🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

مضى منه شيء ويأتي منه شطر.

وروى ابن خالويه في كتاب الآل عن ابي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لعلي : (حبك ايمان وبغضك نفاق ، واوّل من يدخل الجنة محبك ، واوّل من يدخل النار مبغضك) (١).

وعن ابن عباس ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نظر الى علي بن أبي طالب فقال له : (انت سيد في الدنيا ، سيد في الآخرة ، من احبك فقد أحبني ومن ابغضك فقد ابغضني وبغضك يغضب الله تعالى فالويل كل الويل لمن ابغضك) (٢).

روى الثعلبي في تفسيره ان سفيان بن عيينة سئل عن قول الله عزوجل (سأل سائل بعذاب واقع) فيمن نزلت فقالت للسائل لقد سألتني عن مسألة ما سألني احد عنها حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فاخذ بيد علي (عليه‌السلام) وقال : (من كنت مولاه فعلي مولاه) فشاع ذلك فطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على ناقة له فاناخ راحلته ونزل عنها وقال : يا محمد أمرتنا عن الله عزوجل ان نشهد الا إله الا الله وانك رسول الله فقبلناه منك ، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك ، وامرتنا بالزكاة فقبلناه منك ، وأمرتنا ان نصوم فقبلناه ، وامرتنا بالحج فقبلناه ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن عمك تفضله علينا فقلت : (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا شيء منك أم من عند الله عزوجل؟ فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (والذي لا إله الا هو ان هذا من عند الله عزوجل)

__________________

(١) نور الأبصار ص ٨٠ عن كتاب الآل لابن خالويه.

(٢) المصدر السابق ص ٨٠.

٣٨١

فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول : اللهم ان كان ما يقول محمد حقا فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل الى راحلته حتى رماه الله عزوجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله ، فانزل الله عزوجل : (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ) (١).

قال في المناقب مختصر مناقب الحافظ ابي عبد الله البلخي الشافعي وهو يذكر حديث مبيت علي (عليه‌السلام) على فراش النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ليلة الغار : وقال بعض اصحاب الحديث : وأوحى الله تعالى الى جبرئيل وميكائيل ان انزلا الى علي (عليه‌السلام) واحرساه في هذه الليلة الى الصباح ، فنزلا إليه وهما يقولان بخ بخ من مثلك يا علي قد باهى الله بك ملائكته (٢).

قال : ونقل الامام حجة الاسلام ابو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ان ليلة بات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أوحى الله الى جبرئيل وميكائيل : اني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فايكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة فاهبطا الى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادي فيقول : بخّ بخّ من مثلك يا بن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فانزل الله عزوجل : (وَمِنَ

__________________

(١) المصدر السابق ص ٨٧ عن تفسير الثعلبي.

(٢) مباهاة الجليل جل وعلا ملائكته بعلي (عليه‌السلام) نقلها جماعة من علماء اهل السنة نذكر منهم الرازي في تفسيره ج ٥ / ٢٠٤ ، وابن الأثير في اسد الغابة ج ٤ ص ٥ والغزالي في احياء العلوم كما يأتي قريبا وغيرهم.

٣٨٢

النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) (١) انتهى (٢).

اقول وهذا الخبر كما ترى يدل على فضل لا يعلم منتهاه ولا يعرف لأحد من اولياء الله مثل هذه الفضيلة وهو يكذب ما ولده ابو بكر الأصم في حديث المبيت من ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال لعلي (عليه‌السلام) : (لن يصل أليك منهم امر تكرهه) اذ لو كان الأمر هكذا لم يكن علي (عليه‌السلام) فدى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بنفسه ولا اثره بالحياة ولم يكن شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله اذ لا يكون ذلك الا اذا كان يجوز القتل على نفسه في مبيته بل يظنه فيكون قد سخى بنفسه في فداء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، اما اذا كان قاطعا بالسلامة لأخبار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اياه بعدم وصول مكروه من المشركين إليه فلا شيء من ذلك بحاصل لأنه اذ ذاك لم يقدم على مخوف ، ولا وطن نفسه على ملاقاة المكروه ، فلا مشقة عليه في ذلك التكليف ومن كان هذا شأنه لا يستحق شيئا من المدح فكيف يباهى الله به سادات الملائكة ويفضله عليهم كما ترى؟ فدل المدح من الله تعالى لعلي (عليه‌السلام) على ان تلك الزيادة مكذوبة لتهجين هذه الفضيلة حيث لم يكن لغيره ما يدانيها تلك الليلة فلم يباه الله به ملكا ولم تنزل بالتصريح بمدحه آية والحق لا يخفى.

ووجه آخر وهو انه قد صح في رواية الخصوم من غير خلاف ان المشركين كانوا يرجمون عليا بالحجارة تلك الليلة حتى اثر في جسده ، وهذا لا شك مكروه وصل إليه من المشركين ، ولو كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اخبره بعدم وصول مكروه إليه منهم اذن ما وصل إليه من ذلك شيء ، اذ لا تجوز المخالفة في اخبار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فبطل ما قاله

__________________

(١) البقرة ٢٠٧.

(٢) احياء العلوم ٣ / ٢٣٨ ونقله عن الاحياء الشبلنجي في نور الأبصار ص ٨٦.

٣٨٣

الأصم وتابعوه وبالله التوفيق.

وروى البيهقي ان عليا (عليه‌السلام) ظهر من البعد فقال النبي : (هذا سيد العرب) فقالت عائشة الست سيد العرب؟ فقال : (انا سيد العالمين وهذا سيد العرب) ورواه الحاكم عن ابن عباس بلفظ : (انا سيد ولد آدم وعلى سيد العرب) (١).

وروى الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (ان الله امرني بحب أربعة واخبرني انه يحبهم) قيل : يا رسول الله سمهم لنا قال : (علي منهم) يقول ذلك ثلاثا (وأبو ذر والمقداد وسلمان) (٢).

اقول : هؤلاء محبّو علي (عليه‌السلام) حقا ومحب علي يحبه الله ويأمر بمحبته.

واخرج احمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبيش بن جنادة قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (عليّ مني وانا من علي ولا يؤدي عني الا علي) (٣).

روى الطبراني والحاكم وصححه عن أمّ سلمة (رضي الله عنها) قالت : كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اذا غضب لم يجترئ ان يكلمه الا علي (٤).

__________________

(١) رواه في الصواعق ص ٧٣ عن البيهقي ، ومستدرك الحاكم ٣ / ١٢٤.

(٢) الترمذي ٢ / ١٩٩ والحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٠ وابن ماجه في السنن ص ١٤ ، وابن عبد البر في الاستيعاب ١ / ٥٥.

(٣) مسند احمد ٤ / ١٦٤ و ١٦٥ ، والترمذي ٢ / ٢٩٩ وخصائص النسائي ١٩ و ٢٠ وسنن ابي ماجه ١٢.

(٤) فيض القدير ٥ / ١٥٠ وقال : «اخرجه الطبراني» ومستدرك الحاكم ٣ / ١٣٠.

٣٨٤

واخرجا باسناد حسن عن ابن مسعود ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (النظر الى وجه علي عبادة) (١).

وروى ابو يعلى والبزاز عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله : (من أذى عليا فقد اذاني) (٢).

وروى الطبراني بسند حسن عن أمّ سلمة (رضي الله عنها) عن رسول الله قال : (من احب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد احب الله ومن ابغض عليا فقد ابغضني ومن ابغضني فقد ابغض الله) (٣).

وروى احمد والحاكم وصححه عنها (رضي الله عنها) قالت : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقول : (من سب عليا فقد سبني) (٤).

واخرج الملا في سيرته انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ارسل أبا ذر ينادي فرأى رحى تطحن في بيته وليس معها احد فاخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بذلك فقال : (يا أبا ذر أما علمت ان لله ملائكة سياحين في الأرض قد وكلوا بمعاونة آل محمد) (٥).

اقول هذه المنقبة ان لم تكن من المعاجز كرد الشمس وما اشبهها فهي من الكرامات العظيمة الدالة على فضل لا يدرك كنهه وهل سمعت بولي من اولياء الله البررة وأنبيائه الكرام تطحن الملائكة بره وتخدمه في مئونة طعامه

__________________

(١) مستدرك لحاكم ٣ / ١٤٠ و ١٤٢ وفيض القدير ٥ / ١٥٢ وقال : «اخرجه الطبراني».

(٢) مجمع الزوائد ٩ / ١٢٩ وقال : «اخرجه ابو يعلى والبزار» وكذلك في نور الأبصار ص ٧٢.

(٣) كنز العمال ٦ / ١٥٨ واشار الى ان الطبراني اخرجه من طريق ابي رافع وأمّ سلمة.

(٤) مسند احمد ٦ / ٣٢٣ ، ومستدرك الحاكم ١ / ١٢١.

(٥) رواه المحب في الرياض ٢ / ٢٢٢ عن سيرة الملأ وفيه «بمعونة آل محمد».

٣٨٥

غير علي (عليه‌السلام).

واخرج الطبراني في الأوسط عن أمّ سلمة قالت سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقول : (عليّ مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض) (١).

قال في الأسعاف وقد روى من طرق عديدة منها صحيح وحسن ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال لعلي (عليه‌السلام) : (اشقى الناس رجلان الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذه) واشار الى يافوخه (حتى تبتل منه هذه واشار الى لحيته (٢).

وروى البيهقي والديلمي عن انس ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (علي يزهر في الجنة ككوكب الصبح لأهل الدنيا) (٣).

أقول : وظنى ان القوم لمعارضته هذا الخبر وضعوا حديث (سراج اهل الجنة عمر) (٤).

وروى الديلمي عن ابن عباس ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (عليّ مني بمنزلة رأسي من بدني) (٥).

اقول لينظر الناظر في هذا المقام العلي الذي ثبت لمولانا علي من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حيث جعله بمنزلة الجزء من بدنه ، ثم لم يرض

__________________

(١) الصواعق ص ٧٤ ونور الأبصار ص ٧٢ وقالا : «اخرجه الطبراني في الأوسط».

(٢) اسعاف الراغبين والحديث رواه جملة من المحدّثين.

(٣) كنز العمال ٦ / ١٥٣ ـ ١٥٥ وقال : «اخرجه البيهقي في فضائل الصحابة».

(٤) نور الأبصار ص ٦١.

(٥) المصدر السابق ص ٨٠ واسعاف الراغبين ص ١٦٠ وفيهما ان الديلمي اخرجه عن ابن عباس.

٣٨٦

له الا باشرف الأعضاء كلها افترى ان هذا الكلام ليس بنص على إمامته ، ولا حث على تقديمه في خلافته! بل والله هو من اصرح النصوص على ذلك واوضحها ، اذ لا يعقل ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يرضى بتقدم احد من الناس على من كان منه بمنزلة الرأس من البدن ، وهذا ظاهر لمن وعى قال أبو علي : صح عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه سئل عن بعض أصحابه فقال قائل : فعلى فقال : (انما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي) (١).

وروى الترمذي والحاكم ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (ان الجنة لتشتاق الى ثلاثة علي وعمار وسلمان) (٢).

وروى البخاري ومسلم ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وجد عليا مضطجعا في المسجد وقد سقط رداؤه عن شقه فاصابه تراب فجعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يمسحه عنه ويقول : (قم أبا تراب قم أبا تراب) فكانت هذه الكنية أحبّ الكنى إليه لأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كناه بها (٣).

وروى احمد في المناقب عن علي (عليه‌السلام) قال : جلس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في حائط فضربني برجله فقال : (قم فو الله لأرضينك انت اخي وابوك والدي قاتل على سنتي ، من مات على عهدي فهو في كنز الجنة ، ومن مات على

__________________

(١) مجمع البيان ٢ / ٤٥٣.

(٢) اسعاف الراغبين ص ١٦٠ عن الترمذي والحاكم.

(٣) صحيح البخاري ١ / ١١٤ كتاب الصلاة باب نوم الرجال في المسجد وج ٤ / ٢٠٨ كتاب المناقب وج ٧ / ١١٧ كتاب الأدب باب التكني ، وصحيح مسلم ٧ / ١٢٠ باب فضائل الصحابة من فضائل علي بن أبي طالب.

٣٨٧

عهدك فقد قضى نحبه ، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والايمان ما طلعت شمس او غربت) (١).

وروى الطبراني ان عليا (عليه‌السلام) قال : ان خليلي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (يا علي انك ستقدم على الله انت وشيعتك راضيين ومرضيين ويقدم اعداؤك غضابا مقمحين) (٢).

وروى الحاكم ابو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل باسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي (عليه‌السلام) انه قال : ان الله تعالى ايانا عنى بقوله : (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (٣) فرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) شاهد علينا ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في ارضه ونحن الذين قال تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً).

وروى ابو علي (رضي الله عنه) عن أبي الحمد مهدي بن نزار الحسيني قال : حدثنا ابو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال : اخبرنا أبو عبد الله الشيرازي قال : اخبرنا ابو بكر الجرجاني قال : حدثنا ابو احمد البصري قال : حدثنا احمد بن عمار بن خالد قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال : حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لما نزلت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية قال : (الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي) وقال : (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من

__________________

(١) نقله المحب في الرياض ٢ / ١٦٧. وقال : «اخرجه احمد في المناقب».

(٢) اسعاف الراغبين ص ١٥٨ ونور الأبصار ص ٨٠ عن الطبراني.

(٣) البقرة : ١٤٣.

٣٨٨

نصره واخذل من خذله) قال الربيع بن انس : نزلت الآية في المسير في حجة الوداع (١) قال علي بن ابراهيم من اصحابنا : كان نزولها بكراع الغميم فاقامها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بالجحفة (٢).

وروى الثعلبي في تفسيره باسناده مرفوعا الى ابن عباس قال : نزلت هذه الآية : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) في علي (عليه‌السلام) امر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ان يبلغ فيه فاخذ رسول الله بيد علي (عليه‌السلام) فقال : (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (٣).

وروى الحاكم ابو القاسم الحسكاني باسناده عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا : امر الله محمدا ان ينصب عليا للناس ويخبرهم بولايته فتخوف رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ان يقولوا حابى ابن عمه وان يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم (٤).

وروى الواحدي في كتابه المسمى باسباب النزول عن ابي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) يوم غدير خم قال بعض الشافعية هكذا ذكره الشيخ محيى الدين النووي (٥) انتهى.

__________________

(١) مجمع البيان ٣ / ١٥٩.

(٢) نقله عن تفسير علي بن ابراهيم الطبرسي في مجمع البيان ٣ / ١٥٩.

(٣) رواه النيسابوري في تفسيره (الكشف والبيان) بطريقين الأول عن ابي جعفر الباقر (عليه‌السلام) والثاني عن ابن عباس كما في العمدة لابن البطريق ص ٤٢.

(٤) مجمع البيان ٢ / ٢٣٣ عن شواهد التنزيل للحسكاني.

(٥) اسباب النزول للواحدي ص ١٥٠.

٣٨٩

وروى ابو طالب الهروي باسناده عن علقمة والأسود عن ابي أيوب الأنصاري ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال لعمار : (يا عمار سيكون بعدي هنات حتى يختلف وله السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يبرأ بعضهم من بعض فاذا رأيت ذلك فعليك بهذا الاصلع عن يميني علي بن ابي طالب فان سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس يا عمار ان عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردى يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله) (١).

وروى الحاكم ابو القاسم الحسكاني قال : حدثني محمد بن القاسم بن احمد قال : حدثنا ابو سعيد محمد بن الفضيل بن محمد قال : حدثنا محمد بن صالح العرزمي قال : حدثنا عبد الرحمن بن ابي حاتم قال : حدثنا ابو سعيد الأشجع عن ابي خلف الأحمر عن ابراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (٢) قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي) (٣).

أقول وهذا الحديث نص في المطلب وصريح في المقصد قد دل بصراحته على ان من تقدم على علي (عليه‌السلام) في خلافة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فهو بمنزلة من جحد نبوته ونبوة من قبله من الأنبياء كما اسلفنا بيانه ويأتي ما هو واضح فيه ان شاء الله ودعوى الخصوم رضاه معلومة البطلان بالبيان والبرهان.

__________________

(١) نقله في مجمع البيان ٤ / ٥٣٤ عن ابي طالب الهروي بسنده عن ابي أيوب الأنصاري.

(٢) الأنفال : ٢٥.

(٣) مجمع البيان ٤ / ٥٣٤ عن الحسكاني وانظر انوار التنزيل للحسكاني ١ / ٢٠٧.

٣٩٠

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : (كونوا مع الصادقين) (١) مع علي (عليه‌السلام) واصحابه (٢).

روى مشهورا في قوله تعالى : (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) (٣) انه يعني حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن ابي طالب : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) انه يعني علي بن أبي طالب وفي رواية بزيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب شهيد بدر (٤).

واتفق المفسرون ان عليا (عليه‌السلام) هو المؤمن في قوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (٥) فأمير المؤمنين (عليه‌السلام) هو الصادق على الاطلاق وهو واصحابه الثلاثة هم الصادقون بما عاهدوا الله عليه (وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) كغيرهم وهو المؤمن وهو البر في قوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً) (٦) وهو (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) في قوله تعالى : (قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (٧). كما عن ابن مسعود وابي عبد الرحمن السلمي ويشهد لذلك ما روى عن علي (عليه‌السلام) انه قال : (والله ما نزلت آية الا وقد علمت فيمن نزلت واين نزلت وعلى من انزلت ان ربي وهب لي قلبا

__________________

(١) التوبة : ١١٩.

(٢) في الدر المنثور في تفسير سورة التوبة «مع علي بن ابي طالب» وقال : «اخرجه ابن مردويه عن ابن عباس واخرجه ابن عساكر عن ابي جعفر الباقر (عليه‌السلام).

(٣) الأحزاب : ٢٣.

(٤) نور الأبصار ص ٩٧ والصواعق ص ٨٠.

(٥) السجدة : ١٨.

(٦) الانسان : ٥.

(٧) الرعد : ٤٣.

٣٩١

عقولا ولسانا ناطقا) ، رواه ابن سعد (١) وروى هو وغيره عن ابي الطفيل قال : ل علي (عليه‌السلام) : (سلوني عن كتاب الله فانه ليس من آية الا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل) (٢).

اقول انى يداني هذا من يقول أي ارض تقلني وأي سماء تظلني اذا قلت في كتاب الله بالرأي فيخبر عن نفسه انه لم يعرف معاني الكتاب ولم يستعلم احكامه من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ثم هو يتقدم على عالم الكتاب في انفاذ احكامه فيا لله للعجب العجاب قال في المناقب سأل معاوية خالد بن يعمر فقال له علام احببت عليا فقال على ثلاث خصال على حلمه اذا غضب وعلى صدقه اذا قال وعلى عدله اذا حكم (٣).

وروى مشهورا أن معاوية قال لضرار بن ضمرة ، صف لي عليا فقال : اعفني فقال : اقسمت عليك لتصفه ، قال : اما اذا كان كلّا ولا بد فانه والله كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من لسانه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل ووحشته ، وكان غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا اذا سألناه ، ويأتينا اذا دعوناه ، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له ، يعظم اهل الدين ، ويقرب المساكين ، لا يطمع القوى في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، واشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد ارخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غري غيري ، ابى تعرضت

__________________

(١) الطبقات لابن سعد ٢ / ق ٢ ص ١٠١.

(٢) نفس المصدر.

(٣) شرح نهج البلاغة ١٦ / ١١١.

٣٩٢

أم الى تشوفت ، هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك يسير ، وعيشك حقير ، اه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال : حزن من ذبح ولدها في حجرها فهي لا يرقى دمعها ولا يخفى فجعها (١).

وفي مختصر (٢) مناقب البلخي الشافعي لبعض الشافعية قال روى عن علي أنه قال في مجلسه العام : (سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن علم السماء فاني اعلمها زقاقا زقاقا وملكا ملكا) فقال رجل من الحاضرين : حيث أدعيت ذلك يا ابن ابي طالب اين جبرئيل هذه الساعة فغطس قليلا وتفكر في الأسرار ثم رفع رأسه قائلا اني طفت السموات السبع فلم اجد جبرئيل واظنه انت ايها السائل فقال السائل : بخ بخ من مثلك يا ابن ابي طالب وربك يباهي بك الملائكة ثم سجى عن الحاضرين (٢).

اقول ويصدق هذا الخبر قول امير المؤمنين في بعض خطبه «اني بطرق السماء اعلم مني بطرق الأرض» (٣) ويزيل استبعاد النفوس الضعيفة عنه ما اوضحناه في مسألة توقف الامامة على النص حيث أقمنا هناك ادلة الحكمة والشرع على جواز الالهام لأولياء الله.

__________________

(١) ضرار بن ضمرة ـ وقد تصحف ضمرة الى حمزة ـ مولى أمّ هاني بنت ابي طالب ، وكان من اشد الناس حبا لعلي (عليه‌السلام) واخلاصا له ، وقد روى بعض كلامه سلام الله عليه ومنه هذا الخبر الذي رواه كثير من حملة الآثار كابن عبد البر في الاستيعاب ٣ / ٤٢ بترجمة علي (عليه‌السلام) وابو نعيم في الحلية ١ / ٨٤ والقالي في الأمالي ٢ / ١٤٣ والمسعودي في مروج الذهب ٣ / ٤٣٣.

(٢) نقله المؤلف عن مختصر مناقب الشافعي ولو نقل مثل في كتب الامامية لعد من الإسراف في الغلو.

(٣) نهج البلاغة من الخطبة ١٨٧.

٣٩٣

وروى مستفيضا ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كان جالسا في المسجد وعنده اناس من الصحابة اذا جاء رجلان يختصمان فقال احدهما يا رسول الله ان لي حمارا ولهذا بقرة وان بقرته نطحت حماري فقتلته فبدر رجل من الحاضرين فقال لا ضمان على البهائم فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (اقض بينهما يا علي) فقال علي (عليه‌السلام) : أكان الحمار والبقرة موثقين أم كانا مرسلين أم احدهما موثقا والآخر مرسلا فقال لا كان الحمار موثقا والبقرة مرسلة وصاحبها معها فقال علي (عليه‌السلام) على صاحب البقرة الضمان وذلك بحضرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقرر حكمه وامضى قضاءه (١) قال بعض العامة : هناك قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأصحابه : (اقضاكم علي) (٢).

قلت : ما اشبه هذه الواقعة بواقعة الحرث والغنم ، وما اشبه حكم امير المؤمنين فيها بحكم سليمان بن داود ، وله (عليه‌السلام) مثل ذلك ما تضيق صدور الأرقام عن سطره وتعيى رءوس الأقلام عن نقله ونظمه ونثره ، وتكل الألسن عن ذكره ونشره ، وقد ذكرنا جملة من الأخبار التي تدخل في سلك هذا الباب في رد احتجاج القوشجي على افضلية الثلاثة وجميع ما اثبتناه من الأحاديث والآيات هنا بين ناص على إمامة امير المؤمنين (عليه‌السلام) بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومصرح بخلافته ، وبين ظاهر فيها ومشير إليها ، وكلها تصرح بافضليته وتنطق بعلو شأنه وجلالته ، فهي لما ذكرناه من النصوص المرتبة في الفصول السابقة معاضدة

__________________

(١) الصواعق المحرقة ص ٧٣ ونور الأبصار ص ٧٩ واسعاف الراغبين ص ١٥٧.

(٢) نور الأبصار ٧٩ واسعاف الراغبين ص ١٥٧ وقال ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ / ١٨ : «قد روت العامة والخاصة قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) :

(اقضاكم علي).

٣٩٤

ولما حررناه من ادلة الاشارات والظواهر مساعدة ، وكلها أو جلها مأخوذ من الكتاب التي يقر بصحتها خصمنا المعتزلي كما يعترف بثبوتها الأشعري تكون حجة على كل منهما فيما ندعيه من النص الجلي ، على مولانا امير المؤمنين (عليه‌السلام) ، ومن يهدي الله فهو المهتدي.

احتج ابن ابي الحديد على فقدان النص بحديث السقيفة وان عليّا (عليه‌السلام) لم يحتج اذ ذاك بالنص ونقل الخبر من كتاب الجوهري وكان يثنى عليه بانه من الثقات المأمونين ، قال : ونحن نذكر خبر السقيفة روى ابو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة قال : اخبرنا احمد بن اسحاق قال : حدثنا احمد بن سيار قال حدثنا سعيد بن كثير [بن عفير] (١) الأنصاري : ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد قبض ، وساق الرواية وهي طويلة فذكر فيها قول سعد بن عبادة للأنصار واجابتهم الى توليته ، ثم اختلافهم عليه في الاستبداد بالأمر واختيارهم لأن يكون منهم امير ومن قريش امير ، ومضي أبي بكر وعمر وأبي عبيدة الى السقيفة واحتجاجهم على الأنصار بقرابتهم من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وعرض ابي بكر على عمر وأبي عبيدة المبايعة لواحد منهما وإبائهما التقدم عليه لأنه ثاني اثنين في الغار ولأن رسول الله امره بالصلاة وكلام الأنصار ، ومخاصمتهم لأبي بكر وصاحبيه ، ورضا عمر وأبي عبيدة بخلافة ابي بكر ، وموافقة بشير بن سعد الخزرجي ، وكان من سادات الخزرج لهما حسدا لابن عمه سعد بن عبادة ـ وموافقة اسيد بن حضير رئيس الأوس لهم حسدا لسعد أيضا ومنافسة له ان يلي الأمر ، وان الأوس كلهم بايعوا أبا بكر لما تابعه رئيسهم ، وحمل سعد بن عبادة وهو مريض الى منزله

__________________

(١) ما بين المعقوفين زيادة في شرح النهج.

٣٩٥

وامتناعه من بيعة ابي بكر ، واجتماع بني هاشم ومعهم الزبير الى علي بن أبي طالب ، واجتماع بني امية الى عثمان ، وبني زهرة الى سعد وعبد الرحمن بن عوف ، وقول عمر لهم لما اقبل من السقيفة مع ابي بكر ومن بايعه هناك : ما لي اراكم حلقا (١) قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس وبايعه الأنصار! فقام عثمان ومن معه وسعد وعبد الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر ، قال : وذهب عمرو معه عصابة الى بيت فاطمة معهم اسيد بن حضير وسلم بن اسلم فقال لهم : انطلقوا فبايعوا فابوا عليه وخرج الزبير بسيفه فقال عمر : عليكم الكلب ، فوثب عليه سلم بن اسلم فاخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنوا هاشم وعلي يقول : (انا عبد الله واخو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حتى انتهوا به الى أبي بكر فقيل له : بايع ، فقال : انا احق بهذا الأمر منكم لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي اخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فاعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الامارة ، وانا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فانصفونا ان كنتم تخافون الله من انفسكم ، واعرفوا لنا من الأمر مثلما عرفته الأنصار لكم والا فبوءوا بالظلم وانتم تعلمون ، فقال عمر : انك لست متروكا حتى تبايع ، فقال له علي (عليه‌السلام) : أحلب يا عمر حلبا لك شطرة ، اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا لا والله لا أقبل قولك ولا ابايعه فقال له ابو بكر : فان لم تبايعني لم اكرهك ، فقال له ابو عبيدة : يا أبا الحسن انك حدث السن (٢) وهؤلاء مشيخة قريش ليس لك تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا ارى أبا بكر الا اقوى على هذا الأمر منك واشد احتمالا له واضطلاعا به ، فسلم له هذا الأمر وارض به ، فانك ان تعش ويطل عمرك فانت بهذا الأمر خليق ، وبه

__________________

(١) في الشرح : «ما لي اراكم ملتاثين».

(٢) في الشرح «حديث السن».

٣٩٦

حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك ، فقال علي : يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته الى بيوتكم ودوركم ، ولا تدفعوا اهله عن مقامه في الناس وحقه ، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن اهل البيت احق بهذا الأمر منكم ، أما كان منا القارئ كتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنة المضطلع بامر الرعية ، والله انه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا عن الحق بعدا فقال بشير بن سعد : لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ولكنهم قد بايعوا ، وانصرف علي الى منزله ولم يبايع ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع (١).

اقول : وهذه الرواية قد رويت من طرقنا بزيادات من جملتها ذكر علي (عليه‌السلام) بعض ما قيل فيه من النصوص وان بشيرا قال ما قال بعد سماعه من علي (عليه‌السلام) ذكر النص عليه من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وان أبا بكر جاء في تلك الحال برواية (لم يكن الله ليجمع لنا بين النبوة والخلافة) وصدقه من اصحابه من هو على مثل رأيه الى آخره ما هناك ولا اشك في ان تلك الأمور اسقطها محدثوا القوم من الخبر لتصريحها بمذهب الامامية كما هي عادتهم ، ويشهد لذلك ما اسلفناه في حديث احمد بن ابي طاهر عن ابن عباس حين قال له عمر وهو يسأل عن علي (عليه‌السلام) : هل بقي في نفسه شيء من امر الخلافة؟ قال ابن عباس : قلت : نعم قال : أيزعم ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نص عليه؟ قلت : نعم وازيدك اني سألت ابي عما يدعيه فقال : صدق فقد بينا صراحة هذا الكلام في ان عليا (عليه‌السلام) ما زال طالبا للخلافة محتجا عليها بالنص من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليه وان العباس قد شهد

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٢ وج ٦ من ص ٥ ـ ١٢.

٣٩٧

له بالنص عليه ، وان ابن عباس قد علم ذلك وسمعه ، وان عمر قد علم ذلك ولم يخف عليه ، ولا يجوز ان يكون غيرهم من الصحابة غير عالم بذلك ، لأن الكلام يدل على ان امير المؤمنين كان يجهر بذلك ولا يخفيه في جميع اوقاته ، ومن البين ان اولى الأوقات بذكره هذا الوقت المذكور الذي كشف فيه عن مقصدهم بالتغلب عليه وبين لهم استحقاقه للأمر دونهم بالدليل ، وليس من الجائز ان يتركه في هذا الحين ويذكره بعد ذلك بسنين ، فمن اليقين انه دونهم بالدليل ، وليس من الجائز ان يتركه في هذا الحين ويذكره بعد ذلك بسنين ، فمن اليقين انه ذكره في وقته ذاك لكن القوم كتموه وستروه ، والمحدثين من الخبر أسقطوه ، ولا ضير علينا في ذلك فقد بقي في الرواية ما يرمي الخصوم بسهام نافذة ، ويضربهم بسيوف شحيذة ، وسنبينه ان شاء الله تعالى.

قال ابن ابي الحديد بعد انتهاء الرواية : قلت : هذا الحديث يدل على بطلان ما تدعى الامامية (١) من النص على امير المؤمنين وغيره لأنه لو كان هناك نص صريح لأحتج به ، ولم يجر للنص ذكر وانما كان الاحتجاج منه ومن أبي بكر ومن الأنصار بالسوابق والفضائل والقرب ، فلو كان هناك نص على امير المؤمنين أو على ابي بكر لأحتج به أبو بكر على الأنصار ولأحتج به امير المؤمنين على أبي بكر ، فان هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة يدل على انه قد كان كاشفهم ، وهتك القناع بينه وبينهم. الا تراه كيف نسبهم الى التعدي عليه وظلمه ، وتمنع من طاعتهم ، واسمعهم من الكلام اشده واغلظه ، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره من كان من شيعته وحزبه ، لأنه (لا عطر بعد عروس) وهذا أيضا يدل على ان الخبر الذي في أبي بكر في صحيح البخاري

__________________

(١) في الشرح «ما يدعى».

٣٩٨

ومسلم غير صحيح ، وهو ما روى من قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لعائشة : (ادعى لي اباك واخاك حتى اكتب لأبي بكر كتابا فأني اخاف ان يقول قائل أو يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر) وهذا هو نص مذهب المعتزلة (١) انتهى.

وها نحن ذا نبدأ بذكر ما يخالف مذهبه من صريح الخبر ثم نعود الى الجواب عن قوله ، لنعلمك ان الحجة التي بها علينا يصول عليه لا له وذلك من وجهين :

الأول اشتمال الخبر عن منازعة امير المؤمنين (عليه‌السلام) القوم ومكاشفته اياهم ، ونسبتهم الى الظلم والتعدي ، والتظاهر على اهل البيت باخذ مقام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واخراجهم سلطانه من داره الى دورهم ، ورميهم بالمواطاة على ذلك بقوله لعمر : (أشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا) ، ونحو ذلك مما اشتمل عليه الخبر ، ولقد صدق فيما قال ولم يزل صادقا فان أبا بكر أوصى بالأمر الى عمر وعمر تحسر على فقد ابي عبيدة وسالم مولى ابي حذيفة حين طعن ، وقال : لو كان احدهما حيا لم يتخالجه الشك فيه وذلك يصرح بما تدعيه الامامية من معاقدة الجماعة على ابتزاز الأمر واخراج الخلافة عن اهل بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعد وفاته ، وان الأمر لأبي بكر وبعده لعمر وبعده لأحد الرجلين المذكورين فصرح الخبر تصريح الليل عن صبحه بان امير المؤمنين (عليه‌السلام) طاعن في خلافة من تقدم عليه ، ويعضد ذلك ما في آخر الخبر من تركه (عليه‌السلام) مبايعة ابي بكر وملازمته منزله ، ولو لم يكن ساخطا ولايته ما ترك بيعته ولا تقاعد عنها لأن الراضي بشيء لا يتركه لا سيما وهو من الأمور الواجبة لوجوب طاعة الامام ومساعدته وهذا خلاف ما يدعيه ابن

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ / ١٢.

٣٩٩

ابي الحديد واصحابه من رضى امير المؤمنين بخلافتهم ، وعدم منازعته اياهم ، وانه لم يطعن عليهم بظلم ، ولا باتباع هوى ، ولا بتظاهر على منعه حقا له ، وكان الخصم قد ملأ كتابه من ذكر هذه الدعوى ، والتظاهر بها على الامامية ، والخبر المذكور الذي به يصول ويجول يخدش هذه الدعوى ويبطلها كما اعترف هو به في كلامه المنقول فتبين انه فيما يدعيه من رضا امير المؤمنين بخلافة من تقدم عليه غير مصيب ، وان الامامية في انكارهم رضاه (عليه‌السلام) بها على الحق والهدى والصواب والمحجة البيضاء وهذا هو المراد والمطلوب.

الثاني ان الخبر قد صرح بانهم قد سلكوا طريق العناد والعصبية ، ولم يسلكوا مسلك الرشاد والحق ، وذلك انهم احتجوا على الأنصار بالقرابة من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واخرجوهم من الأمر بهذه الحجة فلما احتج امير المؤمنين عليهم بها اعرضوا عن قبولها ، وابوا العمل بموجبها ، وضربوا عنها صفحا حيث كانت في هذا المقام مفسدة لما يريدون من الاستبداد بالأمر ، واغتصاب علي (عليه‌السلام) حقه فاجاب بعضهم : بانك لست متروكا حتى تبايع ، فاظهر ما في نفسه من حمية الجاهلية وبعض أجاب : بانا لا نكرهك ، وبعض أجاب : بانك حدث السن ، وبعض : بانا لم نسمع هذا الكلام منك قبل ، وأي شيء في هذا كله من الجواب عما احتج به امير المؤمنين (عليه‌السلام) أما الأول والثاني فظاهر ، واما الثالث فيقال له : أولا انكم لم تحتجوا على الأنصار بشيخوخة ابي بكر بل احتججتم بقربه من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، فهذا علي يحتج عليكم بهذه الحجة ، فان كانت عندكم حقا وجب عليكم تسليم الأمر إليه ، وان كانت عندكم باطلا فلا يجوز لكم ان تدفعوا الأنصار عن الأمر بشيء باطل ، وحجة فاسدة عندكم ، ويقال له ثانيا اين كبر السن يوم المؤاخاة بين الصحابة لم لا استحق بها اخوة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، ما نرى استحق اخوة

٤٠٠