🚘

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة - ج ١

سلطان محمّد الجنابذي [ سلطان علي شاه ]

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة - ج ١

المؤلف:

سلطان محمّد الجنابذي [ سلطان علي شاه ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٣١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

هو الملهم للصّواب ، والمتجلّى في كلّ خطاب ، وهو حسبي ونعم الوكيل

الحمد لله الّذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، قيّما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشّر المؤمنين ، الّذين يعملون الصّالحات انّ لهم أجرا حسنا ، الّذى تجلّى بذاته على ذاته فتنزّه عن مجانسة مخلوقاته ، وتجلّى بأسمائه وصفاته على سائر مصنوعاته فصار بذلك التّجلّى حقائق متجلّياته ، بعد فلا يرى وقرب فشهد النّجوى ، تبارك وتعالى ، والصّلوة والسّلام على ملائكته وأنبيائه ورسله خصوصا على من أنزل عليه القرآن ، الّذى هو مجمع البحرين للوجوب والإمكان ، ومجمع البيان لكلّ ذكر وكتاب وتبيان ، الصّافى عن كلّ مين وخلف وارتياب ، والوافي بكلّ وعد في خير وصواب ، والشّافى لكلّ مرض وعناء في النّفوس والأجسام ، والكافي للبصير عن كلّ كتاب وخطاب وكلام ، وعلى خلفائه الرّاشدين وأصحابه المهديّين وأهل بيته الطّاهرين لا سيّما ابن عمّه ووارث علمه وأولاده المعصومين.

وبعد

فيقول الفقير الى ربّه الغنىّ سلطان محمّد بن حيدر محمّد الجنابذي عفى الله عنهما انّى اشهد الله واشهد ملائكته وأنبيائه ورسله (ع) وجميع خلقه انّى اشهد ان لا اله الّا الله الّذى هو الواحد الأحد الحىّ القدير العليم السّميع البصير المدرك المريد المتكلّم الرّحمن الرّحيم القيّوم المدبّر للأمور المرسل للرسل (ع) المنزل للكتب ، وانّ أنبيائه (ع) ورسله (ع) وأوليائه (ع) وحججه (ع) في أرضه كلّهم حقّ لا افرّق بين أحد من رسله ، وانّ ما جاؤا به من عند ربّهم حقّ وصدق آمنت بهم وبجميع ما جاؤا به ، وانّ محمّدا (ص) خاتم الأنبياء والمرسلين (ع) وأشرف الخلائق أجمعين ، وانّ عترته (ع) بعده أشرف الخلق ، وانّ عليّا (ع) اوّل العترة ووارث علم محمّد (ص) وبعده الأحد عشر من ولده (ع) ، وانّ الحادي عشر منهم غائب قائم منتظر لو لم يبق من الدّنيا الّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وانّ

١

هؤلاء ائمّتى وشفعائي ليوم فقري وفاقتي ، بهم اتوسّل إلى الله وبهم أرجو نجاتي يوم ميعادي ، وانّ شريعة محمّد (ص) ناسخة لجميع الشرائع ، وانّ جميع ما جاء به محمّد (ص) من السّنن والفرائض والسّياسات والعقائد والأخلاق حقّ وصدق ، آمنت بها كلّها مفصّلها ومجملها ، وانّ الموت وسؤال القبر والصّراط والميزان وبعث الخلائق وتطائر الكتب والحساب والجنّة والنّار والمعاد جسمانيّة وروحانية كلّها حقّ وصدق آمنت بها وايقنتها ، وانّ هذه ديني الّذى أدين به ؛ عليها أحيى وعليها أموت وعليها ابعث إنشاء الله ، وانّ القرآن الّذى بين أظهرنا هو الكتاب المنزل على محمّد (ص) حرّف فيه أو لم يحرّف ، وهو دليل رسالته وإجمال شريعته وهو الحبل الممدود من الله لانّه صورة الولاية التّكوينيّة الّتى هي الحبل من الله حقيقة كما انّ العترة وولايتهم هي الحبل من النّاس ، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض ، وانّ القرآن دليل العترة كما قالوا فيه حجّتنا أهل البيت ، كما انّ العترة مبيّنو ـ القرآن فالقرآن امام صامت والعترة قرآن ناطق ، وكما انّ محبّة العالم من العترة وتعظيمه والنّظر اليه والجلوس عنده واستماع قوله وسماعه والتدبّر في أفعاله وأحواله وأخلاقه والتفكر في شؤنه والتّسليم له ولمتشابهات ما منه وتخلية بيت القلب لنزوله بملكوته فيه بملاحظة انّه حبل الله الممدود الى النّاس أو من غير عناد معه من أعظم ـ العبادات كذلك تعظيم القرآن والنّظر في سطوره واستماع كلماته وسماعها والتدبّر في عباراته والتفكّر في إشاراته ولطائفه وتخلية بيت القلب لتجلّى حقائقه واتّباع احكامه وتسليم متشابهاته من أعظم العبادات إذا كان بلحاظ كونه حبلا ممدودا من الله.

وقد ورد في الآيات والاخبار الأمر بالاستماع والإنصات له عند قراءته والتدبّر في آياته واستنباط إشاراته ولطائفه والتّفكر فيها كما ورد ذمّ من أعرض عنه واتّخذه مهجورا ونبذه وراء ظهره ، وذمّ من لا كه بين لحييه ولم يتدبّر ما فيه وذمّ من حفظه وقرأه ولم يعمل بما فيه كمثل الحمار يحمل أسفارا فأولى الأشياء بالخدمة بعد علماء العترة واحقّ الأمور بالنّظر والفكرة هو القرآن.

وقد كنت نشيطا منذ أوان اكتسابى للعلوم وعنفوان شبابي بمطالعة كتب التّفاسير والاخبار ومدارستها ووفّقني الله تعالى لذلك وقد كان يظهر لي بعض الأحيان من إشارات الكتاب وتلويحات الاخبار لطائف ما كنت أجدها في كتاب ولا أسمعها من خطاب فأردت ان اثبتها في وريقات واجعلها نحو تفسير للكتاب لتكون تذكرة لي ولإخوانى المؤمنين وتنبيها لنفسي ولجملة الغافلين ، راجيا من الله ان يجعلها لي ذخيرة ليوم الدّين ولسان صدق في الآخرين وهو جدير بان يسمّى ببيان السّعادة في مقامات العبادة والمسؤل من النّاظر ان ينظر اليه بنظر الإنصاف لا بعين العناد والاعتساف والحمد لله اوّلا وآخرا والصّلوة على محمّد وآله.

ولنذكر قبل الشّروع في المقصود حقيقة العلم والفرق بينه وبين الجهل المشابه للعلم وشرافة العلم وخساسة هذا الجهل وانّ العلم كلّما ازداد ضعفت الانانيّة ، والجهل كلّما ازداد زاد في الانانيّة ، وانّ العلم لا ينفكّ عن الحيرة والخشية واقتضاء الوحدة والعزلة ، وانّه يلازم العمل ولا ينفكّ منه ، وانّ الإدراك المنفكّ عن العمل هو الجهل المشابه للعلم واستحباب قراءة القرآن والاستماع له وكيفيّة قراءته ومراتب قرّائه وجواز تفسيره وبيان الظّهر والبطن والتنّزيل والتّأويل والمحكم والمتشابه والنّاسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ من القرآن وانّ التّفسير بالرأى الّذى ورد ذمّه هو التّفسير بالإدراكات الجهليّة وانّ التّفسير بالعلم من الحكمة الّتى من أوتيها فقد اوتى خيرا كثيرا ، وانّه مأمور به مندوب اليه ، وانّ تفسير القرآن بتمام مقاماته مختصّ بأهله الّذين نزل عليهم ، وانّ القرآن ذو وجوه وهو مراد بكلّ وجوهه كما انّه ذو بطون ومراد بكلّ بطونه ، وانّه يجوز ان يكون نزوله بالقراءات المختلفة كما يجوز ان يكون اختلافات القراءات من القراء ، وانّ القرآن الّذى

٢

في أيدي النّاس ان لم يكن منقوصا منه بحسب ألفاظه وعباراته كما قيل فهو منقوص منه بحسب وجوهه وإشاراته وبطونه ومقاماته ، وانّ القرآن نزل في الائمّة وفي أعدائهم أو أثلاثا أو أرباعا ولنذكر ذلك في فصول.

الفصل الاول

في حقيقة العلم والجهل المشابه للعلم

اعلم انّ الإنسان بحسب مقام بشريّته واقع بين مدينتي العلم والجهل وعالمي النّور والظّلمة وكلّ ادراك أو شهود يقع له أو حال يطرو عليه من حيث توجّهه الى دار العلم أو بحيث يجعله متوجّها إليها فهو علم. وكلّ ادراك أو شهود أو حال يحصل له من حيث توجّهه الى دار الجهل أو بحيث يجعله متوجّها إليها فهو جهل مشابه للعلم لمشابهته للعلم في أصل الإدراك ، ويسمّى جهلا مركّبا في مقابل الجهل الساذج الّذى هو عدم الإدراك ممّن شأنه الإدراك لتركّبه من الإدراك ، وعدم ادراك الجهة العلميّة من المدرك ، أو لتركّبه من عدم ادراك الجهة العلميّة وعدم ادراك عدم ذلك الإدراك ويسمّى داء عياء أيضا لعجز اطبّاء النفوس عن علاجها ، لانّ المعالج يعالج من يجد أو يظنّ بنفسه المرض ويسلّم نفسه للطّبيب وينقاد لأمره وهذا المريض يظنّ بنفسه الصّحة ويتأنّف عن الطّبيب ولا ينقاد لأمره ولمكان هذا الجهل المشابه للعلم صحّ إثبات العلم ونفيه من موضوع واحد كما سيجيء في سورة البقرة عند قوله (لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) وسيجيء تحقيق تامّ للعلم والجهل عند تلك الاية إنشاء الله. وعلامة العلم انّه كلّما ازداد نقص من الانانيّة حتّى يفنيها بالكلّية ، وعلامة هذا الجهل انّه كلّما ازداد زاد في الانانيّة ورؤية النّفس والاعجاب بها حتّى لا يبقى في الإنسان من التّسليم الّذى هو من صفات الإنسان شيء ، وانّ العلم لا يجتمع مع الأغراض الدّنيويّة بل يفنيها ، وانّ الجهل كلّما زاد زاد الأغراض وكلّما ازداد الأغراض ازداد الإنسان في طلبه حتّى انّه يتحمّل المتاعب طول اللّيل والنّهار بإدامة المدارسة والتّكرار وقطع الفيافي والبحار ومقاساة المكاره في الاسفار وإلقاء النّفس في المهالك والاخطار كلّ ذلك بتوهّم التوسّل بتلك الجهالات الى المناصب الدّانيّة والاعراض الفانية والتّصرّف في الأوقاف واموال الغيّاب والأيتام والتّقرّب الى السّلاطين والحكّام والتبسّط في البلاد والتسلّط على العباد وهذا العلم المسمّى بالجهل لا يزيد صاحبه الا البعد من الله والقرب من الشّيطان وقوله تعالى (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ). اشارة الى هذا الجهل والغفلة عن هذا العلم يعنى يعلمون من كلّ مدرك جهته الدّنيويّة الجهليّة لكونهم واقعين في طرف الجهل ولا يعلمون منه جهته العلميّة الاخرويّة لعدم وصولهم الى باب مدينة العلم حتّى يصير ادراكهم علميّا اخرويّا أو يدركون المدركات الدّنيويّة ولا يدركون المدركات الاخرويّة ، وما لم يطهّر القلب من هذه الإدراكات الدّنيويّة لم يظهر على القلب نور العلم فانّه نور يقذفه الله في قلب من يشاء ، وفي المرتبة الاولى من ظهور هذا النّور يحصل للإنسان الحيرة والسّكوت والاعراض عن المدركات الدّنيويّة ، وفي المرتبة الثّانية يحصل له حال الاستماع والانقياد وترك العلم الّذى يجعله مستبدّا معجبا بنفسه كما عن الصّادق (ع) انّه قيل لرسول الله (ص) : يا رسول الله ما العلم؟ ـ قال : الإنصات قال : ثمّ مه يا رسول الله؟ ـ قال : الاستماع ، ونعم ما قيل :

دل ز دانشها بشستند اين فريق

زانكه اين دانش نداند اين طريق

دانشى بايد كه اصلش زان سر است

زانكه هر فرعى به اصلش رهبر است

پس چرا علمي بياموزى بمرد

كش ببايد سينه را زان پاك كرد

٣

فالإنسان ما لم يخرج من دار الجهل لم يجز له طلب الإدراكات العلميّة حكمة كانت أو فقها أو غيرهما لتضرّره بها واشتداد جهله منها كما قيل :

بد گهر را علم وفن آموختن

دادن تيغ است دست راهزن

جمله صحرا مار وكژدم پر شود

چونكه جاهل شاه حكم مر شود

چون ملايك گوى لا علم لنا

تا بگيرد دست تو علّمتنا

گر در اين مكتب ندانى تو هجى

همچو احمد پرّى از نور حجى

الفصل الثّانى

في شرافة هذا العلم وخساسة الجهل

قد علم ممّا ذكر شرافة العلم وكفى في شرافته انّه المايز بين الإنسان وساير الحيوان وانّ الإنسان أشرف من كلّ حيوان بل من كلّ موجود سوى الرّحمن ؛ وقوله تعالى (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) اشارة الى شرافته لذكره الامتنان بتعليم البيان بعد خلق الإنسان وقوله (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) يبيّن شرافته بل نقول شرافته فطريّة لتقديم كلّ ذي صنعة الا علم في صنعته على نفسه لشهادة فطرته بتقدّمه وشرافته ولشرافة هذا العلم يكرم من لا خبرة له صاحبي الجهل المشابه للعلم لظنّهم انّ جهلهم علم ويقبلون منهم ويقبلون عليهم ، ولو لا هذه الشّرافة للعلم وتلك المشابهة لكانوا يفرّون منهم فرار الضّأن من السّرحان ، ولشرافته ورد بطرق مختلفة وألفاظ متوافقة ومتخالفة انّ : طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة وورد : انّ الله يحبّ بغاة العلم ، وانّ من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنّة ، وانّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به ، وانّه ليستغفر لطالب العلم من في السّماء ومن في الأرض حتّى الحوت في البحر ، وانّ من خرج من بيته يلتمس بابا من العلم وينتفع قلبه ويعلّمه غيره كتب الله له بكلّ خطوة عبادة الف سنة صيامها وقيامها وحفّته الملائكة بأجنحتها وصلّى عليه طيور السّماء وحيتان البحر ودواب البرّ وأنزله الله بمنزلة سبعين صدّيقا ، وانّ العلماء ورثة الأنبياء ، وانّ من تعلّم العلم وعمل به وعلّم لله دعا في ملكوت السّماء عظيما ، وانّ محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابيّ ، وانّ النّاس عالم ومتعلّم وغثاء ، وورد اغد عالما أو متعلّما أو احبّ أهل العلم ولا تكن رابعا فتهلك ببغضهم ، وانّه لا خير في العيش الّا لرجلين عالم مطاع أو مستمع واع ، وانّ عالما ينتفع بعلمه أفضل من سبعين الف عابد ، والسرّ في ذلك كلّه انّ جهات الشّرف مجتمعة في العلم لانّ شرف الأوصاف امّا بشرف محالّها ومحلّ العلم بعد الله والملائكة نفس الإنسان من جهتها الروحانيّة لا من جهتها الحيوانيّة ولا شكّ انّ نفس الإنسان أشرف النّفوس وجهتها الرّوحانية أشرف جهاتها ، أو بشرف موصوفاتها والموصوف بالعلم هو الحقّ الاوّل ثمّ الملائكة ثمّ الإنسان الّذى هو أشرف الموجودات ، أو بشرف غاياتها وغاية العلم غاية الإنسان وهو الحشر الى الرّحمن ولا غاية أشرف منه ، أو بشرف لوازمها ولوازم العلم الخلاص من أسر النّفس وشهواتها وغضباتها وحيلها الشّيطانيّة والخشية والخشوع والرّاحة والسّرور والالتذاذ بمناجاة الله والمحادثة مع ملائكة الله بل مع الله والتّشبّه بالإله في الاحاطة بما سواه وكلّما ذكر من جهات الشّرافة للعلم فأضدادها الّتى هي جهات الخساسة ثابتة للجهل المشابه للعلم بحكم المقابلة ، وهذا الجاهل هو العالم التّارك لعلمه اى للجهة العلميّة من مدركاته ، وانّ أهل النّار ليتأذّون من ريح العالم التّارك لعلمه ، وانّ اشدّ أهل النّار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا الى الله تعالى فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنّة وأدخل الدّاعى النّار

٤

بتركه علمه واتّباعه الهوى وطول الأمل. ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال العلم علمان فعلم في القلب ؛ اشارة الى الجهة العلميّة من المدركات فذلك النّافع ، وعلم على اللّسان ؛ اشارة الى الجهة الجهليّة فذاك حجّة الله على ابن آدم ، ولشرافة الجهة العلميّة ولطافتها وسرعة اختفائها تحت الجهة الجهليّة من المدركات أمروا بدقّة النظر في العلم وفيمن يؤخذ منه فانّ المدركات إذا أخذت من صاحبي الجهل لا يستنير صاحبها بنور العلم ولا يظهر له جهتها العلميّة فانّ من أخذ العلم من اهله وعمل به نجا ؛ كما في الخبر ، ويفيد بمفهومه انّ من لم يأخذه من اهله أو لم يعمل به لم ينج. وقال الباقر (ع) في بيان قوله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) علمه الّذى يأخذه عمّن يأخذه ، والاخبار في أخذ العلم من اهله والاحتراز من اخذه من غير اهله كثيرة فانّ المدركات يمكن أخذها من الصّحف ومن الرّجال عالمين كانوا أم جاهلين بالجهل المشابه للعلم ؛ كافرين كانوا أم مؤمنين ، لكن الاتّصاف بجهتها العلميّة لا يحصل الّا إذا أخذ المدركات ممّن كان متّصفا بجهتها العلميّة.

قال البارع في العلم العلّامة الحلّى رضوان الله عليه في اوّل تحريره : ولكلّ علم اسرار لا يطّلع عليها من الكتب فيجب اخذه من العلماء ولهذا قال (ع): خذ العلم من أفواه الرّجال ، ونهى عن الأخذ ممّن أخذ علمه من الدّفاتر فقال (ع): لا يغرنّكم الصّحفيون. وقيل للباقر (ع) انّ من عندنا يزعمون انّ قول الله (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) انّهم اليهود والنّصارى قال إذا يدعونكم الى دينهم. والحاصل انّ النفوس البشريّة خلقت قابلة سريعة التأثّر كالمرآة الصّافية القابلة للصّور فاذا أخذت المدركات من صاحبي الجهل تكيّفت بجهلهم ولم تدرك من المدركات إلا الجهة الجهليّة ، وإذا أخذت المدركات من صاحبي العلم تكيّفت بكيفيّة علمهم ولم تدرك من المدركات الّا الجهة العلميّة منها ، فالحذر الحذر عباد الله من الجهّال المتلبّسين بلباس أهل العلم المتشبّهين في مدركاتهم باهل العلم.

وقد ذكر في الاخبار علامات وآثار كثيرة للعلم والجهل وللعلماء الحقّة وللعلماء السّوء وللعالم والمتكلّف ولطلب العلم للدّنيا ولطلبه للآخرة وللعلم الدّنيوىّ وللعلم الاخروىّ فلينظر العالم والمتعلّم الى الاخبار ولينظر الى علومهما وتعلّماتهما وانّها من اىّ صنف ؛ فان كانت من قسم الجهالات والعلوم الدّنيويّة فليتضرّعا الى الله وليسئلا منه ان يطهّر قلوبهما منها. وان كانت من قسم العلوم فليبتهلا الى الله ان يزيدها ولا يسلبها منهما ، ولينظر المتعلّم الى من يأخذ العلم منه حتّى لا يشتبه الأمر عليه ويأخذ المدركات من جاهل بظنّ انّه عالم.

الفصل الثّالث

في انّ العلم كلّما ازداد ضعفت الانانيّة ، والجهل كلّما ازداد زادت الانانيّة

اعلم انّ الإنسان واقع بين داري الرّحمن والشّيطان ، ولنفسه وجه الى الله ويقال له وجه الرّبّ ووجه الى الشّيطان ويقال له وجه النّفس اى انانيّته ، ولا يكون رؤية الوجود من النّفس ونسبته إليها الّا بهذا الوجه وهذان الوجهان للنّفس هما الاخرة والدّنيا اللّتان هما الضرّتان والإقبال الى كلّ إضرار بالأخرى وهما العقل والجهل في العالم الصّغير ويطلق العقل والجهل على مدركاتهما أيضا ، وسعة كلّ من الوجهين بزيادة مدركاته وسعتها لانّ فعليّة الإنسان بفعليّة مدركاته كما قيل :

اى برادر تو همين انديشه اى

ما بقي تو استخوان وريشه ئى

گر گل است انديشه تو گلشنى

وربود خارى تو هيمه گلخنى

فكلّما ازداد المدركات الجهليّة ازدادت الانانيّة وضعفت الوجهة الربّانيّة ، وكلّما ازداد المدركات

٥

العقلانيّة قويت الوجهة الربّانيّة وضعفت الوجهة الجهلانيّة والانانيّة ، وكلّما ازدادت الجهالات في الإنسان ازداد فيه تصرّف الشيّطان بل لا يكون تلك المدركات الّا بامداد الشّيطان وإفاضته فهي في الحقيقة فضلاته على وجه النّفس ونعم ما قال مولانا بهاء الملة والدّين :

اين خيالات محال واين صور

فضله شيطان بود بر آن حجر

شرم بادت زانكه داري اى دغل

سنگ استنجاى شيطان در بغل

فالإنسان ان لم يكن ذا وجه الى الرّبّ كان لا محالة ذا وجه الى الشّيطان وكان صفحة نفسه بتصرّف الشّيطان فيلقى عليها ما يشاء بحسب استعدادها كما قال شيخنا البهائى أيضا رضوان الله عليه:

تو بغير علم عشق ار دل نهى

سنگ استنجا بشيطان مى دهى

دل كه فارغ شد ز مهر آن نگار

سنگ استنجاى شيطانش شمار

ففرّوا الى الله واصرفوا وجوهكم من الشّيطان وطهّروا قلوبكم من وساوسه :

فاغسلوا يا قوم عن لوح الفؤاد

كلّ علم ليس ينجى في المعاد

وانظروا الى مكتسباتكم من الصنائع العلميّة فان كانت تزيد في استكباركم ومماراتكم فاعلموا انّها من فضلات الشّيطان وفي الخبر في الفرق بين طالبي المدركات الجهليّة والمدركات العلميّة : انّ طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم ؛ صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل. فجعل صاحب وجهة النفس الشيطانية صنفين باعتبار قوّتيه الدّركة والعمّالة ، وجعل غاية طلب العلم باعتبار القوّة الشّيطانيّة الدّراكة الجهل يعنى نفس المدركات الجهليّة ، أو استكمال وجه النّفس الّذى يلي الشّيطان ولوازمها الّتى هي الاستكبار ورؤية النّفس والاعجاب بمدركاتها وتحقير الغير ، وعبّر عن ذلك كلّه بالمماراة ؛ وجعل غاية طلب العلم باعتبار القوّة العمّالة المنشعبة الى السّبعيّة والبهيميّة الاستطالة الّتى هي من لوازم السبعيّة والختل اى التّملّق الّذى هو من لوازم البهيميّة ، وجعل غايته باعتبار الوجه الالهىّ الفقه اى اشتداد الإدراك والانتقال من مدرك الى مدرك آخر ، والعقل اى نفس المدركات أو استكمال وجه النّفس الّذى يلي الرّحمن.

الفصل الرّابع

في تلازم العلم والعمل واقتضاء العلم الحيرة والخشية والعزلة

اعلم انّ العلم كما علم عبارة عن المدركات الحاصلة للإنسان من حيث وجهته الالهيّة وصفحته الاخرويّة وهي تنقسم الى عقائد عقلانيّة وأخلاق نفسانيّة واعمال جسمانيّة الّتى أشير إليها في الحديث النّبوى (ص) بقوله : انّما العلم ثلاثة ؛ آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة ، والعقائد العقليّة إذا حصلت من حيث كونها علوما وحيث كون الإنسان في دار العلم كانت مرائى للمعتقدات بحيث يجد المعتقد ذوق معتقداته في اعتقاداته ويلتذّ بها ويشتدّ في ذلك الوجدان والالتذاذ حتّى يشاهدها ، ولإراءتها المعتقدات بحسب الذّوق والوجدان والشهود والعيان سمّاها الرسول (ص) آية ، ولعدم انفكاك المعتقدات عنها كما ذكر سمّاها محكمة وهذا الوجدان والشّهود هو عمل القلب فلو تخلّى الاعتقادات عن المعتقدات كما ذكر لم تكن علوما حاصلة للإنسان من حيث كونه في دار العلم ولا فائضة من الله بل كانت جهالات ملقاة على النّفس من الشّيطان سواء سميّت خطوات الشيّطان أو فضلاته ، والأخلاق النفسيّة إذا أدركت من حيث كون الإنسان في دار العلم لم يكن إدراكها الّا إدراكها الّا بنحو الجزئيّة وبنحو المعرفة لا بنحو الكليّة ومعرفة الرّذائل بنحو الجزئيّة عبارة عن مشاهدتها في وجوده ، ومن شاهد الرّذائل ومضرّتها في وجوده انزجر منها وكان فكره تطهير نفسه منها وهذا هو عمل هذا العلم ، ومن شاهد الخصائل

٦

وبهجاتها ولذّاتها طلب الاتّصاف بها وهذا عمل هذا العلم ، وباعتبار هذا الشّهود والاتّصاف سمّاها الرسول (ص) فريضة وعادلة فانّ الفرض عينا هو هذا الاتّصاف والعادلة بين طرفي الإفراط والتّفريط هي أعيان هذه الصّفات ، وامّا العلم بالرذائل والخصائل بنحو الكليّة منفكا عن شهودها بنحو الجزئيّة فانّه من الجهالات ولم يكن فرضا ولا عادلا وكان منفكا عن العمل وكان من فضلات الشّيطان ، والأعمال القالبيّة إذا أخذت من صادق ؛ وعلم الآخذ صدق من أخذها منه وصدق وعد الأجر على فعلها ووعيد العقوبة على تركها ولم يستر هذا العلم أو لم يغلب مقتضى النّفس على مقتضاه لا يمكنه ترك العمل بها وباعتبار هذا العمل سمّاه سنّة فان السيّرة والسنّة هي الأعمال الّتى اتّفق جماعة عليها أو صارت شيمة للشخص ، وباعتبار أخذها من أهلها واتّصالها بالأعمال القلبيّة وبصاحب الأعمال القلبيّة سمّاها قائمة ، وإذا لم يؤخذ هذا العلم من اهله أو لم يكن اخذه من حيث كون الأخذ في دار العلم أو غلب على مقتضاه مقتضى النّفس لم يكن علما وصار منفكّا عن العمل أو عن كون العمل قائما متّصلا بالقلب وكان ذلك العلم جهلا وكان من فضلات الشّيطان ؛ ولذلك ورد عنهم (ع) في اخبار كثيرة التّصريح والاشارة الى تلازم العلم والعمل ؛ فعن ابى عبد الله (ع) في بيان قوله تعالى (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) : يعنى بالعلماء من صدّق قوله فعله ومن لم يصدّق قوله فعله فليس بعالم ، وعنه (ع) انّ العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم والعلم يهتف بالعمل فان أجابه وإلا ارتحل عنه. وعنه (ع) لا يقبل الله عملا الّا بمعرفة ولا معرفة الّا بعمل فمن عرف دلّته المعرفة على العمل ومن لم يعمل فلا معرفة له ؛ الا انّ الايمان بعضه من بعض. ومن هذا يعلم انّ العلم كما لا ينفكّ عن العمل لا ينفكّ عن الاشتداد والازدياد في جانب الآخرة لانّ من عرف وأدرك من الصّفات الالهيّة ما يبتهج ويلتذّ بإدراكه اشتاق الى ازدياد الإدراك والابتهاج ومن اشتاق الى شيء طلبه ، ومن طلب شيئا وجده ، ومن عرف شيئا من الرذائل أو الخصائل اشتدّ فراره عن الرّذائل وطلبه للخصائل ، وكلّما ازداد فراره من الرّذائل واتّصافه بالخصائل ازداد استبصاره بآفاتها ولذّاتها ، ومن عرف الأمر الإلهي وانّ امتثال امره ونهيه يزيد في علومه العقليّة والنفسيّة امتثل ، ومن امتثل ازداد علومه المذكورة وسيجيء بسط وتحقيق لهذا المطلب في سورة البقرة عند قوله تعالى (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.) وصاحب هذا العلم هو الّذى يكون ذا كأبة وحزن من عدم مراعاته لعلمه وعدم وصوله الى معلومه كما يريد فانّ هذا العالم يحزنه ترك الرّعاية كما انّ صاحب الجهل يعجبه حفظ الرّواية ، ويكون ذا سهر اشتياقا الى مطلوبه يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شانه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه ، ومتحيرا في امره لتجاذب علمه وجهله ، وهو الشكور الرّؤوف الرّحيم الرّفيق الحليم الصّبور الخاشع الخاضع المتواضع المستسلم القنوع الغنىّ الودود البارّ الوصول الحىّ النّظيف الظّريف الطّريف فاحذر يا أخي من العالم العامل بغيره والزم العالم العامل بعلمه وكن متواضعا له.

خاك شو مردان حق را زير پا

خاك بر فرق حسد كن همچو ما

الفصل الخامس

في فضل قراءة القرآن وفضل التّوسّل به باىّ نحو كان

اعلم انّ القرآن كما سلف الاشارة اليه قرين العترة وهما الحبلان الممدودان من الله الى الخلق ، وانّ التّوسّل بالعترة بأىّ نحو كان من الخدمة وقضاء الحاجة والتّوقير والمحبّة لهم والنّظر إليهم والجلوس عندهم والانس بهم والتأمّل في شؤنهم والتدبّر في أفعالهم والاستماع الى أقوالهم وسماع اسمائهم ومناقبهم وأحوالهم وتذكّر شمائلهم واوصافهم من غير عناد معهم عبادة بل كانت من أعظم العبادات ومن أسباب دخول الجنّات

٧

كذلك النّظر الى سطور القرآن والاستماع الى حروفه وقراءة كلماته وكتابه سوره وآياته وتعظيمه وتوقير قاريه وتصوّر مفاهيمه وتدبّر معانيه والنّظر في إشاراته والالتذاذ بلطائفه وامتثال أوامره ونواهيه والاعتبار بحكاياته وأمثاله والّا تعاظ بمواعظه ونصائحه عبادة بل كانت من أعظم العبادات وكفى في فضل التوسّل به قوله تعالى (إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وعن علىّ بن الحسين (ع) وجعفر بن محمّد (ع) انّهما قالا من استمع حرفا من كتاب الله تعالى من غير قراءة كتب الله تعالى له به حسنة ومحا عنه سيّئة ورفع له درجة ، ومن قرء نظرا من غير صوت كتب الله له بكلّ حرف حسنة ومحا عنه سيّئة ورفع له درجة ، ومن تعلّم منه حرفا ظاهرا كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيّئات ورفع له عشر درجات ؛ قال لا أقوال بكلّ آية ولكن بكلّ حرف ؛ باء أو ياء أو شبههما قال ومن قرأ حرفا وهو جالس في صلوته كتب الله له خمسين حسنة ومحا عنه خمسين سيّئة ورفع له خمسين درجة ، ومن قرأ حرفا وهو قائم في صلوته كتب الله له مائة حسنة ومحا عنه مائة سيّئة ورفع له مائة درجة ، ومن ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرّة أو معجّلة. قال الرّاوى قلت جعلت فداك ختمه كلّه قال ختمه كلّه. واسحق بن عمّار عن ابى عبد الله (ع) قال قلت له جعلت فداك انّى احفظ القرآن عن ظهر قلبي فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل أو انظر في المصحف فقال لي بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل اما علمت انّ النّظر في المصحف عبادة. ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال أفضل العبادات قراءة القرآن وعنه (ص) القرآن مأدبة الله تعالى فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم ، انّ هذا القرآن حبل الله وهو النّور المبين والشّفاء النافع عصمة لمن تمسّك به ونجاة لمن تبعه لا يعوجّ فيتقوّم ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرّدّ فاتلوه فانّ الله يأجر كم على تلاوته بكلّ حرف عشر حسنات ، اما انّى لا أقول الم عشر ولكن أقول الف عشر ولام عشر وميم عشر. وعن ابى عبد الله (ع) انّ القرآن عهد الله الى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم ان ينظر في عهده وان يقرأ في كلّ يوم خمسين آية. وعن النّبى (ص) انّه قال نوّروا بيوتكم بتلاوة القرآن ولا تتّخذوها قبورا كما فعلت اليهود والنّصارى صلّوا في الكنائس والبيع وعطّلوا بيوتهم فانّ البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره واتّسع اهله وأضاء لأهل السّماء كما تضيء نجوم السّماء لأهل الدّنيا. وعن السّجاد (ع) انّه قال ، قال رسول الله (ص) من أعطاه الله القرآن فرأى انّ أحدا اعطى أفضل ممّا أعطى فقد صغّر عظيما وعظّم صغيرا.

الفصل السّادس

في آداب القراءة وكيفيّتها ومراتب القرّاء

اعلم انّ الكلام نحو ظهور للمتكلّم بشأنه الّذى هو فيه حين التكلّم ألا ترى انّ الإنسان حين الغضب لو اجهد نفسه في إخفاء غضبه يظهر لا محالة غضبه في كلامه ، وانّ كلام كلّ متكلّم مناسب لمقامه لا لمقام السّامع ولذلك لا يمكن للبشر من حيث بشريّته استماع كلام الملك أو الجنّ ولو سمع هلك أو جنّ أو غشي عليه أو تضرّر بوجه آخر ، وانّ كلام الله تعالى لو ظهر في مقام إطلاقه لما قام له شيء من خلقه ولفنى الكلّ في كلامه لكنّه تعالى لغاية رحمته وكمال رأفته لخلقه نزّل أسمائه وصفاته وكلامه من مقام الإطلاق وألبسها ألبسة التعيّنات فصارت في مقام الأرواح العالية موافقة لها ، وفي مقام الأرواح المضافة مرافقة لها ، وفي مقام الأشباح العالية النّورية والسّافلة الظلمانيّة مطابقة لها ، وفي مقام الإنسان ظاهرة بلباس الأصوات والعبارة والحروف والكتابة لتناسب اصماخهم وأبصارهم كما أشار اليه المولوى بقوله :

٨

مقدمة التّفسير

خود طواف آنكه أو شه بين بود

فوق قهر ولطف وكفر ودين بود

زان نيامد يك عبارت در جهان

بس نهانست ونهانست ونهان

زانكه اين أسماء وألفاظ حميد

از گلابه آدمي آمد پديد

علّم الأسماء بد آدم را امام

ليك نى اندر لباس عين ولام

چون نهاد آن آب وگل بر سر كلاه

گشت آن أسماء جانى رو سياه

كه نقاب حرف دم در خود كشيد

تا شود بر آب وگل معنى پديد

فعلى هذا كان القران بنقوشه وألفاظه ظهورا للحقّ الاوّل تعالى بأسمائه وصفاته في كلامه وخطابه رأفة بعباده وعليهم ان يعظّموه ويطهّروا ظواهرهم عند قراءته من الأنجاس والاخباث وممّا لا يرتضيه الانظار ، وبواطنهم من الاحداث بالغسل والغسل أو الوضوء أو التيمّم ، ونفوسهم من الانانيّة الّتى هي ظهور الشّيطان ومختفى فضلاته بالتّواضع تحت كبرياء الرّحمن والخشوع تحت عظمته الظاهرة في كلامه ، وان يتحزّنوا لقراءته وسماعه ، ويرقّ نفوسهم عنده ويبكوا ويزيدوا خشوعا ، وقوله تعالى (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) بالاخبار للاشعار بانّه لا ينبغي مسيس نقوشه وحروفه الّا بطهارة الظّاهر من الاخباث والاحداث ، ولا يمكن مسيس باطنه ومقصوده ولا الاتّصال بلطائفه وحقائقه ولا استفاضة علومه وبركاته الّا بطهارة الباطن من الرّذائل والارجاس والشّكوك والرّيبة والوسواس ، ومن العلوم العاديّة والعقائد العاميّة التّقليديّة المأخوذة من النّاس. وقوله (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) في مقام المدح اشارة الى استحباب التّواضع والبكاء والخشوع عند القراءة والاستماع للقرآن وعن الصّادق (ع) انّه قال القران نزل بالحزن فاقرأوه بالحزن وقال الفيض قدس‌سره في تفسير الصّافى وفي مصباح الشّريعة عن الصّادق (ع) انّه قال ، (ع) قال النّبى (ص) لكلّ شيء حلية وحلية القرآن الصّوت الحسن وعنه (ع) انّه قال من قرء القران ولم يخضع له ولم يرقّ عليه ولم يغش حزنا أو وجلا في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله وخسر خسرانا مبينا فقارئ القرآن يحتاج الى ثلاثة أشياء قلب خاشع وبدن فارغ وموضع خال ؛ فاذا خشع لله قلبه فرّ منه الشّيطان الرّحيم ، وإذا تفرّغ نفسه من الأسباب تجرّد قلبه للقراءة فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القران وفوائده ، وإذا اتّخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد ان أتى بالخصلتين الأوليين استأنس روحه وسرّه بالله ووجد حلاوة مخاطبات الله عباده الصّالحين وعلم لطفه بهم ومقام اختصاصه لهم بقبول كراماته وبدائع إشاراته فاذا شرب كأسا من هذا المشرب فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا وعلى ذلك الوقت وقتا بل يؤثره على كلّ طاعة وعبادة لانّ فيه المناجاة مع الرّبّ بلا واسطة فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك ومنشور ولايتك ، وكيف تجيب أوامره ونواهيه ، وكيف تمتثل حدوده فانّه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فرتّله ترتيلا وقف عند وعده ووعيده وتفكّر في أمثاله ومواعظه واحذر ان تقع من إقامتك حروفه في اضاعة حدوده. وعنه (ع) انّه قال والله لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون هذا ما أشير اليه في الاخبار والآيات. لكن نقول لمّا كان الإنسان بمنطوق قوله تعالى (عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) منطويا فيه جميع مراتب الموجودات بالقوّة وله بحسب كلّ مرتبة إذا صارت فيه بالفعل حال وحكم وتكليف ؛ كان له بحسب تلك المراتب أحوال مختلفة تختلف أحكامها ؛ وجملة المراتب منطوية في الشّيطانية والرّحمانيّة والحالة المتوسّطة بينهما لانّه ان كان مسخّرا للشّيطان بحيث لم يبق فيه تصرّف الرّحمن كان مظهرا للشّيطان سواء كان الغالب

٩

عليه البهيميّة بمراتبها أو السبعيّة بمراتبها أو الشّيطنة بمراتبها أو الحالة الحاصلة من تركيبها بمراتبها وكان لسانه ويده وسمعه وبصره الات للشّيطان فكان لا يقرأ القرآن الّا بلسان الشّيطان وهو اللّسان المضاف الى نفسه وانانيّته ولا يكتب ولا يسمع ولا يبصر الّا بيد وسمع وبصر كذلك ؛ وفي حقّ أمثاله ورد قوله تعالى (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ) وقوله (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) يعنى انّ نقوش القرآن وان كانت امرا كلّيا تصدق على كلّ مكتوب منها عند من لا خبرة له بمبادى الأفعال وكيفيّة صدق القرآن على مكتوب البنان لكنّها لا تصدق في نفس الأمر وعند من ينظر الى مبادئ الأفعال الّا على مكتوب يد منسوبة ومسخرّة للرّحمن ، لا على كلّ نقش مشاكل لنقش القرآن صادر من كلّ بنان سواء كانت مسخرّة للشيطان أو الرّحمن وهكذا الحال في قراءة ألفاظ القرآن فانّه لا يكون كلّ ملوىّ باللّسان مشابه للقرآن مصداقا له في نفس الأمر الّا إذا كان مقرّوا بلسان مضاف ومسخرّ للرّحمن لا بلسان مضاف الى نفس القارئ ومسخرّ للشّيطان ، وصاحب هذه الحالة حكم قراءته انّها لا تتجاوز حنجرته بل تكون وبالا عليه وهكذا حكم كتابته واستماعه لآيات القرآن وتكليفه التضرّع الى الله والسؤال منه ان يبصّره آفات ما هو فيه والاستغفار من الله والتّوبة والانابة اليه ولأمثاله قال الأنبياء (ع) اوّل ما قالوا (يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا) اليه وان كان متوسّطا بين الرّحمانيّة والشّيطانيّة كان له بحسب غلبة كلّ من الحالين حال وحكم وتكليف ، وبحسب استواء الحالين فيه له حكم آخر وصاحب هذه الحالة له عناء كثير وحزن طويل لا يسكن الى مقتضياته الحيوانيّة فيلتذّ بها ولا يلتذّ بمقتضياته العقلانيّة فيطمئنّ إليها ؛ وفي حقّه نزل (يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ).

روز وشب در جنگ واندر كشمكش

كرده چاليش اوّلش با آخرش

وقد يغلب عليه الجهل والشيطانيّة فيلتحق في قراءته واستماعه بالصّنف الاوّل ، وقد يغلب عليه الرحمانيّة فيلتحق بالصّنف الآتي وقد يبقى فيه اثر من الشّيطان والرّحمن ، فيكون مشركا في قراءته كرجل فيه شركاء متشاكسون وان كان مسخّرا للرّحمن بحيث لم يبق الانانيّة وللشّيطان في عباداته مداخلة بل يكون عباداته بامره تعالى أو بفعله تعالى بحيث لا يكون الفاعل في وجوده الّا الله تعالى ، كان لهذا الصّنف من المسخّر لله تعالى مراتب ودرجات لانّ منهم من هو محجوب عن الله وعن ملائكته وخلفائه ناظر الى امره الّذى وصل اليه بتوسّط خلفائه فاعل لفعله بامره تعالى لا بأمر نفسه فهو يرى الفعل من نفسه والفاعل نفسه لكن يرى نفسه مسخّرة لأمر الله تعالى لا لانانيّة وللشّيطان ، وكذلك أعضاؤه تكون مسخّرة لأمر الله وان كان يرى اضافتها الى نفسه فهي من حيث الفعل مضافة الى امر الله لا الى نفسه فلا يكون هذا القارى ممّن يلوى الكتاب بلسانه بل بلسان امر الله وهكذا حال النّاظر والمستمع والكاتب للكتاب ، لكن ليس شانه في القرائة الّا حكاية قول الله الصّادر من لسان الرّسول (ص) ، فهو في قراءته حاك عن الرّسول (ص) أو عن جبرئيل أو عن الله ان لم يكن له التفات الى وساطة الرسول (ص). ومنهم من يكون من أهل الشّهود لكن لم يتجاوز شهوده عن مشاهدة خلفاء الله تعالى وملائكته وهذا ان لم يبلغ شهوده الى مقام الحلول أو بلغ لكن لم يبلغ حلول الحالّ الى نحو اتّحاد مع المحلّ ، كان مثل سابقه يرى الفعل من نفسه المسخّرة للمشهود وحكمه مثل حكم سابقه ، والفرق بينه وبين سابقة انّ المشهود ان كان هو الرّسول (ص) أو خليفته (ع) أو ملكا من الملائكة كان القارى حينئذ حاكيا لقول الرّسول أو قول الله وقاريا له على مشهوده لحضوره عند مشهوده ولسانه من حيث القرائة لسان امر الله أوامره مشهوده ان كان المشهود امرا له بالقرائة وان

١٠

بلغ المشهود في الحلول الى نحو اتّحاد مع الشّاهد كان لسان القارى حينئذ لسان المشهود وان كان ينسب الى نفسه أيضا لكنّ انتسابه الى نفسه عين انتسابه الى المشهود وهكذا سمعه وبصره ويده وهذا القارى قد يرى القرائة من نفسه لبقاء نفسيّة له وقد يراها من المشهود وقد يريها من مبدء هو نفسه ومشهوده ، وهكذا الحال في نفس رؤيته القراءة ورؤيته مشهوده وفي سماعه القراءة وفي حقّ هذا الاتّحاد وأواخر مراتب الحلول قيل بالفارسيّة :

از صفاى مى ولطافت جام

درهم آميخت رنگ جام ومدام

همه جام است ونيست گوئى مى

يا مدام است ونيست گوئى جام

وللاشارة الى مراتب الحلول قيل :

انا من أهوى ومن أهوى انا

نحن روحان حللنا بدنا

وللاشارة الى مراتب الاتّحاد قيل :

من كيم ليلى وليلى كيست من

ما يكى روحيم اندر دو بدن

وسيجيء تحقيق مقام الحلول والاتّحاد والوحدة إنشاء الله وقد يترقّى السّالك من مقام التعيّنات ويشاهد فعل الحقّ اى مقام المشيّة مطلقا من جملة التعيّنات خارجا عن وجوده أو حالّا في ملكه أو متّحدا معه فيظنّ انّ الفعل هو الله فيجري عليه كلّ الأحوال الّتى ذكرت حين مشاهدة الرّسول أو الملك ، فيظنّ القارى انّه يقرأ على الله أو يسمع من الله وانّ القارى هو الله وقد يترقّى عن رؤية نفسه في البين فلا يرى الّا المشهود سواء كان المشهود هو الرّسول (ص) أو الحقّ المضاف وحينئذ يكون القارى والسّامع والنّاظر والكاتب هو المشهود وهذا هو مقام الوحدة المشهودة لبعض السّلّاك الّتى لا يجوز التّفوّه بها بعد الافاقة وظهور الكثرات وهذه هي الوحدة الممنوعة والى هذا المقام أشار الشّيخ رحمة الله عليه بقوله :

حلول واتحاد اينجا محال است

كه در وحدت دوئى عين ضلال است

وقيل في حقّه.

آنجا كه توئى چو من نباشد

كس محرم اين سخن نباشد

فينبغي للقارىء المسخّر للشّيطان ان يجهد نفسه في الخروج من تسخير الشّيطان حتّى لا يصير بتعبير قوله تعالى (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ) (الاية) مردودا من باب الرّحمن ، ولذلك امر الله العباد بالاستعاذة من الشّيطان حين قراءة القرآن حتّى لا يصير لسانهم لسان الشّيطان وللقارىء الحاكي ان يتعب نفسه حتّى يخرج من غيبته ويشاهد المحكيّ منه ، وللمشاهد ان يعانى في الخروج من محض المشاهدة حتّى يدخل المشهود في وجوده ويصير حالّا فيه ، ولمن دخل فيه المشهود ان يبالغ في الخروج من الحلول الى الاتّحاد ، وللمتّحد ان يلتذّ حتّى يبقى المشهود وحده ولا يبقى غيره ، وهذا آخر مراتب السّلوك الى الله وهذا أحد وجوه ما ورد في اخبار كثيرة انّه يقال للقارىء القرآن يوم القيامة اقرأ وارق ؛ لانّه ينبغي ان يكون القيامة بانموذجها حاضرة للسّالك ، ونسب الى الصادق (ع) انّه لحقه الغشي في الصّلوة فسئل عنه (ع) فقال : ما زلت اردّد الاية على قلبي وعلى سمعي حتّى سمعتها من المتكلّم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ، وللتنبيه على انّه ينبغي ان يجاهد القارى حتّى يصير لسانه لسان الله ورد الأمر بالتلبية حين قراءة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) اجابة لندائه تعالى بتصورّ استماعه من الله ، وأمر الله بالاستعاذة حين القراءة وورد : كذلك الله ربّى ؛ حين قراءة سورة التّوحيد.

١١

الفصل السّابع

في جواز تفسير آيات القرآن وأخبار المعصومين عليه‌السلام والنّظر فيها والتأمّل في مفاهيمها

والتّفكّر في معانيها والمراد بها والتّدبّر في مقاصدها والغايات المؤوّل إليها واستعلام

تنزيلها واستنباط تأويلها بقدر استعداد المفسّر النّاظر

اعلم انّ الآيات والاخبار الدالّة على مدح التّدبّر في القرآن وذمّ ترك التدبّر ولزوم التوسّل به ولزوم جعله إماما واتّباع أحكامه والاستنارة بنوره والاستضاءة بضيائه وانّه المنجى حين التباس الفتن ، وانّه شفاء عن داء الجهل ، وانّ فيه دليل الامامة وحجّة الائمّة ، وانّه لا تنقضي عجائبه ولا تبلى غرائبه ، وانّه دليل على المعرفة لمن عرف الصفّة ، وانّه الدّليل على خير سبيل ، وانّ فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ، وانّه ينبغي ان يجلو جال بصره ويبلغ الصّفة نظره ، وانّ من التمس الهدى في غيره اضلّه الله ولا يشبع عنه العلماء ، وانّ من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن اعتصم به فقد هدى الى صراط مستقيم ، وانّه هدى من الضّلالة وتبيان من العمى واستقالة من العشرة ونور من الظّلمة ورشد من الغواية وبيان من الفتن ، وانّ من جعله إمامه الّذى يقتدى به ومعوّله الّذى ينتهى اليه ادّاه الله الى جنّات النّعيم ؛ كثيرة ، وكلّها دالّات على جواز النّظر في آيات القرآن والتأمّل في معانيها وتفسيرها وامتثال أوامرها ونواهيها والاعتبار بقصصها وأمثالها واستنباط اشاراتها واستبطان بطونها ولطائفها لمن كان أهلا لها ، وخطابات الله للنّاس عامّة أو خاصّة تدلّ على جواز النّظر والتأمّل لمن يخاطب بتلك الخطابات ، فمنع بعض من النّظر في الآيات وبيان معانيها وتفسيرها ؛ لا يصغي اليه بعد ما ذكر ، ولمّا كان القرآن والاخبار عبارة عن العبارات الدّالّة على مفاهيمها العرفيّة المراد بها المقاصد المخصوصة المشار بها الى لطائفها وحقائقها وكان تفسير الآيات والاخبار عبارة عن ابانة مفاهيم ألفاظها وكشف الغطاء عن مقاصدها والاشارة الى اشاراتها والإيماء الى لطائفها الّتى اتّصف المفسّر بها والتّنبيه على حقائقها والتّصريح بتنزيلها والتّلويح الى تأويلها لانّ الفسر والتّفسير بمعنى الابانة ، والابانة في كلّ شيء تكون بحسبه كان المفسّر محتاجا الى لغة العرب وعلم اعرابها وهيئاتها واشتقاقها ، وعلم البلاغة والمحسّنات الطارية للكلام المذكورة في صناعة البديع ، والاطّلاع على الاخبار الواردة في تفسير الآيات ، والى علم العقائد العقليّة الاصليّة ، والأخلاق النفسيّة الفرضيّة ، والأحكام الجسميّة الفرعيّة ، والعلم بمقاصدها ومعرفة أشاراتها ، والى الاتّصاف بلطائفها المشعر بإمكان التحقّق بحقائقها ، والى العلم بتنزيلها ومعرفة تأويلها بقدر مرتبته ، والى العلم بالمحكم والمتشابه والنّاسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ لانّه ان لم يعلم العلوم الادبيّة كان كثير الخطاء في بيان المفاهيم والمقاصد ، وان لم يطّلع على ما ورد في تفسير الآيات من الاخبار كان كثير الخطاء في بيان التّنزيل والتأويل ، وان لم يعلم العلوم الدّينيّة كان كثير الخطاء في بيان المتشابهات والمجملات ، وان لم يعرف الإشارات ولم يجد اللطائف في وجوده كان تفسيره ناقصا بل تفسيرا بالرّأى الّذى كان تمامه خطاء ، وهكذا الحال في معرفة التأويل ، وان لم يعلم المحكم من المتشابه والنّاسخ من المنسوخ والعامّ من الخاصّ لم يكن على يقين في بيانه وكان كثير الخطاء فيما بيّنه.

١٢

الفصل الثّامن

في الفرق بين الظهر والبطن والتنزيل والتأويل والمحكم والمتشابه

والنّاسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ

اعلم انّ القرآن كلام الحقّ الاوّل تعالى وقد ظهر اوّل ما ظهر مطلقا عن جميع التعيّنات الامكانيّة وبهذا الاعتبار يسمّى بنفس الرّحمن ، ولجواز اتّصافه بجميع التعيّنات لكونه لا بشرط شيء ولا بشرط لا شيء يسمّى بإضافته الاشراقيّة وبمقام كن ، ولظهور الغيب به بنحو الإجمال والبساطة مثل ظهور ما في الصّدور في الكلمات يسمّى بكلمته ، ولاشتماله على جميع الوجودات الامكانيّة بنحو أشرف وأعلى يسمّى بالقرآن وبجمع الجميع ، كان خلقه القرآن ، ولمّا كان القرآن بإطلاقه وكلام الله في اوّل ظهور لا يقوم لسماعه السّموات والسّماويّات ولا الأرض والارضيّات أنزله تعالى عن مقام إطلاقه وحجبه بحجب التعيّنات العقليّة بمراتبها فصار العقول بفعليّاتها ووجوداتها مصاديق القرآن ثم أنزله وحجبه بحجب التعيّنات النفسيّة فصارت النّفوس بفعليّاتها مصاديق له ثم أنزله وحجبه بحجب التعيّنات المقداريّة النّورية فصار عالم المثال بمراتبها مصاديق له ، ثم نزّله وحجبه بحجب التعيّنات الطّبيعيّة فصارت الأجسام الطّبيعيّة مصاديق له ، ثمّ نزّله الى انزل مراتب الوجود وألبسه لباس الصّوت والحروف والكتابة والنّقوش حتّى يطيقه الأذان والأبصار البشريّة فصارت الحروف والنّقوش مصاديق له ، ولكون جميع مراتب الوجود مصاديق للقرآن صار تبيانا لكلّ شيء ولا رطب ولا يابس الّا كان فيه ، إذا عرفت ذلك فاعلم انّ مصاديقه المحسوسة الطّبيعيّة ظهوره ومصاديقه الرّوحانيّة بطونه ، وباعتبار تعدّد المراتب الرّوحانيّة كلّياتها وجزئيّاتها ذكر تعدّد البطون في الاخبار الى سبعين ألفا ، ولمّا كان المنزل فيه لكلّ اية وأمثال المنزل فيه جميعا مصاديقها وكان المنزل فيه أظهر مصاديقها ورد انّ لكلّ ظهر ظهرا ، ولمّا كان كلّ مرتبة من الرّوحانيات بالنّسبة الى دانيتها بطنا ورد انّ لكلّ بطن بطنا ، وتنزيل القرآن ان كان بمعناه المصدري كان عبارة عن جعله صادقا على المصاديق الطّبيعيّة ، وان كان بمعنى المنزل فيه كان عبارة عن نفس تلك المصاديق ، وتأويله عبارة عن ارجاعه الى المصاديق الرّوحانيّة أو عن نفس تلك المصاديق ولمروره على تلك المصاديق حين النّزول سمّى جعله صادقا عليها ارجاعا ، وما ورد في بعض الاخبار من تسمية بعض المصاديق الطّبيعيّة تأويلا اشارة الى انّ تعميم الاية للمنزل فيه المخصوص ولأمثاله الّتى تأتى بعد زمان النّزول لا يكون الّا بإرجاعها عن خصوصيّات الشّخص المنزل فيه الى معنى كلّى يصدق على المنزل فيه وعلى أمثاله ، وهكذا الحال في تسمية المصاديق الطّبيعيّة الّتى هي غير المنزل فيه بطنا وللاشارة الى تفسير التّنزيل والتّأويل ورد انّ تفسير القرآن لا يجوز الّا بالنصّ الصّريح والأثر الصّحيح يعنى انّ معرفة التّنزيل من القرآن محتاجة الى بيان من نزل القرآن في بيوتهم ، ومعرفة تأويله محتاجة الى ان يدرك الإنسان انموذجات المصاديق الرّوحانيّة في وجوده الّتى هي آثار المصاديق الرّوحانيّة أو المقصود انّ بيان التّنزيل والتّأويل لا يجوز الّا بواحد منهما أو بكليهما يعنى لا يجوز التّفسير الّا بإلقاء السّمع والتّقليد المحض أو بالتحقّق بوجدان الآثار في القلب وباعتبار المصاديق الطّبيعيّة والرّوحانيّة وانموذجاتها في وجود الإنسان ورد عن الصّادق (ع) انّ كتاب الله على اربعة أشياء العبارة والاشارة واللّطائف والحقائق ؛ فالعبارة للعوامّ ، والاشارة للخواصّ ، واللّطائف للأولياء (ع) ، والحقائق للأنبياء (ع) فالعبارة عبارة عن العبارات والنّقوش الدّالّة على المفاهيم العرفيّة الصّادقة على المصاديق الحسيّة

١٣

الطّبيعيّة وهذه المرتبة للعوامّ الّذين لا يتجاوز ادراكهم عن المحسوسات بمعنى انّ العوام محصور ادراكهم على هذه المرتبة أو هذه المرتبة بشرط عدم انضمام الإشارات إليها مختصّة بهم والّا فصاحبوا المراتب الاخر يشاركونهم في ادراك هذه المرتبة ويمتازون عنهم بإدراك المراتب الاخر ، والاشارة عبارة عن دلالة المصاديق الحسيّة واشاراتها الى المصاديق الرّوحانيّة واللّطائف الحاصلة في وجود المدرك ، ولا يدرك هذه المرتبة من القران الّا الخواصّ الّذين توجّهوا الى الاخرة واشتغلوا بأنفسهم فتذكّروا النّشأة الاخرى من النّشأة الاولى ؛ وموجودات العالم الصّغير من العالم الكبير ، واللّطائف عبارة عن الرّقائق الّتى يجدها الإنسان في وجوده من انموذجات مصاديق العالم الكبير وهذه المرتبة لأولياء الله الّذين كان لهم قلب من حيث ولايتهم ، والحقائق عبارة عن مصاديق القرآن تماما وهذه المرتبة لمن تحقّق بها أو شاهدها وعاينها وهم الأنبياء من حيث نبوّتهم أو الأولياء (ع) من حيث خلافتهم للأنبياء (ع) فانّ الولي من حيث ولايته لا توجّه له الى الكثرات حتّى يتحقّق بها أو يشاهدها وامّا من حيث خلافته فله شأن النّبى في التّوجّه الى الكثرات والتحقّق بها ومشاهدتها ، وكلّ من له المرتبة العليا فله المرتبة الدّانية دون العكس ، فصاحب الحقائق كان صاحب اللّطائف والإشارات والعبارات اوّلا ثمّ صار صاحب الحقائق ثانيا فقوله تعالى (أَطِيعُوا الرَّسُولَ) لفظ الرّسول (ص) ونقشه المكتوب الدّالّان على إنسان مخصوص مرسل من الله عبارته ، والرّسول الهاشمي الّذى هو المنزل فيه وكلّ من كان مثله تنزيله وظهره ، وهذا الرّسول المنزل فيه ظهر ظهره والتّنزيل منحصر فيه بوجه ، ومن كان مثله من افراد البشر تأويله بوجه كما انّه بطنه بوجه كما سبق ، والأمر بطاعة محمّد (ص) بإيقاع اسم الرّسول عليه واطلاق اسم الرّسول عليه يدلّان على انّ فيه معنى من الله به استحقّ وجوب اطاعة النّاس له ويدلّان على انّ كلّ من كان فيه هذا المعنى سواء كان في العالم الكبير أو في العالم الصّغير وسواء كان في عالم الطّبع أو في عالم الأرواح كان طاعته واجبة وهذه الدّلالة هي اشارة الكتاب ، ومن هذه الدّلالة ينتقل من كان له قلب وسعة في وجوده الى أهل مملكته وانّ فيهم من فيه هذا المعنى كالعقل الّذى هو رسول من الله وكمثال الرّسول المتمثّل عنده الّذى فيه أيضا هذا المعنى ويجد في وجوده وجوب طاعة العقل والرّسول المتمثّل امّا بصريح الأمر أو بعدم إمكان تخلّفه وهذه الّتى يجدها في وجوده هي لطائف الرّسول والأمر بطاعته وحقائق الرّسول والأمر بطاعته ، وطاعته في عالم المثال وعالم النّفوس وعالم العقول وعالم الأسماء حقائقها وتأويلها وبطنها وبطن بطنها ، وكلّ من هذه المعاني والمراتب من حيث نفسه يسمّى حدّا للآية ولحروف القرآن ، ومن حيث كونه دالّا على معنى فوقه يسمّى مطّلعا ، والمحكم في القرآن هو الّذى يكون محكم التّعلّق بحيث لا يزول عمّن تعلّق به ولا يخرج من تعلّقه أحد ، والمتشابه هو الّذى يكون متشابه المتعلّق بمعنى انّ متعلّقه يشبه متعلّق الاية الاخرى أو يشتبه ويلتبس على النّاظر فيه والجاهل لمتعلّقه لاعتبار خصوصيّة من خصوصيّات الإفراد أو الأحوال في تعلّقه فلا يكون عامّ التعلّق ولا محكم التعلّق بحيث لا يزول عمّن تعلّق به فانّ قوله (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) ليس لكلّ مكلّف وليس لمن تعلّق به في كلّ الأحوال بل إذا كان الإنسان في جهنّام النّفس ولا يمكنه العفو عمّن ظلمه امّا من يمكنه العفو عن المسيء ومن خرج من جهنّام النّفس وصار بحال يمكنه العفو عمّن ظلمه فليس له هذا الحكم وهذا ما معنى ورد انّ المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهة ، ومعنى ما ورد انّ المحكم ما يعمل به والمتشابه الّذى يشبه بعضه بعضا ، ومعنى ما ورد فامّا المحكم فنؤمن به ونعمل به وندين به ، وامّا المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به يعنى انّا قدار تفعنا عن مقام المتشابه وطرّو الحالات فما تعلّق بنا لا يزول فكان محكما وما تشابه لا يتعلّق بنا فنؤمن به ولا نعمل به ، وللمحكم والمتشابه معنى أخر وهو الّذى احكم دلالته بحيث لا يتطرّق الاحتمال

١٤

والاشتباه اليه والّذى اشتبه دلالته على مقصوده بدلالته على غير مقصوده وأشير الى كلّ في الاخبار وسيجيء تحقيق تامّ وتفصيل أتمّ للمحكم والمتشابه عند قوله تعالى (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) الاية في سورة ال عمران ، والنّاسخ بالنّسخ الكلّى في القرآن هو الاية الّتى نسخت حكما ثابتا في شريعة اخرى أو في هذه الشّريعة ، والمنسوخ هو الاية الّتي نسخ حكمها الثّابت في الشّريعة والنّاسخ بالنسّخ الجزئى هو الاية الّتى تعلّق حكمها بشخص ورفعت عنه حكما آخر والمنسوخ بهذا النّسخ هو الاية الّتى نسخ حكمها عن هذا الشخص ، ويقال النّاسخ للّتى تعلّقت بشخص والمنسوخ للّتى لم تتعلق بهذا الشّخص ، فالنّاسخ بالنّسخ الجزئى لا يكون الّا في المتشابهات وسيجيء تحقيق واف للنّسخ في سورة البقرة عند قوله (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ، الاية ، والعامّ هو الاية الّتى يكون حكمها عامّا لجميع الأشخاص وجميع الأحوال والخاصّ هو الاية الّتى يكون حكمها خاصّا بشخص دون شخص وبحال دون حال فالعامّ والمحكم بأحد معانيه واحد وكذا الخاصّ والمتشابه ولا يعرف النّاسخ والمنسوخ ولا العامّ والخاصّ بهذا المعنى الّا الخواصّ من أولياء الله (ع) لانّ مصاديق الخاصّات من الآيات والمتشابهات منها والنّاسخات والمنسوخات بهذا المعنى متشابهات ولا يمكن معرفتها الا ببصيرة من الله.

الفصل التّاسع

في تحقيق التّفسير بالرّأى الّذى ورد حرمته ومذمّته في الاخبار

فعن النّبى (ص) انّه قال : من فسّر القران برأيه فأصاب الحقّ فقد اخطأ وعنه (ص) ، من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار ، وعن ابى عبد الله (ع) من فسّر القرآن برأيه ان أصاب لم يوجر وان اخطأ فهو أبعد من السّماء ، وعنه (ع) ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض الّا كفر.

اعلم انّ الإنسان كما سبق واقع بين داري الرّحمن والشّيطان والعقل والجهل والنّور والظلمة فان ظهر بفعليّته المنسوبة الى الشّيطان وهي الفعليّة المنسوبة الى نفسه بظهور انانيّته صار تمام أعضائه ومداركه الات للشّيطان ولنفسه لا للرّحمن ولعقله وكان جملة أفعاله وفعليّاته للشّيطان وكان جميع إدراكاته جهالات وأسبابا لتمكّن الشّيطان منه والبعد من الرّحمن ، والخطاء فعل أو ادراك يكون بتصرف الشّيطان ويصير سببا لتمكّنه في الإنسان فالإنسان الّذى ظهر بفعليّة الشّيطان كلّما أدرك من القرآن كان إدراكاته جهالات الشّيطان وان كان موافقا لمقصود القرآن وان بيّن وفسّر القرآن كان بتحريك الشّيطان فكان خطاء وان كان موافقا وكان تفسيره برأى منسوب اليه لانّ صاحب هذه الفعليّة لا يرى الأفعال والإدراكات الّا من نفسه بظهوره بانانيّته فصحّ ان من فسّر القرآن برأى منسوب الى نفسه وانانيّته فان أصاب الحقّ فقد اخطأ وليتبوّء مقعده من النّار وان أصاب لم يوجر وان ظهر بفعليّته المنسوبة الى العقل وهي فعليّة الرّحمن صار كلّ أعضائه ومداركه الات للعقل والرّحمن وكان جميع أفعاله وفعليّاته للرّحمن وكان جملة إدراكاته علوما ونورا وباعثا لضعف الانانيّة ، وإذا نسبت إليهم كان نسبتها إليهم نسبة الى العقل لانّ نفسيتهم حينئذ تكون مسخّرة للعقل لا للشّيطان ولا تكون انانيّة لهم ، وكلّما نسب الى العقل فعلا كان أو إدراكا كان صوابا ولو لم يكن موافقا فانّ العقل خطاءه صواب بحكم المضادة مع الشّيطان والجهل ولصاحب هذه الفعليّة ورد ما نقل انّ المصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد وفي حق صاحب الفعليّة الشّيطانية قيل بالفارسية.

«هر چه گيرد علّتى علّت شود»

١٥

فانّ الفعليّة الشّيطانيّة مرض فوق جميع الأمراض حتّى قيل انّه داء عياء وفي حقّ صاحب الفعليّة العقلانيّة قيل بالفارسية :

«كفر گيرد ملّتى ملّت شود»

لانّ صاحب الفعليّة العقلانيّة لا يكون الّا مؤمنا بالولاية بايعا مع ولىّ امره ولا يكون سيرة هذا المؤمن الّا الهيّة والسيّرة الالهيّة إذا كانت بتصرف العقل كانت ملّة والمخطئ من الملّى مصاب وله أجر ولذلك ورد عن الصّادق (ع) انّ الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القران وقطب جميع الكتب وعليها يستدير محكم القران وبها نوّهت الكتب ويستبين الايمان. وقد امر رسول الله (ص) ان يقتدى بالقرآن وآل محمّد (ص) الحديث وللاشارة الى الفعليّتين وآثارهما قيل بالفارسيّة :

گفت پيغمبر كه أحمق هر كه هست

أو عدوّ ما وغول ره زنست

هر كه أو عاقل بود أو جان ماست

روح أو وريح أو ريحان ماست

عقل دشنامم دهد من راضيم

زانكه فيضى دارد از فيّاضيم

أحمق ار حلوا نهد اندر لبم

من از آن حلواى أو اندر تبم

مثال ذلك انّ العامل بالتّقيّة كان مصابا ولو لم يكن عمله موافقا لحكم الله في نفس الأمر والتّارك للتّقيّة مخطئ ولو كان عمله موافقا والمأذون من الهنود والقلندرية في الدّعاء والمنطريّات يؤثّر قوله ولو قرء مغلوطا وغير المأذون لا يؤثّر قوله ولو قرء صحيحا فاللّازم للمفسّر بعد تحصيل المقدّمات الّتى ذكرت في الفصول السّابقة ان يفرّ من الشّيطان ويدخل تحت حكم الرّحمن ويسلّم نفسه لأمره تعالى ، فان فسّر بهذه الحالة كان تفسيره حقّا وصوابا وحكمة ونورا رزقنا الله وجميع المؤمنين هذه الحال.

الفصل العاشر

في انّ علم القرآن بتمام مراتبه منحصر في محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصيائه الاثنى عشر

وليس لغيرهم الّا بقدر مقامه

قد مضى انّ بطون القران وحقائقه كثيرة متعدّدة وانّ بطنه الأعلى وحقيقته العليا هو محمّديّة محمّد (ص) وعلويّة علىّ (ع) وهو مقام المشيّة الّتى هي فوق الإمكان وكلّ نبىّ ووصىّ كان لا يتجاوز مقامه الإمكان سوى محمّد (ص) وأوصيائه ومن لم يبلغ الى مقام المشيّة لا يعلم ما فيه ولا يبيّن من ذلك المقام شيئا لانّ المفسّر لا يتجاوز في تفسيره حدّ نفسه فكلّ من علم من القرآن شيئا أو فسّر منه شيئا وان بلغ ما بلغ من المقامات لا يكون علمه وتفسيره بالنّسبة الى علم القران الّا كقطرة من بحر محيط فانّ حقيقة القران الّتى هي حقيقة محمّد (ص) وعليّ (ع) هي مقام الإطلاق الّذى لا نهاية له ، والممكن وان كان أشرف الممكنات الّذى هو العقل الكلّى يكون محدودا ولا يتصوّر النّسبة بين المحدود وغير المتناهى الغير المحدود فعلم كلّ عالم ومفسّر للقرآن بالنّسبة الى علم القرآن كقطرة الى البحار ، ولمّا كان مقام محمّد (ص) وعلىّ (ع) وأولاده المعصومين عليهم‌السلام مقام المشيّة كان علم القرآن كلّه عندهم وكان عليّ (ع) هو من عنده علم الكتاب كما في الاية بإضافة العلم الى الكتاب المفيد للاستغراق وكان آصف (ع) هو الّذى عنده علم من الكتاب وكان إبراهيم (ع) ابتلاه ربّه بكلمات معدودة لا بجملة الكلمات مع انّه كان أكمل الأنبياء بعد نبيّنا (ص) وكان محمّد (ص) يؤمن بالله وكلماته جميعا كما في قوله تعالى (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ) وكلماته ؛ فانّ الكلمات جمع مضاف

١٦

مفيد للاستغراق وليس المراد به الايمان الإجمالي والّا لشاركه غيره فيه بل الايمان التّفصيلى والايمان التّفصيلى لا يكون الّا بإدراك المؤمن به شهودا وعيانا.

الفصل الحادي عشر

في تحقيق انّ القرآن ذو وجوه

روى عن النّبىّ (ص) انّه قال انّ القران ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه. وهذا الخبر كالقرآن ذو وجوه وهو مراد بكلّ الوجوه فانّ القرآن يجوز ان يكون ذا وجوه بحسب موادّ ألفاظه أو هيئاتها وتصريفها أو اعرابها وتركيبها وسيجيء تحقيق ذلك في الفصل الآتي. ويجوز ان يكون ذا وجوه بحسب دلالة ألفاظه ومصاديقها ، وهذه الدّلالة وكثرة المصاديق امّا ان تكون في الطّول بمعنى انّ كلّ لفظ من القرآن يدلّ على مفهوم واحد له مصاديق بحسب النشآت الطوليّة يكون كلّ عال من المصاديق مع الدّانى بمنزلة الرّوح والجسد ومتّحدا معه اتّحاد الرّوح مع الجسد وهذا هو معنى التّنزيل والتّأويل والظهر والبطن ، وقد مضى انّ القرآن له مصاديق متعدّدة بحسب النشآت وانّ مصاديقه الطبيعيّة ظهوره وتنزيله ، ومصاديقه الرّوحانية بطونه وتأويله ، فهذا الوجه جار في القرآن ومراد من هذا الخبر ، وامّا ان تكون في العرض بمعنى انّ كلا من المصاديق يكون مغايرا للآخر ومقابلا له لا متّحدا معه وروحا له مثل لفظ يزكّى في قوله تعالى (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) فانّه يجوز ان يكون بمعنى ينمى ويطهّر ويخرج الزّكاة وينعمّ ويظهر النّماء أو الطّهارة أو التّنعمّ ، والقرآن يكون ذا وجوه بهذا المعنى أيضا فانّه ورد في الاخبار تفسير الآيات بالمعاني المتخالفة المتغايرة بل المتضادّة مثل تفسير الامانة في قوله تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ) فانّها فسّرت بمطلق التّكليف وبالصّلوة مخصوصة وبالولاية وبخلافة علىّ بن ابى طالب (ع) وبالخلافة الظاهريّة وبشهادة الحسين بن عليّ بن ابى طالب (ع) ولا شكّ انّ الخلافة الظاهريّة والوصاية مغايرتان معا وهما مغايرتان للشّهادة والكلّ مغايرة للتّكليف والصّلوة ، ولا شكّ انّ الكلّ كانت مندرجة في لفظ الامانة حين نزوله على محمّد (ص) والّا لزم ان يكون تفسيرهم (ع) بغير ما كان مندرجا في اللّفظ مرادا منه ولا امتناع من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى من اندراج المعاني العديدة في اللّفظ الواحد وسعة المخاطب والمخاطب واحاطتهما بجميع المعاني المحتملة وجواز اندراجها بالقوّة في الّلفظ الواحد تجوّز لحاظ الجميع فيه وهذا الاندراج بنحو عموم الاشتراك أو عموم المجاز أو دخول الجزئيّات في المفهوم الكلّى أو بنحو لحاظ الصّور العديدة في المرآة الواحدة من غير اعتبار معنى كلّى بنحو عموم الاشتراك والمجاز أو بنحو الوضع للمعنى الكلّى فانّ اللّفظ إذا صحّ إطلاقه على معان عديدة بنحو الحقيقة والمجاز أو بنحو الاشتراك اللّفظى أو الاشتراك المعنوىّ جاز للمحيط ان يلاحظ في اللّفظ جميع تلك المعاني بالفعل من غير اعتبار معنى كلّى فيه اوّلا ثمّ اعتبار تلك المعاني نعم لا يمكن للنّاقص اعتبار معان عديدة متناهية أو غير متناهية بالفعل في لفظ واحد من غير اعتبار معنى كلّى يكون هو مناط اعتبار تلك الجزئيّات بل يعتبر معنى كلّيّا بالفعل يكون تلك الجزئيات معتبرة فيه بالقوّة لا بالفعل والاخبار المشيرة الى سعة وجوه القرآن كثيرة مثل ما روى عن النّبىّ (ص) بطريق العامّة انّ القرآن نزل على سبعة أحرف كلّها كاف شاف ، وهذا الخبر كما يجوز حمله على ما روى عنه (ص) أيضا انّه قال نزل القرآن على سبعة أحرف امر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل ، وما روى في رواية اخرى انّه قال : زجر وامر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ، من جعل الأحرف عبارة من أقسام

١٧

الآيات يجوز ان يحمل على سعة الوجوه في اللّفظ باعتبار اللغات أو باعتبار القراءات ويجوز ان يحمل على سعة الوجوه باعتبار المعاني المتعدّدة طولا أو عرضا وعن الصّادق (ع) انّه قيل له انّ الأحاديث تختلف منكم فقال انّ القرآن نزل على سبعة أحرف وادنى ما للإمام ان يفتي على سبعة وجوه ثمّ قال هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ، وفي هذا الخبر اشعار بانّ المراد بالأحرف الوجوه المعتبرة في المعنى بحسب العرض وانّها أكثر من سبعة وأدناها السّبعة وان كان يجوز ان يراد به الوجوه اللّفظية أو المعنوية الطّولية ، ويجوز ان يراد به الوجوه التّكليفية من الوجوب والاستحباب والاباحة والكراهة والحرمة والصّحة والبطلان من الوجوه المعنويّة العرضية ولفظ الذلول في الخبر الاوّل يدلّ على كثرة الوجوه المحتملة العرضية فانّ الذلول معناه انّه ينقاد وينطبق على اىّ معنى أريد منه كالجمل الذلول الّذى ينقاد ويناخ كلّما أنخته ، وقد ورد عنهم (ع) في تفسير الآيات اخبار مختلفة بوجوه متخالفة عرضيّة لا يمكن حملها على التّقيّة بل لا بدّ وان يحمل على صحّة التّفسير بمعان مختلفة مندرجة في اللّفظ بأحد الوجوه المذكورة سابقا والمراد بالأحسن في قوله فاحملوه على أحسن الوجوه الاحسنيّة الاضافيّة فان المخاطبين في هذا الخطاب كلّ قرّاء القرآن والمتدبّرين فيه والأحسن الحقيقىّ بحسب البطون غير ميسّر إدراكه لغير الائمة (ع) والأحسن الحقيقىّ بحسب الوجوه المختلفة من المعاني العرضيّة غير معلوم لكلّ أحد ولو كان معلوما لما صحّ الأمر بالحمل عليه في كلّ مقام بل يأتى النّهى عن الحمل عليه في مقام يقتضي غيره مثل مقام التّقيّة وغيرها وكذا الحال في الوجوه المختلفة بحسب اللفظ فانّه قد يقتضي المقام النّهى عن الأحسن لو كان معلوما إذا كان تقيّة أو يقتضي حال السّامع غيره مثال النّهى عن الحمل على أحسن الوجوه بحسب المعنى اية الوضوء بنصب أرجلكم فانّه يجوز جعله عطفا على وجوهكم حتّى يدلّ على غسل الأرجل وعطفا على محلّ رؤسكم حتّى يدلّ على مسحها والثّانى أحسن لعدم لزوم الفصل بالأجنبيّ بين المعطوف والمعطوف عليه ولموافقته لقراءة جرّ الأرجل لكنّ الحمل عليه والعمل به في مقام التّقية يكون حراما ومثال النّهى عن الحمل على أحسن الوجوه بحسب اللّفظ هذه الاية فانّه قد قرء الا رجل بالجرّ والنصب ، والجرّ قد عرفت انّه أحسن القراءتين لعدم لزوم الفصل بالأجنبيّ حينئذ بين المعطوف والمعطوف عليه لكن قد يقتضي المقام التجنّب عن القراءة به والقراءة بما قرءوا وعلى الاحسنيّة الاضافيّة بحمل ما ورد عنهم مختلفا في تفسير الآيات وهكذا الحال في القراءات المختلفة الواردة عنهم.

الفصل الثاني عشر

في جواز نزول القرآن بوجوه مختلفة في ألفاظه

اعلم انّ القرآن نزل به جبرئيل (ع) من طريق الباطن على بشريّة نبيّنا (ص) لكن من جهة مداركه الاخرويّة لا من جهة مداركه الدّنيويّة والمدارك الدّنيويّة لضيقها لا سعة لها بان تدرك الّا وجها واحدا وهيئة واحدة من اللّفظ المسموع واللّسان الدّنيوىّ لا يجرى عليه الّا وجه واحد من اللّفظ وامّا اللّسان والسّمع الاخرويّان فيجوز ان يجرى ويسمع في اجراء واحد وسماع واحد وجوها عديدة من اللّفظ لسعتهما وعدم ضيقهما عن تزاحم الكثرات ولجواز النّزول بالوجوه المختلفة أو للتوسعة بعد النزول ورد عنهم (ع) قراءات مختلفة مخالفة لقراءات العامّة وورد عنهم تصويب القراءتين المختلفتين ولو لا ذلك لكان بعض قراءتهم مخالفة لما نزل على محمّد (ص) من غير تقيّة ، نسب الى النّبىّ (ص) انّه قال أتاني آت من الله عزوجل فقال انّ الله يأمرك ان تقرأ القران على حرف واحد فقلت يا ربّ وسّع على أمّتي فقال انّ الله عزوجل يأمرك ان تقرأ القرآن

١٨

على سبعة أحرف وهذه الرّواية كما يجوز ان يكون المراد سبع لغات متفرّقة في القران فيكون بعضه بلغة هذيل ، وبعضه بلغة الهوازن ، وبعضه بلغة الحجاز ، وبعضه بلغة العراق ، وبعضه بلغة اليمن ، يجوز ان يكون المراد قراءته في كلمة واحدة ومقام واحد بسبع لغات مثل هلّم وتعال واقبل وجيء وكما يجوز ان يكون هذه التّوسعة بعد النّزول يجوز ان تكون حين النّزول لسعة المنزل ولسانه والمنزل عليه ومداركه ، وكما يجوز ان يكون المراد بسبعة أحرف سبع لغات يجوز ان يراد بها سبعة أوجه في اللّفظ بحسب القراءات والاعراب في لفظ واحد للتّوسعة على القرين بعد النّزول أو حين النّزول ، ويجوز ان يراد بها سبعة أوجه في المعنى للتّوسعة في العمل على العباد كما مضى وما ورد عن ابى جعفر (ع) انّ القرآن واحد نزل من عند واحد ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرّواة وما روى عن الفضل بن يسار انّه قال ، قلت لأبي عبد الله (ع) انّ النّاس يقولون انّ القرآن نزل على سبعة أحرف فقال كذبوا أعداء الله ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد يجوز ان يراد به انّ القران نزل من عند واحد أحد حقيقى بنحو الوحدة الظليّة والبساطة الجمعيّة وبعد تنزّله الى الكثرات جاءت الكثرة والتّفصيل فيه من جهة تعلّقه بالكثرات المتعدّدة المتخالفة ، ويكون التّكذيب راجعا الى وهمهم الكاسد من انّه صدر من مقام الوحدة الحقيقيّة بنحو التّفصيل والكثرة في ألفاظه وقراءاته وقد عرفت فيما مضى انّه بحسب ألفاظه في ابعد المراتب من الله وانّه بحسب ذلك أخر مراتب وجوده ، والحاصل انّه يجوز ان يكون اختلاف القراءات والوجوه المرويّة بحسب الألفاظ من القرّاء أنفسهم ويجوز ان يكون توسعة من الله تعالى حين النّزول أو بعد النّزول.

الفصل الثالث عشر

في وقوع الزّيادة والنّقيصة والتّقديم والتّأخير والتّحريف والتّغيير في القرآن

الّذى بين أظهرنا الّذى أمرنا بتلاوته وامتثال أوامره ونواهيه واقامة احكامه وحدوده

اعلم انّه قد استفاضت الاخبار عن الائمّة الاطهار (ع) بوقوع الزّيادة والنقيصة والتّحريف والتّغيير فيه بحيث لا يكاد يقع شكّ في صدور بعضها منهم وتأويل الجميع بانّ الزّيادة والنّقيصة والتّغيير انّما هي في مدركاتهم من القرآن لا في لفظ القرآن كلفة ولا يليق بالكاملين في مخاطباتهم العامّة لانّ الكامل يخاطب بما فيه حظّ العوامّ والخواصّ وصرف للّفظ من ظاهره من غير صارف ، وما توهّموه صارفا من كونه مجموعا عندهم في زمن النّبىّ (ص) وكانوا يحفظونه ويدرسونه وكانت الاصحاب مهتّمين بحفظه عن التّغيير والتّبديل حتّى انّهم ضبطوا قراءات القرّاء وكيفيّات قراءاتهم فالجواب عنه انّ كونه مجموعا غير مسلّم فانّ القرآن نزل في مدّة رسالته الى أخر عمره نجوما وقد استفاض الاخبار بنزول بعض السّور وبعض الآيات في العام الاخر وما ورد من انّهم جمعوه بعد رحلته وانّ عليا جلس في بيته مشتغلا بجمع القرآن أكثر من ان يمكن إنكاره وكونهم يحفظونه ويدرسونه مسلّم لكن كان الحفظ والدّرس فيما كان بأيديهم واهتمام الاصحاب بحفظه وحفظ قراءات القرّاء وكيفيّات قراءاتهم كان بعد جمعه وترتيبه وكما كان الدّواعى متوفّرة في حفظه كذلك كانت متوفّرة من المنافقين في تغييره. وما قيل انّه لم يبق لنا حينئذ اعتماد عليه والحال انّا مأمورون بالاعتماد عليه واتّباع احكامه والتدبّر في آياته وامتثال أوامره ونواهيه واقامة حدوده وعرض الاخبار عليه لا يعتمد عليه في طرف مثل هذه الاخبار الكثيرة الدّالة على التّغيير والتّحريف عن ظواهرها لانّ الاعتماد على هذا المكتوب

١٩

ووجوب اتّباعه وامتثال أوامره ونواهيه واقامة حدوده واحكامه انّما هي للأخبار الكثيرة الدّالّة على ما ذكر لا للقطع بانّ ما بين الدفّتين هو الكتاب المنزل على محمّد (ص) من غير نقيصة وزيادة وتحريف فيه ، ويستفاد من هذه الاخبار انّ الزّيادة والنّقيصة والتّغيير ان وقعت في القرآن لم تكن مخلّة بمقصود الباقي منه بل نقول كان المقصود الاهمّ من الكتاب الدّلالة على العترة والتّوسّل بهم وفي الباقي منه حجّتهم أهل البيت وبعد التّوسل باهل البيت ان أمروا باتّباعه كان حجّة قطعيّة لنا ولو كان مغيّرا تغييرا مخلّا بمقصوده وان لم نتوسّل بهم أولم يأمروا باتّباعه وكان التوّسل به واتبّاع احكامه واستنباط أوامره ونواهيه وحدوده واحكامه من قبل أنفسنا كان من قبيل التّفسير بالرأى الّذى منعوا منه ولو لم يكن مغيّرا وقد استقصى الفيض (ره) في مقدّمات تفسيره الصّافى الاخبار والأقوال في هذا الباب من أراد فليرجع اليه وقد ذكر اخبارا كثيرة متفرّقة في مطاوى تفسيره للآيات في بيان التّغييرات الواقعة فيها.

الفصل الرابع عشر

في انّ القرآن نزل تمامه في الائمة الاثنى عشر عليه‌السلام بوجه ونزل فيهم وفي أعدائهم بوجه ونزل أثلاثا ثلث فيهم وفي أعدائهم ، وثلث سنن وأمثال ، وثلث فرائض واحكام بوجه ، أو ثلث فيهم وفي احبّائهم وثلث في أعدائهم وثلث سنّة ومثل بوجه ، ونزل أرباعا ربع فيهم ، وربع في عدّوهم ، وربع سنن وأمثال وربع فرائض واحكام بوجه ، وقد ورد الاشعار بكلّ في الاخبار

اعلم انّ الله تعالى شأنه العزيز كان غيبا محضا ومجهولا مطلقا وكان لا اسم له ولا رسم ولا خبر عنه ولذا كان يسمّى بالعمى فأحبّ ان يعرف فخلق الخلق لكي يعرف كما في القدسىّ المعروف فكان اوّل ظهوره فعله الّذى يسمّى بنفس الرّحمن والاضافة الاشراقيّة ومقام المعروفيّة والحقيقة المحمّدية (ص) وهي اللّطيفة العلويّة ، ويسمّى بالمشيّة باعتبار كونه اضافة الله تعالى الى الخلق ، وبالولاية المطلقة باعتبار كونه اضافة للخلق الى الله ، وهذه الحقيقة بمضمون خلقت الأشياء بالمشيّة مبدء جميع الخلق بمراتبه العقلانيّة والنّفسانيّة والجسمانيّة النّورانيّة والظّلمانيّة والطبيعيّة ولمّا كان الإنسان غاية للكلّ وكان غاية الإنسان بمنطوق ما خلقت الجنّ والانس الّا ليعبدون وبمضمون قوله تعالى فخلقت الخلق لكي اعرف معرفة الله أرسل الرّسل وانزل الكتب واسّس الشرائع لمعروفيّته وقد عرفت انّ مقام معروفيّته هو مشيّته الّتي هي الولاية المطلقة ولمّا كان المتحقّق بالولاية وبمقام المعروفيّة محمّدا (ص) وعليّا (ع) وأولادهما صحّ ان يقال انّهم مبدء الكلّ وغايته ، ولمّا كان جميع الشرائع الإلهيّة والكتب السّماويّة لتصحيح طريق الانسانيّة وتوجيه الخلق الى الولاية وكان أصل المتحقّقين بالطريق الانسانيّة والولاية والمتحقّق بالولاية المطلقة محمّدا (ص) وعليّا (ع) وأولادهما عليهم‌السلام صحّ ان يقال جملة الشرائع الالهيّة وجميع الكتب السّماويّة نزلت فيهم وفي توجيه الخلق إليهم وهو أيضا وصف وتبجيل لهم ، ولمّا كان كثير من آيات القرآن نزلت فيهم تصريحا أو تعريضا أو تورية وما كان في أعدائهم لم يكن المقصود منه الّا الاعتبار بمخالفيهم والانزجار عن مخالفيهم ليكون سببا للتوجّه إليهم ولمعرفة قدرهم وعظمة شأنهم وكان ساير آيات الأمر والنّهى والقصص والاخبار لتأكيد السّير على طريق الانسانيّة الى الولاية صحّ

٢٠