الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - المقدمة

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - المقدمة

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ٧
الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01-subimagesimage001.png

١

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01-subimagesrafed.png

٢

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01-subimagesimage002.png

٣

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01-subimagesimage003.png

٤

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01-subimagesimage004.png

٥

٦

بسم الله الرحمن الرحيم

تصدير بقلم المحاضر

الحمد لله الذي علم السرائر ، وخبر الضمائر ، له الإِحاطة بكل شيء ، والغلبة لكل شيء ، والقوة على كل شيء ، دلّت عليه أعلام الظهور ، وأدرك بذاته خفيّات الأمور ، إِمتنع على عين البصير ، فلا عين من لم يره تنكره ، ولا قلب من أثبته تبصره ، سبق في العلم فلا شيء أعلى منه ، وقَرُب في الدنو فلا شيء أقرب منه ، فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ، ولا قربه ساواهم في المكان به ، لم يطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إِقرار قلب ذي الجحود ، تعالى الله عما يقول المشبّهون به ، والجاهلون له ، علواً كبيراً .

والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله ، وبعيثه وصفوة خلقه ، الذي أرسله بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته ، بقرآن قد بيّنه وأحكمه ، ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه ، وليقرّوا به بعد إذ جحدوه ، وليثبتوه بعد إذ أنكروه ، فتجلى لهم سبحانه في كتابه من

٧

غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته ، وخوفهم من سطوته .

وعلى آله الذين هم موضع سرّه ولجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه ، بهم أقام انحناء ظهره ، واذهب ارتعاد فرائصه .

وعلى صحبه المنتجبين الذين قرؤا القرآن فاحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه ، وأحيوا السنّة ، وأماتوا البدعة ، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج ، والأرض ذات فجاج(١) .

أما بعد :

فقد التحق النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بالرفيق الأعلى وقد ترك بين الأمة وديعتين عظيمتين ، وأمانتين كبيرتين عرّفهما بقوله : « إِني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »(٢) .

وعلى ضوء هذا البيان من نبي العظمة ، فالكتاب والعترة مقياس الحق ونبراس المعرفة ، لا يضل من تمسك بهما أبداً ، ففيهما أعلام الهداية ، ودلائل الحقيقة ، وأنوار للنهى والعقول .

__________________

(١) الخطبة برمّتها مأخوذة من خطب الإِمام علي ( عليه السلام ) في مواضع مختلفة من نهج البلاغة ، لاحظ الخطب ٢ و ٤٩ و ٨٥ و ١٨١ و ١٤٧ .

(٢) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة أخرجه الحفاظ في صحاحهم ومسانيدهم وما نقلناه مأخوذ من مسند الإِمام أحمد ( م ٢٤٢ هـ ) ، ج ٣ ، ص ١٧ و ٢٦ . وأخرجه في كنز العمال ، ج ١ ، ص ٤٧ ، الحديث ٩٤٥ . وقد جمع المتتبع الخبير السيد مير حامد حسين الهندي ( م ١٣٠٦ ) أسناده ومتونه وطبع في ستة أجزاء وهي جزء من أجزاء كتابه الكبير الذائع الصيت « عبقات الأنوار » .

٨

وكان المتوقع من أمة ورثت هذه التركة النفيسة الغالية أن تكون مرصوصة الصفوف ومتوحدتها ، غير مختلفة في الأصول والفروع ، سالكة سبل الحياة بهدوء وطمأنينة . ولكن ـ يا للأسف ـ حدثت حوادث وطرأت حواجز عرقلت خطاها ، وصدتها عن نيل تلك الأمنية المنشودة . فظهرت بينها آراء متشعبة ، ونبتت فيها فرق تحمل عقائد وأفكاراً لا توافق حكم الثقلين ، وتضاد مبادىء الإِسلام وأُسسه . وما هذا إِلَّا لأجل عدم تمسكهم بما أمر النبيّ بالتمسّك به ، وهذا واضح لمن راجع تاريخ المسلمين . وليس المقام مناسباً لتفصيله ، « ودع عنك نَهَباً صيح في حجراته . . . . » .

علم الكلام وليد الضروريات الزمنية

قام المسلمون بعد رحلة النبي ( صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله ) ، بفتح البلاد ، ومكافحة الأمم المخالفة للإِسلام ، وكانت تلك الأمم ذات حضارة وثقافة في العلوم والآداب ، وكان بين المسلمين رجال ذوو علاقة متأصلة بكسب العلوم السائدة في تلك الحضارات . فأدت تلك العلاقة إلى المذاكرة والمحاورة أولاً ، وترجمة كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً .

وقد كانت معارف اليونان والرومان والفرس منتشرة في بلاد إيران والشام وما والاها التي فتحها المسلمون بقوة الإِيمان ، وضرب السيوف ، فعند ذاك استولى المسلمون على العلوم اليونانية والإِيرانية ، ونقلوها عن السريانية والفارسية إلى العربية(١) .

وأعان على أمر الترجمة وجود عدّة من الأسرى في العواصم الإِسلامية ، فصار ذلك سبباً لانتقال كثير من آراء الرومان والفرس إلى المجتمع اللإِسلامي وانتشارها بينهم . وكان بين المسلمين من لم يتدرع في

__________________

(١) الكامل ، ج ٥ ص ٢٩٤ ، حوادث سنة ٢٤٠ هـ ، وص ١١٣ .

٩

مقابلها ، بل كان بينهم من لم يتورع في أخذ الفاسد منها ، فأصبحوا مغمورين في هذه التيارات الفكرية ، ونجمت فيهم الملاحدة نظراء : ابن أبي العوجاء ، وحماد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن أياس ، وعبدالله بن المقفّع ، وغيرهم من رجال العيث والفساد . فهؤلاء اهتموا بنشر الإِلحاد بين المسلمين وترجمة كتب الروم والفرس بما فيها من الضلال والإِلحاد ، مع ما فيها من الحقائق الصحيحة . إلى أن عاد بعض المتفكرين غير مسلّمين للإِسلام إِلَّا بالقواعد الأساسية كالتوحيد والنبوّة والمعاد . فكانوا ينشرون آراءهم علنا ، ويهاجمون بها عقائد المؤمنين(١) .

وهذا هو العامل الأول لانتشار الفوضى في العقائد والأعمال والأخلاق والآداب . وهناك عامل ثان لهذه الحركة الهدّامة وهو حرية الأحبار والرهبان المتظاهرين بالإِسلام في نقل ما ورثوا من القصص والأساطير من طريق العهدين والكتب المحرّفة . فوجدوا في المجتمع الإِسلامي جواً مناسباً لإِظهار البدع اليهودية والسخافات المسيحية والأساطير المجوسية فافتعلوا أحاديث نسبوها إلى الأنبياء والمرسلين ، كما افتعلوا بعضها على لسان النبي الأكرم ، فحسبها السذج من الناس والسوقة ، حقائق ناصعة وعلوماً ناجعة ملؤوا بها صدورهم وطواميرهم وتفاسيرهم للكتاب العزيز(٢) .

ففي هذا الجو المشحون بالغزو الفكري من جانب الأعداء ، وعدم تدرّع المسلمين في مقابل هذه الشبهات والشكوك شعر المفكرون المخلصون من المسلمين بواجبهم ، وهو الدفاع عن العقيدة الإِسلامية بنفس الأصول التي يدين بها المخالفون ، والطرق التي يسلكها المعادون . وكان نتيجة ذلك تأسيس علم الكلام لغاية الاستدلال على صحتها وذب الشكوك والشُبَه

__________________

(١) الكامل ، ج ٥ ص ٢٩٤ ، حوادث سنة ٢٤٠ هـ ، وص ١١٣ .

(٢) لاحظ ميزان الاعتدال ، ج ١ ، ص ٥٩٣ . وأمالي المرتضى ، ج ١ ، ص ١٢٧ . ومقدمة ابن خلدون ، ص ٤٣٩ . والمنار ج ٣ ، ص ٥٤٥ .

١٠

عنها . وفي ظل ذلك ظهرت طوائف من المتكلمين بمناهج مختلفة ، كل يحمل لواء الدفاع عن الإِسلام ، ومقاومة التيارات الإِلحادية والثنوية . وقد نجحوا في ذلك نجاحاً نسبياً وإنْ لم يتوفق في الوصول إلى الحق في جميع المجالات سوى القليل منهم(١) .

نعم ، كان هذا المقدار من النجاح جديراً بالإِطراء ، لأن هذه الصفوة من المتفكرين وقعت بين عدوين : داخلي وخارجي .

أما الأول : فهم أهل الحديث والقشريين والسطحيين من المسلمين الذين كانوا متأبّين عن الخوض في المسائل العقلية ، ويكتفون بما وصل إليهم من الصحابة ، ويقتصرون على ما حصلوا عليه من الدين بالضرورة ، وهم الحشوية من أكثر أهل الحديث والحنابلة أخيراً . وآفّتهم عدم التفريق بين الحديث الصحيح والزائف ، والكلام الحق والمفترى ، والعقائد الإِسلامية والبدع اليهودية والمسيحية المستوردة من طريق الأحبار والرهبان المستسلمين ظاهراً ، والحاقدين عليه باطناً . حتى ظهر القول بالتشبيه والتجسيم ، واعتناق ما ينبذه العقل الفطري بسبب هذه المرويات .

وأما العدو الخارجي : فهم الملاحدة والثنوية ، فكانوا يعادون أهل التفكير من المسلمين لما يجدون فيهم من القدرة على الاحتجاج والمناظرة ، ومع ذلك فقد ساد التفكير على المسلمين من القرن الثاني إلى العصور الأخيرة ، فقام المفكرون بتأليف أسفار ضخمة حول العقائد والمعارف على المناهج التي استحسنوها وضبطوها .

__________________

(١) راجع في الوقوف على البارعين في علم الكلام من الشيعة كتاب « تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإِسلام » للسيد حسن الصدر . وللوقوف على البارعين فيه من السنة : « مقالات الإِسلاميين » للشيخ الأشعري ، و « تبيين كذب المفتري » لابن عساكر ، و « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى ، وغيرها من الكتب المؤلفة في هذا المضمار .

١١

ضرورة تكامل الأبحاث الكلامية

إنَّ المتكلمين الإِسلاميين قد قاموا بواجبهم في مقابل الملحدين والثنوية والسطحيين من أهل الحديث ، وأدّوا ما عليهم من الرسالة ، غير أنَّ تقدم الحضارة في الأعصار الأخيرة ، وتطور العلوم وتفتح العقول ، أوجد تحولاً كبيراً في تحليل الأبحاث والدراسات العقلية والفكرية ، فلأجل ذلك أصبحت الكتب الكلامية القديمة ، غير ملبية لحاجات العصر ، خصوصاً بالنسبة إلى الأسئلة الجديدة التي طرحها علماء النفس والاجتماع في مجال الدين والتدين ، هذا من جانب . ومن جانب آخر ، اعتمد المادّيون في تحليل الكون على أصول خاصة ربما تورث شكوكاً وشبهات في الأذهان والأوساط الإِسلامية . فيجد الباحث فيها نقائص يجب رفعها .

أما أولا : فإن الكتب الكلامية التي أُلفت من القرن الثالث إلى أواخر القرن الثامن أو التاسع ، تبحث في نقاط ثلاث لا يهمها فعلاً إلا الثالث .

أ ـ الأمور العامة : كالبحث عن الوجود والماهية والإِمكان والوجوب والامتناع والعلّة والمعلول والوحدة والكثرة ، وغير ذلك من المباحث التي تعدّ من عوارض الموجود بما هو موجود من دون أن تختص بعوارض الموجود الطبيعي أو الرياضي . وقد عرفت بـ « النعوت الكلية التي تعرض للموجود من حيث هو موجود » .

ب ـ الطبيعيات : كالبحث عن الجسم الطبيعي والتعليمي ، وبساطته وتركّبه ، فلكيّة وأثيرية ، والقوى الحيوانية والنباتية ، وغير ذلك مما يرجع إلى الموجود المتخصص بكونه طبيعياً . وقد عرّفت بـ « الأحكام العارضة على الجسم الطبيعي بما هو واقع في التغير والتبدّل » .

ج ـ الإِلهيات : وهو البحث عن الله سبحانه وصفاته وذاته وأفعاله . وكانت الوظيفة العليا للمتكلمين البحث عن الأمر الثالث والتركيز عليه . غير

١٢

أنهم طلباً لمجاراة الحكماء والفلاسفة خاضوا في البحث عن الأمرين الأولين ، حتى يستغني الباحث الكلامي في الأبعاد الثلاثة عن كتب غيرهم .

ولو كان تركيزهم على الأمور الثلاثة أمراً مستحسناً في تلك الأدوار ، فإنه أصبح اليوم أمراً مستدركاً غير ناجع .

فإِنَّ الحكماء قد بلغوا الغاية في تحليل الأمور العامة ، واصطلحوا عليها بـ « الفن الأعلى » أو « الإِلهيات بالمعنى الأعم » ، فمن تدرّس هذه الناحية في الفلسفة الإِسلامية فهو في غنى عن كل ما ذكره المتكلمون في کتبهم ، مع كون أبحاثهم غير وافية بما هو المطلوب منها .

كما أن علماء الطبيعة من عصر النهضة إلى زماننا هذا ، قد توغلوا في العلوم الطبيعية ، وشققوا الشعر في تلك الحقول ، وذلك بفضل أدوات التجربة التي أوجدت ضجة وتحوّلا كبيرين في هذا المجال . فصار البحث عن العلوم الطبيعية الدراجة في الكتب الكلامية ، شيئاً غير مفيد إلّا أن يكون لأجل الوقوف على آراء المتقدمين من الباحثين الذي يطلق عليه « تاريخ العلم » .

فلأجل هذين الأمرين اشتملت الكتب الكلامية الدارجة على أمور غير لازمة ، يجب حذفها عن مصب الاهتمام والتركيز على « الإِلهيات » .

وأما ثانياً : فإنَّ ما جاء به المتكلمون في أبواب إثبات الصانع وحدوث العالم مختصر جداً لا يفي بدفع الإِشكالات والشكوك المبثوثة في طريق الإِلهيين الجدد ، يلمس ذلك كل من قرأ الكتب النفسية والاجتماعية والفلسفية المادية التي تركز على تحليل حدوث النظام والأنواع على أسس خاصة ، ببيانات خادعة لعقول البسطاء ، بل المتعلمين .

فلأجل ذلك يجب أن تكون الكتب الكلامية ناظرة إلى ما وصلت إليه يد الباحث المادي من الشكوك والفروض التي يفتخر ويتبجح بها . فالبحث

١٣

عن الإِلهيات من دون النظر إلى ما جاءت به المناهج المادية بحث مبتور . فالمتعلم على الطراز السابق إذا جادل العالم المادي ربما يقع فريسة لأفكاره الضارية ، أو يعود شاكّاً فيما يعتقده ، أو تتجلى الأصول العقيدية عنده بمظهر الوهن وعدم الرصانة . مع أنَّ ما اعتمد عليه المادي أسسٌ سرابيَّه لكنها خادعة ، لا يعرف خداعها إلَّا المطلع على ما تسلّح به المادي .

وأما ثالثاً : فمشكلة العرض في الكتب الكلامية ملموسة جداً . فإنهم عرضوا أفكارهم بتعقيد وغموض ، ربما لا يتحملها ذوق الطالب المعاصر في العصر الحاضر ، الذي يطلب أنْ يكون المعقول كالمحسوس . فلأجل ذلك نرى المتون محشاة بالحواشي والحواشي مطرّزة بالتعاليق ، وما ذلك إلَّا لأن المتأخر يرى نقصاً واضحاً في كتاب المتقدم فيقوم بتكميله على نحو ربما يوجب غموضاً فوق غموض .

وأما رابعاً : فإنَّ أكثر الكتب الكلامية ألّفت لبيان منهج خاص يرتضيه المؤلف ، فصارت قاصرة عن بيان سائر الأنظار والمناهج الذي نعبّر عنه بالبحث المقارن .

كانت هذه العوامل تجيش في ذهني لأقوم بما هو الواجب عليّ في الأحوال الحاضرة ، وقد خدمت هذا العلم منذ شرخ الشباب إلى أنْ نيّفت على الستّين ، وقد رأيت أنَّ ترك ذلك ربما يكون تقاعداً عن حكم الله سبحانه ، وتقاعساً عن الواجب ، فقمت بإلقاء هذه المحاضرات في جامعة العلوم الإِسلامية بـ « قم » المقدّسة ، بعد ما ألّفت دورات كبيرة وصغيرة في العقائد والأصول . وأرجو منه سبحانه أن يهديني إلى مهيع الحق ، ويصدني عن الجور في الحكم ، أو الصدور عن عاطفة وهوى ، والله سبحانه هو الهادي إلى الحق اللاحب .

١٤

المزايا الموجودة في هذه المحاضرات

ولأجل ما ذكرناه في الفصل السابق ، بذلنا السعي لأن تكون هذه الدراسات فارغة عن النقائص المذكورة « وإنْ كان الفعل البشري لا يخلو أبداً من نقص أو نقائص ، وما ألّف إنسان شيئاً ، إلَّا إذا نظر إليه في غده رآه ناقصاً غير واف بالمراد وقال : لو قدّمت هذا لكان أحسن أو أخرت هذا لكان أفيد ولو ولو . . . » فهي تشتمل على الميزات التالية :

الأولى : التركيز على المسائل اللازمة المفيدة في المجتمع وترك ما لا فائدة فيه ، أو ما تكفل البحث عنه سائر العلوم(١) .

الثانية : الاعتماد في نقل المناهج والمدارس الفكرية على المصادر الأصلية لأصحابها ، ورعاية العدل والإِنصاف عند القضاء فيها . نعم الأمانة في النقل والعدل في القضاء كلمتان خفيتان على اللسان ولكنهما ثقيلتان في الميزان .

وكَمْ مِنْ عائبٍ قولاً صحيحاً

وآفتُهُ من الفَهْمِ السَّقِيمِ

الثالثة : تنظيم المسائل تنظيماً هندسياً بحيث تكون المسألةُ المتقدمة مبدءً للبرهان في المسألة التالية ، ولا أقُل لا تكون مبتنية على المسائل المتأخرة .

الرابعة : طرح المباحث بشكل هادیء يلائم روح العصر ، والبرهنة عليها بوجه مقنع للطالب ، بعيد عن النقاش والرد ، وإنْ كان غير خال عن الإِشكال ، لأجل كونه فكراً بشرياً .

__________________

(١) كالبحث عن الأسعار : انخفاضها وارتفاعها ، والآجال ، وعوض الأم التي تصيب الأطفال والحيوانات التي صارت الشغل الشاغل في الكتب الكلامية ، والبحث عن الأول على عاتق العلوم الإِقتصادية والثاني على عاتق كتب التفسير .

١٥

الخامسة : قد بذلنا العناية البالغة في الاستدلال بالآيات القرآنية ، وأحاديث العترة الطاهرة الذين عرفهم الرسول قرناء للكتاب وحلفاءه في حديث الثقلين . والاستدلال بالكتاب والحديث تارة على نحو الإِستلهام ، وأخرى على نحو الاستدلال . وموقفهما في مجال الاستلهام موقف المفكر الذي يطرح فكرته مع البرهان ويدليه إلى المخاطب من دون إعمال تعبد منه ، كما هو الحال في البراهين التي أقامها القرآن في مجال إثبات الصانع ونفي الشريك عنه . فنعتمد على ما ذكره لا بما أنه كتاب سماوي جاء من جانبه سبحانه إذ المفروض أنه بعد لم تثبت المسائل المتقدمة عليه ، فكيف يمكن أن يتخذ حجة ، بل بما أن كلامه مشتمل على برهان يكفي في إثبات المطلوب سواء أكان ذلك البرهان بصفة كلامه تعالى أو لا . ولأجل ذلك نعرف القرآن بصفة الإِستلهام ، فكأنه بمنزلة المعلم يأخذ بيَدَيّ متعلمه ويرشده إلى آماله .

وموقفهما في مجال الإِستدلال موقف من ثبت حجية قوله وصدق كلامه ، فيخبر عن موضوعات غيبيّة نأخذ قوله وإن لم نعرف برهانه ، ولكن بما أنَّ قوله أحد الحجج فهو كاف في الأخذ به وإن لم يعلم تفصيل برهان قوله كما هو الحال في إخباراتهما بعد ما ثبت حجيتهما .

تقييم جهود المؤلف

هذا ما يرجع إلى المحاضر ، وهناك فضل كبير يرجع إلى مؤلفنا الفاضل المحقق الشيخ حسن محمد مكي العاملي ـ دامت تأييداته ـ فقد قام بسعي بالغ وهمة عالية بضبط هذه المحاضرات ضبطاً دقيقاً ، وإخراجها بهذه الحلّة القشبية ، والثوب النقي الفضفاض ، وصبّها في قوالب رصينة ، رائعة الأسلوب ، فائقة النظام ، خالية عن التعقيد والإِبهام ، تعلو عليها جودة السرد ، وحسن السبك ، ورصانة البيان . فحيّاه الله ، وجزاه خير الجزاء ،

١٦

على هذا المجهود الجبار الذي أرجو من فضله تعالى أن يبقى ، مدى الأجيال ، ذكراً مذكوراً ، وعملاً مبروراً وسعياً مشكوراً .

وقد أشرفت على جميع ما حبّرته يراعته ، إشرافاً تاماً إلَّا ما زاغ عنه البصر أو طغى عليه الوهم . وهذا هو الجزء الأول الذي يزفه الطبع إلى طلاب الحقيقة والمعارف ، وأرجو من الله سبحانه أن يوفقه لإِخراج الجزء الثاني الذي يشتمل على مباحث هامة في الوحي والنبوة والإِمامة والخلافة وحشر الإِنسان في المعاد . حتى تتم سلسلة المباحث في جزئين ، وسيكون محور الدراسة التخصصية في المراحل العليا في جامعة العلوم الإِسلامية بـ « قم المقدسة » .

ومؤلفنا المكرّم قد سبق أقرانه بسبق غير منكور ، وسعي مشكور وقد كتب من أبحاثنا الفقهية والأصولية شيئاً كثيراً قابلاً للذكر ، وبعضها جاهز للطبع . وهو ثمرة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وهو حفيد الشهيد السعيد إمام الفقه الشيخ ( محمد بن مكي العاملي الشهير بالشهيد الأول ) ، ( رضوان الله عليه ) الذي استشهد بيد الجور والعدوان في بلاد الشام عام ( ٧٨٦ هـ ) . فجزى الله الوالد والولد البارّ أحسن الجزاء إنه خير مأمول وغاية مرجو ، ونحن على ثقة أنَّ المحاضر والمؤلف يلقيان بعض ما يلقاه كل مخلص للحق ، ومدافع عن الحقيقة ، والله من وراء القصد ، وله الحمد أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً .

حرّره ظهيرة يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك من شهور عام ١٤٠٨ هـ . ق .

جعفر السبحاني

١٧

١٨

كلمة المؤلف :

بسم الله الرحمن الرّحيم

والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى الأصفياء من عترته والمنتجبين من صحبه .

قد اشتدت حاجة الأوساط الإِسلامية العامة والخاصّة ـ أعني العرفيّة والعلميّة ـ إلى تنقيح المطالب الأصولية التي تُبنى عليها العقيدة الإِسلامية ، وتخليصها عن الشوائب ، بعد أن تشتّتت فيها الآراء بتشعب الميولات والأهواء ، وكاد الحق في مسائل عقائد الدين أن يندثر ، ومناراته أن تنطفىء ، إلّا في صدور الخاصة من حملته ووعاته ، الذين جرّدوا أنفسهم عن الأهواء ، ونفضوا أيديهم عن دراهم الأمراء .

وسدّاً لهذا الفراغ المخيف ، شدّ سماحة العلامة شيخنا الأستاذ جعفر السبحاني التبريزي ، دام حفظه وعلا سؤدده ، ساعد الجد ، فأسدل على الراحة ستارها ، وجهّز لعُلى الـمــُنى رِحالها ، وثابـَر أعواماً تُعَدّ بالعقود ، ترك فيها المرغوب للنفس والمنشود ، حتى أدرك ما في أبيات الزبر مسطور فناله ، وغاص وراء كل مستور فطاله .

١٩

ثم أفاض زبدة ما استنهل من معين كتاب الله وسنّة نبيّه وعترته الهادية ، وقواعد الفلسفة والحكمة المتعالية ، فتلقيت ذلك ـ بفضل الله سبحانه ومنّه عليّ ـ بملء وعيي ، وبذلت في ضبط مطالبه وسعي ، حتى خرج بين يديك سِفراً كالزُّهرة في السماء نوراً ، وجُدَيّ في السَّناء علوّاً . كتابٌ جامع لأسّ المطالب العقائدية وفروعها ، يحل المعضلات ، ويدفع الشبهات ، عميق الفكرة ، رصين العبارة وواضحها ، دقيق التبويب والتحديد .

فاللّه سبحانه هو المسؤول أن يتقبل منّا هذا العمل ويُعمّ به النفع لأبناء جيلنا والأجيال الآتية ، ويكون نبراساً للحق ومناراً للهداية بمنّه وفضله وكرمه . وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .

حسن محمد مكي

رابع شوال المكرم ١٤٠٨ هـ . ق

قم المشرفة

٢٠