🚘

تراثنا ـ العددان [ 47 و 48 ] - ج ٤٧ - ٤٨

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 47 و 48 ] - ج ٤٧ - ٤٨

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
🚘 نسخة غير مصححة

١

محتويات العدد

* التشيع والوسطية الإسلامية

د. محمد عمارة من الاعتزال إلى السلفية ومن المعارضة إلى التطبيع

......................................................... أكرم عبد الكريم ذياب ٧

* تشييد المراجعات وتنفيد المكابرات (٧).

................................................. السيّد علي الحسيني الميلاني ٦٩

* تاريخ الحديث وعلومه.

............................................ السيّد ثامر هاشم حبيب العميدي ١٩٤

* إقناع الرافض لجواز عطف الظاهر على الضمير المخفوض من دون إعادة الخافض.

................................. السيّد حسن الحسيني آل المجدّد الشيرازي ٢٦٨

* مصطلحات نحوية (٦).

...................................................... السيّد علي حسن مطر ٣٠٧

٢

* من ذخائر التراث :

* نهاية الإقدام في وجوب المسح على الأقدام ـ للشهيد الثالث.

...................................... تحقيق : هدى جاسم محمد أبو طبرة ٣٣٩

* من أنباء التراث.

................................................................ هيئة التحرير ٤٨١

* * *

* صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة نهاية الإقدام في وجوب المسح على الاقدام للشهيد الثالث (٩٥٦ ـ ١٠١٩ هـ) المنشورة في هذا العدد ، ص ٣٣٩ ـ ٤٨.

٣
٤

٥
٦

التشيع والوسطية الإسلامية

د. محمد عمارة من الاعتزال إلى السلفية

ومن المعارضة إلى التطبيع

أكرم عبد الكريم ذياب

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد :

فقد طالعتنا مجلة «الوطن العربي» في عددها المرقم ١٠٢٨ ، الصادر في ١٥ / ١١ / ١٩٩٦ ص ٢٢ ـ ٢٣ ، بحوار تحت عنوان : رأي «الوسطية الإسلامية» في الفكر الشيعي ، للدكتور محمد عمارة ، الذي ـ ولأول وهلة ـ يحسب القارئ له أنه يحمل في طياته فكرا جديدا من شأنه المساعدة في تحقيق مفهوم الوحدة الإسلامية التي يرمي إليها العالم الإسلامي المعاصر.

ولكن للأسف! وجدنا الدكتور المذكور يحول الوسطية الإسلامية المدعاة من قبله إلى انتقادات لاذعة ، وافتراءات لا أساس لها في الواقع سوى أنها جاءت كالسهام تطال جسد الأمة الإسلامية التي كانت ولا تزال تعاني من التشرذم.

٧

وإذا به بدلا من السعي لترميم واقعها تراه يصف الشيعة بالغلو لفكرة أو عقيدة اعتقدوا بها وأسسوا لها أبحاثا قد لا يكون الدكتور تفحص في محتوياتها ، أو تفحص فيها بلا عمق ودقة ، جاعلا الوسطية عنوانا لطريقة اختارها في ذم الشيعة والقدح في اجتهاداتهم.

ولا نظن أن توحيد الصف و «صيانة الوحدة وتماسك النسيج» يمر عبر نعت الشيعة بأنهم «يخلخلون وحدة المذهب ويصنعون القلق الطائفي» تحت حجة أن الشيعة لم يلتزموا الوسطية.

ثم نراه يتعرض لطرح الإشكاليات والانتقادات المردودة ، مع ما للشيعة من أقلام تدافع عن الوحدة الإسلامية إلا أنها لا تقبل بتاتا المس بمقدساتها والطعن في اجتهاداتها بلا مبررات موضوعية لها ، وليس ذلك سوى جهلا أو تجاهلا للحقيقة.

وإننا أمام تلك الشبهات المطروحة نجد أنفسنا مضطرين للدفاع عن تلك المعتقدات ، منتقدين وجهة النظر التي صبت الشيعة في خانة المتطرفين والمزعزعين لوحدة الصف التي ينظر من خلالها أمثال الدكتور إلى التشيع نظرة سلبية ومحدودة ، ولكن هذه المرة تحت عناوين براقة : كالوسطية والوحدة وغيرهما ...

والحق أن الحوار لا يخلو من التناقضات الواضحة إذ إنه تارة يطالعنا بقوله : «علينا أن نحاور بالفكر» وأخرى يقول لنا : «من حق التشيع أن يحتفظ بفكره» و «تعصب الشيعة لأئمتهم جعلهم يشقون صف الأمة» ..إلى آخره من الاتهامات المدفوعة والحجج الموهومة التي لا واقع لها ، خصوصا لمن استقرأ التشيع وعرفه حقا.

وأمام هذه الهجمة الشرسة على الشيعة ، التي لا تخدم سوى أعداء

٨

الإسلام ، نتناول بعضا مما ذكره الدكتور ، مفندين تلك المزاعم ، ومستهلين البحث بما استهل به حديثه فنقول ، وبالله نستعين ـ كما قال هو ـ :

«عندما نتحدث عن قضية الفكر الشيعي يحسن أن نضبط هذه القضية سواء في واقعها التاريخي أو في واقعها المعاصر ..».

والحق أن المتحدث راح يتخبط في حواره خبط عشواء ، فلم يستطع ضبط حقيقة هذه القضية كما ادعى من جهة ، ولا أنه أحسن في ضبط رأيه تجاهها من جهة أخرى ..

وليس كلامنا ـ عزيزي القارئ ـ جناية عليه ، وإنما من دقق وتمعن في محتوى ما ذكره الدكتور في مستهل حديثه ، وقارنه بما استأنف به كلامه حول القضايا المختلفة ، يستنتج ـ بلا شك أو ريب ـ ما استنتجناه.

وللوقوف على تلك الحقيقة يحسن استعراض بعضها إجمالا ليتبين لك الحق من الباطل :

أولا : تناقض في الحوار :

إن في كلام الدكتور تناقضا واضحا ، إذ إنه في بداية الحوار ذكر «أن فرقا من الغلاة الشيعة وهؤلاء أغلبهم قد انقرض ...».

وقال : «أن التيار الشيعي الذي وقف بين بين ، أي ليس غلوا وليس زيديا في اقترابه من الفكر السني يمثل الآن أغلب الشيعة المعاصرين».

ثم ينعطف فيقول : «لكن المصريين تعاطفوا ... دون أن يتحول هذا التعاطف إلى الغلو الذي يجعلهم معصومين أو الذي يجعلهم يحتكرون الإمامة والخلافة والسلطة دون الأمة»!

ولا شك ـ عزيزي القارئ ـ أن هذا هو التهافت بعينه ، إذ كيف يدعي

٩

تارة أن الشيعة المعاصرين ليسوا غلاة ويعود فيتهمهم بالغلو لتمسكهم بالعصمة وإمامة الأئمة (عليهم‌السلام) ، مع العلم أن هذا هو مذهب أغلب المعاصرين من الشيعة إذا صح التعبير.

ثانيا : غياب المصطلح :

لعله غاب عن ذهن الدكتور معنى الغلو ، المصطلح عليه في علم الكلام وفي الملل والنحل ، حتى راح ينسبه للشيعة دون أدنى معرفة منه بعقائدهم ، معتقدا بأن العصمة للأئمة غلوا ، وهذا باطل كما سيتبين.

ثالثا : زور وبهتان :

لا يخفى أن عد الغلاة من الشيعة زور وبهتان وإن قالوا ـ أي الغلاة ـ بألوهية الأئمة (عليهم‌السلام) ، إذ كيف يصح نسبة تلك الفرق إلى الشيعة وهم ليسوا بمسلمين؟!

وهل يؤخذ البرئ بجرم المعتدي؟!

ناهيك عن الموقف الواضح لأئمتنا من الغلاة إذ إنهم لعنوهم وطردوهم وحذروا شيعتهم منهم ، فكانوا يقولون : «لعنهم الله (الغلاة) إنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا ، أو عاجز الرأي ، كفانا الله مؤنة كل كذاب ، وأذاقهم الله حر الحديد».

كما أخرج الكشي عن أبي بصير ، قال : قال لي أبو عبد الله : «يا أبا محمد! إبرأ ممن يزعم أنا أرباب».

قلت : «برئ الله منه».

فقال : «إبرأ ممن يزعم أنا أنبياء».

١٠

قلت : «برئ الله منه» (١).

هذا ، ولدينا أدلة على أن هذه الفرق بمعظمها ـ إن لم نقل كلها ـ من افتعال السلطات الجائرة وأعداء أهل البيت (عليهم‌السلام).

رابعا : قلة الدراية بعقائد الفرق :

قال : «لأن الزيديين لا يكادون يختلفون عن الفكر السني ، وهم في الأصول قريبون من المعتزلة ...».

والصحيح أن الزيدية في الأصول هم أقرب إلى الاثني عشرية من أهل السنة وإن اختلفوا في التفصيل والتفريع.

وللتحقيق نذكر ما يلي :

أ ـ مفارقة واضحة :

إن ما صنفه الدكتور احتكارا للسلطة وغلوا في الشيعة ـ كما مر بك ـ يعتقد به الزيدية ، وليس عليك إلا مراجعة كتبهم الدالة على ذلك ومنها العقد الثمين في معرفة رب العالمين تأليف : الأمير الحسين بن بدر الدين محمد (٥٨٢ ـ ٦٦٢ ه) في فصل «الإمامة بعد الحسنين» قال :

«فإن قيل : لمن الإمامة بعدهما؟

فقل : هي محصورة في السبطين ومحظورة على ما عدا السبطين ... وقد انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة (عليها‌السلام) ولا دليل على جوازها في غيرهم ، فيبقى من عداهم لا يصلح».

__________________

(١) رجال الكشي : ٢٩٧ ح ٥٢٩ ، عنه بحار الأنوار ٢٥ / ٢٩٧ ح ٦٠.

١١

ب ـ عقائد الزيدية :

قال : «الزيدية شيعة لكنهم لم يجعلوا الإمامة أصلا من أصول الاعتقاد ..».

والواقع أن هذا ليس صحيحا ، لأن من راجع كتبهم ومصادرهم يتبين له الحق كما في المصدر المذكور سابقا ، حيث عقد المؤلف لها بحثا منفردا في فصول متعددة جاعلا منها أصلا من الأصول الخمسة التي تقول بها الإمامية ، مبتدئا بقوله :

«فإن قيل : من أول الأئمة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وأولى الأمة بالخلافة بعده بلا فصل؟

فقل : ذلك أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب.

فإن قيل : هذه دعوى ، فما برهانك؟

فقل : الكتاب ، والسنة ، وإجماع العترة».

وفي كتاب الأحكام للإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم (٢٤٥ ـ ٢٩٨ ه) ، قال :

«فإذا فهم ذلك ، ولاية أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه واجبة على جميع المسلمين فرض من الله رب العالمين ، ولا ينجو أحد من عذاب الرحمن ، ولا يتم اسم الإيمان حتى يعتقد بذلك بأيقن الإيقان ، لأن الله سبحانه يقول : (إنما وليكم ...)» (١).

كما يمكن للدكتور عمارة مراجعة كتاب الأساس لعقائد الأكياس في

__________________

(١) الأحكام ـ طبعة ١٤١٠ ه ـ ١ / ٣٦.

١٢

معرفة رب العالمين وعدله في المخلوقين للإمام المنصور بالله القاسم بن يحيى بن علي الزيدي (ت ١٠٢٩ ه) ، منشورات دار التراث الإسلامي صعدة اليمن ، ١٩٩٤ ، ص ١٥٠ ـ ١٥١.

* * *

القضايا التي يختلف فيها الشيعة عن السنة

ابتداء نتعرض لقضية ادعى الدكتور فيها أن «الفتوى التي صدرت من المرحوم الإمام الأكبر الشيخ شلتوت عن أن المذهب الشيعي مذهب إسلامي ... كانت خاصة بالمذهب الجعفري ، وليست خاصة بنظرية الإمامة عند الشيعة ، ولكن بعض الناس خلطوا هذين الأمرين ...».

والمفهوم من كلامه أمران :

الأول : أن الإقرار بأن المذهب الشيعي مذهب إسلامي لا يتعدى الجانب الفقهي ، وبمعنى آخر أن الفتوى لا تبيح الجانب الاعتقادي للشيعة ، وأن نظرية الإمامة ليست مذهبا إسلاميا يتعبد به.

والحاصل عند الدكتور ـ اعتمادا على رأيه الذي سنوافيك به ـ تكفير الشيعة بلا محالة بحسب الأصول الفقهية ، لأن الإمامة تصبح بنظره بدعة وغلوا ، لأنه إدخال في الدين ما ليس منه وإن صرح خلافه.

الثاني : أنه يرى إمكانية الفصل بين «الفقه» و «العقيدة» فيما لو أريد الاتباع.

ونجيب على حاصل المفهوم فنقول :

١٣

أولا : إن هذا يتنافى مع قناعته التي تفضل بها عندما قال : «أنا لا أميل إلى استخدام أساليب التكفير في داخل الأمة الإسلامية» وصرح بما يفيد أن الشيعة جزء من الأمة الإسلامية.

ثانيا : لا أدري من أين له أن يفصل في المذاهب بين «الفقه» و «العقيدة» وكأنه نسي حينها بأن الأول نعني به «الفروع» والثانية نعني بها «الأصول» ، وإنما الفروع تابعة للأصول.

ويشهد بهذا ما حكم به هو ـ حسب اعتقاده ـ من القول بتكفير الشيعة لأهل السنة ـ وإن لم يصرحوا ـ إذ لا بد من إجراء أحكام الكفر على منكر الإمامة فقها كما قال ، مثيل من أنكر التوحيد أو النبوة أو المعاد ، وهذا يعني في الحقيقة عدم إمكانية فصل «الأصول» عن «الفروع» في المذاهب ، لأن كثيرا من أحكام الأخيرة تتوقف على الاعتقاد بالأولى كما بينا.

هذا كله فيما لو صح كلام الدكتور بأن فتوى الشيخ شلتوت إنما كانت خاصة بالمذهب الجعفري ، وليست خاصة بنظرية الإمامة ، ومن عاد إلى الوراء قليلا ـ وبالتحديد إلى زمن صدور الفتوى في٧ / ٧ / ١٩٥٩ ـ لعرف الحقيقة الدامغة التي تدحض كل ما جاء به الدكتور ، من تلبيسات وأوهام بشأنها ...

وللتوضيح أنقل ـ مقتطفا ـ بعضا مما جاء فيها باختصار ، قال شيخ الأزهر السابق :

«أولا : ... ولا عبرة بما يكتب في بعض الكتب عن انحصار المذاهب التي يجوز تقليدها في الأربعة المشهورة ، ولا بما يقال من أن : من قلد مذهبا فليس له أن ينتقل منه إلى غيره.

وفي ذلك يقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام : لم يزل الناس يسألون

١٤

من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ، ولا إنكار على أحد من السائلين ، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين ، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلد له في ما قال ، كأنه نبي مرسل ، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من ذوي الألباب.

ثانيا : ...

ثالثا : إن هناك فرقا تنتسب إلى علي ، وهم شيعته المهتدون ، ومن هؤلاء الشيعة الصالحين الطائفة المعروفة ب «الجعفرية» أو ب «الإمامية الاثني عشرية».

رابعا : لهذه الطائفة المعروفة أصولها المستمدة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله المروية عن أئمتهم في العقيدة والشريعة.

وليس الخلاف بينهم وبين مذاهب السنة ، أعظم من الخلاف بين مذاهب السنة بعضها مع البعض ، فهم يدينون بأصول الدين ، كما وردت في القرآن الكريم والسنة المتواترة ، كما يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به ويبطل الإسلام بالخروج عنه من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ...

خامسا : ...». انتهى.

والمنصف الذي يطالع الفتوى ، يعلم بأن الشيخ شلتوت إنما قدم هذه النقاط الخمس حتى يتضح جليا مراده ، وهذا ما صرح به هو بعد تلك النقاط ، قائلا في نفس نص الفتوى : ومن هذا البيان يتضح جليا ، فذيل الفتوى ـ على مقتضى الاستفتاء ـ بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية «الاثني عشرية» بلا فرق بين العبادات والمعاملات ، مدركا بأن التعبد بالمذهب فقها إنما يتوقف على بيان صحة أصول الدين التي يعتقدون بها ، وهو ما ثبته في المقدمة المذكورة آنفا ، فلا مجال لدعوى الفصل بين

١٥

المذهب الشيعي ك «فقه» وبين المذهب الشيعي ك «أصول للدين» حسب رأي شيخ الأزهر.

(ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (١).

قضية آل البيت :

قال : «وأنا أقول إن هذه ليست قضية خاصة بالشيعة ، لأن كل السنة يحبون آل البيت ، وأئمة آل البيت هم من أئمة المسلمين الذين يتعاطف معهم المسلمون ... لكن المصريين تعاطفوا معهم لأنهم اضطهدوا ، لكن دون أن يتحول هذا التعاطف إلى الغلو الذي يجعلهم معصومين ، أو الذي يجعلهم يحتكرون الإمامة والخلافة والسلطة دون الأمة».

والكلام عن تلك المقالة يقع في نقطتين :

الأولى : في السلوك العملي المخالف :

دعنا من الذي تميز به الشعب المصري عن غيره من حب لأهل البيت (عليهم‌السلام) ، إلا أن القول بأن كل السنة يحبون أهل البيت (عليهم‌السلام) فيه نظر ، لأن هذا أمر لم تترجمه السيرة العملية ، ولا شهده شيعة أهل البيت (عليهم‌السلام) في السلوك العملي لكثير من اتباع مذاهب أهل السنة.

وهذا نجده جليا في تدوين الصحاح والمسانيد للحديث إذ إن بعضهم أعرض عن الرواية لأئمة أهل البيت (عليهم‌السلام) ، والبعض الآخر تعرض لما يوافق مذهبه لا غير ، فالبخاري مثلا أعرض عن أحاديث الإمام جعفر الصادق (عليه‌السلام) ، وأخرج منها لمن يكن العداء والحقد للإمام علي (عليه‌السلام)

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٤٢.

١٦

كعمران بن حطان الذي مدح قاتل الإمام (عليه‌السلام) عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله بقوله :

يا ضربة من تقي ما أراد بها

إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

والحال أن الإمام الصادق (عليه‌السلام) عرف بسعة علمه وكثرة الذين نهلوا من يديه العلم الوفير حتى بلغوا أربعة آلاف ، ومنهم بعض أئمة المذاهب ، أمثال أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس.

فقد اشتهر عن الأول قوله : «لولا السنتان لهلك النعمان» وكان يعني السنتين اللتين تتلمذ فيهما على يدي الإمام الصادق (عليه‌السلام).

واشتهر عن الثاني قوله : «ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد».

ويقول عنه الجاحظ : «جعفر بن محمد ، الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ، ويقال : إن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب» (١).

وذكره ابن خلكان في وفياته قائلا : «كان من سادات آل البيت ، ولقب بالصادق لصدقه ، وفضله أشهر من أن يذكر» (٢).

والعجب أن البخاري ، وهو ممن عاصره ، لم يدرك فضله وقد أدركه أئمة المذاهب ...

وهكذا الحال في المسانيد والصحاح التي نقلت من الرواية والحديث عن الإمام علي (عليه‌السلام) ما لا يتجاوز ال ٥٠٠ حديث! بينما نقلت عن أبي هريرة ٦ آلاف حديث! والأخير لم يمض سوى سنتين وأشهر مع الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم)!

__________________

(١) رسائل الجاحظ ـ للسندوبي ـ : ١٠٦.

(٢) وفيات الأعيان ١ / ٣٢٧ رقم ١٣١.

١٧

أما الإمام علي (عليه‌السلام) فقد ربي في حجر الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ولم يتجاوز عمره بضع سنوات.

وسيرة الخلفاء والحكام لأكبر شاهد على الممارسات الشنيعة بحق أهل البيت (عليه‌السلام) وأتباعهم ، من القتل والتشريد والسب ، لمجرد أن ذنبهم الوحيد هو اتباع علي بن أبي طالب (عليه‌السلام) وأولاده لا غير.

والدكتور نفسه قد أيقن بمظلوميتهم عبر التاريخ ، ولذا فسر حب المصريين لهم بسبب الاضطهاد ...

وهذا الوضع من السلوك وإن تغير قليلا في الوقت الحاضر ، إلا أنه لا يزال يمارس في مختلف الدول ، حيث إن بعضها جرد الشيعة من حقوقهم المدنية ـ كما في ماليزيا ـ والبعض الآخر جعل يكيل التهم إليهم فيعتقل الواحد تلو الآخر خوفا على الحكم من التشيع والفكر الشيعي الذي لا يقبل المساومة على الحقوق المسلوبة.

الثانية : في الحب المزدوج :

قبل كل شئ لا بد من الإشارة إلى أننا نكن خالص الاحترام والحب للشعب المصري ، خصوصا لتميزه عن الشعوب الأخرى بحب أهل البيت (عليهم‌السلام) ...

ولكن ، أليس من واجب الدكتور ـ ومن باب الأمانة العلمية ـ تعريف الآخرين بالمضطهد حتى لا يختلط الأمر عليهم فيحب الواحد منهم المضطهد والمضطهد معا؟!

وهل يعقل هذا النوع من الحب المزدوج؟!!

* * *

١٨

قضية الإمامة :

لما كانت الإمامة ـ كما قال بأنها ـ «تمثل نقطة الخلاف الوحيدة بين السنة والشيعة» ، ارتأينا أن نوضح للدكتور بعض الحقائق التي عزف عن ذكرها ، متناولين في القضية نقاطا عديدة :

النقطة الأولى : في النص :

قال : «إذن القضية أنهم جعلوا الإمامة بالتعيين ، وقالوا بروايات انفردوا بها : أن الإمام والوصي بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) هو الإمام علي ..».

أقول : نعم ، فالشيعة قائلون بالنص في مقابل غيرهم الذين اضطربوا تارة فقالوا بالنص على أبي بكر ، وتذبذبوا أخرى فادعوا الإجماع عليه ، وثالثة جعلوا الشورى هي الأساس في الإمامة والخلافة بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم).

ومن المناسب في المقام التعرض إلى أمور ، منها :

أ ـ تعريف الإمامة في كتب الفريقين :

يقول السعد التفتازاني في تعريفها أن : «الإمامة رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم(١).

وأما علامتنا الحلي فيقول : «الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص نيابة عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم(٢).

__________________

(١) شرح المقاصد في علم الكلام : ٢٣٤.

(٢) الباب الحادي عشر مع شرحه النافع يوم المحشر ـ للمقداد بن عبد الله الحلي ـ : ٨٢.

١٩

ومن الواضح أن الفريقين من حيث المبدأ اتفقوا على تعريف الإمامة من حيث المفهوم ، ولكنهم اختلفوا في من له الإمامة بعد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من جهة ، وأنها هل هي منصب عادي أم أنها منصب رباني من جهة أخرى (١).

ب ـ الخلافة عند أهل السنة :

قال : «أهل السنة يعتبرون أن الإمامة بمعنى الخلافة جزء من الشورى ، وأنها جزء من سلطة الأمة ، وأن الإمامة ب (البيعة) و (الاختيار) و (الشورى) ، بينما الشيعة يعتبرون الإمامة ب (النص) و (التعيين من السماء) لهؤلاء الأئمة ، وأن الأمة لا شأن لها في اختيار الإمام ، والشورى لا دخل لها في اختيار الإمام ، والبيعة لا دخل لها في اختيار الإمام».

وقال أيضا : «الميادين الحقيقية للاجتهاد يتميز بها الفكر السني كفكر عقلاني في النظر إلى الأمور وإلى الشورى وإلى سلطان الأمة ، أين هو التميز بين مذهبين؟! أحدهما يقول : إن الأمة لا شأن لها بالدولة والسياسة والإمامة ، ومذهب يقول : إن الأمة هي المعصومة (لا تجتمع أمتي على ضلال) ، وفيه العصمة للأمة .. والشورى للأمة .. والسلطان للأمة».

والحق أن المتتبع لما قيل عن الخلافة في كتب أهل السنة يستخلص ـ كما أشرنا ـ أن القول بصحتها لأبي بكر يرجع إلى ثلاثة آراء :

الأول : في النص عليه :

__________________

(١) للمزيد من الاطلاع في المسألة راجع كتاب «الإمامة في أهم الكتب الكلامية ، وعقيدة الشيعة الإمامية» ، السيد علي الحسيني الميلاني ـ منشورات الشريف الرضي ، ص ٤٤.

٢٠