🚘

مسند الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام - ج ٢

الشيخ عزيز الله العطاردي

مسند الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام - ج ٢

المؤلف:

الشيخ عزيز الله العطاردي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: انتشارات عطارد
المطبعة: افست
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

٤١ ـ باب ما جرى فى ليلة عاشوراء

١ ـ قال الصدوق : فقام الحسين عليه‌السلام فى أصحابه خطيبا فقال اللهمّ انّى لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتى ، ولا أصحابا هم خير من أصحابى ، وقد نزل بى ما قد ترون ، وأنتم فى حلّ من بيعتى ليست لى فى أعناقكم بيعة ، ولا لى عليكم ذمّة ، وهذا اللّيل قد غشيكم ، فاتّخذوه جملا وتفرقوا فى سواده فان القوم إنمّا يطلبونى ولو ظفروا بى لذهلوا عن طلب غيرى.

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبى طالب ، فقال يا ابن رسول الله ما ذا يقول لنا الناس ان نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيّدنا وابن سيّد الاعمام وابن نبيّنا سيد الأنبياء ، لم نضرب معه بسيف ولم نقاتل معه برمح لا والله أو نرد موردك ونجعل أنفسنا دون نفسك ودماءنا دون دمائك فاذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا وخرجنا ممّا لزمنا.

وقام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلى ، فقال يا ابن رسول الله وددت أنى قتلت ثمّ نشرت ، ثمّ قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت ثم نشرت ، فيك وفى الدين معك

٣

مائة قتله وأن الله دفع بى عنكم أهل البيت ، فقال له ولاصحابه جزيتم خيرا (١).

٢ ـ قال المفيد : فجمع الحسين عليه‌السلام أصحابه عند قرب المساء ، قال علىّ بن الحسين زين العابدين عليهما‌السلام فدنوت منه لا سمع ما يقول لهم ، وأنا اذ ذاك مريض ، فسمعت أبى يقول لأصحابه : أثنى على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضرّاء ، اللهمّ إنّى أحمدك على أن كرّمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا فى الدّين وجعلت لنا أسماء وأبصارا وأفئدة فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد فانّى لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابى ، ولا أهل بيت أبّر ولا أوصل من أهل بيتى ، فجزاكم الله عنّى خيرا ألا وانّى لا أظنّ يوما لنا من هؤلاء إلّا وانّى قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا فى حلّ ليس عليكم منّى ذمام ، هذا اللّيل قد غشيكم ، فاتّخذوه جملا ، فقال له اخوته وابناؤه وبنوا أخيه وابنا عبد الله ابن جعفر لم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا ، بدأهم بهذا القول العبّاس ابن على عليهما‌السلام واتّبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه.

فقال الحسين عليه‌السلام يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم ، قالوا سبحان الله فما يقول الناس يقولون : إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبنى عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندرى ما صنعوا لا والله ما نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتّى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك وقام إليه مسلم بن عوسجة.

فقال أنحن نخلّى عنك وبما نعتذر إلى الله فى أداء حقّك ، أما والله حتّى أطعن

__________________

(١) أمالى الصدوق ٩٥.

٤

فى صدورهم برمحى وأضربهم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى ولو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله انّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك ، أما والله لو قد علمت أنّى اقتل نمّ أحيى ثمّ أحرق ثمّ أحيى ثمّ اذرى يفعل ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامى دونك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنمّا هى فتلة واحدة ثمّ هى الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبدا ، وقام زهير ابن القين رحمة الله عليه.

فقال والله لوددت انّى قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى اقتل هكذا ألف مرّة ، وانّ الله عزوجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء ، الفتيان من أهل بيتك ، وتكلّم جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد فجزاهم الحسين عليه‌السلام خيرا وانصرف الى مضربه.

قال علىّ بن الحسين عليهما‌السلام : انّى جالس فى تلك العشية التي قتل أبى فى صبيحتها وعندى عمّتى زينب تمرّضنى إذ اعتزل أبى فى خباء له وعنده جون مولى أبى ذر الغفّارى وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول :

يا دهر افّ لك من خليل

كم لك بالاشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنمّا الأمر إلى الجليل

وكلّ حىّ سالك سبيل

فاعادها مرّتين أو ثلثا حتّى فهمتها وعرفت ما أراد ، فخنقتنى العبرة ، فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أنّ البلاء قد نزل ، وأمّا عمّتى ، فانّها سمعت ما سمعت وهى امرأة ومن شان النساء الرقّة والجزع ، فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها وإنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه فقالت وا ثكلاه ليت الموت أعد منى الحياة ، اليوم ماتت امّى فاطمة وأبى علىّ وأخى الحسن عليهم‌السلام يا خليفة الماضين وثمال

٥

الباقين.

فنظر إليها الحسين عليه‌السلام فقال لها يا أخية لا يذهبنّ حلمك الشيطان ، وترقرقت عيناه بالدّموع ، وقال لو ترك القطا لنام ، فقالت يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا ، فذاك أقرح لقلبى وأشدّ على نفسى ، ثمّ لطمت وجهها ، وهوت الى جيبها فشقّته وخرّت مغشيا عليها ، فقام إليها الحسين عليه‌السلام فصبّ على وجهها الماء وقال لها أيها.

يا أختاه اتّقى الله وتعزّى بعزاء الله واعلمى أنّ أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون ، وأنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه الله الّذي خلق الخلق بقدرته ، ويبعث الخلق ويعيدهم ، وهو فرد وحده ، جدّى خير منّى وأبى خير منّى وامّى خير منّى ، وأخى خير منّى ، ولى ولكلّ مسلم برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أسوة فعزّاها بهذا ونحوه وقال لها يا أخيّة انّى اقسمت عليك فأبرّى قسمى لا تشقّى علىّ جيبا ولا تخمشى علىّ وجها ولا تدعى علىّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت.

ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندى ، ثمّ خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرب بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها فى بعض وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم ، وعن ايمانهم ، وعن شمالهم ، قد حفّت بهم إلّا الوجه الّذي يأتيهم منه عدوّهم ، ورجع عليه‌السلام إلى مكانه فقام الليل كلّه يصلّى ويستغفر ويدعو ويتضرّع وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون.

قال الضحّاك بن عبد الله ومرّ بنا خيل لابن سعد تحرسنا وانّ حسينا عليه‌السلام ليقرأ «ولا تحسبنّ ... (الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ، ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ

٦

الطَّيِّبِ) فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله بن سمير وكان مضحاكا ، شجاعا بطلا فارسا فاتكا فقال نحن وربّ الكعبة الطيّبون ، ميّزنا منكم فقال له : برير بن خضير : يا فاسق أنت يجعلك الله من الطّيبين ، فقال له من أنت ، ويلك فقال له أنا برير بن خضير فتسابّا (١).

٣ ـ قال ابن شهرآشوب : فجمع الحسين عليه‌السلام أصحابه ، وحمد الله واثنى عليه ثمّ قال بعد دعاء وكلام كثير ، وإنّى قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا فى حلّ ، ليس عليكم منّى ذمام ، هذا اللّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملا ، وليأخذ كلّ رجل بيد رجل من أهل بيتى ، وتفرّقوا فى سوادكم ومدائنكم ، فانّ القوم إنّما يطلبوننى ولو قد أصابونى لهوا عن طلب غيرى ، فأبوا ذلك كلّهم.

فقال مسلم بن عوسجة الأسدي : والله لو علمت انّى اقتل ثمّ أحيى ثمّ أحرق ، ثمّ اذرى يفعل بى ذلك سبعين مرّة ، ما تركتك ، فكيف وإنمّا هى قتلة واحدة ثمّ الكرامة إلى الأبد ، وتكلّم سعد بن عبد الله الحنفى وزهير بن القين وجماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا.

فاوصى الحسين عليه‌السلام أن لا يشقّوا عليه جيبا ولا يخمشوا وجها ولا يدعى بالويل والثبور ، وباتوا قارءين راكعين ساجدين ، قال علىّ بن الحسين عليهما‌السلام انّى لجالس فى تلك اللّيلة الّتي قتل فى صبيحتها وكان يقول :

يا دهر افّ لك من خليل

كم لك بالاشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنمّا الأمر إلى الجليل

وكلّ حىّ فالى سبيل

__________________

(١) الارشاد : ٢١٤.

٧

ما اقرب الوعد من الرحيل

قالت زينب كأنّك تخبر أنّك تغصب نفسك اغتصابا ، فقال لو ترك القطا ليلا لنام ، فلمّا اصبحوا عبّى الحسين عليه‌السلام أصحابه وأمر بأطناب البيوت فقربت حتّى دخل بعضها فى بعض ، وجعلوها وراء ظهورهم ، ليكون الحرب من وجه واحد ، وأمر بحطب وقصب كانوا أجمعوه وراء البيوت فطرح ذلك فى خندق جعلوه وألقوا فيه النار وقال لا تؤتى من ورائنا (١).

٤ ـ قال ابن طاوس : قال الراوى وجلس الحسين عليه‌السلام فرقد ثمّ استيقظ ، فقال : يا اختاه إنّى رأيت الساعة جدّى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبى عليّا وأمّى فاطمة وأخى الحسن وهم يقولون يا حسين انك رائح إلينا عن قريب وفى بعض الروايات غدا ، قال الراوى فلطمت زينب وجهها وصاحت وبكت ، فقال لها الحسين مهلا لا تشمتى القوم بنا ثمّ جاء اللّيل فجمع الحسين عليه‌السلام أصحابه فحمد الله واثنى عليه ثمّ أقبل عليهم فقال :

أمّا بعد فانّى لا أعلم أصحابا أصلح منكم ، ولا أهل بيت أبّر ولا أفضل من أهل بيتى ، فجزاكم الله جميعا عنّى خيرا وهذا اللّيل قد غشيكم ، فاتّخذوه جملا ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى وتفرّقوا فى سواد هذا اللّيل وذرونى وهؤلاء القوم ، فانّهم لا يريدون غيرى ، فقال له إخوته وأبناؤه وابناء عبد الله بن جعفر ، ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك ، لا أرانا الله ذلك أبدا ، بدأهم بذلك القول العبّاس ابن علىّ عليه‌السلام ثمّ تابعوه.

قال الراوى ثمّ نظر إلى بنى عقيل فقال : حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢١٦

٨

اذهبوا فقد أذنت لكم (١).

٥ ـ عنه روى من طريق آخر ، قال فعندها تكلّم إخوته وجميع أهل بيته وقالوا : يا ابن رسول الله فما يقول الناس لنا وما ذا نقول لهم إنّا تركنا شيخنا وكبيرنا وابن بنت نبيّنا لم نرم معه بسهم ، ولم نطعن معه برمح ، ولم نضرب بسيف ، لا والله يا ابن رسول الله لا نفارقك أبدا ولكنّا نقيك بأنفسنا حتّى نقتل بين يديك ، ونردّ موردك ، فقبح الله العيش بعدك.

ثمّ قام مسلم بن عوسجة وقال : نحن نخليك هكذا وننصرف عنك ، وقد أحاط بك هذا العدوّ لا والله لا يرانى الله أبدا وأنا أفعل ذلك حتّى اكسر فى صدورهم رمحى وأضاربهم بسيفى ، ما ثبت قائمه بيدى ، ولو لم يكن لى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولم أفارقك أو أموت معك ، قال وقام سعيد بن عبد الله الحنفى.

فقال : لا والله يا ابن رسول الله لا نخليك أبدا حتّى يعلم الله أنا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ولو علمت انّى اقتل فيك ، ثمّ أحيى ثمّ أخرج حيا ثمّ أذرى يفعل ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتك حتّى القى حمامى دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنمّا هى قتلة واحده ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

ثمّ قام زهير بن القين وقال والله يا ابن رسول الله لوددت انّى قتلت ثمّ نشرت ألف مرّة ، وأنّ الله تعالى قد دفع القتل عنك وعن هؤلاء الفتية ، من إخوانك وولدك ، وأهل بيتك وتكلّم جماعة من أصحابه بنحو ذلك وقالوا : أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفّينا لربنا وقضينا ما علينا.

__________________

(١) اللهوف : ٣٩.

٩

قيل لمحمّد بن بشير الحضرمى فى تلك الحال قد اسر ابنك بثغر الرّى ، فقال عند الله احتسبه ونفسى ما كنت أحبّ أن يوسر وأنا أبقى بعده ، فسمع الحسين عليه‌السلام قوله ، فقال: رحمك الله أنت فى حلّ من بيعتى ، فاعمل فى فكاك ابنك ، فقال اكلتنى السباع حيا إن فارقتك ، قال فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها فى فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.

قال الراوى : وبات الحسين عليه‌السلام وأصحابه تلك اللّيلة ولهم دوىّ كدوىّ النحل ، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد ، فعبر عليهم فى تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا وكذا كانت سجيّة الحسين عليه‌السلام فى كثرة صلاته وكمال صفاته (١)

٦ ـ قال الفتال : فجمع الحسين عليه‌السلام أصحابه عند قرب المساء قال علىّ بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام : فدنوت منهم لأسمع ما يقول لهم ، وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبى عليه‌السلام يقول لأصحابه : اثنى على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء ، اللهمّ انّى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلّمتنا القرآن وفهّمتنا فى الدين ، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد فإنّى لا أعلم أصحابا ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أصحابى ، وأهل بيتى ، فجزاكم الله عنّى خيرا ألا وإنّى لأظنّ يوما لنا من هؤلاء ، إلّا وقد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا فى حلّ ليس عليكم من ذمام ، هذا اللّيل ، قد غشيكم فاتّخذوه جملا ، فقال إخوته وأبناءه وبنى أخيه وابنا عبد الله بن جعفر لم نفعل لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك اليوم أبدا بدأهم بهذا القول العبّاس بن على رضى الله عنه ، واتبعته

__________________

(١) اللهوف : ٤٠.

١٠

الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه.

فقال الحسين عليه‌السلام : يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم ، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم ، قالوا سبحان الله ما نقول للنّاس نقول انّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبنى عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندرى ما صنعوا لا والله لا نفعل ولكن نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتّى نرد موردك فقبّح الله العيش بعدك.

قال مسلم بن عوسجة والله لو علمت أنّى اقتل ثمّ أحيا ثمّ احرق ثمّ أحيا ثمّ احرق ثمّ أذرى ، يفعل بى ذلك سبعين مرّة ما فارقتك ، حتّى ألقى حمامى من دونك ، وكيف لا أفعل ذلك ، وإنّما هى قتلة واحدة ، ثمّ هى الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبدا ، وقام زهير بن القينرحمه‌الله.

فقال والله لوددت انّى قتلت حتّى أقتل ، هكذا ألف مرّة ، وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتيان ، من أهل بيتك ، وتكلّم بعض أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد ، فجزاهم الحسين خيرا وانصرف الى مضربه ، قال علىّ بن الحسين عليهما‌السلام بينا أنّى جالس فى تلك العشية الّتي قتل فى صبيحتها أبى ، وعندى عمّتى زينب تمرّضنى إذا اعتزل أبى فى خباء وعنده فلان مولى أبى ذر الغفارى رضى الله عنه وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول :

يا دهر افّ لك من خليل

كم لك فى الاشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنّما الامر الى الجليل

وكلّ حىّ سالك سبيل

فأعادها مرّتين أو ثلثا حتّى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتنى العبرة فرددتها ولزمت السكوت ، وعلمت انّ البلاء قد نزل ، قال الضحّاك بن عبد الله ومرّ بنا

١١

خيل لابن سعد ، يحرسنا وأنّ حسينا عليه‌السلام ليقرأ «ولا تحسبنّ ... (الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ، ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (١).

٧ ـ قال أبو الفرج : كان عبيد الله بن زياد ـ لعنه الله ـ قد ولى عمر بن سعد الرى فلمّا بلغه الخبر وجه إليه أن سر إلى الحسين أوّلا فاقتله فاذا قتلته رجعت ومضيت الى الرى فقال له : اعفنى أيّها الأمير قال : قد أعفيتك من ذلك ومن الرى ، قال : اتركنى أنظر فى أمرى فتركه ، فلمّا كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش ، لقتال الحسين ، فلمّا قاربه وتوافقوا قام الحسين فى أصحابه خطيبا فقال :

اللهمّ إنّك تعلم انّى لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابى ، ولا أهل بيت خيرا من أهل بيتى فجزاكم الله خيرا ، فقد آزرتم وعاونتم والقوم لا يريدون غيرى ولو قتلونى لم يبتغوا غيرى أحدا ، فاذا جنكم اللّيل فتفرّقوا سواده وانجوا بأنفسكم فقام إليه العبّاس بن على أخوه وعلىّ ابنه وبنو عقيل فقالوا له : معاذ الله والشهر الحرام ، فما ذا نقول للنّاس إذا تركنا سيدنا وابن سيدنا وعمادنا وتركناه غرضا للنبل ودريئة للرماح وجزرا للسباع ، وفررنا عنه رغبة فى الحياة معاذ الله بل نحيا بحياتك ونموت معك فبكى وبكوا عليه ، وجزاهم خيرا ثم نزل صلوات الله عليه (٢).

٨ ـ عنه حدّثنى عبد الله بن زيدان البجلى ، قال حدّثنا محمّد بن زيد التميمى ، قال حدّثنا نصر بن مزاحم ، عن أبى مخنف ، عن الحرث بن كعب ، عن علىّ بن الحسين عليه‌السلام قال : انّى والله لجالس مع أبى فى تلك اللّيلة وأنا عليل وهو يعالج سهاما له وبين يديه جون مولى أبى ذر الغفارى إذ ارتجز الحسين عليه‌السلام :

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٥٧.

(٢) مقاتل الطالبيين : ٧٤.

١٢

يا دهر أف لك من خليل

كم لك فى الاشراق والأصيل

من صاحب وما جد قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنّما الأمر الى الجليل

وكلّ حىّ سالك السبيل

قال : وأمّا أنا فسمعته ورددت عبرتى ، وأمّا عمّتى فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع فشقت ثوبها ولطمت وجهها ، وخرجت حاسرة تنادى : وا ثكلاه وا حزناه ، ليت الموت أعدمنى الحياة يا حسيناه يا سيّداه يا بقيّة أهل بيتاه استقلت ويئست من الحياة ، اليوم مات جدّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمّى فاطمة الزهرا وأبى على وأخى الحسن يا بقيّة الماضين وثمال الباقين.

فقال لها الحسين يا اختى ، لو ترك القطا لنام ، قالت : فانّما تغتصب نفسك اغتصابا ، فذاك اطول لحزنى وأشجى لقلبى وخرّت مغشيا عليها فلم يزل يناشدها واحتملها حتّى أدخلها الخباء (١).

٩ ـ قال اليعقوبى : فروى عن علىّ بن الحسين عليه‌السلام أنّه قال : أنى جالس فى العشية التي قتل أبى الحسين بن على فى صبيحتها وعمّتى زينب تمرّضنى إذ دخل أبى وهو يقول :

يا دهر أف لك من خليل

كم لك فى الاشراق والاصيل

من صاحب وما جد قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنمّا الأمر الى الجليل

وكلّ حىّ سالك السبيل

ففهمت ما قال وعرفت ما أراد وخنقتنى عبرتى ورددت ، دمعى وعرفت أنّ البلاء قد نزل بنا فأمّا عمّتى زينب فانّها لما سمعت ما سمعت والنساء من شأنهنّ

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٧٥.

١٣

الرقة والجزع ، فلم تملك أن وثبت تجرّ ثوبها حاسرة وهى تقول وا ثكلاه ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم ماتت فاطمة وعلىّ والحسن بن على أخى فنظر إليها فردّد غصّته ، ثمّ قال يا أختى اتقى الله فانّ الموت نازل لا محالة فلطمت وجهها وخرّت مغشيا عليها وصاحب وا ويلاه وا ثكلاه.

فتقدّم إليها فصبّ على وجهها الماء وقال لها يا أختاه تعزّى بعزاء الله فانّ لى ولكلّ مسلم أسوة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال : انّى أقسم عليك فأبرى قسمى لا تشقى علىّ جيبا ولا تخمشى علىّ وجها ولا تدعى علىّ بالويل والثبور ، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندى وانّى لمريض مدنف وخرج الى أصحابه ، فلمّا كان من الغد خرج فكلم القوم وعظم عليهم حقّه وذكرهم الله عزوجل ورسوله وسألهم أن يخلوا بينه وبين الرجوع.

فأبوا إلّا قتاله أو أخذه حتّى يأتوا به عبيد الله بن زياد ، فجعل يكلّم القوم بعد القوم والرجل بعد الرجل فيقولون ما ندرى ما تقول ، فأقبل على أصحابه ، فقال : إنّ القوم ليسوا يقصدون غيرى وقد قضيتم ما عليكم ، فانصرفوا فأنتم فى حلّ فقالوا لا والله يا ابن رسول الله حتّى تكون أنفسنا قبل نفسك فجزاهم الخير (١).

١٠ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الله بن عاصم الفائشى ، عن الضحاك بن عبد الله المشرقى بطن من همدان ، أنّ الحسين بن على عليهما‌السلام جمع أصحابه ، قال أبو مخنف : وحدّثنى أيضا الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله بن شريك العامرى ، عن علىّ بن الحسين قالا : جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد وذلك عند ، قرب المساء ، قال علىّ بن الحسين : فدنوت منه لأسمع وأنا مريض

__________________

(١) تاريخ اليعقوبى : ٢ / ٢٣٠.

١٤

فسمعت أبى وهو يقول لأصحابه.

أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السّراء والضرّاء اللهمّ إنّى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا فى الدين وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين ، أمّا بعد ، فانّى لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابى ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتى ، فجزاكم الله عنّى جميعا خيرا ألا وانى أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ألا وإنّى قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا فى حلّ ، ليس عليكم منّى ذمام هذا ليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا (١).

١١ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنا عبد الله بن عاصم الفائشى ـ بطن من همدان ـ عن الضحّاك بن عبد الله المشرقى ، قال : قدمت ومالك بن النضر الأرحبى على الحسين فسلّمنا عليه ، ثمّ جلسنا إليه فردّ علينا ورحّب بنا ، وسألنا عما جئنا له فقلنا : جئنا لنسلّم عليك ، وندعوا الله لك بالعافية ونحدث بك عهدا ونخبرك خبر الناس وإنّا نحدّثكم أنّهم قد جمعوا على حربك فرأيك.

فقال الحسين عليه‌السلام : حسبى الله ونعم الوكيل قال : فتذممنا وسلّمنا عليه ودعونا الله له قال : فما يمنعكما من نصرتى ، فقال مالك ابن النضر : علىّ دين ولى عيال ، فقلت له : انّ علىّ دينا وانّ لى لعيالا ، ولكنّك ان جعلتنى فى حلّ من الانصراف ، إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك ما كان لك نافعا وعنك دافعا.

قال : فأنت فى حلّ ، فأقمت معه فلمّا كان الليل قال : هذا الليل قد غشيكم ، فاتّخذوه جملا ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى تفرّقوا فى سوادكم ومدائنكم حتّى يفرج الله ، فانّ القوم إنّما يطلبونى ولو قد أصابونى لهوا ، عن طلب

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٨.

١٥

غيرى ، فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لم نفعل لنبقى بعدك ، لا أرانا الله ذلك أبدا ، بدأهم بهذا القول العبّاس بن على ، ثمّ انّهم تكلّموا بهذا ونحوه.

فقال الحسين عليه‌السلام : يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم قالوا : فما يقول الناس! يقولون إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبنى عمومتنا ، خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندرى ما صنعوا! لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا ، ونقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك (١)!

١٢ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الله بن عاصم ، عن الضحاك بن عبد الله المشرقى ، قال : فقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي ، فقال : أنحن نخلّى عنك ولمّا نعذر الى الله فى أداء حقّك! أما والله حتّى أكسر فى صدورهم رمحى ، وأضربهم بسيفى ، ما ثبت قائمه فى يدى ، ولا أفارقك ، ولو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، دونك حتّى أموت معك.

قال : وقال سعيد بن عبد الله الحنفى : والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيك ، والله لو علمت أنى أقتل ثمّ أحيا ثمّ أحرق حيّا ثمّ أذرى ، يفعل ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتك ، حتّى ألقى حمامى دونك ، فكيف لا أفعل ذلك! وإنّما هى قتلة واحدة ثمّ هى الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبدا.

قال : وقال زهير بن القين : والله لوددت أنى قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى أقتل كذا ألف قتلة ، وأنّ الله يدفع بذلك القتل ، عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٨

١٦

من أهل بيتك ، قال : وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد ، فقالوا : والله لا نفارقك ، ولكنّ أنفسنا لك الفداء ، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا ، فاذا نحن قتلنا كنّا وفّينا ، وقضينا ما علينا (١).

١٣ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى الحارث بن كعب ، عن الضحّاك ، عن علىّ ابن الحسين بن علىّ قال : إنّى جالس فى تلك العشية التي قتل أبى فى صبيحتها ، وعمّتى زينب عندى تمرّضنى ، اذ اعتزل أبى بأصحابه فى خباء له ، وعنده حوىّ ، مولى أبى ذر الغفارى ، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول :

يا دهر أفّ لك من خليل

كم لك فى الاشراق والأصيل

من صاحب وماجد قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنمّا الأمر الى الجليل

وكلّ حىّ سالك السبيل

قال : فأعادها مرّتين أو ثلاثا حتّى فهمتها ، فعرفت ما أراد ، فخنقتنى عبرتى ، فرددت دمعى ولزمت السكون ، فعلمت أنّ البلاء قد نزل ، فأمّا عمّتى فانّها سمعت ما سمعت ، وهى امرأة ، وفى النساء الرقّة والجزع ، فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها ، وإنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه ، فقالت : وا ثكلاه! ليت الموت أعدمنى الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمّى وعلىّ أبى ، وحسن أخى ، يا خليفة الماضى ، وثمال الباقى ، قال : فنظر إليها الحسين عليه‌السلام فقال :

يا أخيّة ، اتّقى الله وتعزّى بعزاء الله ، واعلمى أنّ أهل الأرض يموتون ، وأنّ أهل السماء لا يبقون ، وأنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون ، وهو فرد وحده ، أبى خير منّى ، وأمّى خير منّى ، وأخى

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٩.

١٧

خير منّى ، ولى لهم ولكلّ مسلم برسول الله أسوة ، قال : فعزّاها بهذا ونحوه ، وقال لها :

يا أخيّة ، إنّى أقسم عليك فأبرّى قسمى ، لا تشقّى علىّ ، جيبا ، ولا تخمشى علىّ وجها ، ولا تدعى علىّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت ، قال : ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندى ، وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض ، وأن يدخلوا الأطناب بعضها فى بعض ، وأن يكونوا هم بين البيوت إلّا الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم (١).

١٤ ـ عنه قال أبو مخنف : عن عبد الله بن عاصم ، عن الضحّاك بن عبد الله المشرقى ، قال : فلمّا أمسى حسين وأصحابه قاموا اللّيل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون قال : فتمرّ بنا خيل لهم تحرسنا ، وإنّ حسينا ليقرأ : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ، ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا ، فقال : نحن وربّ الكعبة الطيّبون ، ميّزنا منكم.

قال : فعرفته فقلت لبرير بن خضير : تدرى من هذا؟ قال : لا : قلت هذا أبو حرب السبيعى عبد الله بن شهر ـ وكان مضحاكا بطالا ، وكان شريفا شجاعا فاتكا ، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه فى جناية ـ فقال له برير بن خضير : يا فاسق ، أنت يجعلك الله فى الطيّبين! فقال له : من أنت؟ قال : أنا برير بن خضير ، قال : إنّا لله! عزّ علىّ! هلكت والله هلكت والله يا برير!

قال : يا أبا حرب ، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام! فو الله إنّا لنحن الطيّبون ، ولكنّكم لأنتم الخبيثون ، قال : وأنا على ذلك من الشاهدين ، قلت :

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٢٠.

١٨

ويحك! أفلا ينفعك معرفتك! قال : جعلت فداك! فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزى من عنز بن وائل! قال : ها هو ذا معى ، قال : قبح الله رأيك على كلّ حال! أنت سفيه ، ثمّ انصرف عنّا (١).

١٥ ـ قال عبد الرزاق المقرم : وفى هذا الحال قيل لمحمّد بن بشير الحضرمى ، قد أسرا ابنك بثغر الرى فقال : ما أحبّ أن يؤسر وأنا أبقى بعده حيّا فقال له الحسين : أنت فى حلّ من بيعتى ، فاعمل فى فكاك ولدك ، قال : لا والله لا أفعل ذلك أكلتنى السباع حيّا إن فارقتك ، فقال عليه‌السلام : إذا اعط ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل فى فكاك أخيه وكان قيمتها ألف دينار.

ولما عرف الحسين منهم صدق النية والاخلاص فى المفاداة دونة أوقفهم على غامض القضاء فقال : إنّى غدا اقتل وكلّكم تقتلون معى ولا يبقى منكم أحد حتّى القاسم وعبد الله الرضيع إلّا ولدى على زين العابدين لأنّ الله لم يقطع نسلى منه ، وهو أبو أئمة ثمانية.

فقالوا بأجمعهم الحمد لله الّذي أكرمنا بنصرك وشرفنا بالقتل معك أو لا ترضى أن نكون معك فى درجتك يا ابن رسول الله ، فدعا لهم بالخير وكشف عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان ، وعرفهم منازلهم فيها وليس ذلك فى القدرة الإلهية بعزيز ، ولا فى تصرّفات الامام بغريب ، فان سحرة فرعون لما آمنوا بموسى عليه‌السلام وأراد فرعون قتلهم أراهم النبيّ موسى منازلهم فى الجنّة.

فى حديث أبى جعفر الباقر عليه‌السلام قال لأصحابه : أبشروا بالجنّة فو الله إنّا نمكث ما شاء الله بعد ما يجرى علينا ثمّ يخرجنا الله وإيّاكم حتّى يظهر قائمنا فينتقم من

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٢١.

١٩

الظالمين ، وأنا وأنتم نشاهدهم فى السلاسل والأغلال وأنواع العذاب فقيل له من قائمكم يا ابن رسول الله قال : السابع من ولد ابنى محمّد بن على الباقر وهو الحجّة بن الحسن بن على بن محمّد بن على بن موسى بن جعفر بن محمّد بن على ابنى وهو الّذي يغيب مدّة طويلة ثمّ يظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (١).

١٦ ـ عنه خرج عليه‌السلام فى جوف اللّيل إلى خارج الخيام ، يتفقّد التلاع والعقبات فتبعه نافع بن هلال البجلى ، فسأله الحسين عمّا أخرجه ، قال : يا ابن رسول الله أفزعنى خروجك الى جهة معسكر هذا الطاغى ، فقال الحسين : انّى خرجت أتفقد التلاع والروابى ، مخافة أن تكون مكمنا لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون ثمّ رجع عليه‌السلام وهو قابض على يد نافع ويقول : هى هى والله وعدا لا خلف فيه.

ثمّ قال له : ألا تسلك بين هذين الجبلين فى جوف اللّيل ، وتنجو بنفسك فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول : ثكلتنى امى إن سيفى بألف وفرسى مثله ، فو الله الذي منّ بك علىّ لا فارقتك حتّى يكلأ عن فرى وجرى ، ثمّ دخل الحسين خيمة زينب ووقف نافع بازاء الخيمة ينتظره فسمع زينب تقول له : هل استعلمت من أصحابك نياتهم ، فانى أخشى أن يسلّموك عند الوثبة ، فقال لها : والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلّا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دونى استيناس الطفل الى محالب امّه.

قال نافع : فلمّا سمعت هذا منه بكيت وأتيت حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت منه ، ومن اخته زينب.

قال حبيب : والله لو لا انتظار أمره لعاجلت بسيفى هذه اللّيلة ، قلت : إنّى

__________________

(١) مقتل الحسين : ٢٣٥.

٢٠