كفاية الأصول - المقدمة

السيد جواد الشهرستاني

كفاية الأصول - المقدمة

المؤلف:

السيد جواد الشهرستاني


الموضوع : أصول الفقه
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoul-subimagesIntroduction0001.png

١

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoul-subimagesIntroduction0002.png

٢

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoul-subimagesIntroduction0003.png

٣

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoul-subimagesrafed.png

٤

المُقَدَّمَةُ

بِسْمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله الأئمة خيرة الله .

إنّ الإِسلام الذي ارتضاه الله للإِنسان ديناً كاملاً ، وشريعة تامة ، إنما هو عبارة عن مجموعة من التعاليم التي جاء بها رسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم .

والتي تنقسم إلى تعاليم عقائدية يتكفّل ببيانها « علم الكلام » .

وإلى تعاليم أخلاقية مفصّلة في « علم الأخلاق » وإلى تعاليم شرعية ترتبط بأفعال المكلّفين ، تحدّد أحكام جميع تصرفاته : أفعاله أو تروكه ، في عباداته أو معاملاته ، أو سائر شؤونه وعلاقاته فتحدّد ما يحكم بها كلٌ من وجوب ، أو حرمة أو استحباب ، أو كراهة ، أو إباحة ، فإنّ لله في كل ما يقوم به حكماً معيناً يجب على الملتزم بالإِسلام أن يعرفه ، ويطبق تصرفه عليه ، عملاً بالتزاماته وابتعاداً عما يحتمله من الضرر في مخالفته .

والعلم المتكفّل ببيان الأحكام الشرعية ـ تلك ـ واستنباطها من مصادرها المعتمدة هو « علم الفقه » .

والفقيه هو الذي يحاول أن يعرف لكل تصرف حكمه الشرعي من خلال تلك الأدلة ، مستنبطاً له منها على أساس القواعد المقررة والأصول المعيّنة التي تعارف عليها

٥

الفقهاء .

وقد قرّر الفقهاء مجموعةً من القواعد والاُصول يجمعها هدف مشترك وهو التأثير في تصحيح عملية الاستنباط وتنسيقها ، وبعبارة متداولة « التمهيد لها » ، وقد تكفّل جمع تلك القواعد « علم أصول الفقه » .

ولذلك عرّف القدماء هذا العلم بأنه : « العلم بالقواعد الممهِّدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية » .

ويفترق علم الأصول من علم الفقه ، في أن الفقه يتكفّل ببيان الحكم الشرعي من خلال أدلته المعتمدة ، لكن الأصول يتكفّل تحديد تلك الأدلة وبيان مدى دلالتها ـ من وجهة عامة ـ أو باثبات دليليّتها ، أو تحكيم بعضها على بعض عند تعارضها ، أو بيان ما على المكلف عند فقدان أيّ دليل من تلك الأدلة .

وعلى هذا الأساس لجأ المصنّف الآخوند الخراساني إلى تعريفه بأنه : صناعة تعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام والتي ينتهي إليها في مقام العمل (١) .

ومن هنا تبدو أهميّة علم الاُصول ويبرز أثره العظيم ، فهو العلم الذي به يتمكن الفقيه من التوصل إلى أحكام الله ، والتكاليف الشرعية المقررة للعمل من عبادة أو معاملة ، اقتصادياً ، أو نظاماً عائلياً ، أو قانوناً جزائياً ، وبعبارة جامعة : ما يرتبط بتنظيم حياته ، ضمن مجتمع سليم من قوانين وانظمة ، تضمن كافة الحقوق التي له أو عليه .

ومن المعلوم أنّ المسلمين في عصر الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) لم يكونوا محتاجين إلى هذا فقد كان النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بينهم ينزل عليه

____________________________

(١) كفاية الاصول : ٩

٦

الوحي من السماء وما ينطق عن الهوى إِن هو إِلّا وحي يوحى ، فالرسول كان يحكم ويقضي بما يوحي إليه ربُّه من القرآن وبما يلهم به من السنن من غير حاجة إلى اُصول وقواعد لاستنباط الأحكام الشرعية .

« وكان أصحابه يفتون ويقضون بالنصوص التي يفهمونها بملكتهم العربية السليمة من غير حاجة إلى قواعد لغوية يهتدون بها على فهم النصوص ، ويستنبطون فيما لا نصّ فيه بملكتهم التشريعية التي ركزت في نفوسهم من صحبتهم الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ووقوفهم على أسباب نزول الآيات ، وورود الأحاديث وفهم مقاصد الشارع ومبادىٔ التشريع » (١) .

ولكن بعد مرور الزمان وابتعاد المسلمين عن مصدر التشريع ، وفقدان السليقة اللغوية ، وحدوث قضايا جديدة بحكم الاتّصال بالحضارات المختلفة ، واتّساع البلاد الإسلامية ، ودخول مجتمعات واُمم كثيرة في الدين الحنيف .. احتاج المسلمون إلى طريق يصلون به إلى معرفة الأحكام الإسلامية من نصوصها الأصيلة ، وإلى استنباط أحكام للقضايا الجديدة تتّفق مع الكتاب والسُنّة بل تنبع من الكتاب والسُنّة .

وهكذا احتاجوا إلى علم الاُصول .

وتفيد الروايات التي وصلتنا عن أئمّة اهل البيت ( عليهم السلام ) ، أنّ الأئمّة كانوا ـ في بعض الأحيان ـ يلقون إلى أصحابهم كلّيات بعض الاُمور ، ويوكلون إليهم تفريع الأحكام حسب هذه الكليات .

وأول من فتح باب هذا العلم وفتق مسائله هو باقر العلوم الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر وبعده ابنُه أبو عبد الله الصادق عليهما السلام ، وقد أمليا على جماعة من تلامذتهما قواعده ومسائله ، وقد جمع من تلك الأمالي مسائل رتّبها المتأخّرون في كتب مستقلّة متّصلة الإسناد إلى أهل البيت عليهم السلام منها كتاب « اُصول

____________________________

(٢) علم اُصول الفقه : ١٦

٧

آل الرسول » وكتاب « الفصول المهمة في اُصول الأئمّة » وكتاب « الاُصول الأصيلة » ، وكتاب « الاُصول الأصلية » .

بل أفرد بعض مباحث هذا العلم بالتصنيف هشام بن الحكم تلميذ الامام الصادق عليه السلام ، فصنّف كتاب الألفاظ ومباحثها وهو أهمّ مباحث هذا العلم (١) .

وأمّا عند أهل السُنّة فانّ أول من دوّن من قواعد هذا العلم وبحوثه مجموعة مستقلّة مرتّبة ، مؤيّداً كلّ ضابط منها بالبرهان هو محمد بن إدريس الشافعي ( المتوفى عام ٢٠٤ هـ ) .

يقول الفخر الرازي : كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلّمون في مسائل اُصول الفقه ويستدلّون ويعترضون ، ولكن ما كان لهم قانون كلّي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة ، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها فاستنبط الشافعي علم اُصول الفقه ، ووضع للخلق قانوناً كلّياً يرجع إِليه في معرفة مراتب أدلة الشرع (٢) .

هذا ، وإنّ الشافعي صنّف كتاب الرسالة ببغداد ، ولمّا رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة .

وقد بحث الشافعي في الرسالة كثيراً من المواضيع الاُصولية مثل القرآن وبيانه ، والسُنّة ومقامها بالنسبة إلى القرآن والناسخ والمنسوخ وعلل الاحاديث وخبر الواحد والإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان والاختلاف (٣) .

وقد تكلّم بعض السابقين على الشافعي في علم الاُصول كأبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحِبَي أبي حنيفة ، ولكنّ الحقّ أنّ ما ذكروه كان من قبيل القواعد والمناهج التي كان يسير عليها الفقهاء ، وهي قواعد كانت موجودة حتى في عصر

____________________________

(١) الشيعة وفنون الإسلام : ٧٨ .

(٢) الرسالة : ١٣ المقدمة ، نقلاً عن مناقب الشافعي : ٥٧ .

(٣) تاريخ التشريع : ١٦١ .

٨

الصحابة .

فعليه أنّ أول من ألّف في الاُصول كتاباً مستقلاً متكاملاً هو الشافعي في الرسالة كما قاله السبكي وكما هو المتّفق عليه بين العلماء (١) .

وعلى كل حال فقد وُجدت بعد الشافعي طريقتان ابتني عليهما البحث في علم الاُصول هما :

١ ـ طريقة المتكلّمين : وهي طريقة الشافعي والجمهور ، وتبتني اُصولهم على مجرّد الأدلّة المقتضية لإثبات القاعدة الاُصولية دون النظر إلى فروع الفقهاء وأقوالهم .

وقد سار على هذه الطريقة أكثر الاُصوليّين من الشافعية والمالكية ومن أشهر المؤلفين الّذين كتبوا على هذه الطريقة هم :

١ ـ أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ( ٢٠٤ هـ ) وله كتاب الرسالة .

وشرحه جمع كثير من علماء الشافعية كأبي بكر الصيرفي

وأبو الوليد النيسابوري ( ٣٤٩ هـ ) والقفّال الكبير ( ٣٦٥ هـ ) وأبي بكر الجوزقي النيشابوري ( ٣٨٨ هـ ) والإمام الجويني ( ٤٣٨ هـ ) .

٢ ـ أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج ( ٣٠٦ هـ ) له الردّ على ابن داود في إبطال القياس .

٣ ـ أبو الحسن الأشعري ( ٣٢٤ هـ ) له إثبات القياس واختلاف الناس في الأسماء والأحكام والخاصّ والعامّ .

٤ ـ أبو بكر الصيرفي ( ٣٣٠ هـ ) له كتاب دلائل الأعلام على اُصول الأحكام .

____________________________

(١) اُنظر : تاريخ بغداد ٢ : ٦٤ ـ ٦٥ ، معجم الاُدباء ١٧ : ٣٢٥ ، رسالة الشافعي : ١٣ ، ومناقب الشافعي للرازي : ٥٧ .

٩

٥ ـ القاضي أبو بكر الباقلاني ( ٣١٤ ه ) وله كتاب التقريل والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد .

٦ ـ القاضي عبد الجبّار المعتزلي ( ٤١٥ هـ ) وله كتاب العمد وتعتبر كتبه وكتب الباقلاني من أهمّ المصادر الاُصولية وقد اعتمد عليه كل من جاء بعدهما من الاصُوليّين .

٧ ـ أبو الحسين البصري ( ٤٣٦ هـ ) أحد أئمّة الاعتزال وله كتاب المعتمد في اُصول الفقه وقد أخذ الرازي كتاب المحصول من كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري (١) .

٢ ـ طريقة الفقهاء : وهي طريقة الحنفية ، وتبتنى اُصولهم على الفروع المنقولة عن أئمتّهم ، فقد حدّدوا القواعد والبحوث الاُصولية بتلك التي رأوا أنّ أئمّتهم بنوا عليها اجتهادهم ، وأكثروا في كتبهم من ذكر الفروع .

وقد صاغوا في بعض الأحيان القواعد الاُصولية على ما يتّفق وهذه الفروع ، فكانت وجهة نظرهم استخلاص اُصول فقه أئمّتهم من فروعهم .

وأشهر مؤلّفي هذه الطريقة هم :

١ ـ أبو منصور الماتريدي ( ٣٣٠ هـ ) له كتاب « مأخذ الشرائع » .

٢ ـ عبيد الله الكرخي ( ٣٤٠ هـ ) له كتاب في علم الاُصول .

٣ ـ أبو بكر الجصاص الرازي ( ٣٧٠ هـ ) له كتاب في الاُصول .

٤ ـ أبو زيد الدبوسي ( ٤٣٠ هـ ) له كتاب « تقويم الأدلّة وتأسيس النظر » .

٥ ـ فخر الإِسلام البزدوي ( ٤٨٣ هـ ) له كتاب في الاُصول .

٦ ـ شمس الأئمّة السرخسي ( ٤٩٠ هـ ) له كتاب في الاصول .

____________________________

(١) وفيات الاعيان ٣ : ٤٠١ .

١٠

كما انفرد عن الجميع بطريقة مبتكرة الشاطبي المالكي بكتابه الموافقات وهو كتاب نفيس قال الامام الحفيد ابن مرزوق : كتاب الموافقات المذكور من انبل الكتب وهو في سفرين .

ومن ثمة وقع الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين في كيفية استنباط الاحكام .

ووقع الخلاف ـ ايضاً ـ بين المتكلمين انفسهم ، وبين الفقهاء انفسهم ... كذلك .

وكان من نتائج هذه الاختلافات ان خرجوا بالاصول من البحث النظري الى الواقع العملي ، ونشأ علم آخر هو علم اثر الخلاف في القواعد والاصول في الفروع الفقهية ، واصبح مادة تدرس في الجامعات .

وقد كانت الحنفية السباقة في ذلك حيث بنت اصولها على الفروع الفقهية فأصبحت كتبها مشحونة بالفروع الفقهية الموافقة لها والمخالفة لها .

واما كتب المتكلمين فهي كتب عقلية محضة تبحث في القاعدة الاصولية من حيث ثبوتها وعدمها .

وكتب الجمهور ( المتكلّمين ) وان كان معظمها خالياً من الامثلة الفقهية الا ان بعضها قد وجدت فيه هذه الظاهرة وظهرت فيه الامثلة الفقهية بصورة لا بأس بها من ناحية الكثرة كما فعل الغزالي في كتابه « شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل » حيث اورد فيه جملة كبيرة من الفروع الفقهية في مجموع المسائل التي تعرض لها او بحثها أثناء الكتاب .

وكذلك فعل السبكي في كتابيه « رفع الحاجب عن ابن الحاجب » و « الابهاج بشرح المنهاج » حيث تعرض في كثير من القواعد الاصولية إلى بعض آثارها في الفقه .

والفرق بين هذه الكتب التي صنفت على طريقة المتكلمين وتخللتها الفروع الفقهية ، وبين الكتب التي صنفت على طريقة الفقهاء وتخللتها هذه الفروع ايضاً ، ان الاُولى تذكر الفروع لتبين اثر القاعدة لا لكي تستدل على صحة القاعدة ، اما الثانية فانها تذكر الفروع الفقهية للاستدلال على صحة القاعدة الاصولية .

١١

تطور علم الاصول في مدرسة آل البيت ( عليهم السلام )

سبق ان ذكرنا ان الامام الصادق ( عليه السلام ) القى على جماعة من خلّص أصحابه قواعد واسساً يستنبطون منها الاحكام ، وذكرنا كذلك تأليف هشام بن الحكم لكتاب في مباحث الالفاظ .

ولكن الظروف الطبيعية عند الشيعة ومنها طول زمان عصر النصوص الى آخر القرن الثالث تقريباً ، قد سببت تأخر تكامل علم الاصول .

ومن السابقين الذين كتبوا في هذا العلم كتاباً متكاملاً الشيخ المفيد ( ٤١٣ هـ ) في كتابه « التذكرة باُصول الفقه » الذي حفظ لنا الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ملخصاً له .

ثم كتب تلميذه السيد مرتضى ( ٤٣٦ هـ ) كتابه « الذريعة الى اصول الشريعة » وهو اقدم كتاب اصولي عند الشيعة فقد ناقش آراء اُصوليّي السنة مناقشة جادة ومتينة ورد استدلالاتهم بادلة اقوى ، فقد ناقش الشافعي وابا حنيفة والجبائيين وابا الحسين البصري والنظام والقفال وغيرهم .

وكتب تلميذه الشيخ الطوسي ( ٤٦٠ هـ ) كتابه « عدة الاصول » .

وهذان الكتابان يعتبران المرحلة الاولى التي قامت على ضوء منهجية خاصة في هذا الباب وكانا يدرسان في الحوزات العلمية الى عهد قريب .

ولم يحدث بعدهما تطور له اثره الى عهد العلامة الحلي ( ٧٢٦ هـ ) حيث ابدع في هذا العلم وألف كتباً كثيرة أهمّها:

١ ـ نهاية الوصول في علم الاصول .

٢ ـ تهذيب الوصول في علم الاصول .

٣ ـ مبادىٔ الوصول في علم الاصول .

وكان همّ مَن بعد العلامة شرح كتبه ، ولذلك نجد في كتب الفهارس مجموعة

١٢

كبيرة من شروح كتبه الاصولية (١) ومن اشهرها « منية اللبيب » لضياء الدين الاعرجي و « شرح التهذيب » لعميد الدين الاعرجي ، من ابناء اخت العلامة الحلي ، وهما من اعلام القرن الثامن الهجري .

وقد جمع الشهيد الاول ( ٧٨٦ هـ ) بين هذين الكتابين واضاف اليهما بعض تحقيقاته في كتاب سماه « جامع البين » .

وبعد مدرسة العلامة أخذ المدّ الاخباري في العقد الرابع من القرن الحادي عشر الهجري بالتوسع ، وانخرط في ذلك السلك جلّ علماء الشيعة وفقهاؤهم في العراق ومن ثم في ايران وكانت اصفهان المعهد العلمي للشيعة في ذلك الزمان ، وكانت تنحو منحى الاصوليين ولو ان المجلسي الاول كان أخبارياً والمجلسي الثاني كان حداً وسطاً بين الاصوليين والاخباريين .

وقد تمكن زين الدين علي بن سليمان بن درويش البحراني ( ١٠٦٤ هـ ) من نقل فكرة الاخبارية من ايران الى البحرين .

وبذلك تمكن الاخباريون من الهيمنة على الفقه الشيعي خلال قرن من الزمان .

وأهم أعلام الإخباريين:

١ ـ المولى محمد أمين الاسترابادي ( ١٠٣٦ هـ )

٢ ـ المولى محسن الفيض الكاشاني ( ١٠٩١ هـ )

٣ ـ الشيخ يوسف البحراني ( ١١٨٦ هـ ) مؤلف الحدائق الناضرة

٤ ـ الحر العاملي ( ١١٠٤ هـ ) مؤلف وسائل الشيعة

٥ ـ السيد نعمة الله الجزائري ( ١١١٢ هـ )

٦ ـ المجلسي الاول ( ١٠٧٠ هـ )

٧ ـ سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني ( ١١٢١ هـ )

٨ ـ عبد الله بن صالح السماهيجي البحراني ( ١١٣٥ هـ )

____________________________

(١) الذريعة ٦ : ٥٤ و ١٥٠ ، ١٣ : ١٦٥ ـ ١٧٠ ، ١٤ : ٥٢ ـ ٥٤ .

١٣

وفي اواسط القرن الثاني عشر ظهر علم عظيم من اعلام التشيع تمكن بفكره الثاقب ونزعته الاصولية من القضاء على الفكر الاخباري واعادة الطريقة الاصولية الى مكانها الطبيعي في الدراسات الحوزوية .

هذا العلم هو استاذ الكل على الاطلاق محمد باقر بن محمد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني ( ١٢٠٥ هـ ) .

وقد كانت مدرسة الوحيد البهبهاني مباركة الانتاج حميدة الاثر في تطور علم الاصول فقد كتب تلاميذ هذه المدرسة عشرات الكتب في الاصول واهمها :

١ ـ القوانين ، لابي القاسم بن الحسن الجيلاني المعروف بالمرزا القمي ( ١٢٣١ هـ ) .

٢ ـ الفصول الغروية ، لمحمد حسين بن محمد رحيم الاصفهاني ( ١٢٥٤ هـ ) .

٣ ـ هداية المسترشدين ، لمحمد تقي بن محمد رحيم الاصفهاني ( ١٢٤٨ هـ ) .

٤ ـ مفاتيح الاصول لِلسيد المجاهد السيد محمد الطباطبائي (١٢٤٢ هـ ) .

٥ ـ الضوابط لِلسيد ابراهيم القزويني ( ١٢٦٢ هـ ) .

ثم جاءت مدرسة الشيخ الانصاري لتتوج تطور علم الاصول عند الشيعة ، ولترفعه الى القمة التي لا تدانيها فيها مدرسة اخرى ـ سواء عند الشيعة ام السنة ـ فقد أسس ( قدس سره ) مدرسته الاصولية على اُسس راسخة ساعدها فكر ثاقب بناء ، وبذلك فقد فتح آفاقاً واسعة جديدة امام الباحثين في هذا العلم .

وألف كتابه العظيم « فرائد الاصول » الذي هو من خيرة كتب الاصول ، واصبح عليه المعول في الدراسات الحوزوية ، والمحور الذي تدور عليه رحى ابحاث الخارج .

واستمرت مدرسة الشيخ الانصاري في العطاء العلمي فخرّجت المئات من فطاحل العلماء من ابرزهم الاخوند الخراساني ( ١٣٢٩ هـ ) .

*      *     *     *

١٤

حياة المؤلف

ولد الشيخ الآخوند في عام ١٢٥٥ هجرية في عهد محمد شاه ثالث ملوك الاسرة القاجارية وفي بيئة معروفة بالصلاح ومشهورة بالسداد فقد كان والده المولى حسين تاجر الحرير المعروف في مشهد من اهل هراة ، محباً للعلم والعلماء . وبلغ حبه لهداية الناس ان قصد كاشان وبقي فيها مدة من الزمان يؤدي وظيفته في الوعظ والارشاد .

دراسته في مشهد :

بدأ الشيخ في مشهد بدراسة المقدمات ، واكمل هناك العربية والمنطق وشيئا من علمي الاصول والفقه ، واستمرت هذه المرحلة من دراسته الىٰ بلوغه الثالثة والعشرين من عمره .

ثم تاقت نفسه الى استكمال تحصيله العلمي فقصد حوزة النجف العلمية الكبرىٰ ، وشد الرحال الى بغيته ، ولكن سفرته هذه طالت حوالي السنتين .

في الطريق الى النجف الأشرف :

غادر الشيخ مشهد متوجهاً الى النجف سنة ١٢٧٧ هجرية ومرّ بسبزوار فقصد شيخ علمائها المولى هادي السبزواري صاحب المنظومة لارتشاف من نميره واستقر في مدرسة سبزوار من رجب ١٢٧٧ هـ الى ذي الحجة ١٢٧٧ هجرية .

ثم سافر الىٰ طهران وتتلمذ هناك على يد الحكيم المتأله ميرزا ابو الحسن جلوه والمولىٰ حسين الخوئي في الفلسفة والحكمة ، واستقر في مدرسة الصدر ، وكان شريكه في غرفته تلميذ آخر هو المولىٰ عبد الرسول المازندراني .

وبقي في طهران ثلاثة عشر شهراً وعشرين يوماً .

ولم يترك خلال ذلك مقصده الاصلي ـ النجف ـ ولم يكن الشيخ قدس سره

١٥

يملك المال الكافي للوصول الى النجف .... فبقي في طهران ..

ولكن الله اذا اراد شيئاً هيأ اسبابه ... فبينما كان الشيخ جالساً في غرفته يفكر بحل يوصله الىٰ غايته ، وفي يوم من أيام سنة ١٢٧٨ هـ دخل عليه زميله المولىٰ عبد الرسول وأخبره بأن لدىٰ متولي المدرسة ( مدرسة الصدر ) وجوهاً شرعية تتعلق بالصلاة والصوم ويمكن للشيخ أن يستفيد منها لمواصلة سفره بعد تأدية الواجب الشرعي .. وكان المبلغ مائة تومان ، وتعهّد الشيخ ان يصوم ويصلي مقابل هذه المائة تومان عن عشرين عاما .

وهنا ارتاح بال الشيخ « ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر ! »

النجف الاشرف :

مهوىٰ أفئدة المؤمنين ، وغاية آمال المُحصلين .. الحوزة الكبرى للعلوم الشرعية ، مجمع فطاحل العلماء واكابر الزهاد والاتقياء ، الحصن الحافظ لعلوم آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

كل هذا نابع من مرقد باب علم مدينة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ووصيه وحبيبه وأخيه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) : هذا النجم المتلألئ الذي تتعشقه العيون وتهفوا اليه القلوب وترتاح الى تربته الاجساد ..

النجف .. أصبح في متناول يد الشيخ ، ولو استطاع ان يطير اليه بجناح لفعل !

لقد توجه الشيخ الى النجف وقلبه أمام الركب ، ووصل الشيخ وحطّ رحاله عند عتبة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وذلك في زمان زعامة الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره .

الحوزة ومنهجيتها العلمية :

تمتاز الحوزات العلمية عن الدراسات الحديثة بالمنهجية المنفتحة الحرة ، حيث يُعطى الطالب مُنتهى الحرية في اختيار موضوع الدرس أو الكتاب الدراسي .. وكذلك

١٦

في اختيار الاستاذ واختيار وقت الدرس .

فكل كتاب له اسلوبه وطريقته الخاصة به ، والاساتذة كل له اسلوبه الخاص ونَفَسَه في التدريس ، فللطالب ان يختار المدرس الذي يرتاح الى طريقته .

والوقت .. الوقت في الحوزات مطلق لأن العلم لا يحدّ بزمان ولا بمكان فللطالب أن يختار الوقت الذي يكون في أنشط ، وتقبله للدرس أكثر .

فعلاقة الطالب بالعلم في الحوزة علاقة حب وشوق ... علاقة مقدسة ، فهو يدرس ويتعلم لانه يرىٰ ان العلم واجب ديني يخدم أهدافه في طاعة الله وإرشاد عباده ، وليس العلم وسيلة الىٰ شهادة او وظيفة للارتزاق .

فالعالم موظف ـ واقعاً ـ ولكن تابع لله ، وللرسول الاعظم ، ولآل بيته عليهم السلام .

وهكذا كان .. فقد بدأ الشيخ رحمه الله دراسته في النجف عند علامة عصره ووحيد دهره الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الانصاري ، ولازمه مدة عامين من الزمن حاضراً أبحاثه متأثراً بآرائه وأفكاره حتى وفاته عام ١٢٨١ هـ .

وقد كان الشيخ الأعظم يحبه حبا كثيراً ويقربه اليه ويستمع لاشكالاته .

تلقيبه بالآخوند :

نقل عن السيد هبة الدين الشهرستاني ، ان الشيخ الآخوند كان يسافر الى كربلاء لزيارة الامام الحسين عليه السلام في أيام حياة استاذه الشيخ الانصاري وفي احد الايام وبعد إتمام الزيارة رأىٰ الآخوند الأردكاني جالساً على منبر التدريس والكل مصغون اليه فجلس الشيخ محمد كاظم الخراساني يستمع ويصغي بما يملي الاردكاني على تلاميذه ومن ثم ذكر مسألة للشيخ الأنصاري واورد عليه اشكالين ثم انهى درسه . وقد رأى الشيخ الخراساني بان اشكالات الآخوند الاردكاني صحيحة ومتينة .

وعندما رجع الى النجف وحضر درس استاذه الاعظم الانصاري ذكر له القصة

١٧

كاملة . فقبل الاستاذ الاشكال الاول ورّد الثاني ، ولكن الخراساني أصرّ على صحة الأشكال الثاني وان الحق مع الاردكاني .. واستمرت المناظرة مدة طويلة حتى انتبه احد الطلاب ليقول الى صديقه .. انظر لهذا الآخوند كيف يؤيد اقوال ذلك الآخوند . وقال طالب آخر .. قرت عيوننا بهذا الآخوند بعد ذاك الآخوند .

فهكذا صار « الآخوند » لقباً ملازماً للشيخ محمد كاظم الخراساني حتى كاد يطغى علىٰ الاسم .

وبعد وفاة الشيخ الاعظم الانصاري حضر الآخوند مجالس الامير السيد علي التستري في الفقه وكذلك تتلمذ علىٰ يد العلامة الشيخ راضي المتوفى عام ١٢٩٠ هـ .

واضافة لهؤلاء لازم مجلس درس الميرزا محمد حسن المجدد الشيرازي الذي انعقدت له زعامة الشيعة بعد وفاة شيخها الانصاري .

وكان الشيخ الآخوند يقول « انني اتخذت المحقق الانصاري اول ما حللت النجف شيخاً لنفسي ، واتخذت سيدنا الميرزا حسن الشيرازي استاذاً ، فكنت اختلف الى سيدي الاستاذ وأحضر أبحاثه الخصوصية والعمومية ثم بصحبته نحضر معاً درس شيخنا الانصاري فنكمل استفاداتنا من بياناته .. » .

وقد لازم الآخوند السيد المجدد أكثر من عشر سنوات ملازمة الظل فكان يحضر ابحاثه الى ان سافر السيد المجدد الى كربلاء ومن ثم الى سامراء ليستقر فيها عام ١٢٩٢ هـ فسافر معه الى سامراء للارتشاف من معين علمه الصافي ، ولكنه لم يطل المكث هناك حيث أمره السيد الشيرازي بالرجوع الى النجف لادارة الحوزة ورعاية الطلاب وقضاء حوائجهم .

ورجع الآخوند الىٰ النجف وتصدى للتدريس ولامتيازه في محاضراته الاصولية ببساطة النظر في الافكار العالية الفلسفية ، والايجاز في البحث باسقاط زوائده وغض النظر عن التفريعات غير المجدية ، وبذلك فقد استطاع الآخوند رحمه الله ان يكون هو المدرس الاول في الحوزة العلمية بالرغم من وجود علمين كبيرين من اعلام

١٨

الطائفة هما الميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ هادي الطهراني .

يقول السيد الأمين واصفاً هذه الميزة من ميزات درس المترجم له : « وتميز عن جميع المتأخرين بحب الايجاز والاختصار وتهذيب الاصول والاقتصار على لباب المسائل وحذف الزوائد مع تجديد في النظر وإمعان في التحقيق » (١) .

وقد انتشر صيت الآخوند في ارجاء المعمورة ودوى اسمه في الآفاق ، ونال من المنزلة الرفيعة والمقام الشامخ العلمي مما اضطر للاذعان به أكابر علماء المسلمين حتى « حضر لديه في تلك السنين حاكم النجف الأشرف من آل الآلوسي فعرض لحضرته ان بعض الافاضل المؤلفين كتب اليه من الاستانه كتاباً يقول فيه : بلغني ان عالماً خراسانياً ظهر في النجف وجدد معالم فن الاصول وأنه في هذا العصر كالعضدي في زمانه فارسل ترجمته واحواله بقدر ما تستطيع » (٢) .

وقد تجاوزت شهرته في العلم وبراعته في التدريس آفاق النجف بل آفاق العراق « حتى وصل خبر ذلك الىٰ جميع ارجاء الدولة العثمانية ، واشتاق علماء ذلك الديار للحضور في مجلس درس هذا العالم العيلم حتى قام شيخ الاسلام بنفسه لرؤية الشيخ الآخوند والارتشاف من نمير علمه بحجة انه يروم السفر الى قبر أبي حنيفة في بغداد .

ومن ثم عرج من بغداد الى النجف ليشاهد الحوزة التي مضى عليها حوالي الألف عام وكان الشيخ الآخوند يدرس في مسجد الطوسي ، ودخل شيخ الاسلام بدون سابق انذار ، وبمجرد دخوله حدثت همهمة بين الطلاب وفسحوا له المجال ليجلس في المكان المناسب له بالقرب من المنبر .

وهنا ظهرت براعة الآخوند وفراسته ، فانه بمجرد ان رأى شيخ الاسلام ـ وقد عرفه من ملابسه ومن هيئة المحيطين به ـ فنقل البحث الى قول أبي حنيفة بأن « النهي

____________________________

(١) اعيان الشيعة ٩ : ٥ ـ ٦ ، والمصلح المجاهد : ٣٢ .

(٢) مجلة العلم : العدد الثامن السنة الثانية اول صفر ١٣٣٠ هـ ، ص ٣٤١ .

١٩

في الوجوب والحرمة دليل الصحة لا الفساد » وشرع في بيان هذا الدليل وما يؤيده على احسن ما يرام وببيان جذاب ، فاندهش شيخ الاسلام من تسلط الآخوند على مباني ابي حنيفة وغيره من أئمة السنة ، وغرق في بحر التأملات ، وكيف ان هذا العلم قد وصل في النجف الى ما وصل !! .

ثم انبرى الآخوند يذكر الاشكالات الواحد تلو الآخر على قول ابي حنيفة المذكور فما كان من شيخ الاسلام الا التصديق والاذعان لما يقوله الآخوند .

واستمر الآخوند في ذكر اقوال العلماء حتى وصل الى الرأي الفصل وهو رأي استاذه الاكبر الشيخ الانصاري بأن « النهي في الوجوب والحرمة دليل علىٰ فساد ذاك الحكم » .

وعندما وصل في بحثه الى هذا الحد قال : الظاهر ان القادم هو شيخ الاسلام العثماني واحتراماً لمقدمهِ انزل عن المنبر ليفيض علينا من بعض علومه .

ولكن شيخ الاسلام الذي بهرته معلومات الشيخ الآخوند ، ولكثرة حضار مجلس الدرس الذي تجاوز عددهم الألف أبىٰ ان يصعد المنبر وآثر الجلوس مع الشيخ برهة من الزمن .

ويقال ان جلّ حديثهِ في سفره عند رجوعه الى بلده كان يدور حول شخصية الآخوند ومكانته العلمية .. (١)

وقد كان الشيخ الآخوند الخراساني ذا صوت جهوري بحيث يستطيع سماعه ـ وهو في أيام الصيف على سطح مسجد الطوسي ـ كل من كان يحيط به بالمسجد من خارجه ، فكان الطلاب يسمعون محاضراته علىٰ بعد بكل وضوح ، كل ذلك أدّى الى اتساع دائرة تلامذته وكثر حضار درسه .

واما عدد الحاضرين لدروسه فقد تضاربت فيه الاقوال :

يقول الشيخ اغا بزرك الطهراني : « وقد سمعت ممن أحصى تلاميذ الاستاذ

____________________________

(١) تاريخ روابط إيران وعراق : ٢٦٥ .

٢٠