🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

ابن عبد المطلب شيبة الحمد ، وساقى الحجيج ، سيد قريش كلها لا يدافع في ذلك ولا ينازع ، ابن هاشم عمرو العلاء صاحب الإيلاف ، ومطعم الأضياف ، وشمس بني عبد مناف ، وأمه فاطمة بنت اسد بن هاشم فهو اوّل هاشمي ولد من هاشميين ، وهو ابن عم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأبيه وأمه.

نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا ومن فلق الصباح عمودا.

آباؤه اباء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وامهاته امهات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، فهو خير الناس نسبا ، واشرفهم حسبا ، وافضلهم آباء وامهات ، لما صح عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من قوله : (ما افترقت فرقتان من لدن آدم الا كنت في خيرهما) (١) وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (كنت انا وعلي نورا واحدا فما زلنا ننتقل من صلب طاهر الى رحم مطهر حتى افترقنا في عبد الله وابي طالب) (٢) فعلي (عليه‌السلام) افضل الصحابة نسبا ، واجلهم اصلا واكرمهم عنصرا.

واما انه اعلم الصحابة : فلقوة حدسه وشدة ذكائه وكثرة ملازمته للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حتى قال : (علمني رسول الله (صلى

__________________

وبعده :

ويضربني بالسيف آخر مثله

وكانت عليه تلك ضربة لازب

وأنت تناغي كل يوم وليلة

بمصرك بيضا كالظباء القوارب

والقوارب جمع قارب ـ بفتح الراء ـ وهو طالب الماء قال علي (عليه‌السلام) : (وهل انا الا كطالب وجد وقارب ورد) يريد سلام الله عليه حصوله على الشهادة.

(١) أورد المحب الطبري في الرياض النضرة ٢ / ١٦٤ ما هو بمضمون هذين الحديثين.

(٢) رواه في كنز العمال ٦ / ٤٠٥ وقال : أخرجه الأصبهاني في الحجة. وانظر فتح القاري ١٦ / ١٦٥.

٢٨١

الله عليه وآله وسلم) الف باب من العلم فانفتح لي من كل باب الف باب) (١) ولحرص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على تعليمه وارشاده وعظم شفقته عليه ، لمّا نزل قوله تعالى : (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ) (٢) قال : (اللهم اجعلها اذن علي) وقال علي (عليه‌السلام) (ما نسيت بعد ذلك شيئا) (٣) وقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حين بعثه الى اليمن قاضيا : (اللهم اهد قلبه وثبت لسانه) قال : (فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين) (٤) وقال (عليه‌السلام) : (والله لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين اهل التورية بتوراتهم ، وبين اهل الزبور بزبورهم ، وبين اهل الإنجيل بانجيلهم ، وبين اهل الفرقان بفرقانهم ، والله ما نزلت من آية في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار الا انا أعلم فيمن نزلت ، وفي أي شيء نزلت) (٥) وقضاياه معروفة مأثورة كحكمه في قضية الحمار والبقرة بين يدي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (٦) وفتياه في الزانية

__________________

(١) تفسير الطبري ٢٨ / ٣٣ و ٣٤ الكشاف ٤ / ١٥١ روح المعاني ٩ / ١٥٣ وهكذا في اكثر كتب التفسير.

(٢) الحاقة ١٢ ، وانظر سنن ابن ماجة باب ذكر القضاء ص ١٦٨ ، واسد الغابة ٤ / ٢٢ وتاريخ بغداد ١٢ / ٤٤٣.

(٣) رواه ابن ابي الحديد ٦ / ١٣٦ وقريبا منه ابن جرير في تفسيره ج ٢٦ / ١١٦ وابن سعد في الطبقات في ٢ / ١٠١.

(٤) شرح نهج البلاغة ١ / ١٩ ونور الابصار ص ٧١ والصواعق ص ٧٣.

(٥) شرح نهج البلاغة ٦ / ١٣٦.

(٦) اجمال القضية إن ثورا لرجل قتل حمارا لآخر فرفعت القضية الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في مجلسه وعنده جماعة من أصحابه فطلب النبي من ابي بكر ان يحكم بالقضية ، فقال : بهيمة قتلت بهيمة ، ما عليها شيء ، وطلب من عمر ان يحكم بالقضية فحكم بحكم ابي بكر ، فقال لعلي عليه‌السلام : (يا علي اقض بينهم) فقال : ان كان الثور دخل على الحمار في مراحه ضمن اصحاب الثور وان الثور دخل على الحمار في مراحه فلا ضمان عليهم.

٢٨٢

الحامل (١) ، وفي المرأة التي وضعت لستة اشهر (٢) وحكمه في قضية الأرغفة (٣) ، وفيمن حلف لا يحل قيد عبده (٤) وفي مال الكعبة حين استشاره عمر فيه (٥) ، وهو الذي اخترع علم النحو وبين اصوله (٦) وينبغي الحاق ذلك بالمعاجز وغير ذلك مما لا يبلغ إليه فهم ، ولا يحوم حوله

__________________

(١) مجمل القضية ان عمر اتي بامرة حامل اعترفت بالفجور فاراد رجمها فمنعه علي (عليه‌السلام) وقال : هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها رواه المحب في الرياض ٢ / ١٩٥ وقال : «اخرجه ابن السمان في الموافقة».

(٢) القضية ان امرأة ولدت لستة اشهر فاراد عمر ان يرجمها فبلغ ذلك عليا (عليه‌السلام) فاخبره ان لا رجم عليها وتلا قوله تعالى : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) وقوله تعالى : (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) وقال : فالحمل ستة اشهر والفصال أربعة وعشرون شهرا فخلى عمر سبيلها وقال : لو لا علي لهلك عمر. رواه البيهقي في السنن ٧ / ٤٤٢ والمتقي في الكنز ٣ / ٢٢٢ والمحب في الرياض ٢ / ١٩٤.

(٣) قصة الأرغفة رواها ابن عبد البر في الاستيعاب ٢ / ٤٦٢ والمحب في الرياض ٢ / ١٩٩ وابن حجر في الصواعق وغير هؤلاء.

(٤) قضية من حلف ان لا يحل قيد عبده من القضايا التي اشكل حكمها على عمر فرفعها الى علي عليه‌السلام تجدها في قضاء امير المؤمنين للتستري ص ١٨١.

(٥) روى انه ذكر عند عمر بن الخطاب حلي الكعبة وكثرته فقال قوم : لو اخذته فجهزت به الجيوش كان اعظم للأجر ، وما تصنع الكعبة بالحلي فهم عمر بذلك وسأل عنه امير المؤمنين فقال (عليه‌السلام) : «ان هذا القرآن انزل على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والأموال أربعة : اموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض ، والفيء فقسمه على مستحقيه ، والخمس فوضعه الله حيث وضعه ، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها وكان حلي الكعبة فيها يومئذ فتركه الله على حاله ولم يتركه نسيانا ولم يخف عليه مكانا فأقره حيث اقره الله ورسوله ، فقال عمر : لولاك لافتضحنا ، وترك الحلي بحاله (انظر نهج البلاغة باب الكلمات القصار برقم ٢٧٠).

(٦) انظر قضاء امير المؤمنين للتستري ص ١٩٩.

٢٨٣

عقل ، وقد رجع إليه الصحابة في كثير من المسائل بعد غلطهم ، واحتاجوا الى بيانه ولم يحتج هو في شيء من الأحكام الى احد من الناس ، واعترف اكابر الصحابة له بالأعلمية وقال عبد الله بن العباس لما سئل : اين علمك من علم ابن عمك علي (عليه‌السلام)؟ قال : كالقطرة في المثعنجر يعني البحر المحيط (١) وقال عبد الله بن مسعود ما معناه ان من اراد علم القرآن كما انزله الله فعليه بعلي بن أبي طالب ، وقال عمر غير مرة : «لو لا علي لهلك عمر» وقال : «لا بقيت لمعضلة ليس لها ابو الحسن» (٢). حتى ان كل فرقة من اهل العلم لتنتمي إليه ، وكل ذي طريقة ليتجاذبه وينتهي إليه ، فقه كل فقيه وعلم كل عالم ، ويكفي في ذلك ما صح في الروايات عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من أنه اعلم الناس فلا شك انه اعلم الصحابة في جميع العلوم فيكون افضلهم لقول الله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٣). وقال : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (٤).

وأما انه احلمهم : فهو كضوء النهار حتى بلغ من حلمه انه ترك عبد الرحمن بن ملجم في دياره ويعطيه العطاء مع علمه به وقوله فيه مرارا (انه

__________________

(١) كلمة ابن عباس نقلها السيد زيني دحلان في الفتوحات الاسلامية ٢ / ٣٣٧ هكذا : «ما علمي وعلم اصحاب عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في علم علي رضي الله عنه إلا كقطرة في سبعة ابحر».

(٢) الكلمتان مشهورتان بل متواترتان عن عمر (رضي الله عنه) رواهما غير واحد من العلماء منهم ابو عمر في الاستيعاب ٣ / ٣٩ والمحب في الرياض ٢ / ١٩٤ وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤال ص ١٢ وابن كثير في البداية والنهاية ٧ / ٣٥٩ وو الخ ..

(٣) الزمر : ٩.

(٤) فاطر : ٢٨.

٢٨٤

قاتلي) (١) وعفا عن مروان يوم الجمل مع شدة عداوته له وقوله فيه : (ستلقى الأمة منه ومن ولده يوما احمر) (٢) وعفى عن سعيد بن العاص وكان عدوا له في غاية العداوة وعن عبد الله بن الزبير وكان يشتمه على رءوس الاشهاد واطلقه وقال له : (اذهب فلا أرينك) لم يزده على ذلك (٣) وحسبك بحلمه عفوه عن اهل البصرة بعد ما هزمهم وكانوا قد ضربوا وجهه ووجوه بنيه واصحابه بالسيوف ، ونكثوا بيعته ونصروا عدوه ، وعفوه عن عائشة وهي السبب الأعظم في نكث بيعته والأجلاب عليه ولو فعلت عشر ذلك بغيره ثم قدر عليها لمزق جلدها وقطعها اربا اربا ، ولما منعه واصحابه معاوية الماء يوم صفين حين ملك اهل الشام الشريعة فقاتلهم وهزمهم واراد اصحابه منعهم من الماء قال : (افرجوا لهم عن الشريعة ففي حد السيف مغنى عن ذلك) وكان مع الحلم عظيم الرزانة لم ير طائشا قط ، وكان اطلق الصحابة وجها ، واحسنهم خلقا حتى نسبه أعداؤه كعمرو بن العاص الى الدعابة (٤).

واما قدمه في الاسلام : فمعلوم لأنه لم يجر منه كفر قط وكان يصلي قبل الناس مع رسول الله سبع سنين وقال رسول الله (او لكم اسلاما علي بن ابي طالب) (٥) وقال : (اقدمهم سلما) وكان علي (عليه‌السلام) يقول على

__________________

(١) انظر الاستيعاب ٣ / ٦١.

(٢) رواه ابن واضح في تاريخه ١ / ٦٨ والرضي في نهج البلاغة ط ٧٠ وقال ابن ابي الحديد : روى هذا الخبر من طرق كثيرة.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٣.

(٤) شرح نهج البلاغة (١ / ٢٥).

(٥) اخرجه الحاكم وصححه في المستدرك ٣ / ١٣٦ وصدره : (اولكم ورودا ـ أو ـ وردا علي الحوض اولكم اسلاما علي بن أبي طالب) وابن عبد البر في الاستيعاب ٣ / ٢٨.

وانظر شرح النهج لابن ابي الحديد ٤ / ١١٧ كما نقله غير هؤلاء بما يتفق معنى ويختلف لفظا.

٢٨٥

المنابر : (انا اوّل من صلى واوّل من آمن بالله ورسوله ، ولم يسبقني الى الصلاة الا نبي الله) (١) ولم يرد عليه احد قوله مع انهم كانوا يردون عليه في اقل شيء مما يمكنهم الرد فيه ولو من جهة الشبهة أو الجهالة بما يقول ، وقد استفاضت الروايات بذلك عن محدثي مخالفينا كالطبري والواقدي وابن عبد البر وابن اسحاق وابن كعب القرظي وابن شهاب الزهري وعبد الله بن محمد بن عقيل وقتادة وغيرهم ورووا ذلك عن عبد الله بن العباس ، وسلمان وابي ذر والمقداد وخباب بن الأرت وابي سعيد الخدري وزيد بن اسلم وعفيف الكندي والحسن البصري (٢) ، والى هذا القول ذهب اكثر المخالفين ، ولم يخالف فيه إلا شاذ لا يعبأ به واشعار الصحابة والتابعين فيه كثيرة ومن جملتها قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين :

وصى رسول الله من دون اهله

وفارسه مذ كان في سالف الزمن

وأول من صلى من الناس كلهم

سوى خيرة النسوان والله ذو منن (٣)

وقول حسان بن ثابت :

جزى الله عنا والجزاء بفضله

أبا حسن خيرا ومن كأبي حسن

سبقت قريشا بالذي انت اهله

فصدرك مشروح وقلبك ممتحن (٤)

__________________

(١) أما الكلمة الأولى فرواها ابن عبد البر في الاستيعاب ٣ / ٣٢ وقد عدها ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة مما استفاضت بها الروايات والكلمة الثانية فقد رويت عنه (عليه‌السلام) بألفاظ مختلفة ومعنى واحد مما يدل على تعدد المواقف حتى قال أبو جعفر الاسكافي المعتزلي في نقض العثمانية : ما زال يقول : (انا اوّل من أسلم) ويفتخر بذلك : (انظر شرح نهج البلاغة ٣ / ٢٤٤. ومسند الامام احمد.

(٢) من حديث رواه الامام احمد في المسند ٥ / ٢٦ وابن عبد البر في الاستيعاب ٣ / ١٣٦).

(٣) شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٣١.

(٤) المصدر السابق ٦ / ٣٥. من أبيات نقلها عن الموفقيات للزبير بن بكار ، وقد استشهد المؤلف بهذه الأبيات فيما سبق من الكتاب.

٢٨٦

وقول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :

وان ولي الأمر بعد محمد

علي وفي كل المواطن صاحبه

وصي رسول الله حقا وصنوه

وأول من صلى ومن لان جانبه (١)

وقول ابي سفيان بن حرب في رواية ابي جعفر الاسكافي وفي رواية غيره قول بعض ولد ابي لهب :

ما كنت احسب أنّ الأمر منصرف

عن هاشم ثم منها عن ابي حسن

أليس اوّل من صلى لقبلتكم

واعلم الناس بالاحكام والسنن

واقرب الناس عهدا بالنبي ومن

جبريل عون له في الغسل والكفن (٢)

وقول هاشم بن عتبة المرقال في صفين :

اعور يبغي اهله محلا

قد عالج الحياة حتى ملا

اشلهم بذي الكعوب شلا

عن ابن عم احمد المعلّى

اوّل من صدقه وصلا (٣)

وقول شريح بن هاني الحارثي وهو من التابعين :

أبا موسى رميت بشر خصم

فلا تضع العراق فدتك نفسي

فلا تجعل معاوية بن حرب

كشيخ في الحوادث غير نكس

هداه الله للاسلام فردا

سوى عرس النبي وخير عرس (٤)

وقول سعيد بن قيس الهمداني :

هذا علي وابن عم المصطفى

أول من اجابه فيما روى

هو الامام لا يبالي من غوى (٥)

__________________

(١) المصدر السابق عن نقض العثمانية للإسكافي.

(٢) نفس المصدر ١٣ / ٢٣١ وقد نقل الاسكافي منها البيتين الأولين ونسبهما الى أبي سفيان بن حرب ولعله ابو سفيان بن الحرث فان التصحيف بين حرب وحرث قريب جدا.

(٣) المصدر نفسه ٨ / ١١.

(٤) كذلك ٢ / ٢٤٥.

(٥) كذلك ٣ / ٢٣٢.

٢٨٧

وقول ابي الأسود الدؤلي يهدد طلحة والزبير يوم الجمل :

وان عليا لكم مصحر

يماثله الأسد الأسود

أما انه اوّل العابدين

بمكة والله لا يعبد (١)

وغير ذلك من الأشعار ، ولو تعاطينا ذكر الأخبار ورواية الأشعار في هذا الباب حتى نستوفي ما وجدناه من ذلك في كتب الخصوم لطال الكتاب وبلغ الى غاية الأطناب ، وقول من قال : اوّل من اظهر الايمان ابو بكر مع شذوذه مردود بمعارضته لهذه الشهرة التي قربت من الاجماع بل كادت تكون اجماعا ، ولذا ادعى بعض العامة عليه الاجماع ، على ان أبا جعفر الاسكافي قال في كتاب نقض العثمانية : ان جمهور المحدثين لم يذكروا ان أبا بكر أسلم الّا بعد عدة من الرجال منهم علي بن ابي طالب (عليه‌السلام) وجعفر أخوه وزيد بن حارثة وابو ذر الغفاري وعمرو بن عنبسة السلمي وخالد بن سعيد بن العاص وخباب بن الارت انتهى (٢) وقال ابن ابي الحديد ان المخالف في سبق ايمان علي (عليه‌السلام) شاذ لا يعتد به (٣) انتهى ولأجل اشتهار الأمر لم نحتج فيه الى ذكر ما رواه الخصوم جميعه بل اكتفينا بيسير منه واذا كان علي (عليه‌السلام) اسبق في الإيمان كان افضل لقوله تعالى : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (٤) والمقرب اكثر ثوابا البتة.

واما انه اشجع الصحابة واكثرهم جهادا : فامر معلوم لا يشك فيه ذو فهم وفطنة ، بل كونه اشجع البشر أمر أوضح من ضوء النهار كما يشهد به مواقفه المشهورة ، ومشاهدة المأثورة في حروب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) أيضا.

(٢) نقض العثمانية كما في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٢٤.

(٣) شرح نهج البلاغة ٤ / ١٢٥.

(٤) الواقعة ١١.

٢٨٨

وسلم) وحروبه في ايام خلافته ، وقد قال معاوية لعمرو بن العاص لما اشار عليه بمبارزته : أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وهو الشجاع المطرق اراك طمعت في إمارة الشام بعدي ، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته كما افتخر بذلك عبد الله بن الزبير على معاوية فقال له معاوية : لا جرم انه قتلك واباك بيسرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها ، ويكفيك شاهدا على ذلك افتخار رهط قتلاه بانه قتلهم قالت اخت عمرو بن عبد ود :

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

بكيته ابدا ما دمت في الأبد

لكن قاتله من لا نظير له

وكان يدعى أبوه بيضة البلد (١)

قال ابن ابي الحديد : اما الشجاعة فانه انسى فيها ذكر من كان قبله ومحى اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال ، وهو الشجاع الذي ما فر قط ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز احدا الا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى الى ثانية ، انتهى. ولقد قتل صناديد المشركين ، وقويت به شوكة الاسلام ، واعتز به جانب المسلمين ، قتل في غزاة بدر اعيان الكفار وشجعانهم حتى قتل قريبا من نصف القتلى وقتل باقي المسلمين والملائكة المسمون النصف الآخر (٢) ، قال القوشجي ومع ذلك كانت الراية في يد علي (عليه‌السلام) في احد وقد تفرق عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اصحابه وانهزموا بعد ان قتل علي (عليه

__________________

(١) بيضة البلد من الأضداد يقصد بها المدح كما يقصد بها الذم والمراد هنا الأول وكان ابو طالب (رضي الله عنه) يدعى بيضة البلد والمعنى انه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة التي هي تريكة وحدها ليس معها غيرها.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٤ وجاء ذلك في احتجاج المأمون على الفقهاء كما في العقد الفريد لابن عبد ربه المالكي ٥ / ٩٢.

٢٨٩

السلام) طلحة بن ابي طلحة وهو المسمى كبش الكتيبة وكان صاحب راية قريش قتله مبارزة بعد ان تحاماه المسلمون وتأخروا عن البراز إليه ، ثم اخذ الراية غيره فقتله علي (عليه‌السلام) أيضا ولم يزل يقتل واحدا بعد واحد حتى قتل تسعة نفر فانهزم المشركون ، واشتغل المسلمون بالغنائم فحمل خالد بن الوليد وضرار بن الخطاب الفهري واصحابهما على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فضربوه بالسيوف والرماح والحجارة وانهزم الناس عنه ما خلا عليا (عليه‌السلام) فانه ما زال يجالد عنه حتى رد عنه المشركين ، وقتل جملة من فرسانهم وكان قتلاه قريبا من نصف المقتولين وقتل كل المسلمين النصف الآخر قال القوشجي : وجمع له الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بين اللواء والراية انتهى ونادى جبريل ذلك اليوم : (لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (١).

وفي يوم الأحزاب حين ظن المسلمون بالله الظنون وزلزلوا زلزالا شديدا ، وأتى عمرو بن عبد ود يطلب المبارزة مرارا فاحجم عنه المسلمون وخافوا اشد الخوف والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يحض المسلمين على مقاتلته ويحرضهم على منازلته ويعرض عليهم مبارزته فلم يجبه احد منهم الا علي فخرج الى عمرو فقتله وكفى الله المؤمنين القتال به وكان الفتح ذلك اليوم على يده وقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (لضربة علي لعمرو خير من عبادة الثقلين) (٢) وقال حذيفة : والذي نفس حذيفة بيده

__________________

(١) المصدر السابق ١٠ / ١٨٢ ونداء جبرئيل (عليه‌السلام) : (لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي) رواه الطبري في التاريخ ٣ / ١٥ وكذلك ابن هشام في السيرة النبوية ٣ / ٥٢ والخوارزمي في المناقب ١٠٤ وسبط ابن الجوزي في التذكرة ص ١٧ عن فضائل الامام احمد بن حنبل وغيرهم.

(٢) في رواية الحاكم في المستدرك ٣ / ٣٢ والرازي في موضعين من تفسيره ج ٢ تفسير (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وج ٣٠ في تفسير سورة القدر بهذا اللفظ (لمبارزة

٢٩٠

لَعَمَلُهُ ـ يعني عليّا (عليه‌السلام) ـ ذلك اليوم اعظم اجرا من عمل اصحاب محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الى يوم القيمة (١).

وفي غزوة خيبر وقد اخذ الراية ابو بكر فرجع مع اصحابه منهزمين خائفين ، ثم اخذها عمر من الغد ففعل مثل ذلك ، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله تعالى ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع او يفتح الله علي يديه) فدعا بعلي (عليه‌السلام) وهو أرمد فاتى به فتفل في عينيه فبرأ من ساعته ، واعطاه الراية فمضى وقتل مرحبا فانهزم اصحابه اليهود وغلقوا الأبواب فاقتلع على الباب وجعله جسرا على الخندق وامسكه بيده حتى عبر عليه المسلمون فلما انصرفوا اخذه بيده ودحاه اذرعا وكان يغلقه عشرون رجلا وعجز جماعة من المسلمين عن نقله حتى نقله سبعون رجلا من أقويائهم وقال علي (عليه‌السلام) (ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية) وكان الفتح على يده (٢) وروى الحافظ ابن عساكر الدمشقي ان عليّا (عليه‌السلام) تترس بباب الحصن عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه وهذه الرواية موافقة لرواية اصحابنا.

وفي غزاة حنين وقد سار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في اثني عشر

__________________

علي بن ابي طالب لعمر بن عبد ود يوم الخندق افضل اعمال امتي الى يوم القيامة).

(١) شرح نهج البلاغة ١٩ / ٦١ والكلمة في الشرح اطول وألطف مما في المتن.

(٢) قوله (عليه‌السلام) : (ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية) الخ رواه الفخر الرازي في تفسير سورة الكهف بلفظ (جسدانية) وعلق عليه بقوله : «وذلك لأن عليا كرم الله وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد واشرقت الملائكة بانوار عالم الكبرياء فتقوى روحه بجواهر الأرواح الملكية ، وتلألأت اضواء عالم القدس والعظمة ، فلا جرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره».

٢٩١

الف مقاتل فتعجب ابو بكر من كثرتهم وقال لن نغلب اليوم من قلة كما ذكره القوشجي وغيره ونظمه ابن أبي الحديد في اشعاره (١) فانهزموا باجمعهم ولم يبق مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إلا تسعة من بني هاشم وايمن بن أمّ ايمن مولى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقدمهم علي (عليه‌السلام) فخرج ابو جرول فقتله علي (عليه‌السلام) حتى قتل اربعين رجلا فانهزم المشركون وغنمهم المسلمون. (٢)

وفي غزوة بني المصطلق وغيرها من الوقائع المشهورة والغزوات المأثورة ، قال ابن ابي الحديد وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما واذا كان علي (عليه‌السلام) اكثر الصحابة جهادا كان اكثرهم اجرا لقوله تعالى : (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) (٣) فهو افضلهم.

وأما انه اسخى الناس : فيدل عليه ايثاره المحاويج على نفسه واهل بيته حتى جاد بقوته وقوت اهل بيته ثلاث ليال على يتيم ومسكين واسير فانزل الله فيه وفي اهل بيته (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) السورة بتمامها إلا آيات قليلة منها وتصدق بخاتمة في الصلوات فانزل الله في حقه : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (٤) ، قال ابن ابي الحديد : وروى المفسرون انه لم يكن يملك الا

__________________

(١) يعني قوله في احدى علوياته :

واعجب انسانا من القوم كثرة

فلم يغن شيئا ثم هرول مدبرا

وضاقت عليه الأرض من بعد رحبها

وللنص حكم لا يدافع بالمرا

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٤.

(٣) النساء : ٩٥.

(٤) المائدة ٥٥ ، وممن روى نزولها في علي (عليه‌السلام) الطبري في تفسيره ٦ / ١٨٦ والرازي في تفسيره ١٢ / ٢٦ والزمخشري في كشافه ١ / ٦٢٤ ، وذكر جماعة ممن خرج

٢٩٢

أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فانزل فيه : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (١) وكان (عليه‌السلام) يسقى بيده لنخل قوم من يهود المدينة (٢) حتى مجلت يده ويتصدق بالأجرة ويشد على بطنه حجرا وقال الشعبي وقد ذكره : كان اسخى الناس على الخلق الذي يحبه الله ما قال لا لسائل قط ، وكان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها ، وكان يقول : (يا صفراء ويا بيضاء غرى غيري) حتى انه لم يخلف ميراثا ولقد قال عدوه ومبغضه معاوية فيه : لو ملك بيتا من تبن وبيتا من تبر لأنفق تبره قبل تبنه ، ويكفيك شاهدا على انه اسخى الصحابة واجودهم آية النجوى التي لم يعمل بها غيره ولم يفز بها سواه وهي قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) (٣) الآية فان الصحابة جميعهم امتنعوا من مناجاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعد نزولها ولم يناجه الا علي (عليه‌السلام) ، وقد روى انه اعتق من كسب يده الف مملوك. (٤)

وأما انه ازهد الناس فأمر ظاهر ، فانه (عليه‌السلام) كان سيد الزهاد وبدل الأبدال ، ما شبع من طعام قط وكان اخشن الناس مأكلا وملبسا ، وقل ان يأتدم فان فعل فبالملح او الخل ، فان ترقى فبنبات الأرض ، فان زاد فبلبن ، وكان لا يأكل اللحم الا قليلا ، ويقول : (لا تجعلوا بطونكم مقابر

__________________

ذلك من المفسرين والمحدثين ، والواحدي في اسباب النزول ص ١٤٨ والمحب في «ذخائر العقبى ص ١١٢ والرياض النضرة ٢ / ٢٣٧ الخ.

(١) المجادلة ١٢.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٢.

(٣) المجادلة : ١٢.

(٤) رواها ابن ابي الحديد في شرح النهج ١ / ٢٦.

٢٩٣

الحيوان) ، وكان نعلاه من ليف وحمائل سيفه من ليف ، وكان يرقع قميصه بجلد تارة وبليف اخرى ، واذا اشترى قميصا ورأى كمه طويلا قطعه بالشفرة ولم يخطه حتى يبقى متساقطا على يده ، وقد تواتر إعراضه عن لذات الدنيا مع اقتداره عليها لاتساع ابواب الدنيا عليه لأن الأموال كانت تجبى إليه ، حتى قال : (يا دنيا يا دنيا أليك عني ابي تعرضت أم الي تشوقت لا حان حينك هيهات هيهات غرى غيرى لا حاجة لي فيك وقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وملكك حقير) وقال : (والله لدنياكم هذه اهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم) (١) وقال عبد الله ابن أبي رافع دخلت عليه يوما فقدم جرابا مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فأكلنا منه ، فقلت : يا امير المؤمنين لم ختمته فقال : (خفت هذين الولدين يلتانه بزيت او سمن) (٢) ، قال القوشجي : وهذا شيء اختص به علي (عليه‌السلام) ولم يشاركه فيه غيره ، ولم ينل احد بعض درجته انتهى واخبار زهده وسخائه كثيرة يضيق بها هذا الاملاء وتحتاج الى مصنف على حده ، والغرض هنا الاشارة الى صفاته الحميدة.

وأما انه اعبد الناس فلما تواتر من كثرة صلاته وصيامه حتى كان يصلي كل يوم وليلة الف ركعة ، وتعلم منه الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد ، ويشهد بذلك ما في دعواته ومناجاته من تعظيم جلال الله والخضوع والخشوع له ، قال ابن ابي الحديد : وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده ان يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه ، وتمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده (٣) انتهى ،

__________________

(١) نهج البلاغة ح ٢٣٦.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٦.

(٣) المصدر السابق ١ / ٢٧.

٢٩٤

وقيل لعليّ بن الحسين مع انه سيد العابدين : اين عبادتك من عبادة جدك ، فقال : (عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (عليه‌السلام)

وأما انه احفظ الصحابة للقرآن فلما صح أنه (عليه‌السلام) كان يحفظه على عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو اوّل من جمعه ولم يحتج الى ما عند احد غيره منه في جمعه كما احتاج الى ذلك ابو بكر وعمر لما ارادا جمع القرآن فنادى مناديهما : من كان عنده شيء من القرآن فليأت به ، فدل على أنهما لم يعرفا من القرآن إلا يسيرا ، وهذا كله صحيح عند الخصوم ، وكان اكثر القراء كأبي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما يسندون قراءتهم إليه لأنهم تلامذة ابي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذ امير المؤمنين ، وعبد الله بن العباس رئيس المفسرين ، وعنه يأخذون والى قوله يستندون ، وهو تلميذ امير المؤمنين (عليه‌السلام) وما زال منقطعا إليه وعنه اخذ ومنه تعلم (١).

واما انه افصح الناس لسانا فيدل عليه خطبه ومواعظه ورسائله ، وما اشتملت عليه من المطالب العالية ، وعلوم التوحيد وكيفية السلوك ، والأخبار عن احوال العالم العلوي وصفاته ، وكيفية إنشاء الخلائق علويها وسفليها وجسمانيها وروحانيها ماديها ومجردها مما لم يجر لاحد من الناس شبهه عشر العشر ، بل لا يعلم احد من الصحابة شيئا منه ، ولا يعرفون ما هو ولا يحسنون التعبير عنه ، وكل ذلك اورده في كلام عال لم يوازنه كلام احد من البشر بعد كلام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وشرح فيه احوال الدنيا والآخرة بعبارات تحير عقول البلغاء في حسن نظمها ولطافة سبكها ، ولم

__________________

(١) انظر المصدر السابق ١ / ٢٧.

٢٩٥

يدون لأحد من الناس عشر العشر مما دون له من الكلام (١) واستشهد القوشجي على انه افصح الناس بكلامه المدون في نهج البلاغة وهو كما ذكر أوضح شاهد وأدل دليل ، وقال قال البلغاء ان كلامه تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، وقال عدوه معاوية فيه حين قال له محفن بن ابي محفن : جئتك من عند أعيا الناس : ويحك كيف يكون أعيا الناس فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره (٢)؟

وأما أنه اسدّ الصحابة رأيا فلاحتياج جميعهم الى رأيه في معظم الأمور وبلوغهم المنى في اخذهم برأيه كما أشار على عمر في وقائع كثيرة وصل فيها الى مطلوبه اذ اخذ برأي علي (عليه‌السلام) (٣) ، واشار الى عثمان ولو أطاعه لم يجر عليه بعض ما جرى ، ولم ينخدع قط ولم يتحير في امر قط ، وما عرض له أمر الا عرف مورده ومصدره ، وقال لأصحابه لما رفع اهل الشام المصاحف بصفين : (انما رفعوها خدعة فناجزوهم) فكان الأمر كما قال ، ولو اطاعوه لنجحوا ، ولما أراد اصحابه نصب أبي موسى حكما قال لهم : (اني اخاف عمروا ان يخدع يمنيكم هذا ولكن ادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن عباس) ولو اطاعوه لأفلحوا ولما تمكن عمرو مما أبرمه لكن عصوه فكان الأمر كما قال من خدع ابن العاص لأبي موسى وغير ذلك مما يطول

__________________

(١) يراجع في ذلك الجزء الأول من مصادر نهج البلاغة واسانيده تحت عنوان الكتب المؤلفة في كلام امير المؤمنين (عليه‌السلام).

(٢) انظر شرح نهج البلاغة ١ / ٢٤ و ١ / ٢٢٩.

(٣) تجد تفصيل ذلك في شرح نهج البلاغة ج ١ من ص ٢٠٦ ـ ٢٦٤ فقد نقل ابن ابي الحديد هناك قصة التحكيم وظهور امر الخوارج عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري وكتاب صفين لابراهيم بن الحسين الكسائي المعروف بابن ديزيل ، وكتاب صفين لأبي الحسن علي بن محمد المدائني ، وانساب الأشراف لأبي جعفر احمد بن يحيى البلاذري وأمالي محمد بن القاسم الأنباري ، والموفقيات للزبير بن بكار ، والأمالي لأبي احمد الحسن بن عبد الله العسكري.

٢٩٦

تعداده ، وانما تفرق الناس عنه الى اعدائه لاقتصاره على حكم الشريعة ، وتقيده بالسنة ، وتركه العمل بالحيل الدنيوية وتدبير امر الدنيا ، واخذه في جميع اموره بما يقتضيه الشرع المحمدي ، ولذا قال (عليه‌السلام) : (لو لا التقى لكنت ادهى العرب) (١) وغيره دبّر دنياه وترك آخرته فصار ممدوحا بالرأي عند الجهال ورغب اهل الطمع الى دنياه والناس عبيد الدنيا.

وأما انه اسوس الصحابة فذلك مما لا يحتاج الى بيان فانه ما حابى احدا قط ولا آثر قريبا على بعيد في حكم ، وشدته على العصاة معلومة من سيرته وحربه وكلينه لأهل الإيمان والطاعة.

وأما انه اعدل الصحابة في الرعية فلما علم من مساواته الناس في القسمة والعطاء لم يؤثر احدا من الناس على احد ، ولم يفضل قويا على ضعيف ولا شريفا على دنيّ ، ولا ذا رحم على اجنبي ، طلب إليه الزبير وطلحة ان يزيدهما في القسمة فلم يفعل وكان يومئذ بمكان رفيع عند الناس (٢) وطلب إليه ابن اخيه عبد الله بن جعفر وكان يجريه مجرى ولده ان يعطيه زيادة فلم يفعل ، وقال له : (لا زيادة لك عندي على سهمك الا ان تأمر عمك ان يسرق فيعطيك) (٣) أو كلاما ما هذا معناه وطلب منه اخوه عقيل مالا زيادة على نصيبه من بيت المال وألح عليه في ذلك فوعده بالصبر الى يوم الجمعة فلما خطب الناس يوم الجمعة التفت الى عقيل وقال : (ما تقول يا أبا يزيد فيمن خان هؤلاء جميعا في اموالهم) فقال عقيل : بئس الرجل ، فقال له : (فهذا انت تأمرني بذلك) (٤) فاسكته عن

__________________

(١) رواية ابن ابي الحديد ١ / ٢٨ : (لو لا الدين والتقي).

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٣١.

(٣) الغارات للثقفي ص ٦٦ وشرح نهج البلاغة ٤ / ٩٢.

(٤) شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٢.

٢٩٧

مطالبته وبعث إليه اسامة بن زيد ان ابعث لي بعطائي ثم لو دخلت فم الأسد بعد ذلك لدخلت معك فكتب (عليه‌السلام) إليه : (ان هذا المال لمن جاهد عليه ولكن لي مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت) (١). وكان تسويته بين الناس اعظم الأسباب في تفرق الناس عنه وتقاعدهم عن نصرته ، بل في قتال من قاتله ، بل هو السبب في ذلك كله لا سبب غيره ، فلم يبال (عليه‌السلام) بذلك ولا رأى صلاح دنياه مقتضيا لمخالفة السنة في ترك المساواة بين الناس في القسمة ، ولما أشير عليه بتفضيل بعض الناس على بعض في ذلك لاصلاح أمر دنياه وتقوية سلطانه ابى ذلك وقال : (انه لو كان المال لي لساويت بينهم فكيف وانما هو مالهم) (٢) والأخبار في هذا الباب اجل من ان تجمع في هذا المحل وغيره ولو اراد اثر بالفيء وفضل في العطاء واصلح بهما امر دنياه.

وأما انه احرص الصحابة على اقامة حدود الله فظاهر فانه ما دافع عن احد اقيمت عليه شهادة في حد ، ولا سلك مسلك التأويل والاستصلاح في اسقاط حد عن احد صديق او عدو قريب أو بعيد كما كان يفعل غيره ، ولا اغضى عن حقّ عند احد كائنا من كان ، ولم يلتفت في إقامة حدود الله لغضب أحد من الناس ولا رضاه ، وسيرته في ذلك مذكورة في كتب الحديث والسير والتواريخ ، فهذه الخصائص والصفات المحمودة هو ابو عذرها وابن بجدتها والسابق في مضمارها قال ابن ابي الحديد بعد تعدادها : وهذه خصائص البشر قد اوضحنا انه فيها الامام المتبع فعله والرئيس المقتفى

__________________

(١) المصدر السابق ٤ / ١٠٢.

(٢) قال ذلك في كلام له (عليه‌السلام) ذكر مختاره الرضي (رحمه‌الله) في نهج البلاغة ونقله ابن ابي الحديد في الشرح ٢ / ٢٠٣ عن المدائني ورواه ابن هلال الثقفي في الغارات ص ٤٥.

٢٩٨

اثره (١) انتهى.

ولما اتى عبد الله بن العباس عائشة بعد هزيمتها يوم الجمل رسولا من علي (عليه‌السلام) إليها في امر فجعلت تعتل عليه وطفقت تفضل عمر بن الخطاب على عليّ (عليه‌السلام) فقال لها ابن العباس في كلام يطرى فيه عليا (عليه‌السلام) : انه والله أعلا منارا ، وأحسن آثارا من أبيك ومن عمر (٢) ، فظهر من ذلك كله ان امير المؤمنين (عليه‌السلام) افضل الصحابة واكثرهم ثوابا واجمعهم لخصال الخير ، وما ذكرناه قد أقر به الخصوم ، ومن كتبهم اخذنا ما ذكرنا.

ومن جملة ما خصه الله به من المزية كون مولده في الكعبة الغرّاء على الرخامة الحمراء فقد اجمع الشيعة على ان عليا (عليه‌السلام) ولد داخل الكعبة كما وصفنا ونقلوه متواترا عن اهل بيت النبوة الذين هم مع القرآن لا يفارقهم ولا يفارقونه ورواه من اهل السنة ، ابو المعالي الفقيه المالكي في كتاب المناقب عن علي بن الحسين قال كنا عند الحسين في بعض الأيام واذا بنسوة مجتمعات فاقبلت امرأة منهن علينا فقلنا من انت رحمك الله قالت : انا زبدة ابنة العجلان من بني ساعدة ، فقلت لها : هل عندك من شيء تحدثينا به؟ قالت : أي والله حدثتنا أم عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان الساعدي انها كانت ذات يوم في نساء من العرب اذا قبل ابو طالب كئيبا حزينا ، فقلت له : ما شأنك؟ قال : ان فاطمة بنت اسد في شدة من الطلق ، ثم اخذ بيدها وجاء بها الى الكعبة فدخل بها ، وقال اجلسي على اسم الله فطلقت طلقة واحدة فولدت غلاما نظيفا منظفا لم ار احسن منه

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٨.

(٢) نقله مختصرا من شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٢٩ وتجده مفصّلا في مروج الذهب للمسعودي ٢ / ٣٧٧.

٢٩٩

وجها فسماه ابو طالب عليا وقال.

سميته بعلي كي يدوم له

عز العلو وفخر العز ادومه

وجاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فحمله معه الى منزل ، أمه قال علي بن الحسين : فو الله ما سمعت شيئا حسنا الا وهذا من احسنه (١) ، فلا التفات حينئذ لتوقف ابن ابي الحديد في ذلك زاعما ان المحدثين لا يعترفون به ويزعمون ان المولود في الكعبة حكيم بن حزام بن خويلد (٢) اذ لا عبرة

__________________

(١) ورواه الحاكم في المستدرك ٣ / ٤٨٣ وقال : «وقد تواترت الأخبار ان فاطمة بنت اسد ولدت امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة» كما رواه السبط في التذكرة ص ٧ والحلبي في السيرة النبوية ١ / ١٥٠ وابن طلحة الشافعي في مطالب السئول ص ١١ والشبلنجي في نور الأبصار ص ٧٦ وقال الآلوسي في الخريدة ص ١٥. «كون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت امر مشهور ذكر في كتب الفريقين» يعني السنة والشيعة ثم قال بعد ذلك : «وما احرى بامام الأئمة ان يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين وسبحان من يضع الأشياء مواضعها» قال : «وقد أحب عليه الصلاة والسلام ان يكافئ الكعبة حيث ولد في بطنها بوضع الصنم عن ظهرها».

وقد نظم السيد رضا الهندي عطر الله مرقده هذا المعنى فقال :

لما دعاك الله قدما لأن

تولد في البيت فلبيته

شكرته بين قريش بأن

طهرت من اصنامهم بيته

 (٢) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤ واقول : ان مولد علي : (عليه‌السلام) في الكعبة المشرفة فضيلة له ولها أيضا فقد زادها شرفا الى شرفها ، وفضلا الى فضلها ، فلو صح للناس ان عليا (عليه‌السلام) ولد في أي موضع من بقاع الأرض لأصبح ذلك الموضع محل تقدير لهم وتكريم ومزارا يقصدونه من كل مكان ويؤمونه من كل فج عميق ، ولقد جهد اعداؤه ان يخفوا فضيلة مولده (عليه‌السلام) بالبيت الحرام زاده الله شرفا فلم يتمكنوا حتى فتحوا في زمن بني امية بابا آخر الكعبة عند الركن اليماني مقابلا لبابها المعلومة لأن عليا (عليه‌السلام) ولد قريبا منها فباءت كل مساعيهم بالفشل ولم

٣٠٠