على من يستأهل للاجتهاد أن يُحصي آيات الأحكام في القرآن ، يجمع آيات كلّ نوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق ، وكلّ آياته في الإرث ، وكلّ آياته في البيع ، وكلّ آياته في العقوبات ، وهكذا ، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة ويقف على أسباب نزولها ، وعلى ما ورد في تفسيرها من السنّة ، ومن آثار للصحابة أو التابعين ، وعلى ما فسرها به المفسّرون ، ويقف على ما تدلّ عليه نصوصها وما تدلّ عليه ظواهرها ، وعلى المحكم منها ، والمنسوخ وما نسخه». (١)

ولعلّ هذا البحث الموجز حول الكتاب العزيز الّذي هو المصدر الأوّل لاستنباط الأحكام كاف في المقام ، فلنعد إلى البحث عن السنّة التي هي المصدر الثاني.

__________________

(١) مصادر التشريع الإسلامي : ١٤.

١٧

٥

السنّة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي

السنّة النبوية هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز ، سواء أكان منقولاً باللفظ أم كان منقولاً بالمعنى شريطة أن يكون الناقل ضابطاً في النقل ، وقد خصّ الله بها المسلمين دون سائر الأُمم ، وقد وضع المسلمون في حفظ السنّة النبوية علوماً مختلفة ليصونوا بها الحجّة الثانية عن الدس والتحريف.

وقد أكّد القرآن الكريم على أنّ السنّة من مصادر التشريع الإسلامي ، وكفانا في ذلك بعض الآيات.

١. قوله سبحانه : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى). (١)

وتخصيص الآية بالوحي القرآني تقييد في إطلاقه بلا دليل ، على أنّ الذوق السليم لا يقبل التخصيص ، إذ يكون مرجع الآية عندئذ إلى أنّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا ينطق عن الهوى حينما يتلو القرآن دون غيره من الأحوال ، فهو ربّما يتكلّم فيه عن الهوى ، وهو كما ترى.

٢. قوله سبحانه : (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ

__________________

(١) النجم : ٤٣.

١٨

تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً). (١) والآية تتضمن مقاطع ثلاثة ، وكلّ مقطع يشير إلى بُعد من أبعاد علم الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم).

فالأوّل : أعني قوله : (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) يشير إلى علمه الّذي يتلقّاه عن الروح الأمين.

والثاني : أعني قوله : (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) يشير بقرينة المقابلة ، إلى العلم غير المعتمد على نزول الملك ، فالمراد به هو الإلقاء في القلب والإلهام الإلهي الخفيّ.

كما أنّ الثالث : أعني قوله : (وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) يشير إلى سعة علمه.

وما ذكرنا من الآيات تُثبت عصمة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في أقواله وأفعاله ، فإنّ علمه مستند إمّا إلى نزول الملك ، أو الإلقاء في القلب من جانبه سبحانه ، فلا يعرض له الخطأ ، وكيف يعرض له الخطأ والله سبحانه بيّن فضله بقوله : (وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).

ومردّ سنّة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إلى العلم الواسع الّذي تفضّل به سبحانه عليه ، فلا يخطئ الواقع قدر شعرة. وقد مضت كلمة أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام) في سعة السنّة وأنّ فيها كلّ شيء.

على أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام) جعلوا موافقة السنّة الحدّ المائز بين الحقّ والباطل عند تعارض الروايات عنهم ، واختلاف كلمة النقلة.

__________________

(١) النساء : ١١٣.

١٩

قال الإمام الصادق (عليه‌السلام) : «وكلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة». (١)

وقال أيضاً : «من خالف كتاب الله وسنّة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقد كفر». (٢)

إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم ، تبيّن مجملاته أو تخصّص عموماته أو تقيّد مطلقاته ، وأُخرى تكون مبتدئة بالتقنين ، وكلتا الحالتين تعبير عن الوحي وبيان لما أُوحي إليه.

__________________

(١) (الكافي : ١ ، باب الأخذ بالسنّة ، الحديث ٣ و ٦.)

(٢) الكافي : ١ ، باب الأخذ بالسنّة ، الحديث ٣ و ٦.

٢٠