🚘

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة - ج ٧

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة - ج ٧

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: اسماعيليان
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

(٤) سورة النّسَاء مَدَنيَّة

وآياتها سِتّ وَسَبعُونَ وَمائِة

٥
٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٣٢)

٧

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) ٢٩.

(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢ : ١٨٨).

في آية البقرة تلحيقة تحمل أنحس مصاديق الباطل : (وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ..) وهنا استثناء منقطع يستثنى به الحق المنقطع النظير من الأكل بالحق وقد فصلنا القول حول آية البقرة وهنا مزيد.

في الاستثناء المتصل نعرف الحصر في المستثنى ويعاكسه المنقطع حيث الحصر فيه في المستثنى منه ، وبصيغة أخرى علّها أحرى ، الحكم في جملة الاستثناء مستغرق في المستثنى المتصل ، وهو في المنفصل مستغرق في المستثنى منه.

إذا فالأكل بالباطل محرم بصورة طليقة لا تستثنى على آية حال ، وقد يكون الاستغراق فيه أغرق من المستثنى ، حيث يقبل المستثنى في المتصل قرينا بدليل يعرف منه أن الاستثناء نسبي ، وما هكذا المنفصل فإنه نص في استغراق الحكم في المستثنى منه فلا يقبل استثناء على أية حال.

ثم المستثنى لا يعني إلا أفضل الأكل بالحق ، فكذلك ـ إذا ـ سائر الأكل بالحق كما يراه العرف والشرع حقا كالأكل بالهبة والهدية والصدقة والنفقة أماهيه من الممضيات شرعا مهما لم تكن ممضيات عند العرف أو كانت ، فليست الآية ـ إذا ـ منسوخة ولا مخصّصة في حل الأكل بغير تجارة عن تراض إذا لم يكن أكلا بالباطل.

فمحظور الأكل بالباطل ـ وهو التصرف الباطل ـ ضابطة ثابتة تحلق على

٨

كافة التصرفات الباطلة في الأموال ، أموالكم وأموال الآخرين والأموال العامة ، تبذيرا وإسرافا مصرفيا في أموالكم ، وأي تصرف في أموال الناس دون مبرر عقلي وشرعي ، وكما يحضر عن كل التصرفات الباطلة في الأموال العامة المشتركة.

ولا يصغى الى قيلة القائل لتبرير اتصال الاستثناء : أن تجارة عن تراض هي ايضا من الأكل بالباطل ، فإن غالب مصاديقها لا تخلو عن أكل بباطل ، ولكن الله أحل التجارة عن تراض لضرورة الإعاشة وأن باطل الأكل بالتجارة أخف وطئه من غيرها.

ذلك لأن الأكل بالباطل مرفوض على أية حال بسند الباطل ، والضرورات التي تبيح المحظورات تحلل الباطل على قدرها ، دون تحليل طليق للباطل في تجارة عن تراض ، فهذا القول هو أبطل من أكل المال بالباطل!.

ثم «لا تأكلوا» : لا تتصرفوا «أموالكم» في زواياها الثلاث «بينكم» : أكلا بينكم والأموال الكائنة بينكم «بالباطل» سببا ومعية وغاية ، فالتصرفات المالية بالأسباب الباطلة ، أو معية الباطل أو الغايات الباطلة ، كلها محرمة دونما استثناء.

فالربا والسرقة والخيانة والبخس في المكيال أماذا من تصرفات باطلة هي محرمة قاحلة (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) نموذجا بارزا للأكل بالحق يلقي ضوء عاما شاملا على التصرفات الحقة أنها هي التي تكون بسعي الحق وحق السعي ، وبتراض بين المتعاملين ، وهو بطبيعة الحال تراض مرضي عند الله ، فقد يرضى الله وأنت لا ترضى وقد ترضى ولا يرضى الله ، والمحور الأصيل في حقل التراضي هو أن يرضى الله ، فلنفتش عن أسباب رضاه في أكل الأموال بيننا من أدلة الكتاب والسنة.

٩

ف «تراض» منكم تعني التراضي على ضوء الإيمان حيث الخطاب موجه الى المؤمنين ، فالتراضي الذي لا يرضاه الإيمان ليس مرضيا في خطاب الإيمان.

ولأن المؤمن عاقل قبل إيمان فلا بد أن يكون تراضيا عاقلا ، فالتراضي الذي يرفضه العقل أو يرفضه الإيمان ليس داخلا في نطاق (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) إنما هو الذي يرضاه العقل والإيمان.

وبصيغة أخرى التراضي الباطل على أكل المال بتجارة أماهيه ، هو تراض باطل فيشمل الأكل به الأكل بالباطل دون (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ).

والباطل قد يكون بنظر العرف ويمضيه الشرع ، أم لا يراه العرف باطلا وأبطله الشرع ، فكلاهما باطلان فإن خطاب الإيمان يجعل الباطل ما عرفه الإيمان باطلا ، لا فقط ما يعرفه الإنسان طليقا عن الإيمان.

فإن بين الباطل عند الإنسان وعند الإيمان عموما من وجه يتصادقان في المصدّق بطلانه عندهما ، ويفترقان في الباطل عندنا دون الشرع ، والباطل عند الشرع دوننا والمحور هو الشرع ، ولا تصبح الآية مجملة حين تعني من الباطل كل باطل ، إذ منه المعروف عندنا بطلانه فمحظور إلّا أن يسمح به الشرع ، ومنه المعروف عندنا بأصل الشرع فكذلك ولا يسمح له إلّا عند الاضطرار كما سواه ، ومنه المجهول بطلانه عرفا وشرعا فلا يشمله النهي إذ لم يحرز بطلانه.

وأصل الباطل هو الزائل ، فأكل المال دون مبرر عقلي أو شرعي باطل ككل ، فالمعلوم بطلانه عرفا وشرعا معلوم ، والمعلوم بطلانه عرفا لا شرعا يتلوه في البطلان ، والمعلوم بطلانه شرعا لا عرفا يوازيه ، ثم المجهول بطلانه عرفا وشرعا لا يشمله دليل الحظر ، حيث المتأكد كونه باطلا هو المشمول لآية الإبطال وما سواه داخل في أصالة الحل بأدلتها.

١٠

إذا فلا بد من إحراز كون الأكل بالباطل عرفيا أو شرعيا أو فيهما ، وكما يكفي الباطل شرعيا في الحرمة كذلك الباطل عرفيا مهما سكت عنه الشرع.

ولأن في الأكل باطلا كما فيه حق فلا بد أن يفتش عن باطله فيتجنب وعن حقه فيتقرب ثم إذا شك في البطلان بعد كامل التحري المستطاع فمحكوم بحكم الحق.

بقي المعلوم حقه عرفا وشرعا ، أو المجهول بطلانه عرفا وشرعا ، فهما داخلان في أصل الحل.

ولأن الباطل في الأصل ما لا يحق التصرف فيه لعدم سعي أو حق أو سعي باطل فليس ـ إذا ـ من المواضيع المجهولة حتى يجعل الآية مجملة.

فالعقد والبيع والتجارة والمعاملة أو ما أشبهها لا تختص بالعقود اللفظية ، بل هي من مصاديقها الشاذة ، فلو أن (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) اختصت بالمعاملات بصيغها الخاصة ، لخرجت الأكثرية الساحقة من المعاملات عن ذلك الاستثناء ، ثم لا تدخل في قسيم التجارة وهو أكل المال بالحق دون تجارة ، اللهم إلا أن يثلث مورد الحل ، تجارة وسواها سواء أكان معاملة أم سواها.

وفي الحق ان القول بإن المعاملات المعاطاتية غير محكومة باللزوم وانه خاص بالمتحققة بصيغها ، إنه قالة غريبة عن العرف والشرع ، دونما إشارة له من كتاب أو سنة.

ولا تعني «تجارة» ـ فقط ـ البيع حيث قوبلت به : (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) (٢٤ : ٣٧) فالبيع هو أصدق مصاديق التجارة وأهمها ، وقد تعم التجارة كافة التعاملات إجارة وشركة ومضاربة ومزارعة ومساقاة أماهيه من تعامل مالي فإنها لغويا هي التصرف في رأس المال طلبا

١١

للربح ، ولكنها تعم ما لا ربح فيها أم فيها خسار ، إلّا أن القصد الأكثري منها الربح ، ف (تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها) (٩ : ٢٤) هي من التجارة كما (يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) (٣٥ : ٢٩) هي تجارة ، فالتجارة غير الرابحة تجارة مهما كانت كاسدة : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (٢ : ١٦).

فكل تعامل مالي تشمله «تجارة» مهما كان الأصل فيه المال أم هو لزامه بقرار أو دون قرار ، فالنكاح تجارة كسائر التجارات.

ولا تختص «تجارة» بما فيها الصيغة ، فهي كل معاملة عقلائية غير محظورة في الشرع فالمعاطات ـ التي تشغل الأكثرية الساحقة من المعاملات ـ تحتل الموقع الأعلى من «تجارة» وهي سيدة الموقف دون ريب.

فكما (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تفرض الوفاء بالعقود اللفظية وهي أقلها ، كذلك العقود المعاطاتية وهي أكثرها ، فهي ـ ككل ـ لازمة إلّا بدليل قاطع على جوازها ويجري فيها كل أحكام العقود من لزوم فخيارات بشروطها أم جواز فجواز الفسخ كيفما اتفق.

و «عن تراض» قد تقدّم التراضي على التجارة ، فهل التجارة الفضولية التي تلحقها التراضي ماضية إذ ليست أكلا بالباطل ، أم غير ماضية لأنها لم تصدر عن تراض؟.

القول الفصل هنا عدم صدق التجارة في الفضولية ولمّا يحصل تراض حيث تعني «تجارة منكم» كما هي تراض منكم ، وليس عمل الفضولي منكم ولمّا يأت التراضي ، ثم إذا تراضيتم على عمل الفضولي يصبح عمله عملكم ، فهي ـ إذا ـ تجارة عن تراض منكم مهما فصل بينها وبين التراضي ، فإن تراضيا إمضاء لها منذ حصولها فمنذ حصولها ، وإن تراضيا منذ التراضي فمنذ التراضي

١٢

وإن تراضيا لما بعد زمن فمنذ زمنه ، حيث المعيار هو صدق (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) أنتم المتعاملين ، وان تراضيا على نفس المعاملة ولم يبينا أن متعلق التراضي منذ المعاملة أم منذ الآن فالظاهر أنه منذ المعاملة حيث تراضيا على المعاملة السابقة بكل قيودها ومتعلقاتها ومنها زمان وقوعها.

فما لم يصدق في تجارة أنها أكل بالباطل فهي صحيحة حاضرة أم فضولية ، ولا أكل في الفضولية قبل التراضي ، وليست أصل المعاملة الفضولية دون تصرف أكلا وتصرفا! وقد تشير (تِجارَةً حاضِرَةً) أن هناك تجارة غير حاضرة حيث تعم السلم والنسيئة والفضولية ، فإنما الواجب حصول تجارة عن تراض دون إجبار ولا إكراه ، مهما تقدم التراضي أم تأخر أم هما مقارنان فإن في تأخر التراضي تتأخر التجارة بتأخر التراضي أو تصبح التجارة منهما بنفس التراضي ، ذلك! اللهم إلّا إذا حصلت عن إكراه ثم حصل التراضي ، إذ بطلت ـ إذا ـ التجارة بإكراه أو اضطرار ، والتراضي اللاحق لا متعلّق له من تجارة لبطلانها ، إلا أن يتراضيا على تجارة حاضرة ، فالمعاملة الفضولية قبل التراضي قابلة لكلا الإمضاء والإبطال ، فإذا أبطل فلا يصح بإمضاء ثان.

والتراضي المشروط في صحة التجارة هو واقعه أن لو علما بواقع السعر في العوضين لتراضيا ، دون التراضي حسب ظاهر الأمر ألّا غبن فيها ولا عيب وما أشبه ، إذ لا يرضى عاقل بغبن أو استبدال معيب بصحيح ، فالسلع المعيبة والمعاملات الغبنية هي خارجة عن نطاق (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) داخلة في نطاق أكل المال بالباطل مهما اختلف باطل عن باطل ، اللهم إلّا إذا يعلم الغبن والعيب ويرضى على علمه فهو تجارة عن تراض ما لم يكن خلاف العقل.

وكافة الخيارات في مختلف المعاملات مبنية على أصل التراضي والتفاصيل الى محالها.

١٣

وذكر التجارة عن تراض بين كل موارد أكل المال بالحق يشي الى فضلها على سائر الأكل كما في حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأئمة أهل بيته الكرام (عليهم السّلام) (١).

وصحيح أن (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) لا تحصر أكل المال بالحق في نفسها ، ولكنها تحصر حل التجارة بما كانت عن تراض ، فشرط التراضي يحلّق على كافة التجارات والمعاملات دونما استثناء.

فمن أكل المال بالباطل ـ مهما كان تجارة ـ القرض دون نية الأداء وإمكانيته ، حيث النية والإمكانية هما شرطان للحل في القرض ، والدافع لا يرضي إلا

__________________

(١) الدر المنثور ٢ : ١٤٤ ـ أخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة ، وفيه أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بردة قال : سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أي المكسب أطيب أو أفضل؟ قال : عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ، وفيه أخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي ، وفيه أخرج الاصبهاني عن أنس قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التاجر الصدوق في ظل العرش يوم القيامة ، وفيه أخرج الاصبهاني عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتموا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا ، وفيه أخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق ، وفيه أخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن شبل سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : إن التجار هم الفجار قالوا يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أحل الله البيع ، قال : بل ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون ، وفيه أخرج الأصبهاني في الترغيب عن صفوان بن أمية قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اعلم إن عون الله مع صالحي التجار.

١٤

بهذين الشرطين ف «لا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء ولو طاف على أبواب الناس فردوه باللقمة واللقمتين والتمرة والتمرتين إلا أن يكون له ولي يقضي دينه من بعده ...»(١).

صحيح أن القرض من التجارة ، ولكنه لا عن تراض أكل بالباطل ، حيث التراضي ـ كأصل ـ هو الذي يخرج الأكل بالتجارة عن الأكل بالباطل.

(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) نهي عام صارم عن قتل «أنفسكم» في كافة حقوله بكل أسبابه وغاياته ، فمن أسباب قتل أنفسكم أنتم أكل أموالكم بينكم بالباطل إذ يورث العداء والبغضاء فيخلّف القتل ، كما وأن أصل الأكل بالباطل قتل لإنسانية الأنفس آكلة ومأكولا منها ، فالذي يأكل مال غيره بالباطل هو قاتل لإباء نفسه الإنسانية وكرامته ، كما هو قاتل لكرامة صاحب المال ، والذي يأكل مال نفسه بالباطل مهدّر نفسه في باطل المصرف ومقدم نفسه بباطله الى الهلاك ، وهكذا كل أكل للمال بالباطل ، وقد جعل الله الأموال قياما للناس في مصالحهم (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً) (٤ : ٥) وسفاهه المصرف هي خلاف القيام في المصالح الحيوية ، فهي ـ إذا ـ قتل للحيوية الصالحة للإنسان.

ذلك ، وكما أن قرن قتل الأنفس بالأكل بالباطل ، يجعل ناموس الأموال

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٤٧١ في الكافي صحيحة سماعة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السّلام) الرجل منا يكون عنده الشيء يتبلغ به وعليه دين أيطعن عياله حتى يأتي الله عز وجل بمسرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان وشدة المكاسب أو يقبل الصدقة؟ قال : يقضي بما عنده دينه ولا يأكل أموال الناس إلا وعنده ما يؤدي إليهم حقوقهم إن الله عز وجل يقول : (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء ... ليس منا من ميت إلا جعل الله له وليا يقوم في عدته ودينه فيقضي عدته ودينه».

١٥

كناموس الأنفس فإنهما متجاوبتان في مصلحيات الحياة ومتناصرتان.

وكما أن أكل المال بالباطل محظور ، كذلك قتل النفس بالباطل ، فالتضحية في سبيل الله بالنفس كما التضحية بالنفيس غير محظورة بل هي محبورة كماهيه ، كما وأن قتل المستحق للقتل ليس قتلا بالباطل ، بل هو حق كأكل المال بالحق على سواء.

ذلك ، وكل من يعرض نفسه للخطر دون أمر مبرر فقد قتل نفسه إن قتل (١) ، وأضر نفسه حين ينضرّ ، كما وتعريض الغير للقتل أم قتله مشمول

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٤٧٢ في تفسير القمي في الآية قال : كان الرجل إذا خرج مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الغزو يحمل على العدو وحده من غير أن يأمره رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنهى الله أن يقتل نفسه من غير أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفيه عن المجمع روي عن أبي عبد الله (عليه السّلام) في الآية : لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه.

وفيه عن تفسير العياشي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال : سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الجبائر تكون على الكسر كيف يتوضأ صاحبها وكيف يغتسل إذا أجنب؟ قال : يجزيه المسح (المس) بالماء عليها في الجنابة والوضوء ، قلت : فإن كان في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده فقرأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً).

وفيه عن أحمد بن علي عن أبي عبد الله (عليه السّلام) في الآية قال : كان المسلمون يدخلون علي عدوهم في المغارات فيتمكن منهم عدوهم فيقتلهم كيف شاء فنهاهم الله أن يدخلوا عليهم في المغارات.

وفي الدر المنثور ٢ : ١٤٤ ـ أخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن المعاصي قال : بعثني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت أن اغتسلت أن أهلك فتيممت به ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكرت ذلك له فقال (صلّى الله عليه وآله ـ

١٦

ل (لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) و «ان المؤمنين كالنفس الواحدة إذا ألم بعضه تداعى سائره بالحمى والسهر» و «ان المؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا».

وقد تعم (لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) الى قتل الأشخاص قتل الشخصيات هتكا بها وفتكا ، بل هو أولى بالحرمة وأنكى وأشجى من قتل الأشخاص.

ثم و «عن تراض» له بعدان : أصل التجارة وقيودها ، فإذا كانا عن تراض فصحيحة تماما ، أو لم يكونا عن تراض فباطلة تماما ، فأما أن تكون أصل التجارة عن تراض دون قيود لها بشرط أو بناء فأصل التجارة صحيح ولا بد من تصحيح القيد من تراض لا حق أم جبران كموارد خيار الغبن والعيب والشرط وما أشبه.

ففي موارد وحدة المطلوب تصبح عدم الرضي مبطلا للتجارة عن بكرتها ، وفي تعدد المطلوب فأصلها صحيح وفرعها يحتاج الى تصليح كما في موارد الخيارات.

ذلك وأما خيار المجلس ، فلدلالة استمرار مجلس البيع على عدم استقرار الرضا من الطرفين اللهم إلّا أن تعلم الرضا ولمّا يفترقا ، أن يكون استمرارا لمجلس لأمر آخر وقد استفاض عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله : «البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما للآخر اختر» و «لا يفترق اثنان إلا عن رضا» (١) وإنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باع رجلا ثم

__________________

ـ وسلّم) يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت : نعم يا رسول الله احتملت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يقل شيئا.

(١) آيات الأحكام للجصاص ٢ : ٢٢١ روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ...

١٧

قال له اختر فقال قد اخترت فقال هكذا البيع» (٨٩) و «البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما» (١).

فاختيار البيع في مجلسه دليل الرضا وهو إسقاط لخيار المجلس ، وكما التفرق عن مجلس البيع دليل إختياره ورضاه ، فما دام البيّعان في مجلس البيع ، ولم يصرحا باختيار البيع أو أحدهما كان الخيار لهما أو لأحدهما ، وإذا اختارا البيع ولمّا يفترقا فهو لازم ، وإذا افترقا بطبيعة الحال كان افتراقهما دليل الرضا فلا تقبل منهما أو أحدهما دعوى عدم الرضا.

فإذا لم يفترقا بعد تقضّي مجلس البيع وإن طال ساعات أو أياما ، لم يبق الخيار لأنه خاص بمجلس البيع ، وليس قضية تلا حق المجالس متلاصقة يحكم بأنها كلها مجلس البيع ، كما وأنهما إذا افترقا دون رضى كرها أم سواه فهما في مجلس البيع بعد افتراقهما حتى يرضيا.

تلحيقات حول الخيارات :

١ حيث الخيارات ككلّ مقررة رعاية للمتعاملين تكملة للرضا بالمعاملة ،

__________________

(١) الدر المنثور ٢ : ١٤٤ وفيه عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لا يتفرق بيّعان إلا عن رضى.

وفي آيات الأحكام للجصاص ٢ : ٢١٧ روى عن ابن عمر وأبي برزه وحكيم بن حزام عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنه قال : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا ، وروى عن نافع عن ابن عمر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنه قال : «إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بائعه ما لم يفترقا او يكون بيعهما عن خيار فإذا كان عن خيار فقد وجب» وفيه عن ابن عمر قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) البيعان لا بيع بينهما إلّا ان يفترقا إلا بيع الخيار ، وعن ابن عمر أيضا عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كل بيّعين لا بيع بينهما حتى يفترقا. أقول : وفي رواية أهل البيت (عليهم السّلام) «البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فقد وجب البيع».

١٨

وصدا عن الخسائر المحتملة فيها ، فلا يجوز إسقاطها إلّا إذا كان عقلائيا أم قبال مال يسد ثغر الخسائر المحتملة.

ففي مثل خيار الغبن ـ ولا سيما إذا كان فاحشا ومتعمدا من الغابن ـ لا يجوز السماح عن إعمال الخيار بفسخ المعاملة أم أخذ البديل عن الغبن ، فانه تضييع للمال وتشجيع للغابن على الغبن.

٢ خيار المجلس غير محصور في مجلس الترائي للمتعاملين فقد يكونان ضريرين أو أحدهما ، ولا الحضور بالأبدان إذ لا صلة له برعاية الحق ، فإنما الأصل في مجلس المعاملة التسامع أمّا هو بديل عنه حيث التفاهم حاصل بين المتعاملين.

فالمعاملة بين المتعاملين من طريق اللّاسلكي سمعيّا أو كتبيا ليس مجلسها إلّا ما يناسب الرباط بين المتعاملين باللّاسلكي ، فإذا انقطع الرباط باختيارهما فقد اختارا المعاملة ولزمت.

٣ (تَراضٍ مِنْكُمْ) تكتفي في صحة أصل المعاملة برضى ما من المتعاملين ، وهي الرضي بأصل المعاملة ، فإن رضي الأصل ولم يرض فرعا من فروعها فله الخيار ، اللهم إلا إذا توحد المطلوب أنه لا يرضى أصلا إلّا بما يرضاه من الفروع.

(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) (٣٠)

قد تعني «ذلك» مع قتل الأنفس أكل الأموال بينكم بالباطل ، وقد يعني العدوان والظلم العدوان على المؤمنين وظلمهم لأنهم مؤمنون ، فهي ـ إذا ـ في مسرح القتل كآية الخلود ؛ (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها

١٩

وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (٤ : ٩٣) ، فإن تعمد قتل المؤمن هو قتله لإيمانه وكما يروى.

ومما يقرب شمول «ذلك» للأكل بالباطل ، أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهما ـ إذا ـ متقاربان في المكانة الشرعية في الحرمة ، مهما كانا درجات.

ذلك ، وكل مظهر من مظاهر العدوان على المؤمن لإيمانه يحقق أليم العذاب فإن عدوان الإيمان كفر مغلظ ، وإذا لم يظهر العدوان فهو أخف مهما كان كفرا ظاهرا أو باطنا.

ذلك ، ولكنها ـ إذا ـ مختصة بقتل الغير دون قتل النفس إذ لا يقتل احد نفسه عدوانا عليها وظلما.

وعل الفرق بين «عدوانا» و «ظلما» هنا هو أن الظلم أعم من هذا العدوان ، فقد يقتل المؤمن ظلما وليس عدوانا لإيمانه ، والمقصود هنا هو الجمع بينهما أن القتل عدوان لإيمانه وظلم مهما كان لغير إيمانه ، فهو قتل للمؤمن مرتين.

و (نُصْلِيهِ ناراً) هي إصلاء النار وإيقادها به لأنه من رؤوس الضلالة والطغيان ، فليس كل أكل للمال بالباطل ولا قتل النفس ككل مشمولا لذلك التحديد الشديد ، فإنما هو خاص بمن يفعل ذلك عدوانا وظلما ولا سيما قتل النفس ، فما دون ذلك ـ إذا ـ ليس إلا دون ذلك.

فكما يصلّى نارا على أموال المؤمنين وأنفسهم ، كذلك يصلّى نارا على نفسه وأضرابه في الجحيم صليا بصلي ، وأين صلي من صلي؟.

فقاتل المؤمن عدوانا لإيمانه ، ثم وآكل ماله عدوانا لإيمانه ، إنه غير مؤمن مهما تظاهر بإيمان ، فكيف يجتمع الإيمان مع العدوان للإيمان اللهم إلّا نفاقا

٢٠