الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ١٩

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ١٩

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٩٢

١
٢

٣
٤

(٢٠) سُورة طه مَكية

وآاتها خمس وثلاثون ومائة

٥
٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ

٧

هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)

٨

وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى)(٣٦)

ملامح السورة ومصارحها برهان قاطع لا مرد له انها كلها مكية ، وفيها من ذكريات التسليات من تاريخ الرسالات ولا سيما الموسوية ، ما تطمئن خاطر الرسول الأقدس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكما تبدء به «طه» وتختم به : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ .. وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ .. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ .. قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) ١٣٥ وبينهما قصص موسى وهرون ، ثم آدم وزوجه وهما أهم القصص الرسالية ومعارضيها طول التاريخ الرسالي ، وأكثرها ذكرا في الذكر الحكيم.

ويا لها من ظل ظليل يغمر غالبية جوها ، علوي جليل تخشع له القلوب وتحار دونه الألباب وتخضع النفوس : تجلي الرب بالوحي بالوادي المقدس على عبده موسى كما تجلى بربوات المقدسين على «فاران» حرى! تلك المناجاة الطويلة في بزوغ وحي التورات ، والليل ساكن وموسى وحيد ، وكما ناجى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في ساكن الليل والرسول وحيد بفاران ، وبين الرسولين والوحين والكتابين تشابهات منقطعة النظير عن كل بشير ونذير ، مما تربط السورة كلها بهذا البشير

٩

النذير.

(طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) ٣

«طه» اسم من اسماء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) نداء ك «يس» «ن»(١) في القرآن او سواه (٢) وهنا (عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) دليلان اثنان على ذلك النداء ، وثانيتهما يبرهن على مدى شقاءه في مرضات الله ، هيمانا في الله ، وشغفا في ذات الله ، ابتغاء مرضات الله ، اصطناعا لنفسه اكثر مما هي ، واصطناعا للمرسل إليهم اكثر مما هم ، وكما أمر بالأمرين في المزمل (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً .. إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً) فقدم الإمر من الأمرين فقام الليل طويلا طويلا حتى تورّمت قدماه فجعل يرفع رجلا

__________________

(١) ففي القرآن ما في تفسير البرهان ٣ : ٢٩ عن التوحيد للصدوق سعد بن عبد الله عن ابراهيم بن هاشم عن غثم بن عيسى عن حماد الطنافسي عن الكلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال يا كلبي كم لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) من اسم في القرآن ، فقلت : اسمان او ثلاثة فقال يا كلبي له عشرة اسماء : وما محمد الا رسول ـ ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد ـ ولما قال عبد الله ـ طه ـ يس ـ ن ـ يا ايها المدثر ـ يا ايها المزمل ـ قد انزل الله إليكم ذكرا رسولا ـ قال : الذكر اسم من اسماء محمد ونحن اهل الذكر ..

أقول : وقيل انه من اسماء القرآن او السورة او اسم الله او مفتاح الاسم الطاهر والهادي ، والمصدق منها اضافة الى انه من اسماء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) مفتاحا لصفات من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) واسما للسورة.

(٢) الدر المنثور ٤ : ٢٨٩ ـ اخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم): لي عشرة اسماء عند ربي قال ابو الطفيل : حفظت منها ثمانية : محمد واحمد وابو القاسم والفاتح والخاتم والماحي والمعاقب والحاشر وزعم سيف ان أبا جعفر قال : الاسمان الباقيان طه ويس ،

١٠

ويضع رجلا (١) ، وكان يربط نفسه بحبل كيلا ينام (٢) ويضع إحدى رجليه على الأخرى (٣) وقد يروى عن أخيه علي (عليه السلام): لقد قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفرّ وجهه يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عزّ وجلّ : (طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى)بل لتسعد (٤) ، ويؤوّل «الليل اجمع» هنا بما يناسب آية المزمل كما أمر (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) حيث قلّل قليل النوم لحد كثير حتى صح القول «يقوم الليل اجمع» فلم يكن مخالفا لأمر ربه ، بل مرجحا إمر الأمر المخير بين مربعه ، ثم «لتسعد» بفتح التاء هي سعادته نفسه بالقرآن ، بشقاء العبادة والذكر عن الخشية ، وبضمنها هي إسعاده الآخرين ، والمعنيان علهما معنيّان ، فتحلّق (لِتَشْقى. إِلَّا تَذْكِرَةً) على شئون النزول كلها.

وهي بطبيعة الحال عتاب حنون يدل على شغفه البالغ لحدّ رجح الأكثر مما عليه.

وكما يدل على الجهل البالغ في آباء الجهالات حيث نسبوه إلى الشقاء

__________________

(١) المصدر اخرج ابن مردويه عن علي (عليه السلام) قال : لما نزل على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) يا ايها المزمل قم الليل الا قليلا قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلا فهبط عليه جبريل فقال : طه ـ ...

(٢) المصدر اخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل كيلا ينام فانزل الله عليه طه.

(٣) المصدر اخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) يربط نفسه ويضع احدى رجليه على الاخرى فنزله طه ..

(٤) نور الثقلين ٣ : ٣٦٧ في كتاب الاحتجاج للطبرسي روي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن الحسين بن علي (عليه السلام) قال قال امير المؤمنين (عليه السلام) ولقد قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ...

١١

بنزول القرآن ، تركا لما هم فيه وآباءهم من الجاهليات الساقطة ف «بل لتسعد» تفسيرا لمقابل «تشقى» ناظرة الى شأني النزول ، فلا هو شقي بنزول القرآن خلاف ما افتري عليه ، ولا عليه ان يتعب نفسه به في نفسه وفي دعوته ، فقد وضع عنه إصر مثلث الشقاء عناء ، ورسول الهدى من غير السعادة في الشقاء براء.

ففي ذلك الخطاب العتاب الحنون رد على الذين قالوا «لقد شقي هذا الرجل بربه فأنزل الله طه» (١) وعلّه مثلث الشقاء ، وقد يروى عن طه «ان الله تبارك وتعالى قرأ طه ويس قبل ان يخلق السماوات والأرض بألفي عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت : طوبى لأمة ينزل عليها هذا وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تتكلم بهذا» (٢).

ولأن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان دائب العبودية في أصعبها ليطهّر اكثر واكثر ، وكان دائب الدعوة الصارمة حرصا على هداهم ، ضائق الصدر عن رداهم ، كما (لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) لمحة إجمالية عنهما ، وفي القرآن المفصل تفصيلهما ، فعله لذلك خوطب هنا بطه ، انه الطاهر لقمتها دون شقاء في العبادة ، والهادي لقمتها دون شقاء في الدعوة ، فهو الطاهر الهادي فلما ذا يشقى.

__________________

(١) الدر المنثور اخرج ابن مردويه ابن جرير عن ابن عباس وفي تفسير الرازي ٢٢ : ٣ قال مقاتل. ان أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي والنضر بن الحارث قالوا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) انك لتشقى حيث تركت دين آباءك فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) بل بعثت رحمة للعالمين قالوا بل أنت تشقى فانزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم وتعريفا لمحمد بان دين الإسلام هو السلام.

(٢) المصدر اخرج الدارمي وابن خزيمة في التوحيد والعقيلي في الضعفاء والطبراني في الأوسط وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ان الله ...

١٢

انه (صلّى الله عليه وآله وسلم) الطهارة القمة فهو «ط» (١) وهو الهداية القمة فهو «ه» وذلك بعصمة إلهية بما اصطنعه ربه واصطنع هو نفسه ، فتكفيه ما فرض عليه ربه في بعدي العبودية والدعوة دون زيادة وعبء فيه شقوة ، فيا له من مكرمة ربانية شغفا بالغا في تحقيق عدّة العبودية وتطبيق المسئولية في الدعوة ، لحدّ يقول له ربه قف يا (طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) وأنت اوّل العابدين وسيد المرسلين وإمام الأولين والآخرين.

أم انه «طالب الحق الهادي إليه» (٢) فكذلك الأمر ، حيث الطلب بالعبودية لاصطناع نفسه والهداية لاصطناع غيره.

وأما ان «طه» كلمة معربة عن لغة «عك» او النبطية او الحبشية او السريانية (٣) فغير وجيه ولا صحيح ، ومعناها فيها «يا رجل» فكيف يخاطب اوّل العابدين وسيد المرسلين ب «يا رجل» وهو رسول ونبي في ساير القرآن؟ ومع الغض عن ذلك الغض في مكانته فلما ذا لم يأت «يا رجل» في صيغته العربية ، انتقالا الى لغة اجنبية غير بهية؟!.

ولا أنه بمعنى «طأ» قلبا لهمزته هاء ، قلبا لرجله الى الأرض بعد

__________________

(١) البرهان تفسير الثعلبي في «طه» قال جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) طهارة اهل بيت محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثم قرأ آية التطهير.

(٢) نور الثقلين ٣ : ٣٦٧ في كتاب معاني الاخبار باسناده الى سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق (عليه السلام) حديث طويل يقول فيه واما طه فاسم من اسماء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ومعناه يا طالب الحق الهادي اليه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد» أقول : علّ التاء هنا مفتوحة ومضمومة حملا على بعدي السعادة لنفسه والإسعاد لغيره.

(٣) وهي مروية على الترتيب عن الكلبي وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة كما في الدر المنثور.

١٣

رفعها ما رفع ، مهما وردت به رواية ، فانها مردودة الى راويها حيث تنافي القرآن البيان.

كلا! انه الطاهر الهادي ، او طالب الحق الهادي اليه ، كما يروى في اخرى تناسب موقف القرآن لفظيا ، والخطاب معنويا (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى).

ومن الموافقات هنا في منزلة ذلك البدر الساطع المنير أن «طه» حسب حروف الجمل ١٤.

وهي ليلة البدر ، أتراه بعد متخلفا عن أمر ربه في «تشقى» حتى ينهى هنا؟ كلّا! فان ذلك كان طبيعة الحال في عبد شكور مثله حتى تأتيه الرخصة تخفيفا بعد أمره في المزمل وبعد (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) وكما أجاب سائله «يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا! (١)»

مما يدل على دؤوبته في صعوبة العبودية على تخفيفه منها بعد طه ، وقد عده الامام السجاد (عليه السلام) في مجلس يزيد من مفاخره قائلا : انا ابن من هو (طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى).

والشقاء منها العناء في طلب الخير تعبا فوق الميسور كما هنا ، ومنها العناء من جراء الشر وهي الضلالة في الأولى والأخرى ، وساحة الرسول الأقدس براء عنها ، و (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) تلمح لمحة لامعة بمناسبة الحكم والموضوع ان نزول القرآن كان له شخصيا ورساليا منزل

__________________

(١) المصدر في اصول الكافي بسند عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عند عائشة ليلتها فقالت يا رسول الله ... قال : وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقوم على أطراف أصابع رجليه فانزل الله سبحانه (طه ...).

١٤

الشقاء والعناء ولأنه قول ثقيل : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) فالقول الثقيل يقتضي للمقول له العبء الثقيل ، والتعبد الثقيل ، دون ان يكتفي بالميسور القليل ، ولذلك أخذ يتكبد فيما يتعبد حتى جاء امر الجليل بالتقليل (طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) :

اجل ، ليس القرآن مجالا للشقاء على أية حال ، حيث المحور الأصيل فيه في كافة مجالاته وجلواته يسردون عسر ، فانه ميسّر للذكر لكل مدّكر فضلا عن منزل وحيه ومهبط رسالته : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) فلا تتجاوز تكاليفه طاقة الإنسان أيا كان ، إذ لا يفرض إلّا ما في الطوق والسعة ، نعمة دون شقوة ونعمة.

كما اننا (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) في حمل الناس على الهدى ، فتغيّظا وتضيّقا حين لا يؤمنون ، واستزادة حين يؤمنون ، إذ ليس عليك هداهم ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ولاتك في ضيق مما يمكرون ، فإنما الغاية القصوى منه محصورة في :

(إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) تذكرة للمدّكر ، وتبصرة للمتبصر ، ف (إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (٣٦ : ١١) والاستثناء هنا من أوصل المتصلات دونما انقطاع ، ف (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) في الأولى او الأخرى ، ولا لأمور اخرى (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) ومما يشهد لذلك الحصر ان الذكر هو من أسماء القرآن الأصيلة ، ذكرا لكافة الآيات آفاقية وانفسية جملة وتفصيلا.

وقد تتوسع «لتشقى» وما أولاها ، الى انك تشقى وتتعب في نفسك ودعوتك تذكرة لمن يخشى ، حيث تنذر به قوما لدا ، فما شقاءك وعناؤك كرسول إلّا للذكرى ، واما أنت يا رسول الهدى فقد يكفيك ما أنت دون نصب في تعبدك فإنك (أَوَّلُ الْعابِدِينَ).

١٥

فالمعني إذا ـ ضمن ما يعنى ـ (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) هكذا «إلّا» شقاء وعناء «تذكرة» بهذا القرآن (لِمَنْ يَخْشى)!

فلولا تعب المذكر في اصطناع نفسه ثم المحاولة في اصطناع غيره ، لم تكن التذكرة تلك الكافية البالغة لمن يخشى.

والخشية هي الضراعة في الجوانح كما الخشوع للجوارح ، وهي خوف يشوبه تعظيم عن علم بما يخشى منه ف (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (٣٥ : ٢٨) وعلى ضوءها الخشية من الحياة الأخرى : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (٧٩ : ٤٥) : (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) (٢١ : ٤٩).

فحين لا تكون خشية فحمل القرآن حمل وشقاء ، وإذا جاءت الخشية فحمله نعماء مهما كانت فيه من عناء ، وأنت يا اوّل العابدين في شغف بالغ من خشية الله ، يسهل عليك كل عناء في سبيل الله ، ولكن لا عليك أن تشقى بالقرآن فوق ما عليك.

ولأن التذكرة ليست إلّا عن غفلة ، فلتكن مادتها موجودة لمن يخشى ، وهي كذلك لمن يخشى ومن لا يخشى ، حيث الفطر مفطورة على معرفة اصول المعارف الدينية ، والعقول الصافية الضافية تتبناها في نضدها ونضجها ، استيحاء من وحي الله التي يكملها ويفصلها ، فالعقول تأخذ من الفطر بشمائلها الميمونة ، ومن الوحي بأيمانها الميمونة ، وذلك المثلث البارع ينتج دينا بارعا لا عوج فيه ولا ريب يعتريه.

وهكذا يكون القرآن تذكرة بالفعل لمن لم تحجب فطرته ، ولم تكسف عقليته ، فهو خاش للحق ، متحر عن الحق ، متربص تشريفه ليتذكر ما استغفل ، ويكتمل على غراره ما هو قاصر ، فمن يخشى وهو يسعى فالقرآن له ذكرى ، ومن لا يخشى وهو يتلهى لم يكن له ذكرى ، باقيا في غفلته ،

١٦

باغيا في غفوته وشقوته.

وترى لماذا التعبير عن عبء التعب ب «لتشقى» دون صيغته الأصيلة السائغة للكتاب البيان؟ لأنه لا يعني ـ فقط ـ منعه (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن التعب البالغ في بعدي الرسولية والرسالية ، بل وجوابا عما افتري عليه : «انك لتشقى حيث تركت دين آباؤك» إذا «لتشقى» بيان مجمل جميل عن هذا المثلث ، سلبا للشقاء عناء وغير عناء ، وتثبيتا لشقائه وعناءه بعض الشيء تذكرة لمن يخشى.

إذا فشقاءه (صلّى الله عليه وآله وسلم) في «لتشقى» بين موجبة وسالبة ، موجبة دون الحرج تذكرة لمن يخشى ، وسالبة حدّ الحرج إذ تورمت قدماه ، وسالبة ثانية هي فرية المفترين عليه ان في نزول القرآن شقاءه إذ خرج عن دين الآباء!.

وطبعا ليست «لتتعب» لتعني ما عنته «لتشقى» من مثلث المعنى المعني حسب شئون النزول هنا.

(تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى)(٤).

ذلك القرآن المنزل عليك ذكرا وتذكرة لمن يخشى ، حقا فيه الكفاية لكل تذكرة ، دونما حاجة الى نسخ او تكملة ، لأنه (تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) فكما ان خلقه التكوين يعم الكون كله ، كذلك كتابه التشريع التدوين يشمل الخلق كله (تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) في كل ذكرى تتطلبها الحياة الإنسانية العليا على مدار الحياة ومرّ الزمن.

وكما (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) سيطرة ملكية ومالكية على الكون كله ، كذلك كتابه العظيم مسيطر في ذكراه على العالمين أجمعين.

١٧

وهنا في «تنزيلا» وجوه عدة وجمعها أوجه : نصبا على المفعولية ل «يخشى» حيث يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى».

ونصبا ، بدليا عن «القرآن» : ما أنزلنا عليك القرآن .. تنزيلا ، وثالثا على المدح والاختصاص : نخص تنزيلا ... وذلك الاختصاص هو الذي يؤهله للتذكرة العامة الدائبة ، ورابعا على الحالية للقرآن المنزل ، ومربع المحتملات محتملات تحتملها الآية لفظيا ومعنويا.

وهنا تقابل الأرض للسماوات العلى يلمح انها جنس الأرض الشامل للأرضين السبع ، كما تلمح له ثانية (ما تَحْتَ الثَّرى) فهما ـ إذا ـ تعبيران عن الكون كله ككل كتاب التكوين ، تأشيرا عشيرا ان القرآن هو كل كتاب التدوين.

وإشارة اخرى ، الأرض هي أراضي القلوب خاشية وغاشية ، والسماوات العلي هي القرآن حيث تضم كل سماوات الوحي ، يحمله الرسول الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، فلا شقاء للسماوات العلى ان تمطر غزيرة الوحي الهاطل على أراضي القلوب ، ثم لاشقاء للقلوب في تقبلها تلك الأمطار ، لا شقاء العناء ولا غير عناء ، مهما شقيت قلوب مقلوبة خاوية عن الهدى ، مليئة بالردى.

ثم «العلى» في مواصفة «السماوات» دليل علوها على الأرض كلها حول أكنافها ، محيطة بها ، حائطة لها ، منزلة عليها من ماءها وسائر رحماتها ، إذا فالأرض محاطة بالسماوات فمدورة كما السماوات ، سائرة حائرة في خضمّها ، غير مائرة في حراكها حيث (اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) (٣٥ : ٤١).

فكما الأمطار تنزل على الأرض من عليا السماوات مكانا ، كذلك القرآن منزل من عليا سماوات الوحي مكانة ، إذ ليس لله مكان ينزل منه

١٨

القرآن ، وانما «تنزيلا» من عليا الربوبية ، الى دنيا القلوب.

(الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)(٥)

«الرحمن» ـ رفعا ، خبرا عن «هو» المقدرة ، ام مبتدء ل «استوى» أو «الله» المؤخرة وكلها صالحة ـ هي من أعم الصفات الإلهية ، شاملة لكل الرحمات تكوينية وتدوينية ، فهو مستو مستول بعد ما خلق على كل ما خلق تكوينا وتشريعا ، دون تفلّت لها عنه تعالى ، ولا تلفت له تعالى عنها ، فهو المدبر لها كما هو الخالق إياها ، سبحانه وتعالى عما يشركون.

فلله عرش قبل خلق السماوات والأرض وهو على المادة الأولية الأم : «الماء» (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) (١١ : ٧).

وعرش بعد خلقهما في حياتهما الدنيا ، وقد تعنيهما العرش هنا (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) وعرش في قيامتها (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) (٦٩ : ١٧) وكل ذلك يعني استيلاءه على الخلق ، مهما اختلف الخلق في مثلث نشآته.

ثم لا عرش لله فعليا قبل خلق الخلق ، حيث السلطة تقتضي مسلطا عليه ، اللهم إلّا كامنا في حيطته العلمية وفي القدرة في معنى «خالق إذ لا مخلوق».

فالعرش على أية حال لا يعني مخلوقا هو سبحانه متكئ عليه ، مهما كان الملأ الأعلى من العرش حيث تصدر منه أوامره تكوينيا أو تشريعيا بعد الخلق.

وجملة القول في (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) انه «استولى على ما

١٩

دق وجل» (١) و «استوى من كل شيء فليس شيء أقرب اليه من شيء لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب استوى من كل شيء» (٢) «استوى تدبيره وعلا امره (٣) و «من زعم ان الله من شيء فقد جعله محدثا ، ومن زعم أنه في شيء فقد زعم أنه محصور ، ومن زعم انه على شيء فقد جعله محمولا» (٤) وانما «بذلك وصف نفسه وكذلك هو مستول على العرش باين من خلقه من غير ان يكون العرش حاملا له ، ولا ان يكون العرش حاويا له ، ولا أن يكون العرش ممتازا له ، ولكنا نقول هو حامل العرش وممسك العرش ونقول ما قال : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) فثبّتنا من العرش والكرسي ما ثبّته ونفينا ان يكون العرش او الكرسي حاويا وان يكون عز وجل محتاجا الى مكان او الى شيء مما خلق بل خلقه محتاجون اليه» (٥) فهو «المستوي على العرش بلا زوال» (٦).

وعلى الجملة «ان للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب وضع في القرآن صفة على حدة فقوله : رب العرش العظيم ـ يقول : الملك العظيم ، وقوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) يقول : على الملك احتوى ،

__________________

(١) نور الثقلين ٣ : ٣٧١ في احتجاج الطبرسي عن الحسن بن راشد قال سئل ابو الحسن موسى (عليه السلام) عن الآية فقال : ..

(٢) المصدر في كتاب التوحيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن الآية فقال : ...

(٣ ، ٤). المصدر في الاحتجاج عن امير المؤمنين (عليه السلام) حديث طويل وفيه قوله «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» يعني وكذلك (٤) فيه عنه عليه السلام.

(٥) نور الثقلين ٣ : ٣٦٧ في كتاب التوحيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديث طويل وفيه قال السائل فقوله : الرحمن على العرش استوى ، قال ابو عبد الله (عليه السلام) : ...

(٦) المصدر في كتاب التوحيد خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) وفيها : ـ ..

٢٠