🚘

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة - ج ٦

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة - ج ٦

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: اسماعيليان
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الفهرس

انقلاب على الاعقاب في دركات شطرات هامة حول حرب بدر واحد....... ١٩ ـ ٣٣ ـ ٧٥

كيف «وشاورهم في الامر» وهو نبي وهم المتخلفون في أحد؟................... ٥٨ ـ ٦٥

«هم درجات عند الله» خاصة المن على المؤمنين بهذا الرسول.................... ٧١ ـ ٧٥

حياة الشهداء عند الله وسائر الاموات؟....................................... ٨٣ ـ ٨٩

«قربان تاكله النار» أيسح بالتبذير يوم الأضحى........................... ١٠٩ ـ ١١٣

أركان أربعة «اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوالله».............................. ١٣٧ ـ ١٤٢

(سورة النساء) كيف انتشاء النسل في ولد آدم؟............................ ١٤٧ ـ ١٥٩

توصات بحق التامى................................................... ١٥٩ ـ ١٦٣

ما هي الرباط بين «ان خفتم الا تقسطوا في اليتامى» وبين «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع؟ قول فصل حول تعدد الزواج ومبرراته ، وهل يجوز التعدد اذا تساوي الجنسان؟........................... ١٦٣ ـ ٢٠٣

قول فصل حول زواجات النبي مبرراتها الرسولية والرسالية..................... ٢٠٣ ـ ٢٠٩

صدقات النساء تحله في بنود............................................. ٢٠٩ ـ ٢١٥

حظر السفهاء من التصرف في الأموال تحت رقابة الولاية ـ الأموال قيام في أبعاد. ٢١٥ ـ ٢٢٣

واجب الرعاية التربوية على اليتامى في قول فصل ـ لا يحق للغني اخذ الاجرة على عمل الولاية والفقير ياكل بالمعروف    ٢٢٣ ـ ٢٤١

أنصبه الميراث في تطورات مرحلية ـ لحاضري القسمة حق من الميراث............ ٢٤١ ـ ٢٦٦

بحث فصل حول الميرات ـ ولد الزنا يرث؟ والصديقة الطاهرة لا ترث!.......... ٢٦٨ ـ ٢٩٧

الزوجه ترث من كل المتروكات وحرمانها عما حرمت خلاف كل الأعراف ـ مشاكل حرمانها

حسب القرآن والسنة................................................... ٢٩٧ ـ ٣١١

بطلان العول والتعصب كتاباً وسنةً ـ حول الوصية في فروع. أحكام الحيوة...... ٣١٤ ـ ٣٣٤

«فامسكوهن في البيوت ...» منسوخة بآية النور ـ هل العدالة مشروطة

٥

في شهود الزنا؟........................................................ ٣٣٦ ـ ٣٥٢

«التوبة» في مثلث القبول وللاقبول وعوات بينهما.......................... ٣٥٢ ـ ٣٥٩

ما هوارث النساء كرهاً ـ عاشروهن بالمعروف ـ هل للصداق حد لا يتجاوز عنه؟ ٣٥٩ ـ ٣٧٠

قول فصل في حرمة المحارم ـ هل يحرم زرق النطفة كحرمة نكاحهن؟ المحرمات من الرضاعة هن ـ فقط ـ الامهات والأخوات حسب النص..................................................................... ٣٧٢ ـ ٣٩٠

الفارق بين امهات النساء والربائب في شروط الحرمة......................... ٣٩١ ـ ٤٠١

حلائل الابناء من غير الاصلاب محّلات أبعاد الجمع بين الاختين يجوز نكاح الاخت دائما ومنقطعاً بعد اختها المنكوحة منقطعاً  ٤٠١ ـ ٤١١

من هن «المحصنات من النساء» المحرمات.................................. ٤١١ ـ ٤١٧

هل ان «احل لكم مارواء ذلكم» تنسخ آة النور في حرمة نكاح الزواني؟...... ٤١٨ ـ ٤٢٣

آة المتعة واحكامها في تضارب الآراء بقول فصل........................... ٤٢٣ ـ ٤٤٧

٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ

٧

كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٤٨)

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ١٣٩.

(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (٤ : ١٠٤) (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) (٤٧ : ٣٥).

٨

والوهن هنا وهن العزم مهما جاء في أخرى لوهن العظم «رب إني وهن العظم مني ..» (١٩ : ٤) ، فإن الوهن في سبيل تحقيق الحق وابطال الباطل تهاون بالحق وتعاون في الباطل ، فلا تهنوا في ملاحقة الكفار ، ولا تحزنوا على ما يلحقكم من أذى الكفار «و» الحال أنكم (أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) عليهم على أية حال (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بالله عاملين بشرائط الإيمان ، فان (اللهُ مَعَكُمْ) ما دمتم أنتم مع الله (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) : لم ينقصكم أجرها.

«لا تهنوا» تحلّق على كل الحقول الحيوية الإيمانية ، مهما نزلت بمناسبات خاصة ، كما يروى أنه «أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللهم لا يعلون علينا فأنزل الله الآية» (١) .. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللهم لا قوة لنا إلّا بك وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء النفر فلا تهلكهم وثاب نفر من المسلمين رماة فصعد وا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله وعلا المسلمون على الجبل فنزلت الآية (٢).

__________________

(١) الدر المنثور ٢ : ٧٨ ـ اخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : اقبل ...

(٢) المصدر اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريح قال : انهزم اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الشعب يوم احد فسألوا ما فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما فعل فلان فنعى بعضهم لبعض وتحدثوا ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل فكانوا في حزن فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم على الجبل وكان على احد مجنبي المشركين وهم أسفل من الشعب فلما رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرحوا فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللهم ..

وفي تفسير الفخر الرازي ٩ : ١٥ روى ان أبا سفيان صعد الجبل يوم احد ثم قال : أين ابن أبي كبشة ـ يعني الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ اين ابن أبي قحافة اين ابن الخطاب فقال عمر : هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ابو بكر وها انا عمر فقال ابو سفيان : يوم ـ

٩

هنا «لا تهنوا» تنزل بعد الهزيمة وبعد الأمر بالعزيمة بملاحقة المشركين ، كما يروى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رجع من أحد فلما دخل المدينة نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال يا محمد إن الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم ولا يخرج معك إلّا من به جراحة فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مناديا ينادي يا معشر المهاجرين والأنصار من كانت به جراحة فليخرج ومن لم يكن به جراحة فليقم فاقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها فأنزل الله على نبيه (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ ...) و (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ...) «فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح» (١).

هنا (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) تبشر بطليق العلو للكتلة المؤمنة على الكافرين ، علوا في المواجهة في الحرب الحارة والباردة وفي كل عزة وسودد ، ولكن شريطة كامل الإيمان.

ثم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) تهديدة بعدم الإيمان الصالح لمن يهن ويحزن (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).

(أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) منهاجا وهّاجا ، وحجاجا مبلاجا في شرعة الله ، فمهما كان للباطل جولة فان للحق دولة ، كما أن لكتلة الإيمان وراثة الأرض (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

فلا مسّ القرح ولا القتل يحق أن يوهن صميم عزم المؤمنين فان لهم إحدى الحسينين :

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٣٩٥ عن تفسير القمي ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ...

١٠

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ١٤٠.

هنا أسباب تقتضي (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) : ١ الإيمان : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) و ٢ (اللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) و ٣ «ان يمسسكم قرح فقد مس القوم مثله ـ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون» ثم ٤ (وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ) ومن ثم ٥ (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) ٦ وليعلم ... ٧ ويتخذ ... ٨ وليمحص. أركان ثمانية لذلك العلو العال ، تحلّق على كافة المعارك الدموية ، وهذه الثمان عدد أبواب الجنة تحتصر في (إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (٩ : ٥٢).

فأما (تِلْكَ الْأَيَّامُ) فدولة الحق فيها للناس ودولة الباطل للنسناس ، ف «ما زال منذ خلق الله آدم دولة لله ودولة لإبليس فأين دولة الله أما هو إلا قائم واحد» (١) ، والدول هو النقل والمداولة هي المناقلة ، ومداولة الأيام بسرّائها وضراءها بين الناس هي مناقلتهما بينهم دون ان تستقر أيام السراء في ناس وأيام الضراء في ناس آخرين.

ولماذا تلك المداولة في تلك الأيام وانما الدولة للحق دون الباطل؟

(تِلْكَ الْأَيَّامُ) لا تقصد دولة الحق حتى تداول بين اهل الحق والباطل ،

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٣٩٥ في تفسير العياشي عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله : «تِلْكَ الْأَيَّامُ ..».

وفي الدر المنثور ٢ : ٧٩ ـ اخرج ابن المنذر عن أبي جعفر (عليهما السلام) قال : ان للحق دولة وان للباطل دولة ، دولة من دولة الحق أن إبليس امر بالسجود لآدم فأديل آدم على إبليس وابتلى آدم بالشجرة فأكل منها فأديل إبليس على آدم.

١١

وانما هي ايام السلطة الظاهرة والنصر زمنيا وليس روحيا إذ لا روح لغير المؤمنين فليست الدولة الظاهرة للباطل ـ وهي جولة ـ تعزيزا لموقف الباطل وتقويضا لظهر الحق ، فانما هي لمصالح وحكم ربانية يقتضيها دور التكليف ، بما يحصل من تقصيرات لأهل الحق.

(وَلِيَعْلَمَ اللهُ) من العلم : العلامة ، دون العلم : المعرفة ، فالله يعلم بمداولة هذه الأيام علامة النجاح والفلاح على الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء للحق ، كما يعلم علامة السقوط على الظالمين (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان ، وعند تقلب الأحوال يعرف جواهر الرجال ، وكما عرفت يوم أحد وأيام أمثاله.

والواو عطفت على محذوف معروف من السياق ، ومنه ان هزيمة أهل الحق ـ في الحق ـ ليست إلّا لهزيمتهم عن الحق كما يرام كما في غزوة أحد ، وما إلى هذه من هزائم هي من خلفيات الهزائم عن عزائم الإيمان.

فمداولة (تِلْكَ الْأَيَّامُ) بتعاقب الشدة والرخاء إنها محك لا يخطئ ، وميزان لا يتأرجح ، وليست الشدة أشد من الرخاء ، فكم من نفوس أبيّة تتماسك فيها صابرة مثابرة ، ولكنها تتراخى وتنحل بالرخاء ، والنفس المؤمنة هي الصامدة في الشدة والرخاء على سواء ، محتسبة عند الله عناءها فيهما ، فلا انتصار بدر يزهيهم مرحين ، ولا انهزام أحد يهفيهم قرحين.

(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) اصطفاء ممن علم الله من المؤمنين ، ومقام هذه الشهادة هو الثالث بعد النبيين والصديقين : (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) (٤ : ٦٩).

فالصالحون هنا هم المؤمنون المعلمون هناك ، فالشهداء منهم هم المصطفون من بينهم ، فليس الشهيد هو من يشهد الشهادتين ، فكثير هم

١٢

يشهدونهما وما هم بمؤمنين ، ولا من يشهد فعل الواجبات وترك المحرمات ، فإنهم المؤمنون المعلمون ككل (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ) تبعيض ، مهما كان (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ..) (٥٧ : ١٩) فإنهم من شهداء الحق عند ربهم حيث هم صديقون في إيمانهم ، وهم درجات عند الله ، ذلك ، فكذلك الشهداء في الدعاوي حيث تكفي فيهم العدالة او الثقة.

فهم ـ إذا ـ الشهداء على العالمين يوم الدنيا وعلى اعمالهم يوم الدين : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٣٩ : ٦٩).

و «الشهداء» هنا بعد النبيين هم الصديقون وأصلح الصالحين التالين للصديقين كما وهم يتلون النبيين ، ثم بعدهم أجمع سائر الصالحين كما في آية المنعمين.

وقد تشمل الشهداء ، المستشهدين في سبيل الله المخلصين الذين لا يشوبهم في هذه السبيل أي دخيل ، إلا مرضات الرب الجليل (١).

ثم (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) دفع لأوهام طارئة كأن يقال دولة الظالمين بمشيئة الله دليل ان الله يحبهم.

وهكذا يمضي السياق قدما ليكشف عن الحكمة الكامنة وراء (تِلْكَ

__________________

(١) الدر المنثور ٢ : ٧٩ ـ اخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما ابطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأت من الأنصار من هذان؟ قالوا : فلان وفلان ، أخوها وزوجها ، او زوجها وابنها فقالت : ما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالوا : حي ، قالت : فلا ابالي يتخذ الله من عباده الشهداء ونزل القرآن على ما قالت : ويتخذ منكم شهداء.

١٣

الْأَيَّامُ) في تربية الأمة المسلمة ، إعداد لها لدور أعلى :

(وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) ١٤١.

والفرق بين المحص والفحص ان الفحص هو إبراز الشيء عما هو منفصل عنه والمحص ابرازه عما هو متصل به من الخليط والدخيل.

(.. وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (١٥٤) ، آيتان لا ثالثة لهما في القرآن تمحصان الذين آمنوا ما في قلوبهم.

فذلك الاتخاذ وهذا التمحيص من كتلة الإيمان على مدار الزمن كما ينحو منحى الانتخاب لأخلص المخلصين وجاه الكافرين منذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ظهور المهدي (عليه السلام) ، كذلك وبأحرى ينحو نحو هذه الدولة المباركة التي يلزمها هؤلاء الشهداء الممحصون ، من الثلاثمأة وثلاثة عشر رجلا اصحاب ألويته ، ثم ومن العشرة آلاف جنوده الأصلاء.

فان (يَمْحَقَ الْكافِرِينَ) بصورة طليقة حقيقة في محقهم ، ليس إلّا ملئت الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا (١) ولا نجد محقهم ـ ككل ـ إلا في هذه الآية وتلك الدولة الكريمة ، اجل وأصحاب المهدي (عليه السلام) هم من المؤمنين المعلمين الشهداء الممحصين الصامدين. الماحقين للكافرين عن بكرتهم ، فلا يبقى إلا الموحدون لله مهما بقيت قلة قليلة من اهل الكتاب الموحدين ، فقد «والله لتمحصن والله لتميزن والله لتغربلن حتى لا يبقى منكم إلا الأبذر وهو ان يدخل الرجل فيه الطعام يطين عليه ثم يخرجه قد أكل بعضه

__________________

(١) تفسير البرهان ١ : ٣١٨ العياشي عن الحسن بن علي الوشا بإسناد له يرسله الى أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ... قلت وما الأبذر؟ قال : الأبذر هو ...

١٤

بعضا فلا يزال ينقيه ثم يكن عليه ثم يخرجه ثم يفعل ذلك ثلاث مرات حتى يبقى ما لا يضره شيء» (١).

والتمحيص هو التخليص من الشوائب الخارجة والدواخل المارجة ، كما المحق هو إنفاذ الشيء تدريجيا وإزالته عن بكرته حتى لا يرى منه شيء : (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ).

فالتمحيص هو درجة بعد الشهادة والعلم للمؤمنين ، عملية تتم في دواخل النفوس وأعماق القلوب ، كشفا لمكنونات الشخصيات ، وتسليطا لأضواء على هذه المكنونات تمهيدا لاستئصال كل دخل ودغل ودجل ، وإيصالا للقلب إلى كامل الصفاء ، دون اي غبش ولا ضباب.

وما لم تحصل تلك العلامة والشهادة والتمحيص تماما ، لم يحصل محق الكافرين تماما ، فكثيرا مّا خيل الى المؤمن انه ما حص خالص ، ثم إذا هو يكشف ـ على ضوء التجربة العملية ومواجهة الأحداث ـ أن في نفسه عقابيل لم تمحّص بعد ، وعراقيل لم تزل فيها ، ومن المصلحة والحكمة أن يعلم هذا النقص في النفس ليعاود المحاولة في سبكها من جديد ، محقا لكل العراقيل ، ولكي يقدر على محق الكافرين.

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٣٩٥ في كتاب كمال الدين وتمام النعمة باسناده الى ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) امام امتي وخليفتي عليها من بعدي ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا ان الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر فقام اليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وللقائم من ولدك غيبة ، قال : اي وربي (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) يا جابر ان هذا الأمر من الله ، وسر من سر الله ، مطوي عن عباد الله ، فإياك والشك فيه فان الشك في امر الله عز وجل كفر.

١٥

وهكذا نؤمر زمن غيبة صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه ان نقطع أطراف الكافرين حتى نكبتهم ونمحقهم في آخر الأمر ، ولا تحصل هذه البغية الحاسمة إلا بمواصلة الجهاد في سبيل الله دونما فشل ولا فتور حتى يكمل أمر المحق زمن صاحب الأمر ، فما نحن إلّا معدّين طريقه عجل الله تعالى فرجه.

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) ١٤٢.

إن ذلك لحسبان قاحل (أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) دونما علامة يعلمها الله عليكم من المجاهدة والمصابرة : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٢٩ : ٢) (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (٩ : ١٦)؟! استنكارات تلو بعض تخطئ ذلك التصور العارم انه تكفي المؤمن قولة الإيمان ، أم وحالته وعمليته كيفما كانت دونما ابتلاء فيها ، كلّا ، فانما هي التجربة الواقعية ، و «يعلم» هنا ـ كما في اضرابها ـ من العلم : العلامة ، لا من العلم المعرفة بعد جهل ، ف «ان الله هو أعلم بما هو مكونه قبل ان يكون وهم ذر ، وعلم من يجاهد ممن لا يجاهد كما علم انه يميت خلقه قبل ان يميتهم ولم يرهم موتهم وهم أحياء» (١).

(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) ١٤٣.

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٢٩٥ في تفسير العياشي عن داود الرقي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله : (أَمْ حَسِبْتُمْ ..) قال : ان الله ..

أقول : وهذا تفسير ل «يعلم» بغير ما يهرف به الخارفون انه من العلم ، ثم يؤوله المأولون.

١٦

«كنتم» قبل انهزامكم في أحد وبعد انهزام المشركين في بدر (كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) في سبيل الله (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) تمنيا قبل الواقعية والتجربة منها (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) في أحد في قتلاكم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) إليهم يتساقطون ، و «تنظرون» موتكم معهم فلما ذا ـ إذا ـ الوهن والحزن على هؤلاء الشهداء الأكارم؟.

(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ..)! (١) موازنة بين وزن الكلمة : «يا ليتنا كنا معهم» التي يقولها اللسان ووزن الحقيقة في رؤية الواقع العيان ، فيعرفوا رصيد الكلام بميزان الامتحان ، فيعلموا ان ليست الكلمات الطائرة والأمنيات المرفرفة المائرة وحتى العقائد العابرة ، ليست هذه هي التي تدخلهم الجنة ، فإنما هو تحقيق القالة والحالة بالواقع الجبار.

وكان سبب نزول هذه الآية ان قوما من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ممن لم يشهدوا بدرا او شهدوا ولم يستشهدوا ـ كانوا يتمنون يوما كيوم بدر يستدركون فيه ما فاتهم من شرف المسعاة ، وفضل الشهادة المبتغاة ، فلما استنهضوا للجهاد في أحد نكص بعضهم ونكث آخرون فعاتبهم الله على ذلك وأثنى على الصابرين منهم والقائمين بجهاد عدوهم.

ثم وفي الآية مسائل ثلاث :

__________________

(١) المصدر في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهما السلام) في الآية فان المؤمنين لما أخبرهم الله بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة رغبوا في ذلك فقالوا : اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه فأراهم الله إياه يوم أحد فلم يثبتوا إلا من شاء الله فذلك قوله (وَلَقَدْ كُنْتُمْ ..). وفي الدر المنثور ٢ : ٨٠ ـ اخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس ان رجالا من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يقولون ليتنا نقتل كما قتل اصحاب بدر ونستشهد ، او ليت لنا يوم كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلى فيه خيرا ونلتمس الشهادة والجنة والحياة والرزق فأشهدهم الله أحدا فلم يلبثوا إلا من شاء الله منهم فقال الله : ولقد كنتم ...

١٧

كيف يرى الموت وليس الموت مما يرى ، إنما هو واقع يحصل للأحياء فهم مدركوه من غير أن يروه؟ ثم ما هو النظر بعد الرؤية؟ وهي هو وهو هي! ومن ثم تمني الموت من المؤمن في الحرب يعني ان يقتله الكافر ، وقتلهم لهم كفر فكيف المؤمنون هكذا يتمنون؟.

١ رؤية الموت هي رؤية أسبابه لجماعة من المؤمنين الذين لم يقتلوا في الجهاد ، لا الموت نفسه ، وأسباب الموت الظاهرة في النضال كلها مرئية ، كالطعن بالرماح والضرب بالصفاح ، والرشق بالسهام والقذف بالسّلام ، وكل هذه مما يرى ، وكما في رؤية إبراهيم الخليل ذبح إسماعيل : (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ... قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) وليس تصديقها إلا بتقديم سبب الذبح. ذلك ، ثم وهي رؤية قتلاهم يتساقطون وهي أحرى بكونها رؤية للموت.

ومن ثم رؤية قتلهم أنفسهم حين قتلوا ، وهي درك الموت ولمسه في أنفسهم ، ورؤية الموت هنا قد تعني كل هذه الثلاث.

ثم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) قد تعني انتظار الموت المتمنّى ، أم والنظر إلى الميت القتلى ، أم (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) في بدر ـ إلا موت أنفسكم ـ (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) مثلث الموت في أحد.

وأما أصل التمني للموت ، فهو ينحو منحى حسنى الاستشهاد في سبيل الله وهي إحدى الحسينين ، ولا ينحو نحو عملية الكفار ، فللشهادة واجهتان اثنتان ، بذل النفس في سبيل الله من قبل المؤمن دون تقصد للموت ، وانما يقصد إحدى الحسينين : إماتة الكافر او الموت في سبيل إماتته وإحياء الإسلام ، وهذه واجهة مقصودة.

والأخرى غير مقصودة وهي ان يقتله الكافرون ، ابتذالا لنفسه وهدرا فيخسر به المسلمون ويربح الكافرون ، وتمني الموت في سبيل الله لا يعني إلا

١٨

الأولى ، والثانية هي تمنى الكافر ان يقتل المؤمنين.

ومما يدل على تلك الواجهة الوجيهة (تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) دون القتل ، ومهما كان القتل من فعلهم فالموت ليس إلّا من فعل الله ، فلذلك جاز تمنيهم أن يميتهم الله تعالى في الجهاد ، وهو أعم ـ معذلك ـ من القتل والموت حتف الأنف وذلك حسن ، وانما يقبح لو تمنوا أن يقتلهم الكفار.

ففي (تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) توسعة لأسباب الموت قتلا وسواه ، وإزاحة لتمني القتل الذي هو فعل الكفار ، ولمّا يفترق الموت عن القتل يعمه وحتف الأنف كما هنا.

(وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) ١٤٤.

لقد خلطت جماعة من المؤمنين الدعوة بالداعية فزعموا انتهاء الدعوة بقتل او موت الداعية فانقلبوا على أعقابهم ، كما حصل بالفعل حين نودي في أحد أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل ، وحصل بعده لما توفي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذه الآية وأضرابها تبيّن أن الدعوة هي الأصيلة الثابتة ، ومهما كان للداعية حرمته ، فالدعوة الرسالية سلسلة موصولة على مدار الزمن الرسالي ، يحملها الرسل تلو بعض ، فلا تموت الدعوة بموت داعية لأنها من الله وهو حي لا يموت.

فلما انكشف ظهر المسلمين في أحد ـ حين ترك الرماة قواعدهم بغية الغنيمة ـ فركبه المشركون وأوقعوا بالمسلمين وكسرت رباعية الرسول (صلى الله

١٩

عليه وآله وسلم) وشجّ وجهه ونزفت جراحه فاختلطت واحتار المسلمون وتفرقوا أيادي سبا فنادى مناد «أن محمدا قد قتل» (١).

__________________

(١) نور الثقلين ١ : ٣٩٧ في روضة الكافي بسند متصل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : لما انهزم الناس يوم أحد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انصرف إليهم بوجهه وهو يقول : انا محمد انا رسول الله لم اقتل ولم أمت فالتفت اليه فلان وفلان فقالا : الآن يسخر بنا ايضا وقد هزمنا وبقي معه علي (عليه السلام) وسماك خرشة ابو دجانة فدعاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا أبا دجانة انصرف وأنت في حل من بيعتك فأما علي فهو أنا وأنا هو فتحول وجلس بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكى فقال : لا والله ورفع رأسه الى السماء وقال : لا والله لا جعلت نفسي في حل من بيعتي إني بايعتك فإلى من انصرف يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زوجة تموت او ولد يموت او دار تخرب او مال يفنى واجل قد اقترب؟ فرق له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة وهو في وجه وعلي (عليه السلام) في وجه ، فلما أسقط احتمله علي (عليه السلام) فجاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوضعه عنده فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوفيت ببيعتي؟ قال : نعم وقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خيرا وكان الناس يحملون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الميمنة ويكشفهم علي (عليه السلام) فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يزل كذلك حتى تقطع سيفه بثلاث قطع فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فطرحه بين يديه وقال : هذا سيفي قد تقطع به فيومئذ أعطاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذا الفقار ولما رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختلاج ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه الى السماء وهو يبكي وقال يا رب وعدتني ان تظهر دينك وان شئت لم يعيك فأقبل علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اسمع دويا شديدا واسمع اقدوم حيزوم وما أهم اضرب أحدا إلا سقط ميتا قبل ان اضربه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في الملائكة (عليهم السلام) ثم جاء جبرئيل (عليه السلام) فوقف إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا محمد ان هذه لهي المواساة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ان عليا مني وانا منه فقال جبرئيل (عليه السلام) وانا منكما ثم انهزم الناس فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) يا علي امض بسيفك حتى تعارضهم فان رأيتهم قد ركبوا القلاص وجنبوا الخيل فإنهم ـ

٢٠