الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ٢٥

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ٢٥

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٩٦

١
٢

٣

سورة يس

وآاتها ثلاث وثمانون

٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) (١٢)

٥

سورة تبتنى من تفاصيل الأصول الثلاثة ما تميزّها في حقولها عن سائر السور التي تحويها ، مبتدأة بدعامتي هذه الرسالة السامية : القرآن ونبيّ القرآن ، ثم المبدأ ، ومن ثم المعاد ، حيث الأوليان تعرّفان الرسالة وتبينان أصلي المبدء والمعاد.

ولأن هذه الأصول هي القرآن كله ، وهي قلب القرآن وريحانته ، إذا فياسين هي القرآن كله (١) وهي قلب القرآن (٢) وريحانته (٣) بل هي قلب القلب (٤) حيث القرآن قلب الكتب كلها!

وإنها ذات الفواصل القصيرة ، والإيقاعات السريعة اليسيرة ، ملتحمة بملاحم عميقة الإيحاء من براهين بارعة في مختلف الحقول ، تدق على الفطر والحواس والعقول دقّات متوالية متعالية ، تعمل على مضاعفات آثارها في أعماق الضمائر والألباب.

(يس)(١) هي من الحروف المقطعة ـ وعلى حدّ تعبير الأمير (عليه السلام) : «من مفاتيح كنوز القرآن» المغيّبة عن غير أهل بيت القرآن ، ولكنها من بينها قد تلمح إلى معناها ، وتلمح فيها مغزاها ، ف (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) تلمح لذكر سابق عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يسبق إلّا (يس) إذا فهي نداء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيائها ،

__________________

(١ ، ٢) الدر المنثور ٥ : ٢٥٦ اخرج ابن مردويه عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لكل شيء قلب وقلب القرآن يس ومن قرأ يس فكأنما قرأ القرآن عشر مرات ، وفي ثواب الأعمال باسناده الى أبي عبد الله (عليه السلام) مثله إلا في ذيله.

(٣) تفسير البرهان ٤ : ٣ في مجالس الشيخ باسناده قال : قال ابو عبد الله (عليه السلام): علموا أولادكم يس فانها ريحانة القرآن.

(٤) الدر المنثور عن انس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ان لكل شيء قلبا وقلب القلب يس.

٦

وتسمية له (صلى الله عليه وآله وسلم) بحرف من صفة الرسالة ، السابقة عليها ، المعبّدة الطريق إليها ، ك «السامع الوحي» (١) (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) واقع موقع البرهان على سماع الوحي النبوءة وبث الوحي الرسالة ، وإن كانت في صيغة الحلف.

فكما ان «ن» اسم من أسمائه وعلها اختصار عن نبوته ، كذلك «س» عن سماعه الوحي (٢) وقد تفترقان ان الاولى مقسم بها والثانية منادى ، مهما تشتركان في اشارة النبوءة وسماع الوحي! فهو بكيانه ككل ، بقلبه وسمعه سماع واستذاعة للوحي ومن ثم إذاعة له ، وهما في أفضل مراتبهما وأكملهما.

(وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ٢ هي في صورة الحلف وسيرة البرهان ، وكما هي السنة الدائبة في أحلاف القرآن ، فالقرآن بحكمته البارعة أدبيا بأعلى قمم الفصاحة والبلاغة ، ومعنويا بأرقى درجات اللباقة ، يكفي شاهد صدق على رسالة من جاء به : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ).

__________________

(١) البرهان ٤ : ٣ ـ ابن بابويه بسند متصل عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق (عليه السلام) قال له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما معنى قول الله عز وجل : يس؟ قال : اسم من اسماء النبي ومعناه ايها السامع الوحي ، أقول واحتمال انه «يا إنسان» عن ابن عباس ، ام «يا رجل» عن الحسن وأبي العالية ، ام «يا محمد» عن سعيد بن جبير ومحمد بن ضغنة أم «يا سيد» لا دليل عليه ولا سيما الذي ليس فيه «سين» حتى تكون إشارة إليه.

(٢) نور الثقلين ٤ : ٣٧٤ ج ١٠ في كتاب الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : ان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة اسماء خمسة في القرآن وخمسة ليست في القرآن فاما التي في القرآن فمحمد واحمد وعبد الله ويس ، أقول ومنها في القرآن «طه» كأنها ساقطة من قلم الناسخ.

٧

دليل واحد حكيم بين مدلولين اثنين ، بين سين رمزا إلى سماع الوحي النبوءة و (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) في تصريحة الرسالة على صراط مستقيم ، فحكمة القرآن في بيانه وتبيانه قد سدّت دونه ثغرات واحتمالات أنه من عند غير الله ، فمهما بلغ الكلام من غير الله إلى مطلق الحكمة ، ليس ليبلغ إلى حكمة مطلقة دون أية هفوة وثغرة ، حيث الكمال القمة اللّانهائية هي التي تقتضي الحكمة القمة ، فكل درجة من حكمة الكلام دليل على نفس الدرجة من حكمة المتكلم حتى تبلغ إلى الدرجة القمة التي لا تدانيها حكمة ، فهي ـ إذا ـ من حكمة الله لا سواه ، حكمة ملأت قلب الرسول نبوءة : «يس» ثم تخطّته إلى العالمين رسالة في أعلى درجاتها : (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).

فالقرآن حكيم لا مدخل فيه بأية شعرة في مثلث الزمان من أي إنس والجان ، وفي أي حقل من حقوله المتمازجة على مختلف أبعادها ، حيث تحلّق على كل العلوم في كل أبعاد الزمان ، لا عوج فيه ولا ريب يعتريه ، فلا انفصام لعروته نور لا تطفأ مصابيحه وسراج لا يخبؤ توقّده ، وبحر لا يدرك قعره ، ومنهاح لا يضلّ نهجه ، وشعاع لا يظلم ضوءه ، وفرقان لا يخمد برهانه ، وتبيان لا تهدم أركانه ... حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ... (١).

وما أحسنه برهانا حكمة القرآن ، توجيها إليها بصورة الحلف ، ولكي يعيش الناس تدبرا فيه وإمعانا في ألفاظه ومعانيه ، دون أن يوضّح جنبات حكمته فلا تتحرك العقول ، فتبوء إلى عطالة دون حراك!

(إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(٤) رسالة عليا ، على

__________________

(١) من خطب الامام امير المؤمنين في النهج ١٩٣ ص ٣٠٢.

٨

صراط مستقيم أعلى ، حيث الحكمة القرآنية أعلى الحكم فلا أعلى منه ولا تدانيها حكمة ، فالصراط المستقيم الذي لا عوج له هو طبيعته وماهيته.

إنه (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) في «الصورة الإنسانية» (١) والعبودية : (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (٣ : ٥١) والإيمان والاعتصام بالله (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٤ : ١٧٤) (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٣ : ١٠١) (قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٦ : ١٦١).

ولأنه مليء من الصراط المستقيم ف (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٤٢ : ٥٢) هداية أصيلة بالكتاب : (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ... وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٥ : ١٦) وأخرى هامشية بسنته القاطعة : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).

فهو (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) في شخصه ورسالته ، في الصورة الإنسانية ، وصراط العبودية والإيمان ، والاعتصام بالله ، وفي هدي كتاب الله ، وفي رسالته ، وإسلامه ، وتوحيده لله ، سبعة كاملة بأفضل درجاتها ، منقطعة النظير بين كل بشير ونذير في ملإ العالمين من الملائكة والجنة والناس أجمعين (٢).

(إِنَّكَ ... عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ

__________________

(١) تفسير الصافي عن الامام الصادق (عليه السلام).

(٢) راجع تفسير الآية «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» ج ١ الفرقان.

٩

مستقيم في بعدين فان لم يستقم البعد الاوّل من الصراط لم يستقم الثاني : (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) فقد كان الرسول على صراط الإنسانية المستقيم ، وصراط العبودية حتى اصطفاه الله على صراط مستقيم من الوحي والرسالة والنبوة بأكمل درجاتها. (١)

وقد يعني (الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ـ إلى جانب قرآن محمد ـ محمد القرآن لأنه تجسيد لحكمة القرآن وأحكامه ومعارفه ، وقد كان خلقه القرآن (٢) فهو الثقلان مهما كان القرآن أكبر الثقلين ، فهو عقله وقلبه القرآن الحكيم بما فيها من تفاصيل المعارف الإلهية ، ما يحتاجه ويحتاجه العالمون أجمعون إلى يوم الدين.

وقد يتأيّد بما يأتي من إجابة المرسلين : (قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) حيث استندوا لإثبات رسالتهم بظاهر التربية الخاصة الرسالية فيهم.

وأوضح من ذلك آية ثانية في يس : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن المبين كما القرآن مبين ، بل هو أبين لأنه يجسّده بكل مظاهره ، ويفسره بسنته.

فالقرآن دون الرسول كما الرسول دون القرآن جناح واحد في الدعوة ينقص ثانية ، المحلّق بهما في اجواء الهداية الكاملة.

__________________

(١) «عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» على الأول خبر ثان وعلى الثاني متعلق بالمرسلين.

(٢) وكما سئل ابن عباس ما كان خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : كان خلقه القران.

١٠

(تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) ٥ ولأنه تنزيل العزيز فهو عزيز : (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٤١ : ٤١) عزيز لا يغلب بنسخ أو تحريف ، أو تحوير وتجديف ، وفي «تنزيل» مصدرا منصوبا إشارتان إلى عظم موقف القرآن ، فلا يوصف بالتنزيل إذ هو فوق الوصف الذي ليس لزاما لموصوفه ، (١) والتنزيل لزام القرآن وكيانه ، ليس له وراء (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) موقف حتى يوصف به ، إذا فالوصف هنا هو الموصوف ، والموصوف هو الوصف دون فارق!

ثم المصدر دليل ثان على ذلك الكيان المجيد للقرآن ، أنه من عزة الله ورحمته المنزلة على خلقه ، فلا يحمل كيانا إلّا ربوبيا في أعلى مظاهره.

وقد يعني «تنزيل» نبي القرآن مع القرآن فإنه منزل (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً) (٦٥ : ١٠) ومنزّل حيث الدرجات المتتالية منزلّة عليه من العزيز الحكيم منذ كان فطيما حتى بلوغه وحتى رسالته وإلى قضاء نحبه.

فمحمد القرآن وقرآن محمد هما تنزيل العزيز الرحيم ، كما هما على صراط مستقيم ، وكما يحملان مع بعض ، هذه الرسالة القمة دون فكاك.

ولأنه تنزيل الرحيم فهو كتاب رحيم يعم برحمته وكما رسوله (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (٢١ : ١٠٧).

كتاب عزيز رحيم ، تنزيل العزيز الرحيم على رسول عزيز رحيم ، عزة في التنذير ورحمة في التبشير وفي كلما يتطلب عزة ورحمة.

__________________

(١) فان تنزيل منصوب اما على الاختصاص او على المدح او انه مفعول اعني.

١١

(لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ) (٦) علة غائبة للإرسال والتنزيل.

صحيح أن القرآن لإنذار الناس أجمعين ، من انذر آباءهم وأنفسهم أم لم ينذروا : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (١١ : ٢٥) ولا الناس فقط بل العالمين : (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (٢٥ : ١) ولكن المحور الاوّل لإنذاره (قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ) فإنهم أصلد وأصلب ، فغيرهم أقوى تأثرا وأعبد (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) (١٩ : ٩٧) لدّا في عروبتهم ، ولدا إذ لم ينذروا من قبل ولا آباءهم ، أم لم ينذروا مهما أنذر آباءهم (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) (٣٢ : ٣) (... لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٢٨ : ٤٦) (وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) (٣٤ : ٤٤).

فالذين أنذروا ، هم وآباءهم ، ثم الذين أنذر آباءهم دونهم ، ثم من انذروا هم دون آبائهم ، ثم من لم ينذروا هم ولا آباءهم ، هم كلهم من العالمين تشملهم آية الفرقان ، ولكنما العرب الذين لم ينذروا ، هم ولا آباءهم ، فيهم عراقيل ثلاث وجاه إنذار القرآن ، وإذا كانت عزة القرآن ورحمته لحد تؤثر في هؤلاء بعراقيلهم الثلاث ، فبأحرى تأثيرها فيمن دونهم عرقلة ، فالتحلل عن القوميات يعبّد ، وإنذار الآباء يعبّد ، وإنذارهم أنفسهم يعبّد ، تعبيدات ثلاث لتقبّل الإنذار على سهولة ويسر.

ولأن هذه الغفلة ليست لحد يسقط معها التكليف ، فواجب الإنذار يوجّه إليهم على صعوباته وعراقيله.

فثالوث الغفلة التامة ، الطامة أنفسهم ، الناتجة عن هذه الثلاث ، تجعل منهم معاندين متعنتين لحدّ :

١٢

(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٧) لا يؤمنون لأنهم غافلون ثم ولا يريدون الهدى فهم قاصرون ومقصرون ، فقد حقت على أكثرهم كلمة العذاب ، والقلة الباقية بين قاصر مطلق دون تقصير ، وبين من يؤمن رغم الغفلة الحاكمة ، ويا لهذه القلة الثانية من يراعة ونصوع الإيمان إذ يجتازون ثالوث الغفلة إلى نور الانتباه :

أترى (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) تفريع على حقّ القول على الأكثرية العاتية؟ وهو جبر وتسيير على عدم الإيمان!

أم إن حق القول من مخلّفات (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) والفاء إجابة عن سؤال السبب في حق القول ، فلأنهم بغفلتهم يتعنّتون فلا يؤمنون (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ) و (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) (١٠ : ٩٦) لا تعني إلّا حق الكلمة على الذين يعلم الله أنهم لا يؤمنون تخيرا ، فعلمه بأنهم لا يؤمنون حتى الموت حقق عليهم كلمة العذاب قبل الموت ، وليس العلم علة العصيان ، بل هو كشف سابق عن العصيان! كما الكشف المقارن أو اللّاحق ، فإنها سواء أن ليس العلم علة ، بل هو انكشاف عما حصل أو يحصل أو هو حاصل بأسبابه ، إن مخيرا فمخيرا وإن مسيرا فمسيرا.

ف (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ) لأنهم لا يؤمنون ، أم حيث حق القول على أكثرهم ، لأن الله يعلم أنهم لا يؤمنون (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ، وحق القول هنا كاشف أنهم لا يؤمنون.

وكلما كثرت وتتابعت عوامل الغفلة تثاقلت الذكرى بطبيعة الحال ، دون انسداد مطلق لطريق الهدى ، حيث الفطرة التي فطر الله الناس عليها تظلّ حجة دائبة تطارد العوامل الخارجية والدخيلة ، وكثير هؤلاء الذين تؤثر عليهم تلكم العوامل الجارفة ، وقليل هؤلاء الذين يطاردونها

١٣

ويتخلصون عن المعركة ، والغفلة ما لم تكن عامدة لا تحقّق القول على أصحابها ، فمن لم ينذروا من قبل ، ولا آباءهم ، فهم في غفلة قاصرة ، فإذا أنذروهم أنفسهم بمثل هذه الرسالة السامية القرآنية بحجتها البالغة ، التي تزيل كل غفوة وغفلة ، ثم لم ينتبهوا ، فهم إذا في غفلة عامدة ، (فَهُمْ غافِلُونَ) إذا له بعدان قصورا وتقصيرا ، وليس حق القول إلّا على أكثرهم وهم المقصرون في غفلتهم بعد ما أنذروا ، وأما القاصرون وباحرى المؤمنون ، فهم القلة الناجية التي لم تحق عليها القول ، إلّا مغفرة ورضوانا أم وإيمانا!.

و «القول» كما في سائر القرآن هو وعد العذاب (وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) (٢٩ : ٧١)(١).

(إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ)(٨).

ولماذا «لا يؤمنون»؟ لأنهم بما لم ينذروا ولا آباءهم غافلون ، ولأنهم لمّا أنذروا ثبتوا على الغفلة عامدين ، فقد تجاوبت العوامل الخارجية : (ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) قصورا ، والعوامل الداخلية تقصيرا ، فتعمّقت الغفلة فيهم وتحمّقت لحد أصبحوا غفلة على غفلة (ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ) (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) كما زاغوا ، ومثلهم في زيغهم عن الحق وعماهم عن مشاهدة الحق ، واستكبارهم على شاهد الحق (إِنَّا جَعَلْنا ...).

وعلّ الأول تمثيل عن الغفلة الأنفسية ، والثاني هي الآفاقية ، فلم

__________________

(١) «بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ. فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ» (٣٧ : ٢١) «وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» (١٦ : ١٠٨).

١٤

يتبين لهم أنه الحق بما زاغوا عن الآيتين :

فهب إنهم لم ينذروا ولا آباءهم ، فلما ذا لم ينظروا إلى الآفاق حتى يعتبروا ، ولماذا لم ينظروا إلى أنفسهم حتى يتبصروا؟ فلما ركزت في أنفسهم عوامل الغفلة العامدة أنساهم الله أنفسهم (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) وأعماهم عن آفاقهم فهم لا يبصرون (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (٥٩ : ١٩) (كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) (٢٠ : ١٢٦).

(إِنَّا جَعَلْنا) بجمعية صفات الجلال الانتقام يوم الدنيا (فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً) وليس على أعناقهم ، وإنما «في» المشيرة إلى أن «أغلالا» جعلت دواخل أعناقهم ، وتملكه ذواتهم فلا يملكون فكّها ، ثم (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ) أغلالا متراكبة طول الأعناق إلى الأذقان ، فلا مجال لهم في حراكها على أية حال (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) : رافعون رؤوسهم كالمتأبّي ، كبعير قامح ، يرفع رأسه تأنفا فلا يشرب ماء ولا يأكل كلاء ، وكأنهم شبّهوا ـ في تكارههم للإيمان وتضايق صدورهم لسماع القرآن ـ بقوم عوقبوا فجذبت أذقانهم بالأغلال إلى صدورهم ، مضمومة إليها أيمانهم ، ثم رفعت رؤوسهم ليكون ذلك أشد لإيلامهم وأبلغ في عذابهم!

هؤلاء الحماقي الطغاة الغافلون البغاة أصبحوا رافعي الرؤوس كأنهم لا يملكون انحناء وإن لصالح أنفسهم ، متأبّين عن شربة ماء الحياة ، ولا يملكون النظر إلى أنفسهم ليدركوا آياتها ، ويلمسوا حاجاتها ، حارمين أنفسهم عن النظر إليها وإلى آيات الله فيها ، وليتهم لم يحرموا النظر إلى آياته في الآفاق ، كي يتبصروا بها ويرجعوا إلى أنفسهم منتبهين ، ولكن : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)(٩) إنهم سدّت عليهم منافذ الرؤية للآفاق كما سدّت عليهم

١٥

أنفسهم ، و (بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) تشمل الجهات كلها حيث «فأغشيناهم» هي غشية تشملهم دون إبقاء ، لم تبق لهم منفذا من منافذ الإدراك للآفاق سمعا ولا بصرا ولا حسا ، عقلا ولا قلبا ولا فطرة ولا أية نافذة قلبا أو قالبا (١)(فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ).

ذلك الإقماح وهذا السد ليس على ظاهر أبدانهم ، بل على باطن قلوبهم (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ...) توصيفا لما كان عليه هؤلاء عند سماع القرآن من تنكيس أذقانهم ، وليّ أعناقهم ، ذهابا عن الرشد ، واستكبارا عن الانقياد للحق ، وضيق صدور بما يرد عليهم من مواقع البيان وقوارع القرآن.

وعلّ (بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) تعني ـ فيما عنت ـ مستقبل الحياة وهي الأخرى ، (وَما خَلْفَهُمْ) تعني الحياة الأولى ، فهم مغشيّون عن النظر إلى الحياتين وصالحهما لأنفسهم : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (١٨ : ١٠٤).

قد يحرم الإنسان إبصاره إلى آيات آفاقية ، ويمنح آيات أنفسية ، باطنة

__________________

(١) نور الثقلين ٤ : ٣٧٦ ج ١٩ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ...) الهدى أخذ الله سمعهم وابصارهم وقلوبهم واعمالهم عن الهدى ، نزلت في أبي جهل بن هشام ونفر من اهل بيته وذلك ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام يصلي وقد حلف ابو جهل لعنه الله لئن رآه يصلي ليدمغه فجاءه ومعه حجر والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم يصلي فجعل كلما رفع الحجر ليرميه اثبت الله عز وجل يده الى عنقه ولا يدور الحجر بيده فلما رجع الى أصحابه سقط الحجر من يده ثم قام رجل آخر وهو رهطه أيضا فقال : انا اقتله فلما دنا منه فجعل يسمع قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فارعب فرجع الى أصحابه فقال : حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه فخفت ان أتقدم.

١٦

من الروح على فطرته وعقله ، وظاهرة من جسمه بأعضائه ، وقد يحرم آيات أنفسية ويمنح الآفاقية ، فله مجال على أية حال أن يتبصّر ، فإذا حرم الإبصار إلى جمعي الآيات (فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) وصولا إلى حقائق المبصرات مبدء ومعادا ، فيجمدون عليها دون تبصر ، «فمن أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها أعمته» وأما إذا اهتدى إليهما ككل فقد هدي إلى صراط مستقيم.

فيا ويلاه إن وصلت حال الإنسان الى هذه الدركات و (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) حيث لا يبقى له منفذ إلى النور ، مقمح في ذاته ، مسدود مغشي عن آفاقه (فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ).

ولقد حصلت شعبة من هذه التعمية على أبي جهل لما أراد ان يدمغ النبي وهو يصلي (١) وعلى قريش لما اجتمعوا ببابه ينتظرون خروجه ليؤذوه (٢) وكذلك على الذين مكروا به (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وهو منهم ـ فمكر الله والله خير الماكرين إذ قرأ عليهم آية السد فسدّ عليهم فهم لا يبصرون (٣).

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) كما في الدر المنثور ٥ : ٢٥٩ ـ اخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : اجتمعت قريش بباب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتظرون خروجه ليؤذوه فشق ذلك عليه فأتاه جبرئيل بسورة يس وامره بالخروج عليهم فأخذ كفا من تراب وخرج وهو يقرؤها ويذر التراب على رؤوسهم فما رأوه حتى جاز فجعل أحدهم يلمس رأسه فيجد التراب وجاء بعضهم فقال : ما يجلسكم؟ قالوا ننتظر محمدا فقال : لقد رأيته داخلا المسجد قالوا قوموا فقد سحركم.

(٣) نور الثقلين ٤ : ٣٧٧ ج ٢١ القمي في بيان خروج النبي (صلى الله عليه وآله ـ

١٧

(وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) (سَواءٌ عَلَيْهِمْ) إذ «لا يؤمنون» لا عليك ، فان عليك الإنذار كما على الرسل (عُذْراً أَوْ نُذْراً) ولا يعني (سَواءٌ عَلَيْهِمْ) إلّا بيان الواقع وتسلية لخاطر النبي الأقدس لكيلا يحزن عليهم (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ).

ليس للمنذر ـ إرشادا او امرا ونهيا ـ أن يترك إنذاره بحجة أنهم لا يؤمنون ، فعلّهم يؤمنون رغم حسابك حيث الواقع قد يتخلف عن العلم غير المحيط بالواقع ، وحتى إذا كان قطعا ، أم وتبين ان الإنذار كان عليهم سواء لم يسقط وجوبه عن المنذرين ، إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة.

وواقع اللّاإيمان من هؤلاء الأنكاد هو من الملاحم الغيبية القرآنية فهم

__________________

ـ وسلم) من بيته الى الغار وفيه : وامر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يفرش له ففرش له فقال لعلي بن أبي طالب (صلى الله عليه وآله وسلم) افدني بنفسك قال : نعم يا رسول لله ، قال : يا علي! نم على فراشي والتحف ببردتي فنام علي (عليه السلام) على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتحف ببردته وقد جاء جبرئيل وأخذ بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرء عليهم (وَجَعَلْنا ...) وفي كتاب الاحتجاج روى عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي (عليه السلام) قال : ان يهوديا من يهود الشام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) فان ابراهيم (عليه السلام) حجب عن نمرود بحجب ثلاث؟ قال علي (عليه السلام) : لقد كان كذلك ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حجب عمن أراد قتله بحجب خمس ثلاث بثلاثة واثنان فضل ، فان الله عز وجل وهو يصف محمدا قال : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) فهذا الحجاب الاول (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فهذا الحجاب الثاني (فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) فهذا الحجاب الثالث ثم قال (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) فهذا الحجاب الرابع ثم قال (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) فهذه حجب خمس.

١٨

على استكبارهم وإصرارهم لإبطال حجة القرآن لم يؤمنوا ولو على ظاهر الحال تكذيبا لملحمة قرآنية ، وكانوا أشخاصا خصوصا عرفوا بين الجموع بالكفر الصامد والجحود العامد.

(إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)(١١).

إن تأثير الإنذار منحسر عنهم ، منحصر في (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) : من إذا ذكّروا تذكروا دون عناد ، وهم المتقون الذين إذا وقوا عن الشر اتقوه ، فهم الأحياء بروح الذكر والتقوى : (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ)(٧٠) ، وقد يلمح المضيّ في «اتبع ... وخشي» لسابق هذه الحالة السابغة فيهم قبل الذكر فهم مهما كانوا قبل الذكر من الغافلين ، ولا سيما إذ (ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) من قبل ولا أنذروا ، هم أنفسهم ، ولكن الغفلة حيث كانت قاصرة دون تقصير ، فكانوا يفتشون عن ذكر حتى يتذكروا ، أم ـ ولأقل تقدير ـ كانوا لا يعاندون الحق على غفلتهم ، فهما ـ إذا ـ ممن (اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) منذ الغابر وحتى الوقت الحاضر ، عائشين إتباع الذكر ، فهم ـ دوما ـ عنه يتتبعون!

وهذا شك مقدس وغفلة غير مقصرة ، لا ينقصه إلّا عدم بلوغ الحجة البالغة ، وهؤلاء هم الذين يؤثر فيهم الإنذار.

ف (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) يعرف الرحمن كأصل أوّل في حقل الذكر ، فيخشى الرحمن بالغيب ، يخشاه وهو تعالى «بالغيب» ثم ويخشاه «بالغيب» عمن سواه دون رئاء ، ويخشاه بغيب ضميره وسريرة قلبه ، فتظهر الخشية في أفعاله ـ إذا ـ فهو في شهوده أخشى.

وكما اتباع الذكر درجات ، كذلك خشية الرحمن بالغيب درجات : بغيبه تعالى ، ثم بالغيب عن خلقه ، ثم بغيب ضميره ، كما ولكلّ من

١٩

هذه الثلاث أيضا درجات!

فلما أثر الإنذار ياتي ـ إذا ـ دور التبشير (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ) عما سلف (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) (٢ : ٢٨) ومغفرة حين اتباع الذكر ، وخشية الرحمن عن تقصيرات او قصورات ، إذ لا يخلوا أي مكلف عن لمم إلّا السابقين والمقربين ، ثم (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) : واسع ، أوسع مما يستحقه ويرجوه ، فهو أجر كريم من إله كريم ، إلى عبد كريم ، وأين كريم من كريم؟.

(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)(١٢)

هنا جموع ثلاثة موكدّة بحرف التأكيد تؤكد إحياء الموتى في جمعية الصفات (١) وجمع الجموع أولا في الذكر وهو آخر في الواقع ، كما وتوكد كتابة ما قدموا وآثارهم وليس إلّا في حياة التكليف ، كذلك وإحصاء كل شيء في إمام مبين وهو يسبقهما ، وليس عكس الترتيب إلّا بحساب ترتيب الأهمية ، فالمحور الرئيسي في هذه الثلاث هو إحياء الموتى ، ويلحقه إنذار : (وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ) ثم يتم الإنذار ويطم (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ).

__________________

(١) ولا يعني الجمع في مثله جمع الله وملائكته امّن ذا إذ لا يجعل الله نفسه المقدسة مع عبيده ولا سيما في الأفعال الخاصة به ، فقول الصدر الشيرازي في تفسير يس ص ٣٩ : اي هو تعالى او ضرب من ملائكته المقربين المهيمنين الذين فعلهم مطوي في فعل الحق لفناء ذواتهم بغلبة سلطان النور الكامس الازلي على أنوارهم واقتفاء اشعة تأثراتهم العقلية تحت شعاع الضوء القيومي ـ مردود الى قائلة ـ ومن الغريب اعترافه بفناء ذواتهم ثم تفسير اجمع «انا نحن» بظهورهم بجنب الحق لحد صنعوا بجنابه ، وظهروا بجانبه!

٢٠