الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-386-7
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٦١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagespage0001.png

١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagespage0002.png

٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagespage0003.png

٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagespage0004.png

٤
 &

تصدير بقلم المحاضر

تطوير علم الكلام أو رصد الحركات الإلحادية

الحمد لله الذي هو الأول لا شيء قبله ، والآخر لا غاية له ، لا تقع الأوهام له على صفة ، ولا تقعد القلوب منه على كيفيّة ، ولا تناله التجزئة والتبعيض ، ولا تحيط به الأبصار والقلوب . والصلاة والسلام على من أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هَجْعةٍ من الأُمم ، واعتزام من الفتن ، وانتشار من الأُمور ، والدنيا كاسفة النور ، ظاهرة الغرور ، محمد الخاتم لما سبق ، والفاتح لمن غلق ، والمعلن الحق بالحق (١) . وعلى أهل بيته مصابيح الظلم ، وعصم الأُمم ومنار الدين الواضحة ، ومثاقيل الفضل الراجحة ، صلاة تكون إزاءً لفضلهم ، ومكافئة لعملهم ، وكفاءً لطيب فرعهم وأصلهم ، ما أنار فجر ساطع ، وأضاء نجم طالع .

أما بعد :

فقد أُسس علم الكلام في القرون الإِسلامية الأُولى ولم يكن تأسيسه وتدوينه إلا ضرورة دعت إليها حاجة المسلمين إلى صيانة دينهم وعقيدتهم وشريعتهم . وأول مسألة طرحت على بساط البحث بين المسلمين هي حكم مرتكب الكبيرة التي اختلف فيها المسلمون إلى أقوال ، فمن قائل بأنه كافر ،

__________________

(١) اقتباس من خطب الإمام أمير المؤمنين في نهج البلاغة ، لاحظ الخطبة ٦٩ و ٨١ و ٨٥ .

٥
 &

إلى قائل بانه ليس بمؤمن ولا كافر ، بل في منزلة بين المنزلتين ، ويعاقب أقل من عقاب الكافر ، إلى ثالث بأنه مؤمن فاسق . وتلت هذه المسألة مسألة حدوث كلامه سبحانه أو قدمه فأحدثت بين المسلمين ضجة كُبرى ، وصارت مبدءً لمحنة أو محن . وفي عرض هذه المسألة إرتفع النقاش حول الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة ، كاليد ، والعين والإِستواء على العرش إلى غير ذلك من الصفات .

ثم إنه كلما ازداد الاحتكاك الثقافي بين المسلمين والأجانب ، وشاعت ترجمة الكتب الفلسفية والعقيدية للفرس واليونان وغيرهما ، زاد النقاش والبحث حولها ، لاصطكاك بين تلك الآراء وما جاء به القرآن والسنة ، فلم يجد المسلمون في تلك الاجيال إلا التدرع بالبراهين العقلية حتى يصونوا بذلك حوزة الإِسلام من السهام المرقوشة التي ما زالت تطلق إلى قلب الإِسلام والمسلمين ، ونواميس الدين والشريعة . فشكر الله مساعي الجميع من سنة وشيعة في حفظ الدين وصيانته .

هذا ما قام به القدماء في أداء وظيفتهم الرساليّة ، لكن التاريخ يشهد بأن قسماً كبيراً من مسائل علم الكلام ، حول المبدأ والمعاد ، وحول التوحيد والعدل ، متخذة من خطَب الإِمام امير المؤمنين عليه السلام ، وانه هو البطل المقدام في دعم هذه الأُصول وإحكامها . ولو اعترفت المعتزلة بأن منهجهم الكلامي يرجع إلى عليٍّ عليه السلام فقد صدقوا في انتمائهم وانتسابهم إلى ذاك المنهل العذب الفياض . وليس عليٌّ وحده من بين أئمة أهل البيت ، أقام دعائم هذا العلم وأشاد بنيانه ، بل تلاه الائمة الأُخر منهم ، كعليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام ( ت ٣٨ ـ م ٩٤ ) ، فقد صقل العقول والأَذهان الصافية بأدعيته المعروفة التي هي لباب التوحيد وصفوة المعارف الإِلهية ، وفيها من العرفان الصافي ما لا يوجد في غيرها . كما أن صادق الأُمة وامامها جعفر بن محمد عليه السلام ( ت ٨٣ ـ م ١٤٨ ) رفع صرح المدرسة الكلامية الموروثة من آبائه وأجداده ، يقف عليه من سبر أحاديثه وكلماته وأماليه ، حتى جاء عصر الإِمام الثامن علي بن موسى الرضا ( ت ١٤٨ ـ م ٢٠٣ ) ، فأضفى على المسائل

٦
 &

الكلامية ثوباً جديداً ، وأبان عن المعارف في مناظراته مع أهل الكتاب والزنادقة ، وأسكت خصماءه ، ودحض شبهاتهم ، وردّ أيديهم إلى أفواههم .

ولو لم يكن لأئمة أهل البيت ميراثٌ كلاميٌ سوى كتاب توحيد الصدوق ( ت ٣٠٦ ـ م ٣٨١ ) ، واحتجاج الطبرسي ( المتوفى حوالي ٥٥٠ ) لكفى فخراً في الدفاع عن حياض الإِسلام ومعارفه وعقائده .

وقد استخدم ائمة أهل البيت في بحوثهم ومناظراتهم ، الوسائل التي كان الخصم يستخدمها ويعتمد عليها . كان أن لفيفاً من علماء الكلام قد دقوا هذا الباب ووردوا هذه الشريعة ، فتدرعوا بأحسن ما كان خصماؤهم متدرعين به ، كما انهم لم يزالوا بالمرصاد للحركات الإِلحادية القادمة من جانب الروم واليونان ومستسلمة أهل الكتاب ، فأوجب هذا الرّصد والتدرّع بسلاح اليوم ، أن يكون علمُ الكلام علماً يباري الخصماء ، ويصرعهم في ميادين البحث ، والمناظرة ، فجاء يماشي حاجات العصر جنباً إلى جنب ، وكتفاً إلى كتف . ولم يكن علماً جامداً محصوراً في إطار خاص ، بل كان مادةً حيوية تتحرك وتتكامل حسب تكامل العقول ، والأفهام ، وحسب توارد الشبهات والاسئلة التي بها ينمو كلُّ علم ، وبها يتكامل .

فإذا كانت هذه هي وظيفتهم الرسالية أمام الأُمة الاسلامية والمسلمين في سبيل صيانة دينهم وشريعتهم ، فهذه الرسالة بعدُ باقية في أجيالنا وأعصارنا ، فيجب على علماء العقائد والأخصائيين في علم الكلام ، إقتفاء أثرهم ، ورصد الحركات الإِلحادية الهدامة المتوجهة إلى الإِسلام من معسكرات الغرب والشرق ، بصورها الخداعة ، وباسم العلوم الطبيعية والإِجتماعية والإِنسانية والإِقتصادية ، بل باسم التاريخ وتحليل الأديان الكبرى . ففيها من السموم القتّالة ما يهدم عقيدة المسلمين ، ويزعزع كيانهم ، وهم جعلوها في متناول عقولهم وأفكارهم بشتى الطرق والوسائل ، فطفقوا يديفون السم بالعسل ، حتى يذوقه غير الواعين من المسلمين ، وينهموه باشتهاء .

إن الحركات الإِلحادية الهدامة إبتدأت دورها منذ ظهرت طلائع الحضارة

٧
 &

المادية في الغرب ، وتَدَيَّن مفكروها بالمادية في عطاء المسيحية وواجهة اليهودية ، ووقفوا على أنَّ التغلب على الشرق يتوقف على تضعيف عقائد الشرقيين وإبعادهم عن ديانتهم ، فصار ذلك مبدءً لتأسيس علم باسم الإِستشراق ، له واجهة الإِستطلاع والتحقيق والتنقيب ، وواقعيةٌ هي الإِضلال والتحريف ، وإضعاف عقائد الشبان . وليس هذا شيئاً مكتوماً على مَنْ سَبَر كتب هؤلاء حتى من اشتهر بالوعي والموضوعية .

هذا ، ولو أردنا أن نسلك خُطى من تقدم من علمائنا الكلاميين في الدفاع عن الدين والشريعة ، فلا مناص لنا إلا رصد الحركات الإِلحادية التي تظهر في كل زمن وجيل باسمٍ وصورةٍ وواجهةٍ ، وهذا يقتضي تطويرَ علم الكلام الموروث وإكماله حتى يفي بحاجات العصر ، ويقف موقف المعلم الرؤوف بالنسبة إلى المستعلم الواعي فيجيب عن الشبهات المستحدثة في كل عصر وجيل باسم العلم والتاريخ . ولأجل ذلك لا مناص في تطوير علم الكلام من البحث في أُمور يقتضي الزمان ضرورة طرحها وتحليلها :

الاول : فصل الدين عن العلم

إن فصل الدين عن السياسة من الخطط الإِلحادية التي لم تزل تروّج في الغرب منذ كُسِرت شوكة الكنائس ، فاتخذوها سنداً وثيقاً لإِبعاد الدين عن السياسة ، فطفق السياسيون يلعبون بكل شيءٍ سواءٌ أوافق الدين أم لا ، قائلين بأن للدين مجالاً ، وللسياسة مجالاً آخر ، ولكلٍّ رجاله : ( وللحرب والقصعة والثريد رجالها ) .

وقد لعب السياسيون بهذا الحبل أدواراً ، فخصوا الدين بالكنائس والبيع ، وخارجهما بالسياسة التي لا تفارق الخدعة والدغل .

وجاء بعد هذه الفكرة أو معها فصل الدين عن العلم ، وصار هذا أصلاً رصيناً في العلوم الجامعية ، تُدَرَّس العلوم الطبيعية والانسانية على هذا الأصل ، فإذا شاهدوا في موردٍ تناقضاً وتضاداً ، فأقصى ما عندهم أنَّ للدين

٨
 &

مجالاً وللعلم مجالاً آخر ، ولا يصح لواحد منهما التدخل في حدود الآخر . وهذا من الحبائل الإِلحادية التي يصطاد بها كثير من الشبان بلا مشقة وشدة ، وهي تدعوهم إلى الاعتقاد بأمرين متضادين : أحدهما يدعو إلى شيء والآخر إلى ما يضاده ، وبما أن الطالب يمارس العلم كل يوم بالأدوات الحسية ، فلا يزال يتباعد عن الدين إلى أن يرفضه ويتركه ويصير ملحداً محضاً ، وأقصى حاله ، أن يكون مسيحياً أو مسلماً بالهوية لا بالحقيقة .

إن الدين المعتمد على الوحي النازل من خالق الكون وصانع نواميسه لا يمكن أن يفترق عن العلم قيد شعرة . فإذا كانت العلوم البشرية كاشفة عن حقائق الكون مع أنها غير مصونة عن الخطأ ، فالوحي الذي لا يأتيه الباطل أولى بأن يكون كاشفاً عن الكون وسننه ونواميسه . ولأجل ذلك يجب في تطوير علم الكلام البحث عن الدين وتبيين مفاده وتعيين حدوده وتشريح موقفه من العلم ، وأنهما هل يمشيان في طريقين مختلفين أو في طريق واحد ، وهل الدين أمر فردي أو اجتماعي . وهل هو يتلخص في الأوراد والأذكار ، أو يعم جميع الشؤون ، وأنه هل يُحكِم ويُبرِم بلا سند قاطع ، أو يعتمد على أوثق المصادر وأقوى المدارك التي لا تقبل الخطأ .

الثاني : النسبية أو نفي الحقائق المطلقة

كان الشك والترديد في وجود الكون وما فيه ، والعلوم التي يتبناها الإِنسان ، منهجاً رائجاً في الفلسفة الإِغريقية حتى قضى عليها أرسطو وأُستاذه أفلاطون وغيرهما . إلى أن ظهرت طلائع الحضارة الإِسلامية ، فقام فلاسفة الإِسلام بدحض شبهاتهم ومحوها عن بساط البحث ، فلا تجد بين المسلمين من ينتمي إلى السفسطة ويكون له شأن ومقام بينهم . وفي النهضة الصناعية الأخيرة ، عادت السفسطة إلى الأوساط العلمية بصورة أُخرى ، خادعة هدّامة . وهؤلاء ، مع أنهم يدّعون أنهم من أصحاب الجزم اليقين ، ويكافحون الشك والترديد ، يعتقدون بأن ما يدركه الإِنسان من القضايا بالأدوات المعروفة صادقٌ صدقاً نسبياً لا صدقاً مطلقاً ، صدقاً مؤقتاً لا صدقاً دائماً ، وذلك لأن للظروف

٩
 &

الزمانية والمكانية والأجهزة الدماغية تأثير في الإدراكات الإنسانية ، فليس في وسع الإنسان أن ينال الواقع على ما هو عليه ، وأن ترد على ذهنه صورة مطابقة له ، مطابَقَةَ الفرعِ للأصل ، بل كل ما يحكيه الإنسان بتصوراته وتصديقاته عن واقع الكون ونفس الأمر ، فإنّما يحكيه بمفاهيم ذهنية تأثرت بأمور شتى خارجية وداخلية ، فالإنسان في مبصراته ومسموعاته أشبه بمن نظر إلى الأشياء بمنظار ملوّن ، فكما أنّه يرى ألوان الأشياء على غير ما هي عليه ، فهذه الظروف الزمانية والمكانية ، وما في داخل المدرك وخارجه من الخصوصيات كهذا المنظار ، تُري الأشياء على غير ما هي عليه ، ولكن لا تباينها ، بل تطابقها مطابقة نسبية فالإنسان عند هؤلاء أشبه بمن ابتلي بمرض اليرقان ، فكما أنّه يرى الأبيض والأسود صفراوين ، لأجل خصوصية في جهازه الإبصاري ، فهكذا الإنسان في كل ما يدرك ويقضي ، فإنّما يتوصل إلى الواقع بأجهزته التي يتأثر العلم الوارد إليها من الخارج بها ، ومع ذلك كله فليس ما يدركه خطأً محضاً ، ولا صدقاً محضاً ، بل هو صحيح في ظروف خاصة .

هذا إجمال ما يذهب إليه النسبيون من الفلاسفة ، غير أنه أصبح أساساً للمناهج الفلسفية الغربية منذ عصر ديكارت إلى زماننا هذا ، والإنسان المتتبع في كلماتهم ونظرياتهم يقف على أنهم لا يعتقدون بالقضايا الصادقة المطلقة الدائمة الكلية ، خصوصاً في فلسفة « جان لاك » ( ت ١٦٣٢ ـ م ١٧٠٤ ) وفلسفة « كانت » ( ت ١٧٢٤ ـ م ١٨٠٤ ) فهؤلاء ـ بإضفاء النسبية على القضايا ، وتأثر الإدراكات الإنسانية في جميع الموارد بالخصوصيات الداخلية والخارجية ـ أعادوا حديث السفسطة ولكن بثوب جديد ، وغطاء علمي خادع . ومن سبر دلائل السوفسطائيين في الفلسفة الإغريقية ، يقف على أن ما ذكره الغربيون وجهاً لنسبية العلوم ، هو نفس ما ذكر رئيس الشكاكين اليونانيين « بيرهون » في إثبات السفسطة وأن ما يدركه الإنسان من الخارج لا ينطبق عليه لأنّ الأجهزة الإدراكية تتأثر بالظروف الزمانية والمكانية والحالات النفسانية ، وبذلك لا يمكن أن نعتبر العلوم علماً حقيقياً كاشفاً عن الواقع .

ولو صدق حديث النسبية وأن الاجهزة الادراكية لم تزل خاضعة لشرائط

١٠
 &

خاصة ، فعلى العلم وكشفه السلام ، وعلى ذلك يصبح الدين ومعارفه وشرائعه علوماً صادقة نسبياً ، ولو تغيرت الظروف لتغيرت مفاهيم الدين ومعارفه وتشريعاته ، الى غيرها . فاي قيمة لدين هذا اساسه ، وأي وزن لمعارف إلهية لا تزال متزلزلة متغيرة بتغير الظروف .

إن نظرية النسبية من أخطر الحبائل التي طرحت أمام المتدينين والواقعيين ونحن لا نأتى عليها ـ هنا ـ بكلمة غير أنا نسأل أصحاب هذه الفكرة ـ ويا للاسف تحملها فلاسفة الغرب وأصحاب المناهج منهم ، لا سيما الحسيين ـ هل أن القول بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، واجتماع الضدين ، ومسألة العلية والمعلولية ، وانقسام المفاهيم إلى الممكن والواجب والممتنع ، من العلوم النسبية ؟ أفهل يحتمل هؤلاء أن للظروف الزمانية والمكانية ، والخصوصيات العالقة بذهن الإنسان ، تأثيراً في هذه القضايا بحيث لو خرج الإنسان عن هذه القيود لتصوّر هذه القضايا بشكل آخر ، فيجوِّز اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما ، أو يجوز وجود المعلول بلا علّة ؟ .

والعجب أن هؤلاء عندما يضفون على عامة الإِدراكات لون النسبية وينكرون كل قضية صادقة على وجه الكلية والإِطلاق والدوام ـ إن هؤلاء أنفسهم بذلك يثبتون قضية كلية دائمة الصدق غير متلونة بلون ولا محدودة بخصوصية خارجية أو ذهنية حيث يقولون ليس لنا قضية صادقة مطلقة كلية ، فإن هذا القول منهم قضية مطلقة لا نسبية ، ولو كان هذا النفي ، نفياً نسبياً لاصبحت سائر القضايا مطلقة لا نسبية .

إن التركيز على أن للانسان علوماً مطلقة ، مضافاً إلى أن له علوماً نسبية يقتضي التركيز على نظرية المعرفة قبل كل شيء في علم الكلام ، فإن لتلك النظرية تأثيراً هاماً في جميع الأبحاث الكلامية ، وقد كان القدماء من المتكلمين يبحثون عنها في مقدمات كتبهم فهذا هو الإِمام الأشعري ، كتب بحثاً مطولاً عن السوفسطائيين في مقدمة مقالات الإِسلاميين ، وتبعه البغدادي في كتاب أُصول الدين ، وغيرهما من المتكلمين ، حتى أن الامام البزدوي رئيس الماتريدية في عصره ، خصّ فصلاً خاصا من كتابه في هذه النظرية .

١١
 &

إن علماء الغرب قد بلغوا القمة في البحث عن هذه النظرية ، فبحثوا عن أدوات المعرفة ، حسيّها وعقليّها ، كما بحثوا عن قيمة العلوم الإِنسانية مضافاً إلى تحديد مجاري العلم والمعرفة ، فإن لهذه المباحث أثراً خاصا في الأبحاث الكلامية ورصد الحركات الإِلحادية ، ولم يزل الإلحاد يدب بين السذج من الشباب من هذه الطرق ، فمن قائل باختصاص أدوات المعرفة بالحس ، إلى قائل بلزوم الإِيمان بما تثبته التجربة ورفض غيرها ، إلى ثالث يحدّد معرفة العلوم الإنسانية بشؤون المادة وأعراضها ، ويركز على أن ما وراء المادة خارج عن مجال الإدراك الإنساني وأنّه ليس للإنسان فيها القضاء والإبرام نفياً وإثباتاً .

وهذه الأفكار الفلسفية ، أخطر على حياة الدين من الحملات العسكرية على كيان المسلمين .

الثالث : إنكار الفطريات

إن التعلّل بمعرفة النفس أصبح في هذه الأزمان أداة طيّعة في يد الإلحاد ، خصوصاً الجامعيين المؤمنين بفروض « فرويد » ومنهجه فجعلوا علم النفس أساساً لإنكار الفطريات ، التي يقوم عليها دين التوحيد ، يقول سبحانه : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (١) .

وقد عادت علاقة الدين بالانسان عندهم وليد الميول الجنسية للإِنسان ، بل أصبحت المعنويات عند أصحاب هذا المنهج ظاهرة طفولية ، واستبقاء لعلاقة الطفل في يوم عجزه ، بأُمه وأبيه ، فإذا كبر الانسان وأحس بعجز الأب والأُم تجاه الاخطار الكبرى مضى يبحث عن قوة أكبر وأقدر على حمايته تجاه الحوادث حتى يُحلَّها محل أبيه ، وهكذا نشأت عندهم فكرة الإِله .

فالعالم الكلامي الذي يريد الدفاع عن حياض الإِسلام والمسلمين لا

__________________

(١) سورة الروم : الآية ٣٠ .

١٢
 &

مناص له إلا التركيز على معرفة الإِنسان ، معرفة تامة ، بنفس الطرق التي يستعملها علماء النفس في معرفته .

الرابع : الغرور بالعلم

إن الإِنغرار بالعلم الحديث ـ مع الاحترام التام للعلم وأهله ـ صار سببا لإِنكار المعاجز ، وخوارق العادات ، وتسرب الشك إلى الوحي والإِدراك الخارج عن إطار الحس والعقل ، كما تسرب الشك الى العصمة في الأنبياء ، وبكلمة قصيرة ، في أكثر ما يرجع إلى عالم الغيب والخارج عن الشهادة ، وصار هذا مبدء لنزوع كثيرة من الباحثين عن القرآن والسنة الى تأويل ما لا يلائم قوانين الشهادة . ولأجل أن يكون القارىء الكريم على بصيرة من اغترار هؤلاء بالعلم ، نذكر نماذج من أفكارهم .

فهذا هو شيخ الأزهر محمد عبده ( ت ١٣٢٣ ) ـ وقد خدم الازهر بفكره وقلمه وورث عن أستاذه السيد جمال الدين الأسد آبادي ، أفكاره وآراءه ـ يؤول الآيات الدالة على إحياء الموتى في هذه النشأة ، تأويلاً يناسب روح العصر الإلحادي (١) .

كما أنه بطبيعته العلمية يحاول أن يفسر الملائكة بالقوى الطبيعية ، ومن المعلوم أنّ الحافز إلى هذا التوجه ليس إلّا الإغترار بالأساليب العلمية التجريبية والخوف من المتدرعين بالعلم الحديث ، والإنهزام أمامهم . وإلّا فقد كان اللائق بشيخ الأزهر الصمود أمام التيارات الإلحادية وأن يقول ـ رافعاً عقيرته ـ إنّ أقصى ما للعلم من الحق هو الإثبات لا النفي ، فالعلوم التجريبية مهما بلغت من القمة ، ليس لها شأن إلّا تحليل الموجودات المادية فقط ، وأما نفي ما وراء الطبيعة وإنّه ليس هناك ملك ولا جن ولا وحي ولا لوح ولا قلم ، فلا شأن له فيه ، ولو تدخّل فيه فقد تطلع إلى ما هو أقصر منه .

وهذا هو الأُستاذ الأكبر الشيخ المراغي ، يرى أن التشريع الإِسلامي غير

__________________

(١) ستقف على نماذج من تأويلاته في بحث المعاد من هذا الجزء .

١٣
 &

صالح للتطبيق على هذه الظروف ، وإنه يختص بالعصور الغابرة يقول : إن من ينظر في كتب الشريعة الأصلية بعين البصيرة والحذق ، يجد أنه من غير المعقول أن تضع قانوناً أو كتاباً أو مبدء في القرن الثاني من الهجرة ثم يجيء بعد ذلك ، فتطبق هذا القانون في ١٣٥٤ هجرية (١) .

وهذا فريد وجدي ـ كاتب دائرة معارف القرن الرابع عشر ـ تجده يرقص لافلات الحكومات من سلطان رجال الدين ويمدح ثمرات العلوم مغمزاً بثمرات الدين ، يقول : « تقدم الزمان وأفلتت الحكومات من سلطان رجال الدين واقتصر سلاح الدين على ما كان لديه من قوة الإِقناع ، ففي هذه الأثناء كان العلم يؤتي ثمرات من استكشاف المجهولات ، وتخفيف الويلات ، وترقية الصناعات ، وابتكار الأدوات والآلات ، ويعمل على تجديد الحياة البشرية تجديداً ، رفعها عن المستوى ، فشعر الناس بفارق جسيم ، بين ما انتهوا إليه في عهد الحياة الحرة وتحت سلطان العلوم المادية ، وبين ما كانوا عليه ايام خضوعهم لحفظة العقائد (٢) .

وليس هذا الداء مخصوصاً بهؤلاء ، بل هناك رجالات آخرون تأثروا بالفلسفة المادية الغربية فأخذوا ينظرون إلى منطق الدين باستصغار .

فهذا أحمد أمين المصري الطائر الصيت ، يقول في كتابه : « إن قانون التناقض الذي يقول به المنطق الشكلي القديم والذي يقرر أن الشيء يستحيل أن يكون وأن لا يكون في آن واحد ، يجب عليه الآن أنْ يزول من أجل حقيقة « هيجل » العليا التي تنسجم فيها المتناقضات والتي تذهب إلى أن كل شيء يكون موجوداً وغير موجود » (٣) .

__________________

(١) مجلة الأهرام ، ٢٨ فبراير ، عام ١٩٣٦ ، لاحظ موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين ، تأليف مصطفى صبري ، شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ، ج ١ ، ص ٣٢ .

(٢) مجلة الازهر ، المجلد الثاني ، الجزء التاسع ، لاحظ موقف العقل والعلم والعالم ، ج ١ ، ص ٥٧ .

(٣) قصة الفلسفة الحديثة ، كما في موقف العقل والعلم والعالم ، ج ١ ص ١٣٠ .

١٤
 &

وقد عزب عن المسكين أن ما يدّعيه « هيجل » من الجمع بين النقيضين لا يمت إلى النقيضين المبحوث عنهما في المنطق الشكلي ، بصلة . وإنّما هو عبارة عن العناصر المتضادة في الطبيعة التي يحصل من تفاعلها شيء ثالث ، ولو أردنا أن نعبر عنه باصطلاح صحيح ، فيجب أن نقول : يريد المتضادين في مصطلح الفلسفة ، لا النقيضين ، ولا الضدين في مصطلح المنطق .

ثم نسأل الأُستاذ ، إذا كانت أَبده القضايا ، أعني امتناع اجتماع النقيضين ، واقعة في إطار الشك والترديد ، بل الردّ والإنكار ، فأنّى له أن يثبت قضية يقينية طاردة للشك واليقين ، إذ المفروض عنده أنّ النقيضين يجتمعان ، وأنّه لا مانع من أن تهدف قضية « قرأ أرسطو على أفلاطون » ونقيضها « لم يقرأ أرسطو على أفلاطون » .

وأسوأ من ذلك قوله الآخر ، مندداً بعلم الكلام الذي نرى جذوره في القرآن والسنة ، ثم العقل : « أما علم التوحيد فبرهان لمن يعتقد ، لا لمن لا يعتقد ، برهان لصاحب الدين ، لا لمخالفه ، ولهذا لم نر في التاريخ أن علم الكلام كان سببا في إيمان من لم يؤمن ، أو إسلام من لم يسلم إلا نادرا ، وإنّما كان سبباً في ايمان الكثير وإسلام الجم الغفير ، الدعوة من طريق القلب لا من طريق المنطق » (١) .

نقول : إذا لم يكن علم الكلام سببا لايمان من لم يؤمن ، فما معنى هذه البراهين التي يسوقها القرآن حول دحض الشرك ودعم التوحيد ، واذا كان العقل غير مفيد في الهداية ، بل المفيد هو الكشف والشهود ، الذي يعبر عنه بطريق القلب ، فما معنى دعوة الوحي الى التعقل والتدبر .

والعجب أن كل ما يقوله هو ، هو برهنة واستدلال بالعقل ، وهو يريد أن يرد العقل بالعقل ، فما هذا التناقض ؟ اللهم إلّا أن يلتجىء الأستاذ إلى فرضية « هيجل » وأنّه يصح الجمع بين النقيضين !! .

__________________

(١) موقف العقل والعلم والعالم ، ج ١ ، ص ٢٥٧ ـ ٢٥٨

١٥
 &

وفي مؤخر القوم ، كاتب « حياة محمد » ، محمد حسين هيكل ، فإنّه يبث سمومه في مقدمة كتابه وثناياه ، ويرفع عقيرته بأن المسائل الدينية لا تخضع للمنطق ، يقول :

« إنصرف هؤلاء الشبان عن التفكير في الأديان وفي الرسالة الإِسلامية ، وصاحبها . وزادهم انصرافاً ما رأوا العلم الواقعي والفلسفة الواقعية ( الوضعية ) يقررانه من أن المسائل الدينية لا تخضع للمنطق ولا تدخل في حيز التفكير العلمي ، وأن ما يتصل بها من صور التفكير التجريدي ، الميتافيزِقي ، ليس هو أيضاً من الطريقة العلمية في شيء » (١) .

ماذا يريد من قوله : إن المسائل الدينية لا تخضع للمنطق . فهل يريد من المنطق ، الإستدلال عليها ، كما يستدل عليها بالبرهنة العقلية التي تقوم على أساس إرجاع النظريات إلى البديهيات ، فهذا عدوان وظلم ، فان أُصول المسائل الدينية إنما تثبت بالبرهان العقلي ، ومن سَبَرَ كتب الإِلهيات للمعتزلة والأشاعرة والإِمامية يجد مقدرتهم العلمية على إثبات ما يتبنونه .

وإنْ أراد أنّه لا يخضع للأساليب التجريبية التي هي من شؤون العلوم المادية ، فهو مسلم ، لكن ذلك الترقب ، ترقب في غير محله ، لخروجه عن نطاق التجربة .

والعجب أن ما ذكره الأستاذ ليس أمراً تجريبيا بل هو برهنة عقلية استنتجها من المشاهدات ، حسب زعمه .

هذه نماذج من الاغترار بالعلم وتسرب المادية إلى الاوساط الدينية ، فإذا كان هذا حال هؤلاء الذين يعدون في الجبهة والسنام من الشخصيات الدينية في مصر العزيزة ، فما حال البسطاء الذين ينهلون من مشارعهم ومشارع من يتظاهر بالمادية ويرفع عقيرته بأنّه قد مضى سلطان الدين وبدأ سلطان العلم .

__________________

(١) حياة محمد ، ص ١٥ .

١٦
 &

هذه وتلك وغيرها مما لم نذكر يفرض علينا رسالة جديدة في علم الكلام وهي التركيز على الموضوعات التي يتخذها الإِلحاد منصة لإِذاعة الإِلحاد وإطلاقه . ولا نكتفي بعلم الكلام السابق ، والموضوعات المحدودة ، بل نماشي حاجات العصر بتطوير خاص لنجابه بذلك ضوضاء الإِلحاد ، بالمنطق الرصين والعظات البالغة النافذة .

دواءُ يزيدُ داءً .

وهناك رسالة أُخرى لعامة المسلمين وهي ادلاء النصح للوهابية الذين يدعون أنهم يتبنون عقيدة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فقابلوا هذا السبيل الالحادي الجارف بنشر ما أُلف بيد المحدّثين في العصور السابقة ، ثم نشر ما ألفه ابن تيمية وتلميذه إبن قيم ومقلده في العصور الأخيرة « محمد بن عبد الوهاب » . زاعمين بأنّهم يوصدون بذلك الباب أمام تطرق الإلحاد إلى قلوب الشباب المسلم .

ولكنه اشبه بمداواة العجوز ، ينفع مرة ويضر مرات ، فان ما كتب بيد السلف يحتوي على كل رطب ويابس وصحيح وسقيم ورصين وزائف ، وإن دَلّ على كونه سبحانه جسماً ذا اعضاء بشرية وأنه يجلس فوق العرش ويستوي عليه وينزل كل ليلة الى السماء الدنيا ، وغيره مما نستعيذ بالله منه ، ونجلّه تعالى عنه ، وقد اتخذها بعض السلف عن اليهود ومستسلمة أهل الكتاب فأودعوها كتبهم الحديثية إلى أن جاء الخلف ونظر إليها بتقدير واحترام وحسبها حقائق راهنة سمعها المسلمون من النبي الاكرم .

يشهد الله ـ وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم ـ أنّ في بث هذه الكتب آثاراً سيئة في أفكار الشبان وفيها حط لمقام نبي العظمة بل إنها حلقات بلاء تجر الويل على الإِسلام ، والدمار للمسلمين ، فيجب أن يكون هناك نظارة على نشر هذه الكتب حتى يميز الصحيح من غيره ، ويعلق على غير الصحيح .

هذه نصيحتي للسلفيين أساتذتهم وأبنائهم ، « أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي

١٧
 &

وَنَصَحْتُ لَكُمْ » (١) ولعل بينكم من لايجب الناصحين ، غير أن ذلك لا يؤثر في عزمي ، ودعوتي في الله سبحانه .

إذا رضيت عني كرام عشيرتي

فلا زال غضباناً علي لئامها

الآن حصحص الحق ، وأسفر الصبح لذي عينين ، وأقدم شكري الجزيل ، وثنائي العاطر لولدنا العلامة المحقق فضيلة الشيخ حسن مكي العاملي ، دامت إفاضاته ، فقد بلغ النهاية ، وبذل مبلغ جهده في تدوين هذه المحاضرات وضبطها وتنسيقها وتنظيمها ، والرجوع إلى مصادرها ، فجاء هذا الجزء كالجزء السابق ، كسبيكة واحدة ، تعلو عليه جودة البيان ، وإحكام السبك ، وروعة التنظيم ، فحياه الله سبحانه ووفقه لما يحبه ويرضاه في مستقبل أيامه ، وإنّه ـ دام فضله ـ ممن عقدت عليه آمال الخير والسعادة وأن يكون أحد أعلام المحققين والخبراء في علم العقائد والكلام ، ومن المدافعين المتحمسين عن حياض العقيدة ومناهل الشريعة ، وأشكر الله سبحانه على هذه النعمة الجزيلة ، وهو خير مسؤول وخير معين .

حرّره صبيحة يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر شوال المكرم من شهور عام ١٤٠٩ هـ ق في قم المشرفة

جعفر السبحاني عفي عنه

__________________

(١) اقتباس من سورة الأعراف : الآية ٧٩ .

١٨
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagespage0019.png

١٩
 &

النبوة العامة

مقدمة

النبوة سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده ، لازاحة علّتهم في أمر معادهم ومعاشهم .

والنبي هو الإِنسان المُخْبِر عن الله تعالى بإحدى الطرق المعروفة .

والبحث في النبوة يقع على صورتين :

الأُولى ـ البحث عن مطلق النبوة ، من دون تخصيص بنبيٍّ دون نبي .

الثانية ـ البحث عن نبوة نبي خاص ، كنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

والأبحاث التي طرحها المتكلمون في النبوة العامة تتمحور في أربعة أُمور ، هي :

١ ـ البحث عن حسن بعث رجال الغيب والوحي لهداية الناس وإرشادهم إلى الغاية المتوخاة من خلقهم ، أو لزومه .

٢ ـ إذا ثبت حسن البعثة ، فما هي الطرق التي يُعْرف بها النبي الصادق من المتنبيء الكاذب ؟ وهل هي منحصرة بالإِعجاز ، أو هناك طرق أُخرى ؟

٣ ـ إذا كان النبي هو الإِنسان المتصل بالله سبحانه ، فما هو ذاك الطريق الذي يتصل به عَبْرَه ، ويتلقى من خلاله تعاليم الخالق سبحانه ؟

٢٠