كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-319-023-1
الصفحات: ٥٥١

١

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدك اللهم يا من أضاء على مطالع العقول والالباب ، وأنار عليها بسواطع السنة والكتاب ، فأحكم الفروع بأصولها في كلّ باب ، ونصلّي على أفضل من اُوتي الحكمة وفصل الخطاب ، وعلى آله الطاهرين الأطياب ، سيّما المخصوص بالاخوة سيّد أولي الالباب.

ربّنا آمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول وآل الرسول ، فاغفر لنا ذنوبنا ، وقنا سوء الحساب ، واللعنة على أعدائهم من اليوم إلى يوم الحساب.

وبعد : فالعلم على تشعّب شؤونه ، وتفنّن غصونه ، مفتقر إلى علم الأصول افتقار الرعية إلى السلطان ، ونافذ حكمه عليها بالوجدان ، ولا سيّما العلوم الدينية ، وخصوصاً الأحكام الشرعية ، فلولا الأصول لم تقع في علم الفقه على محصول.

فيه استقرت قواعد الدين ، وبه صار الفقه كشجرة طيبة تؤتي أكلها كلّ حين ، فلذا بادر علماء الامصار ، وفضلاء الأعصار ـ في كلّ دور من الأدوار ـ إلى تمهيد قواعده ، وتقييد شوارده ، وتبيين ضوابطه ، وتوضيح روابطه ، وتهذيب اُصوله ، وإحكام قوانينه ، وترتيب فصوله.

لكنّه لما فيه من محاسن النكت والفقر ، ولطائف معانٍ تدق دونها الفكر ، جل عن أن يكون شرعة لكلّ وارد ، أو أن يطلع على حقائقه إلّا واحد

٣

بعد واحد ، فنهض به من اُولي البصائر كابر بعد كابر ، فللّه دَرّهم من عصابة تلقّوا وأذعنوا ، وبرعوا فأتقنوا ، وأجادوا فجادوا ، وصنفوا وأفادوا ، أثابهم الله برضوإنّه وبّوأهم بحبوحات جنإنّه.

حتى انتهى الأمر إلى أوحد علماء العصر ، قطب فلك الفقاهة والاجتهاد ، ومركز دائرة البحث والانتقاد ، الطود الشامخ ، والعلم الراسخ ، محيي الشريعة وحامي الشيعة ، النحرير الأوّاه ، والمجاهد في سبيل الله ، خاتم الفقهاء والمجتهدين ، وحجّة الاسلام والمسلمين ، الوفي الصفي ، مولانا الآخوند ( ملا محمد كاظم الهروي الطوسي النجفي ) مد الله أطناب ظلاله على رؤوس الأنام ، وعمر بوجوده دوارس شرع الاسلام ، فقد فاز ـ دام ظله ـ منه بالقدح المعلى وجلّ عن قول أين وأنىّ ، وجرى بفكر صائب تقف دونه الأفكار ، ونظر ثاقب يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ، فلذا أذعن بفضله الفحول ، وتلقوه بأنعم القبول. وأظهر صحفاً هي المنتهى في التبيان ، ذوات نكت لم يطمثهن قبله إنس ولا جان ، ويغنيك العيان عن البيان ، والوجدان عن البرهان.

فما قدمته لك إحدى مقالاته الشافية ، ورسائله الكافية ، فقد أخذت بجزأيها على شطري الأصول الأصلية ، من مباحث الألفاظ والادلة العقلية ، وأغنت بالاشارة عن المطّولات ، فهي النهاية والمحصول ، فحريّ بأن يسمى ب‍ ( كفاية الأصول ) ، فأين من يعرف قدرها ، ولا يرخص مهرها ، وعلى الله قصد السبيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل.

قال أدام الله ظله [ بعد التسمية والتحميد والتصلية ] (١) :

__________________

١ ـ نقلنا هذه المقدمة من « ب ». وهي من إنشاءً المتصدي لطبع النسخة الحجرية.

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

وبعد فقد رتّبته على مقدّمة ، ومقاصد وخاتمة.

أمّا المقدّمة

ففي بيان أمور :

٥
٦

الأول

إنّ موضوع كلّ علم ، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ـ أيّ بلا واسطة في العروض ـ هو نفس موضوعاًت مسائله عيناً ، وما يتّحد معها خارجاً ، وأنّ كان يغايرها مفهوماً ، تغاير الكّلي ومصاديقه ، والطبيعي وأفراده. والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشّتتة ، جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دُوَّن هذا العلم ، فلذا قد يتداخل بعضٍ العلوم في بعضٍ المسائل ، مما كان له دخل في مهمين ، لأجل كلّ منهما دُوّن علم على حدة ، فيصير من مسائل العلمين.

لا يقال : على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما ، فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا ، لا يكاد انفكاكهما.

فإنّه يقال : مضافاً إلى بُعد ذلك ، بل امتناعه عادةً ، لا يكاد يصحّ لذلك تدوين علمين وتسميتهما باسمين ، بل تدوين علم واحد ، يبحث فيه تارةً لكلا المهمّين ، واخرى لأحدهما ، وهذا بخلاف التداخل في بعضٍ المسائل ، فان حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة ، أو أزيد ـ في جملة مسائلهما المختلفة ، لأجل مهمين ، مما لا يخفى.

٧

وقد انقدح بما ذكرنا ، أن تمايَز العلوم إنّما هو باختلاف الاغراض الداعية إلى التدوين ، لا الموضوعاًت ولا المحمولات ، وإلاّ كان كلّ باب ، بل كلّ مسألة من كلّ علم ، علماً على حدة ، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل ، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدد ، كما لا يكون وحدتهما سبباً لأن يكون من الواحد.

ثم إنّه ربما لا يكون لموضوع العلم ـ وهو الكلّي المتّحد مع موضوعاًت المسائل ـ عنوان خاص واسم مخصوص ، فيصحّ أن يعبّر عنه بكل ما دلّ عليه ، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلاً.

وقد انقدح بذلك أن موضوع علم الأصول ، هو الكلّي المنطبق على موضوعاًت مسائله المتشتتة ، لا خصوص الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة (١) ، بل ولا بما هي هي (٢) ، ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمّة ليس من عوارضها ، وهو واضح لو كان المراد بالسّنة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره ، كما هو المصطلح فيها ، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمّة ، كعمدة مباحث التعادل والترجيح ، بل ومسألة حجية خبر الواحد ، لا عنها ولا عن سائر الادلّة ، ورجوع البحث فيهما ـ في الحقيقة ـ إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد ، في مسألة حجّية الخبر ـ كما اُفيد ـ (٣) وبأي الخبرين في باب التعارض ، فإنّه أيضاً بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال غير مفيد فان البحث عن ثبوت الموضوع ، وما هو مفاد كان التامة ، ليس بحثاً عن عوارضه ، فإنّها مفاد كان الناقصة.

لا يقال : هذا في الثبوت الواقعي ، وأمّا الثبوت التعبدي ـ كما هو

__________________

١ ـ كما هو المشهور بين الأصوليين.

٢ ـ صرح به صاحب الفصول ، الفصول / ٤.

٣ ـ افاده الشيخ ( قده ) في فرائد الأصول / ٦٧ ، في بداية مبحث حجية الخبر الواحد.

٨

المهم في هذه المباحث ـ فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.

فإنّه يقال : نعم ، لكّنه مما لا يعرض السنة ، بل الخبر الحاكي لها ، فإن الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به ، وهذا من عوارضه لا عوارضها ، كما لا يخفى.

وبالجملة : الثبوت الواقعي ليس من العوارض ، والتعبدي وأنّ كان منها ، إلّا إنّه ليس للسنة ، بل للخبر ، فتأمل جيداً.

وأما إذا كان المراد (١) من السنة ما يعم حكايتها ، فلان البحث في تلك المباحث وأنّ كان عن أحوال السنة بهذا المعنى ، إلّا أن البحث في غير واحد من مسائلها ، كمباحث الألفاظ ، وجملة من غيرها ، لا يخص الادلة ، بل يعم غيرها ، وأنّ كان المهمّ معرفة أحوال خصوصها ، كما لا يخفى.

ويؤيّد ذلك تعريف الأصول ، بإنّه ( العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية ) ، وأنّ كان الأولى تعريفه بإنّه ( صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام ، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل ) ، بناءً على أن مسألة حجية الظنّ على الحكومة ، ومسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية من الأصول ، كما هو كذلك ، ضرورة إنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمّات.

الأمر الثاني

الوضع هو نحو اختصاص للّفظ بالمعنى ، وارتباط خاص بينهما ، ناش من تخصيصه به تارةً ، ومن كثرة استعماله فيه أُخرى ؛ وبهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعييني والتعيّني ، كما لا يخفى.

__________________

١ ـ هذا مراد صاحب الفصول ، الفصول / ١٢.

٩

ثم إن الملحوظ حال الوضع : امّا يكون معنى عاماً ، فيوضع اللفظ له تارةً ، ولافراده ومصاديقه أُخرى ؛ وإما يكون معنى خاصاً ، لا يكاد يصحّ إلّا وضع اللفظ له دون العام ، فتكون الأقسام ثلاثة ، وذلك لأن العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك ، فإنّه من وجوهها ، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه ، بخلاف الخاص ، فإنّه بما هو خاص ، لا يكون وجهاً للعام ، ولا لسائر الأفراد ، فلا يكون معرفته وتصوره معرفة له ، ولا لها ـ أصلاً ـ ولو بوجه.

نعم ربّما يوجب تصوّره تصوّر العام بنفسه ، فيوضع له اللفظ ، فيكون الوضع عاماً ، كما كان الموضوع له عاماً ، وهذا بخلاف ما في الوضع العام والموضوع له الخاص ، فإن الموضوع له ـ وهي الأفراد ـ لا يكون متصوراً إلّا بوجهه وعنوإنّه ، وهو العام ، وفرق واضح بين تصوّر الشيء بوجهه ، وتصوّره بنفسه ، ولو كان بسبب تصوّر أمر آخر.

ولعل خفاء ذلك على بعضٍ الأعلام (١) ، وعدم تميزه بينهما ، كان موجباً لتوهم امكان ثبوت قسم رابع ، وهو أن يكون الوضع خاصاً ، مع كون الموضوع له عاماً ، مع إنّه واضح لمن كان له أدنى تأمل.

ثم إنّه لا ريب في ثبوت الوضع (٢) الخاص والموضوع له الخاص كوضع الأعلام. وكذا الوضع (٣) العام والموضوع له العام ، كوضع أسماء الاجناس وأما الوضع العام والموضوع له الخاص ، فقد توهّم (٤) إنّه وضع الحروف ، وما ألحق بها من الأسماء ، كما توهّم (٥) أيضاً ان المستعمل فيه فيها (٦)

__________________

١ ـ الظاهر إنّه صاحب البدائع ، البدائع / ٣٩ ، في تقسيم الوضع إلى العام والخاص.

٢ ـ ٣ ـ في « أ و ب » : وضع.

٤ ـ صاحب الفصول ، الفصول / ١٦ ، في الوضع.

٥ ـ الفصول / ١٦ ، في الوضع.

٦ ـ في « أ » : أن المستعمل فيها.

١٠

خاصٌ (١) مع كون الموضوع له كالوضع عاماً.

والتحقيق ـ حسبما يؤدّي إليه النظر الدقيق ـ أن حال المستعمل فيه والموضوع له فيها حالهما في الأسماء ، وذلك لأن الخصوصية المتوهمة ، إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئياً خارجياً ، فمن الواضح أن كثيراً ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك بل كلياً ، ولذا التجأ بعضٍ الفحول (٢) إلى جعله جزئياً إضافياً ، وهو كما ترى. وأنّ كانت هي الموجبة لكونه جزئياً ذهنياً ، حيث إنّه لا يكاد يكون المعنى حرفياً ، إلّا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ، ومن خصوصياته القائمة به ، ويكون حاله كحال العرض ، فكما لا يكون في الخارج إلّا في الموضوع ، كذلك هو لا يكون في الذهن إلّا في مفهوم آخر ، ولذا قيل في تعريفه : بإنّه ما دلّ على معنى في غيره ، فالمعنى ، وأنّ كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ ، بحيث يباينه إذا لوحظ ثانياً ، كما لوحظ أولاً ، ولو كان اللاحظ واحداً ، إلّا أن هذا اللحاظ لا يكاد مأخوذاً في المستعمل فيه ، وإلاّ فلا بدّ من لحاظ آخر ، متعلّق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ ، بداهة أن تصوّر المستعمل فيه مما لا بدّ منه في استعمال الألفاظ ، وهو كما ترى.

مع إنّه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات ، لامتناع صدق الكلّي العقلي عليها ، حيث لا موطن له إلّا الذهن ، فامتنع امتثال مثل ( سر من البصرة ) إلّا بالتجريد وإلغاء (٣) الخصوصية ، هذا.

مع إنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلّا كلحاظه في نفسه في الأسماء ، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبراً في المستعمل فيه فيها ، كذلك ذاك اللحاظ في الحروف ، كما لا يخفى.

__________________

١ ـ في « أ و ب » : خاصا.

٢ ـ المراد من بعضٍ الفحول ، امّا صاحب الفصول ، الفصول / ١٦ ، وإما المحقق التقي ، هداية المسترشدين / ٣٠.

٣ ـ في « ب » : إلقاء.

١١

وبالجملة : ليس المعنى في كلمة ( من ) ولفظ الابتداء ـ مثلاً ـ إلّا الابتداء ، فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلاً ، كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها وآلة ، وكما لا يكون لحاظه فيه موجباً لجزئيته ، فليكن كذلك فيها.

إن قلت : على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ، ولزم كون مثل كلمة ( من ) ولفظ الابتداء مترادفين ، صحّ استعمال كلّ منهما في موضع الآخر ، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها ، وهو باطل بالضرورة ، كما هو واضح.

قلت : الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع ، حيث [ إنّه ] (١) وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه ، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك ، بل بما هو حالة لغيره ، كما مرّت الإِشارة إليه غير مرّة ، فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع ، يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر ، وأنّ اتفقا فيما له الوضع ، وقد عرفت ـ بما لا مزيد عليه ـ أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته.

ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضاً كذلك ، فيكون الخبر موضوعاً ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه ، والانشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته ، وأنّ اتفقا فيما استعملا فيه ، فتأمّل.

ثم إنّه قد انقدح مما حققناه ، إنّه يمكن أن يقال : إن المستعمل فيه في مثل أسماء الإِشارة والضمائر أيضاً عام ، وأنّ تشخّصه إنّما نشأ من قبل طور استعمالها ، حيث انَّ أسماء الإِشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها ، وكذا

__________________

١ ـ أثبتناها من « ب ».

١٢

بعض الضمائر ، وبعضها ليخاطب به (١) المعنى ، والإِشارة والتخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى ، فدعوى : أن المستعمل فيه في مثل ( هذا ) أو ( هو ) أو ( إيّاك ) إنّما هو المفرد المذكر ، وتشخصه إنّما جاء من قبل الإِشارة ، أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه ، فإن الإِشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص أو معه ، غير مجازفة.

فتلخصّ مما حققناه : ان التشخص الناشىء من قبل الاستعمالات ، لا يوجب تشخص المستعمل فيه ، سواء كان تشخصاً خارجياً ـ كما في مثل أسماء الإِشارة ـ أو ذهنياً ـ كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما ـ من غير فرق في ذلك أصلاً بين الحروف وأسماء الأجناس ، ولعمري هذا واضح. ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصاً في الحرف عين ولا أثر ، وإنما ذهب إليه بعضٍ من تأخّر ، (٢) ولعلّه لتوهّم كون قصده بما هو في غيره ، من خصوصيات الموضوع له ، أو المستعمل فيه ، والغفلة من أن قصد المعنى من لفظه على أنحائه ، لا يكاد يكون من شؤونه وأطواره ، وإلاّ فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك ، فتأمّل في المقام فإنّه دقيق ، وقد زل فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق.

الثالث

صحّة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له ، هل هو بالوضع ، أو بالطبع؟ وجهان ، بل قولان ، أظهرهما إنّه بالطبع بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه ، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه ، ولا معنى لصحته إلّا حسنه ، والظاهر أن صحة الاستعمال

__________________

١ ـ في « ب » : بها.

٢ ـ صاحب الفصول ، الفصول / ١٦.

١٣

اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله ، كما يأتي الإِشارة إلى تفصيله (١).

الرابع

لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ ، وإرادة نوعه به ، كما إذا قيل : ضرب ـ مثلاً ـ فعل ماض ، أو صنفه كما إذا قيل : ( زيد ) في ( ضرب زيد ) فاعل ، إذا لم يقصد به شخص القول أو مثله ك‍ ( ضرب ) في المثال فيما إذا قصد.

وقد أشرنا (٢) إلى أن صحة الإِطلاق كذلك وحسنه ، إنّما كان بالطبع لا بالوضع ، وإلاّ كانت المهملات موضوعة لذلك ، لصحة الإِطلاق كذلك فيها ، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى.

وأمّا إطلاقه وإرادة شخصه ، كما إذا قيل : ( زيد لفظ ) وأريد منه شخص نفسه ، ففي صحته بدون تأويل نظر ، لاستلزامه اتحاد الدالّ والمدلول ، أو تركب القضية من جزءين كما في الفصول (٣).

بيان ذلك : إنّه إن اعتبر دلالته على نفسه ـ حينئذ ـ لزم الاتحاد ، وإلاّ لزم تركبها من جزءين ، لأن القضية اللفظية ـ على هذا ـ إنّما تكون حاكية عن المحمول والنسبة ، لا الموضوع ، فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين ، مع امتناع التركب إلّا من الثلاثة ، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين.

قلت : يمكن أن يقال : إنّه يكفي تعدَّد الدالّ والمدلول اعتباراً ، وأنّ اتَّحَدا ذاتاً ، فمن حيث إنّه لفظ صادر عن لافظه كان د إلّا ، ومن حيث أن

__________________

١ ـ في الأمر الرابع.

٢ ـ أشار إليه في الأمر الثالث.

٣ ـ الفصول / ٢٢ ، عند قوله : فصل قد يطلق اللفظ .. الخ.

١٤

نفسه وشخصه مراده كان مدلولاً.

مع أن حديث تركب القضية من جزءين ـ لولا اعتبارٍ الدلالة في البين ـ إنّما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه ، وإلاّ كان أجزاؤها الثلاثة تامة ، وكان المحمول فيها منتسبا إلى شخص اللفظ ونفسه ، غاية الأمر إنّه نفس الموضوع ، لا الحاكي عنه ، فافهم ، فإنّه لا يخلو عن دقة. وعلى هذا ، ليس من باب استعمال اللفظ بشىء.

بل يمكن أن يقال : إنّه ليس أيضاً من هذا الباب ، ما إذا أطلق اللفظ واُريد به نوعه أو صنفه ، فإنّه فرده ومصداقه حقيقة ، لا لفظه وذاك معناه ، كي يكون مستعملاً فيه استعمال اللفظ في المعنى ، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجاً ، قد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك (١) ، وقد حكم عليه ابتداءً ، بدون واسطة أصلاً ، لا لفظه ، كما لا يخفى ، فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى ، بل فرد قد حكم في القضية عليه ـ بما هو مصداق لكلي (٢) اللفظ ، لا بما هو خصوص جزئيّة.

نعم فيما إذا أُريد به فرد آخر مثله ، كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى.

اللهم إلّا أن يقال : إن لفظ ( ضرب ) وأنّ كان فرداً له ، إلّا إنّه إذا قصد به حكايته ، وجعل عنواناً له ومرآته ، كان لفظه المستعمل فيه ، وكان ـ حينئذ ـ كما إذا قصد به فرد مثله.

وبالجملة : فإذا اُطلق واُريد به نوعه ، كما إذا أُريد به فرد مثله ، كان من باب استعمال اللفظ في المعنى ، وأنّ كان فرداً منه ، وقد حكم في القضية بما يعمه ، وأنّ اُطلق ليحكم عليه بما هو فرد كلّية ومصداقه ، لا بما هو لفظه وبه حكايته ، فليس من هذا الباب ، لكن الإطلاقاًت المتعارفة ظاهراً

__________________

١ ـ في « أ و ب » : حاكي.

٢ ـ في « أ » : لكليه.

١٥

ليست كذلك ، كما لا يخفى ، وفيها ما لا يكاد يصحّ أن يراد منه ذلك ، مما كان الحكم في القضية لا يكاد يعمّ شخص اللفظ ، كما في مثل : ( ضرب فعل ماض ).

الخامس

لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي ، لا من حيث هي مرادة للافظها ، لما عرفت بما لا مزيد عليه ، من أن قصد المعنى على أنحائه من مقومات الاستعمال ، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه. هذا.

مضافاً إلى ضرورة صحة الحمل والإِسناد في الجمل ، بلا تصرّف في ألفاظ الأطراف ، مع إنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة ، لما صحّ بدونه ، بداهة أن المحمول على ( زيد ) في ( زيد قائم ) والمسند إليه في ( ضرب زيد ) ـ مثلاً ـ هو نفس القيام والضرب ، لا بما هما مرادان.

مع إنّه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عاماً والموضوع له خاصاً ، لمكان اعتبارٍ خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ ، فإنّه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة فيه ، كما لا يخفى ، وهكذا الحال في طرف الموضوع.

وأما ما حكي (١) عن العلمين ( الشيخ الرئيس (٢) ، والمحقق

__________________

١ ـ راجع الشفاء ، قسم المنطق في المقالة الأولى من الفن الأوّل ، الفصل الثامن / ٤٢ ، عند قوله ( وذلك لأن معنى دلالة اللفظ ، هو ان يكون اللفظ اسما لذلك المعنى على سبيل القصد الأوّل ) انتهى.

وحكى العلاّمة الحلّي (ره) في الجوهر النضيد في شرح التجريد / ٤. عن أستاذه المحقق الطوسي (ره) قوله بأن اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه بل باعتبار الإرادة والقصد.

٢ ـ الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا الحكيم المشهور ، أحد فلاسفة المسلمين ولد سنة ٣٧٠ ه‍ بقرية من ضياع بخارى ، نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه ، لم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره إلّا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها ، صنف كتاب « الشفاء » و « النجاة » و « الإشارات » و « القانون » وغير ذلك ممّا يقارب مائة مصنّف ،

١٦

الطوسي (١) ) من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الإرادة ، فليس ناظراً إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة ، كما توهمه بعضٍ الأفاضل (٢) ، بل ناظر إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية ، أيّ دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع إرادتها منها ، وتتفرع عليها تبعية مقام الإِثبات للثبوت ، وتفرع الكشف على الواقع المكشوف ، فإنّه لولا الثبوت في الواقع ، لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجال ، ولذا لا بدّ من إحراز كون المتكلّم بصدد الإِفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه ودلالته على الإرادة ، وإلاّ لما كانت لكلامه هذه الدلالة ، وأنّ كانت له الدلالة التصورية ، أيّ كون سماعه موجباً لإخطار معناه الموضوع له ، ولو كان من وراء الجدار ، أو من لافظ بلا شعور ولا اختيار.

إن قلت : على هذا ، يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ ، والقطع بما ليس بمراد ، أو الاعتقاد بإرادة شيء ، ولم يكن له من اللفظ مراد.

قلت : نعم لا يكون حينئذ دلالة ، بل يكون هناك جهالة وضلالة ، يحسبها الجاهل دلالة ، ولعمري ما أفاده العلمان من التبعية ـ على ما بينّاًه ـ واضح لا محيص عنه ، ولا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم أن يجعل كلامهما ناظراً إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل ، فضلاً عمن هو عَلَم

__________________

وله شعر ، توفي بهمدان يوم الجمعة من شهر رمضان ٤٢٨ ه‍ ودفن بها. ( وفيات الأعيان ٢ / ١٥٧ رقم ١٩٠ ).

١ ـ المحقق خواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي الحكيم الفيلسوف ولد في طوس عام ٥٩٧ ه‍. ، درس في صغره مختلف العلوم وأتقن علوم الرياضيات وكان لا يزال في مطلع شبابه ، سافر إلى نيشابور وقضى فيها فترة ظهر نبوغه وتفّوقه ، باشر إنشاءً مرشد مراغة وأسس مكتبة مراغة ، حضر درس المحقق الحلّي عندما زار الفيحاء بصحبة هولاكو ، كتب ما يناهز ١٨٤ مؤلفاً في فنون شتىّ ، توفي ٦٨٢ ه‍ ودفن في جوار الامام موسى الكاظم عليه‌السلام. ( أعيان الشيعة ٩ / ٤١٤ ).

٢ ـ صاحب الفصول ١٧ ، السطر الأخير.

١٧

في التحقيق والتدقيق؟!.

السادس

لا وجه لتوهّم وضع للمركبات ، غير وضع المفردات ، ضرورة عدم الحاجة إليه ، بعد وضعها بموادها ، في مثل ( زيد قائم ) و ( ضرب عمرو بكراً ) شخصياً ، وبهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعيا ، ومنها خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات النسب والإضافات ، بمزاياها الخاصة من تأكيد وحصر وغيرهما نوعياً ؛ بداهة أن وضعها كذلك وافٍ بتمام المقصود منها ، كما لا يخفى ، من غير حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها ، مع استلزامه الدلالة على المعنى : تارةً بملاحظة وضع نفسها ، وأخرى بملاحظة وضع مفرداتها.

ولعل المراد من العبارات الموهمة لذلك ، هو وضع الهيئات على حدة ، غير وضع المواد ، لا وضعها بجملتها ، علاوة على وضع كلّ منهما.

السابع

لا يخفى أن تبادر المعنى من اللفظ ، وانسباقه إلى الذهن من نفسه ـ وبلا قرينة ـ علامة كونه حقيقة فيه ؛ بداهة إنّه لولا وضعه له ، لما تبادر.

ولا يقال : كيف يكون علامة؟ مع توقفه على العلم بإنّه موضوع له ، كما هو واضح ، فلو كان العلم به موقوفاً عليه لدار.

فإنّه يقال : الموقوف عليه غير الموقوف عليه ، فإن العلم التفصيلي ـ بكونه موضوعاً له ـ موقوف على التبادر ، وهو موقوف على العلم الإِجمالي الارتكازي به ، لا التفصيلي ، فلا دور. هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم ، وأما إذا كان المراد به التبادر عند أهل المحاورة ، فالتغاير أوضح من أن يخفى.

١٨

ثم إنّ هذا فيما لو علم استناد الانسباق إلى نفس اللفظ ، وأما فيما احتمل استناده إلى قرينة ، فلا يجدي أصالة عدم القرينة في إحراز كون الاستناد إليه ، لا إليها ـ كما قيل (١) ـ لعدم الدليل على اعتبارها إلّا في إحراز المراد ، لا الاستناد.

ثم إن عدم صحة سلب اللفظ ـ بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن إجمالاً كذلك ـ عن معنى تكون علامة كونه حقيقة فيه ، كما أن صحة سلبه عنه علامة كونه مجازاً في الجملة.

والتفصيل : إن عدم صحة السلب عنه ، وصحة الحمل عليه بالحمل الأولي الذاتي ، الذي كان ملاكه الاتحاد مفهوماً ، علامة كونه نفس المعنى ، وبالحمل الشائع الصناعي ، الذي ملاكه الاتحاد وجوداً ، بنحو من أنحاء الاتحاد ، علامة كونه من مصاديقه وأفراده الحقيقية (٢). كما أن صحّة سلبه كذلك علامة إنّه ليس منها ، وأنّ لم نقل بأن إطلاقه عليه من باب المجاز في الكلمة ، بل من باب الحقيقة ، وأنّ التصرف فيه في أمر عقلي ، كما صار إليه السكاكي (٣).

واستعلام حال اللفظ ، وإنّه حقيقة أو مجاز في هذا المعنى بهما ،

__________________

١ ـ قوانين الأصول / ١٣.

٢ ـ فيما إذا كان المحمول والمحمول عليه كلياً وفرداً ، لا فيما إذا كانا كليين متساويين ، أو غيرهما ، كما لا يخفى. منه قدس‌سره.

وفي نسخة « أ » لم يظهر كونه تعليقاً بل الظاهر دخوله في المتن.

٣ ـ مفتاح العلوم / ١٥٦ ، الفصل الثالث في الاستعارة.

أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي الخوارزمي ، ولد سنة ٥٥٥ ه‍ كان علامة بارعاً في فنون شتّى خصوصا المعاني والبيان ، وله كتاب « مفتاح العلوم » فيه إثنا عشر علما من علوم العربية ، وله النصيب الوافر في علم الكلام وسائر الفنون مات بخوارزم سنة ٦٢٦ ه‍. ) بغية الوعاة ٢ / ٣٦٤ رقم ٢٢٠٤ ).

١٩

ليس على وجه دائر ، لما عرفت في التبادر من التغاير بين الموقوف والموقوف عليه ، بالإِجمال والتفصيل ، أو الاضافة إلى المستعلم والعالم ، فتأمّل جيداً.

ثم إنّه قد ذكر الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز أيضاً ، ولعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات ، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها ، وإلاّ فبملاحظة خصوص ما يصحّ معه الاستعمال ، فالمجاز مطرد كالحقيقة ، وزيادة قيد ( من غير تأويل ) أو ( على وجه الحقيقة ) (١) ، وأنّ كان موجباً لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة ، إلّا إنّه ـ حينئذ ـ لا يكون علامة لها إلّا على وجه دائر ، ولا يتأتىّ التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا (٢) ، ضرورة إنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة ، لا يبقى مجال لاستعلام (٣) حال الاستعمال بالاطراد ، أو بغيره.

الثامن

إنّه للّفظ أحوال خمسة ، وهي : التجّوز ، والاشتراك ، والتخصيص ، والنقل ، والاضمار ، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الأمر بينه وبين المعنى الحقيقي ، إلّا بقرينة صارفة عنه إليه.

وأما إذا دار الأمر بينها ، ف الأصوليون ، وأنّ ذكروا لترجيح بعضها على بعضٍ وجوها ، إلّا إنّها استحسانية ، لا اعتبارٍ بها ، إلّا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى ، لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك ، كما لا يخفى.

__________________

١ ـ الزيادة من صاحب الفصول ، الفصول / ٣٨ ، فصل في علامة الحقيقة والمجاز.

٢ ـ اشتباه من « أ ».

٣ ـ في « ب » : الاستعلام.

٢٠