نهر الذّهب في تاريخ حلب - ج ١

كامل البالي الحلبي [ الغزي ]

نهر الذّهب في تاريخ حلب - ج ١

المؤلف:

كامل البالي الحلبي [ الغزي ]


المحقق: الدكتور شوقي شعث ومحمود فاخوري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: منشورات دار القلم العربي
المطبعة: مطبعة الصباح
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٩١

١
٢

٣
٤

كلمة الناشر

تتابع «دار القلم العربي» خطّتها التي انتهجتها لنفسها ، وهي نشر التراث الحلبي الثمين ، وتعريف الناس به ، وتيسير وصوله إلى القراء عامة ، والعلماء والباحثين خاصة ، من مخطوطات قديمة ، أو مطبوعات أصبحت نادرة الوجود.

وها هي ذي تعيد طباعة كتاب «نهر الذهب في تاريخ حلب» بمجلداته الثلاثة ، للمؤرخ العلامة كامل الغزي ، بحلّة قشيبة ، وتحقيق جديد قام به الدكتور شوقي شعث ، والأستاذ محمود فاخوري ، بعد أن قامت الدار بطباعة «إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» بمجلداته السبعة للعلامة الطباخ. وكلا الكتابين متمم للآخر ، وبهما معا تكتمل صورة حلب في مختلف جوانبها ، ومع أن هذين الكتابين هما لرجلين صديقين ومتعاصرين ، وأنهما طبعا أول مرة في وقت واحد تقريبا ، فلن يغني أحدهما عن الآخر ، لأن كلا من المؤلفين كان يعمل في كتابه مستقلا عن الآخر ، وهنا تكمن الفائدة للباحث والدارس.

وسوف تواصل دار القلم العربي خطواتها هذه في خدمة التاريخ والأدب والثقافة.

والله من وراء القصد.

حلب : ٤ من ذي الحجة ١٤١١ ه‍

١٦ / ٦ / ١٩٩١ م

الناشر

علاء الدين الرفاعي

٥
٦

مقدمة

حلب ، ونهر الذهب

«حلب مدينة عظيمة واسعة ، كثيرة الخيرات ، طيبة الهواء ، صحيحة الأديم والماء ... وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت به على أن الله تعالى خصّها بالبركة ، وفضّلها على جميع البلاد .. وأما قلعتها فبها يضرب المثل في الحسن والحصانة .. وما زال فيها على قديم الزمان وحديثه أدباء وشعراء .. وقد أكثر الشعراء من ذكرها ووصفها والحنين إليها».

ذلك مجمل ما قاله ياقوت الحموي عن حلب في كتابه «معجم البلدان» ، وقد زارها وأقام فيها غير مرّة. وليس هو الوحيد الذي أشاد بهذه المدينة ونوّه بفضلها ، فهناك أقوال كثيرة مماثلة للرحالة والجغرافيين العرب والغربيّين الذين زاروها ، أو أقاموا فيها ، وقد أجمعوا كافة على أن حلب من أقدم المدن العامرة في العالم ، ولا تزال حتى اليوم زاخرة بالحياة ، مزدهرة بالحضارة والعمران ، بعد أن مرّت بأحقاب متلاحقة منذ القرن العشرين قبل الميلاد ، وعرفت أمما شتّى تعاقبت عليها ، كما عرفت الأمجاد التليدة ، من جهة ، والكوارث والزلازل من جهة أخرى ، وهي بعد ملتقى الطرق التجارية الكبرى لقوافل الشرق والغرب ، ثم إنها مدينة الآثار والأسوار ، والأبراج والأبواب ، وقد بقيت محافظة على تراثها الثمين ، وكنوزها الأوابد ، وجلال أبنيتها القديمة ، وهذا ما جعل المؤرخين يهتمون بها ، حتى إن ما ألّف فيها وحدها من كتب تاريخية يسترعي الانتباه بكثرته وتنوعه ، منذ أن كتب حمدان الأثاربي (ـ ٥٢٠ ه‍) كتابه «القوت» في تاريخ حلب ، حتى ألّف الغزي (ـ ١٣٥١ ه‍ ـ ١٩٣٣ م) كتابه «نهر الذهب» ، وبينهما كتب كثيرة منها المطبوع ، ومنها المفقود ، ومنها الذي لا يزال مخطوطا.

ونكتفي ـ فيما يلي ـ بذكر ما طبع حتى اليوم من تلك الكتب عن حلب : ١ ـ تاريخ حلب : لمحمد بن علي العظيمي (ـ ٥٥٦ ه‍). طبع في دمشق ١٩٨٤ م بتحقيق إبراهيم زعرور.

٧

٢ ـ بغية الطلب في تاريخ حلب : لابن العديم (ـ ٦٦٠ ه‍). طبع في دمشق في ١١ مجلدا سنة ١٤٠٨ ه‍ / ١٩٨٨ م بتحقيق : د. سهيل زكار.

٣ ـ زبدة الحلب في تاريخ حلب : لابن العديم أيضا. اختصر به كتابه السابق «بغية الطلب» ، وقد نشره المعهد الفرنسي بدمشق سنة ١٩٥١ م في ثلاثة أجزاء بتحقيق د. سامي الدهان.

٤ ـ الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة حلب : ينسب إلى ابن الشحنة (ـ ٨٩٠ ه‍). طبع في بيروت سنة ١٩٠٩ م بعناية يوسف سركيس ، ثم نشرته مصورا دار الكتاب العربي بحلب سنة ١٩٨٤ م. وربما كان أصل هذا الكتاب لابن الشحنة ، ثم تعاقب على التصرف فيه عدة مؤلفين ، وكل منهم زاد فيه ما وصل إليه علمه.

٥ ـ الزّبد والضّرب في تاريخ حلب : لابن الحنبلي (ـ ٩٧١ ه‍) اختصر به كتاب «زبدة الحلب» لابن العديم ، وأضاف إليه بعض الزيادات. طبع في الكويت سنة ١٤٠٩ ه‍ بتحقيق د. محمد التونجي.

٦ ـ درّ الحبب في تاريخ أعيان حلب : لابن الحنبلي أيضا. طبع بدمشق سنة ١٩٧٢ ـ ١٩٧٣ م بتحقيق محمود الفاخوري ويحيى عبارة. ويقع في جزءين ضخمين ، وكل منهما يتألف من قسمين.

٧ ـ معادن الذهب في الأعيان المشرّفة بهم حلب : لأبي الوفاء العرضي الحلبي (ـ ١٠٧١ ه‍). طبع في دمشق ١٩٨٧ بتحقيق د. محمد ألتونجي ، ولم يعثر إلا على قطعة منه تضم ٦٩ ترجمة.

٨ ـ اليواقيت والضرب في تاريخ حلب : نسب إلى «إسماعيل أبي الفداء» ، ولا يعرف شيء عن مؤلفه. والمكنّون بأبي الفداء ممن يسمّون «إسماعيل» كثر. نشرته دار القلم العربي بحلب ، بتحقيق محمد كمال وفالح البكور.

٩ ـ التاريخ الطبيعي لحلب : ألفه بالإنكليزية الطبيب البريطاني «باتريك راسل» (ـ ١٧٦٨ م) ، وعاونه فيه أخوه «إسكندر». طبع في جزءين بلندن سنة ١٧٩٤ م.

١٠ ـ تحف الأنباء في تاريخ حلب الشهباء : جمعه الطبيب الجرماني «بيشوف» من «زبدة

٨

الحلب» لابن العديم ، ومن كتب أخرى ، ونسبه لنفسه وطبعه في بيروت سنة ١٨٨٠ م.

١١ ـ نهر الذهب في تاريخ حلب : للشيخ كامل الغزي (ـ ١٣٥١ ه‍ / ١٩٣٣ م) وسوف نخصه بكلمة مفردة.

١٢ ـ إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء : للشيخ محمد راغب الطباخ (ـ ١٣٧٠ ه‍).

طبع في حلب سنة ١٩٢٦ م في سبعة أجزاء ، ثم نشرته دار القلم العربي بحلب سنة ١٤٠٩ ه‍ / ١٩٨٩ م وقام بتصحيحه محمد كمال.

١٣ ـ حلبيات : ألفه عبد الله يوركي حلاق ، صاحب مجلة «الضاد» ، ونشره في حلب سنة ١٩٨٣ م.

يضاف إلى هذه الكتب الثلاثة عشر ، كتب أخرى تناول كل منها بعض الجوانب من تاريخ حلب أو أدبائها ، أو آثارها. وهي كثيرة نذكر منها على سبيل المثال ، مما ورد في عنوانه اسم «حلب» :

١ ـ أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر : لقسطاكي الحمصي الحلبي (ـ ١٩٤١ م) ترجم فيه لخمسين علما من أعلام حلب. طبع سنة ١٩٢٥ م بحلب ، ثم أعيد طبعه فيها سنة ١٩٦٧ م.

٢ ـ محاضرات عن الحركة الأدبية في حلب (١٨٠٠ ـ ١٩٥٠): لسامي الكيالي.

طبع في القاهرة سنة ١٩٥٧ م ضمن منشورات معهد الدراسات العربية العالية.

٣ ـ الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب : ألّفه بالفرنسية المستشرق «جان سوفاجيه» ، ثم عرّبه محمد أسعد طلس وعلّق عليه تعاليق مفيدة ، وأضاف إليه معلومات جديدة ، وأصلح أخطاء وقع فيها المؤلف. طبع في دمشق سنة ١٣٧٥ ه‍ ـ ١٩٥٦ م.

٤ ـ الحركة الفكرية في حلب (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين): لعائشة الدباغ ، طبع في بيروت سنة ١٣٩٢ ه‍ ـ ١٩٧٢ م.

٥ ـ أحياء حلب وأسواقها : لخير الدين الأسدي ، حققه وزاد عليه وقدّم له : عبد الفتاح رواس قلعه جي. وطبع في دمشق سنة ١٩٨٤ م ، ضمن منشورات وزارة الثقافة.

٩

٦ ـ موسوعة حلب المقارنة : لخير الدين الأسدي. نشرها معهد التراث بجامعة حلب في سبعة مجلدات سنة ١٩٨٤ ـ ١٩٨٥ م وأعدّها للطباعة محمد كمال.

٧ ـ بنو مرداس الكلابيون في حلب وشمال الشام : د. محمد أحمد عبد المولى. طبع في الإسكندرية سنة ١٩٨٥ م.

٨ ـ أخبار حلب كما كتبها نعوم بخاش في دفاتر الجمعية : نشر منه جزءان بحلب سنة ١٩٨٥ ـ ١٩٨٦ م بتحقيق وتعليق الأب يوسف قوشاقجي.

٩ ـ الحركة الشعرية زمن المماليك في حلب الشهباء : د. أحمد فوزي الهيب. طبع في بيروت سنة ١٤٠٦ ه‍ ـ ١٩٨٦ م.

١٠ ـ الحركة الشعرية زمن الأيوبيين في حلب الشهباء : د. أحمد فوزي الهيب. طبع في الكويت سنة ١٤٠٧ ه‍ ـ ١٩٨٧ م.

١١ ـ الحياة الفكرية في حلب (في القرن التاسع عشر): لفريد جحا. طبع في دمشق سنة ١٩٨٨ م.

١٢ ـ إمارة حلب في ظل الحكم السلجوقي : لمحمد ضامن ، رسالة ماجستير نشرتها دار أسامة (دمشق ـ بيروت) سنة ١٩٩٠ م.

١٠

نهر الذهب

أما كتاب «نهر الذهب في تاريخ حلب» الذي ألّفه الشيخ كامل الغزي (١) ، فقد طبع منه في حياته ثلاثة أجزاء بين سنتي ١٩٢٢ ـ ١٩٢٦ م ثم نفدت هذه الطبعة حتى أصبحت نادرة جدا ، ندرة المخطوطات ، وطال انتظار الناس لطبعة ثانية تيسّر تداوله بين أيديهم وإفادتهم منه.

قسم الغزي كتابه هذا إلى مقدمة ضخمة ، وأربعة أبواب كبيرة ، وزعها على أجزاء الكتاب.

١ ـ فالجزء الأول : يشتمل على المقدمة وحدها ، كما فعل ابن خلدون في (مقدمة) تاريخه الكبير. وتكلم الغزي فيها على عدة أمور لا يتمكن القارئ دونها من الوقوف على ما انطوى عليه المكان الذي يؤرّخ له ، ومن حقائق وأوصاف وأحوال. ومن ثم فإنه ذكر بعض من ألّف في تاريخ حلب ، ثم انتقل إلى الكلام على أسماء حلب وجغرافيتها بالتفصيل ، وما مدحت به من الشعر والنثر ، وتحدث عن الأوزان والمقاييس المستعملة فيها ، وعن صناعاتها ونباتاتها وحيواناتها وتجاراتها ومدارسها ، وما يقوم على أرضها من مختلف الملل والنحل ، والعادات والتقاليد ، والنظم الإدارية والمالية ، وما يتبع (حلب) من الأقضية والنواحي والألوية.

٢ ـ والجزء الثاني : يشتمل على الباب الأول برمّته. وقد خصّصه للكلام على أحياء حلب ومعالمها التاريخية وأوابدها الأثرية ، بعد أن بدأه بالكلام على أسوار المدينة وأبوابها وقلعتها. وهو يسجل كل ما وقعت عليه عيناه من تراث معماري وعمراني وآثاري في مدينة حلب. ولا يفوته أن يتحدث عن الأوقاف التي كان ينفق منها على الجوامع والمساجد ، والتكايا والمدارس ، وكذلك نفقات الفرش والترميم والبناء. وقد استفاد في كل ذلك من عمله الذي كان يزاوله في المحكمة الشرعية بحلب ، والذي سهّل له الرجوع إلى سجلات تلك المحكمة ، وكلها مخطوطة قد حوت الكثير من المعلومات القيّمة المفيدة.

__________________

(١) تجد نبذة عن حياة الشيخ كامل الغزي ، كتبها مشكورا الأستاذ عمرو الملاح ، وقد أثبتناها في آخر الجزء الأول. وكان الأستاذ الملاح قد علّق على الجزء الأول فقط بعض التعليقات ، فأخذنا منها خمسة عشر موضعا ، بعد اختصار الطويل منها ، لتتلاءم وخطة عملنا في الكتاب ، وهي التي ذيلت بحر في «ع. م».

١١

ولا شك أن الأحوال قد تغيّرت اليوم عما كانت عليه في عصر الغزي قبل سبعين سنة تقريبا ، حيث اتّسع البناء في حلب وما زال يتسع ، وأقيمت أحياء سكنية جديدة كحيّ السبيل ، والمحافظة ، والشهباء ، وحلب الجديدة ، والحمدانية ، وصلاح الدين .. إلخ. وهذا ما سبب تغييرا جذريا في طبقات الناس ، وأعدادهم ، وفي بعض عاداتهم وتقاليدهم ، حتى أصبح الأمر يحتاج إلى كتاب آخر يكون ذيلا لنهر الذهب.

٣ ـ والجزء الثالث : يشتمل على الباب الثاني من أبواب الكتاب ، وفيه يتقصى تاريخ حلب منذ أقدم العصور حتى عصر المؤلف في الربع الأول من القرن العشرين. ويدخل في ذلك ذكر الأمم التي سكنت حلب والدول التي حكمتها ، وكذلك فتح المدينة في صدر الإسلام والحوادث التي طرأت عليها بعد ذلك وما أصابها من زلازل وكوارث .. نتيجة لتنقل الدول وتبدل الحكام ، وتعاقب الحروب والأوبئة ، والفتن والمجاعات. وقد سار في ذلك كله على ترتيب السنين الهجرية ، سنة سنة ، حتى عصره ، حين حلّ الانتداب الفرنسي في سورية ، ويفصل في الكلام على أحوال حلب في ظلّ هذا الانتداب.

ويختم هذا الجزء بخلاصة مركزه عدّد فيها الأماكن القديمة التي يقصدها السيّاح في مدينة حلب وضواحيها ، وكذلك الأماكن التي هي مظنّة لوجود العاديات والذخائر النفيسة.

وبذلك ينتهي الجزء الثالث ، حيث قال في آخره ما نصّه :

«انتهى الجزء الثالث من كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب ، ويليه الجزء الرابع : المشتمل على الباب الثالث المفتتح بقولي : الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده».

لكن هذا الجزء لم يطبع حتى اليوم ، ولا ندري أكان معدّا للطباعة في حياة المؤلف نفسه ، أم إنه كان ينوي تأليفه بعد أن ينتهي من طبع الأجزاء الثلاثة؟ لكن الدلائل تشير إلى أن مسوّدته ـ على الأقل ـ كانت موجودة ثم انتقلت إلى الورثة ، يدل على ذلك العبارة التي ختم بها الجزء الثالث ، من جهة ، وما في الأجزاء الثلاثة من بعض الإحالات ـ في تراجم الرجال ـ على الجزء الرابع من جهة أخرى ، حتى إن الطباخ يذكر في «إعلام النبلاء» (١) أن كتاب نهر الذهب في أربعة مجلدات ، تصفح منها ثلاثة ، ونقل منها ترجمتين اثنتين.

__________________

(١) انظر إعلام النبلاء ١ / ٥٢ ط. دار القلم العربي بحلب.

١٢

ونحن نزيد على ذلك أنه ربما كان في نيّة الغزي أن يؤلف جزءا خامسا يشتمل على الباب الرابع من الكتاب ، بحسب تقسيمه هو لأبواب كتابه.

ومهما يكن من أمر فقد بذلت مساع كثيرة للحصول على الجزء الرابع المفقود أو للعثور عليه ، ولكن تلك الجهود ذهبت أدراج الرياح ، وتبددت الآمال المنشودة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الغزي قد اعتمد في تأليف كتابه على مصادر كثيرة ، مطبوعة ومخطوطة. في التاريخ والاجتماع ، والأدب واللغة ، ذكر بعضها في مواضع من كتابه ، وأغفل بعضها الآخر. ويعد كتابه «نهر الذهب» ـ إلى جانب كونه في تاريخ حلب ـ موسوعة ثقافية واجتماعية وعمرانية تتلاقى فيها صور الماضي الغابر بالحاضر الراهن في زمن الغزي ، وكثيرا ما كان يستطرد إلى ذكر موضوعات جانبية مفيدة في أثناء تناوله لبعض الظواهر ، كحديثه عن التصوير في الإسلام ، وعن قهوة البنّ واكتشاف حبّه أول مرة ...

وقد أنفق الغزي في سبيل جمع كتابه. وتأليفه سنوات طويلة من عمره ، فقال في مقدمته : «وبعد ، فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب ، وأصرف على تأليفه من نقد عمري وجوهر مالي ما يستكثر مثله من أمثالي. وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها ، وتصفحت زهاء مائة مجلّد من السجلات المحفوظة في المحكمة الشرعية ، وتكبدّت عناء زائدا في الاطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية ، وعلى ما هو مدّخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرّقاع .. وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار أضطرّ في بعضها إلى تحمل مشاقّ الأسفار ، لأتمكن من الاطلاع على حقيقة حالها ، وأكتب عنها كتابة تحقيق ، لا كتابة تقليد وتلفيق».

يقول الدكتور سامي الدهان (١) : «والواقع أن الذي يميز هذا الكتاب من سواه ، أن صاحبه أعمل فيه الرويّة والعقل ، والنقد والتمحيص ، والتثبت والتبويب ، أكثر مما يعمل النقل والتقليد والرواية على علاتها ، فكان تاريخا على الطريقة الحديثة سبق به زمانه ، وكفى المؤلفين بعد زمانه مؤونة التأليف في مثله ، فقد نظر في المصادر العربية القديمة ، واستطاع أن يعرف ما في المصادر الأجنبية عن سبيل أصدقائه من الفرنجة المقيمين بحلب ، أو المسيحيين المطّلعين على

__________________

(١) قدماء ومعاصرون ٢٢٧ ـ ٢٢٨.

١٣

خزائن الغرب في هذا الموضوع. وكان الرجل متسامحا أشد التسامح ، يأخذ عن المصادر المختلفة ، من أي جهة كانت».

أما أسلوب المؤلف في كتابه فإنه سهل واضح ، وبعيد عن الصنعة والتأنق ، وتلك سمات النثر التأليفي الذي يتناول به صاحبه موضوعات اجتماعية وتاريخية وعمرانية وما إليها ، وربما وجدنا في الكتاب أحيانا فقرات تبدو عليها مسحة فنية من التأنق ، وغلالة رقيقة من الصنعة ، وهذا ظاهر في مقدمات أجزاء الكتاب ، أو في نصوص وقفية طلب من الغزي إنشاؤها في مناسبات خاصة ، فيأتي أسلوبه فيها على طريقة كتاب عصره آنذاك.

وظاهرة أخرى نجدها في كتاب الغزي ، تلك أنه يترخّص في بعض التعابير أحيانا ، وقد يتساهل في الالتزام بقواعد اللغة والرسم (الإملاء) ولا سيما كتابة الهمزة في وسط الكلمة ، وربما تصرّف في بعض النصوص التي ينقلها. عرفنا ذلك من مقابلة تلك النصوص بأصولها القديمة التي لم يكن لها في عصره إلا طبعة وحيدة. وهو تساهل مألوف لدى كثير من المؤلفين ، ولا سيما المتأخرين منهم.

والحق أن كتاب «نهر الذهب» ذو قيمة كبيرة ، ويتجلّى فيه الجهد الوافر ، والعمل الشخصي ، والابتكار الظاهر ، مع تخير وانتقاء ، ونقد وتمحيص ، دون أن يكتفي صاحبه بالجمع من المصادر وحدها ، ولا غنى عنه لكل باحث أو دارس في تاريخ حلب خاصة ، وسورية الشمالية عامة ، ولا يغني عنه غيره ، على الرغم من كثرة ما ألف عن حلب ، كتبه عالم جليل سعى جهده ليكون كتابه شاملا لأحوال حلب في شتى المجالات والعصور ، فجاء مرجعا مهما لكل من يريد الإحاطة بتاريخ حلب السياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي ، والفكري ، وما فيها من الآثار والأوابد ، وما طرأ عليها من تطور حتى الربع الأول من القرن العشرين.

ولا شك أن مدينة حلب ومختلف مرافق الحياة فيها قد تبدلت اليوم وتطورت كثيرا عما كانت عليه في زمن الغزي ، بعد مرور سبعة عقود من السنين ، وهذا كله يقتضي تأليف كتاب آخر ينهض بما استجدّ من ألوان الحياة والعادات والعمران والثقافة والاقتصاد والزراعة وما إلى ذلك. وكان بودنا أن نضيف ذلك في تعليقاتنا على الكتاب ، ولكننا وجدنا في ذلك إثقالا وإملالا للقارىء ، وتضخيما لحجم الكتاب بما لا مسوّغ له. فاكتفينا بما هو ضروري من تلك

١٤

التعليقات (١) ـ والكتاب خال منها تماما ـ إذ كانت النية في أول الأمر طبع الكتاب بطريقة التصوير ، ثم وجدت «دار القلم العربي» أن إخراج الكتاب بحلة طباعية جديدة ، وتحقيق جديد ، فيه نفع كبير للقرّاء والباحثين ، بدلا من أن تبقى أجزاء الكتاب كما كانت عليه قبل سبعين عاما ، وقبل ظهور الطباعة التقنية الحديثة.

وعندئذ كان لا بد من تصحيح ما وقع في الطبعة الأولى من أخطاء مطبعية ، وسهو في الالتزام بقواعد الرسم والإملاء ، أو وقوع في أغلاط عارضة ، فضلا عن القيام بشرح العبارات والألفاظ التي تحتاج إلى ذلك ، وتوضيح بعض الجوانب التاريخية والآثارية في المواضع التي تقتضي هذا التوضيح ، مع توخي الإيجاز والاختصار. كما عدنا إلى ما استطعنا الوصول إليه من مصادر المؤلف لمقارنة النصوص الشعرية والنثرية التي أوردها ، وتدارك ما وقع فيها من تحريف أو خلل أو نقص ، وأشرنا في حواشي الكتاب إلى ما هو مهم وضروري ، من ذلك ، وأغفلنا الإشارة إلى ما هو ثانوي ولا يخفى تصويبه أصلا على القارئ.

ذلك مبلغ الجهد الصادق في خدمة كتاب «نهر الذهب» ، نشرا وطباعة ، وتصحيحا وتحقيقا ، وضبطا وتعليقا ، ونرجو أن نكون عند حسن ظن القراء والباحثين.

والله الهادي إلى الإ خلاص في القصد ، والسداد في القول.

حلب في : ٤ من ذي الحجة ١٤١١ ه‍

١٦ من حزيران ١٩٩١ م

المحققان

الدكتور شوقي شعث

الأستاذ محمود فاخوري

__________________

(١) قام الأستاذ محمود فاخوري بمراجعة الجزءين الأول والثالث والتعليق عليهما. كما قام الدكتور شوقي شعث بمثل ذلك في الجزء الثاني.

١٥
١٦

١٧
١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، وهو الذي يمنح السراء ، ويدفع الضرّاء ، ويحقق الرجاء ، ويجزل العطاء. يغفر الذنب ، ويقبل التوب ، ويمحو الحوب (١) ، ويستر العيوب ، ويكشف المكروب. وينعم بالراحة بعد اللّغوب (٢).

لا راد لما قضاه ، ولا معاند لما ارتضاه. فليس بالإمكان ، أبدع مما كان. جعل لكل نبأ مستقرا. ولكل شيء في حكمته البالغة مظهرا ومستسرا. وزّع على عباده السعادة والشقاء ، والراحة والعناء ، والعسر واليسر ، والنفع والضر ، والخذلان والنصر. وشاء في قدره المحتوم ، وعلمه المكتوم ، أن يكون منهم الظالم والمظلوم ، والحاكم والمحكوم. ثم أورد الكل مورد الفناء والعدم ، وتفرد سبحانه بالبقاء والقدم.

وصلى الله وسلم على محمد بن عبد الله ، حبيبه ومجتباه. نبي قص علينا ما فيه عبرة لنا فبلّغ وصدق ، كما قص الله عليه من أنباء ما قد سبق. بشّر من اتبعه ووالاه ، وأنذر من خالفه وناواه. وعلى آله وأصحابه الأطهار ، رواة الأخبار ، وحملة الآثار. وسلم تسليما كثيرا.

وبعد فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب ، وأصرف على تأليفه من نقد عمري ، وجوهر مالي ، ما يستكثر مثله من أمثالي. وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها ، وتصفحت زهاء مائة مجلد من السجلّات المحفوظة في المحكمة الشرعية وتكبدت عناء زائدا في الاطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية. وعلى ما هو مدخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرقاع الخصوصية التي سطرها

__________________

(١) الحوب : الإثم.

(٢) اللّغوب : التعب والإعياء.

١٩

ذووها في بعض شؤن تاريخية ، ذات أهمية عظيمة في وقتها. فكنت لا أصل إلى ما يهمّني أمره من بعض هذه المواد ، إلا بعد عناء شديد ونفقة باهظة.

وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار ، أضطر في بعضها إلى تحمل مشاقّ الأسفار.

لأتمكن من الاطلاع على حقيقة حالها ، وأكتب عنها كتابة تحقيق ، لا كتابة تقليد وتلفيق.

لم أزل مثابرا على هذا العمل ، لا يعوقني عنه عائق ، ولا يصرف همتي عنه صارف حتى يسرّ المولى لي إتمام هذا الكتاب اللابس من المحاسن أجمل جلباب فجاء بحمد الله تعالى تاريخا مفردا في بابه ، فائقا جميع أترابه ، من الكتب التاريخية الحلبية ، جامعا أشتات ما تفرق فيها على اختلاف نزعاتها وأساليبها. فإنه جمع بين ذكر أخبار حلب وملحقات ولايتها وبين ذكر أخيارها وآثارها غير مقتصر على ذكر واحد منها ، كأكثر التواريخ الحلبية السابقة.

وكنت كلما هممت بطبع هذا الكتاب وتدوينه إجابة لإلحاح الكثيرين المتشوقين إليه ، عارضني بذلك سوء الظن باستحساني إياه ، كمن قيل فيه :

ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن

هو بابنه وبشعره مفتون

وناجاني وحي الضمير بقوله : لا تعجل بذلك ، فعسى أن يكون استحسانك هذا من باب افتتان الرجل بشعره ، وإعجاب المرء ببضاعته ، أو هو من قبيل المثل : (القرنبى في عين أمها حسنة) (١) وحينئذ أضرب الصفح عن طبعه وتدوينه. وآخذ بالبحث عن طريقة أصل بواسطتها إلى معرفة حقيقة هذا الاستحسان : أهو حقيقي أم هو نوع من ذلك الافتتان. فلم أر في الوصول إلى هذا الغرض بعد البحث الطويل عنه ـ سوى طريقة واحدة ، ألا وهي عرض الكتاب على كل من رغب بالاطلاع عليه ، فكنت لا أضنّ بعرضه على كل وارد وصادر أتوسّم فيه سلامة الذوق ، وصحة الانتقاد ، وسجية الإنصاف ، حتى عرضته على الجمّ الغفير من الذين عرفوا بممارسة التاريخ والوقوف على دقائقه ، وكشف غوامضه. فكنت لا أسمع من كل من وقف عليه. وقرأ منه فصولا في

__________________

(١) القرنبى : حشرة مثل الخنفساء منقطعة الظهر طويلة القوائم.

٢٠