الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ١

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ١

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٦٣

١
٢

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

دار التراث الاسلامي تقدم للمكتبة الاسلامية العالمية أفضل تراث إسلامي هو «الفرقان» في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة ، مطأطئة الرأس أمام هذه الموسوعة العظيمة البارعة البديعة التي جاد بها يراع مؤلفه ، جامعا فيها بين إناقة التعبير وعلاقته ، وعمق المعنى ولباقته ، وقد تكون جملة وتفسيرا منقطع النظير بين سائر التفسير التي جاد بها أقلام مفسري القرآن قديما وحديثا حيث تمتاز بميّزات تالية مؤلّفا ومولّفا :

فالمؤلّف عاش القرآن أليفا ومدفقا دارسا ومدرسا خلال ما يربوا أربعين عاما في الحوزتين المباركتين : النجف الأشرف وقم المشرفة ، ومنها سبعة عشر عاما هي سنى هجرته من شرّ الطاغوت ـ الشاه عليه لعنة الله ـ حيث كان مدرسا ومبشرا قرآنيا في مكة المكرمة ولبنان وسوريا والعراق ، وقد خرّج مئات من طلاب علوم القرآن إلى أنحاء العالم الاسلامي. وألّف في مختلف العلوم الإسلامية كتابات قيّمة ، خاتمتها حتى الآن هي «الفرقان» ، ومن ميّزات المؤلّف بلوغه إلى أعلى قمم الاجتهاد في علوم القرآن ، وعلى ضوءها في الفقه والفلسفة الاسلامية

٥

وأما المؤلّف فهو يمتاز بأساليب عدة تكفى واحدة منها لتجعله متميّزا عن سائر كتب التفسير :

منها جمعيته لأقدم الأساليب في التفسير وأحدثها ، فقد جمع بين سنّة الرسول صلّى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت (ع) تفسيرا للقرآن بالقرآن ، وبين أحدث النظريات التي وصل إليها العلم الحديث ، جاعلا للقرآن إماما ككل وكل ما سواه يأتمّ به دونما أي تحميل عليه بدقيق أو جليل.

ومنها رعاية جمعية الدلالات القرآنية ، دون تضييق لها بمضايق التفسير ولا توسعة كما يفعله المفرّطون والمفرطون ، الذين يتضايقون أو يتواسعون في نصوصه وظواهره دونما حجّة من علم أو أثارة من علم أو كتاب منير.

ومنها تفصيل البحوث الفقهية بكل حقولها على ضوء آياتها دونما تأثّر شارد بروايات أو إجماعات أو شهرات تخالف القرآن أم لا توافقه ، مهما بلغت من العدّة والعدّة ما بلغت ، فان لله الحجة البالغة.

ومنها المقارنة في كافة المواضيع القرآنية مع سائر كتابات الوحي وسواها ، مما قد يجعله أفضل تفسير مقارن. فلقد حاول المولّف دام ظلّه وإفضاله كل جهده في إظهار مرادات الله ، دونما نقل إلا آيات كأصل وروايات على هامشها بكل هيمنة قرآنيه بارعة دونما إصغاء إلى أقوال أم أقاويل ولا ذكر لأصحابها ، لا تصغيرا للعلماء وإنما تكبيرا للقرآن والسنة الاسلامية السامية ، وإخراجا لكتاب الله عن معترك الآراء ، وعن المذهبيات المتعصّية. والقيلات المترسّبة.

ونحن إذ نتواضع أمام هذا المشروع العظيم نسأل الله العلي القدير أن يوفق المؤلف لإكماله بتمامه وكماله ويجعله ذخرا للامة الاسلامية.

بيروت : دار التراث الاسلاميّه

طهران : انتشارات فرهنگ اسلامى

٦

رسالة من صاحب تفسير «الميزان»

تعريفا بتفسير الفرقان

من عشرات الرسائل التي وصلتنا تعريفا بتفسير الفرقان من مختلف رجالات العلم وعباقرة الفضل والتفكير وأصحاب التفسير في شتى أنحاء العالم رسالة صاحب «الميزان» الإمام الأعظم سماحة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي دام ظله الوارف على رؤوس المسلمين ، وإليكم ترجمتها الحرفية :

فضيلة شيخنا الشيخ الدكتور محمد الصادقي المحترم دامت إفاضاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

زرنا مجلدين من تفسيركم الشريف (الفرقان) مع كتابكم الكريم ، فبعد فراق طويل بيننا بأعوام عدة ، وانقطاع اخباركم عنا بزمن بعيد ، يسرني أن وصلني نبأ صحتكم وتوفيق سماحتكم ، فحمدت ربي ، وأرجو منه سبحانه أن يقرنكم دائما بالعافية والتوفيق ، وأن يسدّد خطاكم ، ويؤيدكم بألطافه وعناياته الخاصة.

إن تفسير «الفرقان» الشريف الذي زرته ، إنه لكتاب يقرّ عيوننا ، وهو سند عزنا وأصل من مفاخرنا ـ نحن المفسرين ـ إن شاء الله تعالى تكرس كافة طاقاتك وإمكانياتك وتبذل جميع مساعيك في مواصلة هذا الأسلوب الفريد من التفسير ـ أعني : تفسير القرآن بالقرآن ـ فلا تملّ ولا.

٧

تكسل ولا تفشل في هذا المشروع العظيم ، خدمة للمعارف القرآنية ، وكشفا للقناع عن ذخائر هذا الكتاب المكنون السماوي ، وأرجو من الله عز اسمه لكم التوفيق وأن يؤيد سماحتكم في هذه السبيل ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد حسين الطباطبائي

٨

٩
١٠

المدخل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجرا حسنا.

تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا وهاديا إلى الله باذنه وسراجا منيرا.

وصلواته التامات الزاكيات على من أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا!.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد عبدك ورسولك ونبيك ونجيّك وصفوتك وصفيك وخير خيرتك نبي الأمة وإمام الرحمة ، وعلى آله الطاهرين المعصومين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.

رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.

رب وفقني لتقواك واجعل لي من أمري يسرا وكفر عني سيئاتي وأعظم لي اجرا. واجعل لي مخرجا و «فرقانا» انك كنت بنا بصيرا.

رب اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا

١١

قولي وكفى بك هاديا ونصيرا.

إن القرآن «نور وبرهان» : (قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (٤ : ١٧٤) و «بيان» : (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (٣ : ١٣٨) و «مبين»: (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) (٢٦ : ٢) .. (قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٣٩ : ٢٨) وتبيان : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (١٦ : ٨٩).

وهذا النور البرهان ـ المبين البيان التبيان : قرآن عربي لا عوج له في كونه وكيانه ، في بيانه وبرهانه ، مفصحا بليغا بأعلى القمم لأعلى القيم في تبيانه ، وترى النور بحاجة الى نور ، والبرهان يحتاج الى برهان؟! وهو نور الأنوار (نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ..)!.

ف «إن هذا القرآن هو النور المبين ، والحبل المتين ، والعروة الوثقى ، والدرجة العليا ، والشفاء الأشفى ، والفضيلة الكبرى ، والسعادة العظمى ، من استضاء به نوّره ، ومن عقد به أموره عصمه الله ، ومن تمسك به أنقذه الله ، ومن لم يفارق أحكامه رفعه الله ، ومن استشفى به شفاه الله ، ومن آثره على سواه هداه الله ، ومن طلب الهدى في غيره أضله الله ، ومن جعله شعاره ودثاره أسعده الله ، ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ، ومعوّله الذي ينتهي اليه أداه الله إلى جنات النعيم والعيش السليم» (١).

ف«إنه هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الأحداث وعصمة من الهلكة ، ورشد من

__________________

(١) تفسير الامام الحسن العسكري عن أبيه عن آباءه عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم).

١٢

الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم ، وما عدل أحد عن القرآن إلّا إلى النار» (١).

«فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانه شافع مشفّع ، وما حل مصدّق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل وليس بالهزل ... ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم (تخوم) وعلى نجومه (تخومه) نجوم (تخوم) لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ، ومنار الحكمة ، ودليل المعرفة لمن عرف الصفة فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ويتخلص من نشب فان التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص» (٢).

«نور لا تطفأ مصابيحه ، وسراج لا يخبؤ توقّده ، وبحر لا يدرك قعره ، ومنهاج لا يضل نهجه ، وشعاع لا يظلم ضوءه ، وفرقان لا يخمد برهانه ، وتبيان لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعز لا تهزم أنصاره ، وحق لا تخذل أعوانه ، فهو معدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المنتزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ،

__________________

(١)اصول الكافي ٢ : ٦٠٠ ـ ابو علي الاشعري عن بعض أصحابه عن الخشاب رفعه قال قال ابو عبد الله (عليه السلام): والله لا يرجع الأمر والخلافة الى أبي بكر وعمر ابدا ولا الى بني امية ابدا ولا في ولد طلحة والزبير ابدا وذلك انهم نبذوا القرآن وأبطلوا السنن وعطلوا الأحكام وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ...

(٢) اصول الكافي ٢ : ٥٩٨ علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن آباءه (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ...

١٣

ومناهل لا يفيضها الواردون ، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون ، جعله الله ريّا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاجّا لطرق الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتم به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاجّ به ، وحاملا لمن حمله ، ومطيّة لمن أعمله ، وآية لمن توسم ، وجنّة لمن استلأم ، وعلما لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى» (١).

وهو بيان ما قبلكم من خبر ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل ، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله ، ومن التمس الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم. لا تزيغه الاهوية ، ولا تلبسه الأقضية ، ولا يخلق على الرد ، ولا ينقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، هو الذي لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا : (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم ، هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (٢).

__________________

(١) مما يروى عن علي امير المؤمنين من غزير كلامه حول القرآن (نهج البلاغة). الخطبة ١٩٣ ص ٢٢ ـ عبده.

(٢) تفسير العياشي باسناده عن الحارث الأعور قال دخلت على امير المؤمنين (عليه السلام) فقلت يا امير المؤمنين! انا إذا كنا عندك سمعنا الذي نسد به ديننا وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة ولا ندري ما هي ـ قال : أوقد فعلوها؟ قال : قلت : نعم قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول اتاني جبرئيل فقال يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)! ستكون في أمتك فتنة ـ قلت : فما المخرج منها؟ فقال : كتاب الله فيه ..

١٤

انه «بقية استخلفها عليكم كتاب الله الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بينة بصائره منكشفة سرائره ، متجلية ظواهره ، مغتبط به أشياعه ، قائد الى الرضوان اتّباعه مؤدّ إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنورة ، وعزائمه المفسّرة ، ومحارمه المخدّرة ، وبيناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة» (١)

وقد سئل علي (عليه السلام) هل عندكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من الوحي؟ قال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا أن يعطي عبدا فهما في كتابه (٢) تدليلا على أن القرآن هو الوحي الأصيل ، والضابطة بلا بديل ، ووحي السنة هامشي ليس يوصّل إلا فهما لوحي القرآن وتفصيلا.

فلنخضع للقرآن كما لله فإنه خير كلام لله ، وقد روي عن الإمام الصادق (ع) انه قال : «من قرأ القرآن ولم يخضع له ولم يرقّ عليه ولم يغش حزنا او وجلا في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله وخسر خسرانا مبينا ، فقارئ القرآن يحتاج الى ثلاثة أشياء : قلب خاشع وبدن فارغ وموضع خال ، فإذا خشع لله قلبه فرّ منه الشيطان الرجيم ، وإذا تفرغ نفسه من الأسباب تجرد قلبه للقراءة فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القرآن وفوائده ، وإذا اتخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد ان أتى بالخصلتين الأوليين استأنس روحه وسره بالله ، ووجد حلاوة مخاطبات الله عباده الصالحين ، وعلم لطفه بهم ، ومقام اختصاصه لهم ، بقبول كراماته ، وبدائع

__________________

(١) من خطبة الصديقة الطاهرة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما غصب حقها.

(٢) عن مصباح الشريعة المنسوب الى الإمام الصادق (عليه السلام).

١٥

إشاراته ، فإذا شرب كأسا من هذا المشرب فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا وعلى ذلك الوقت وقتا بل يؤثره على كل طاعة وعبادة لأن فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة فانظر كيف تقرأ كتاب ربك ومنشور ولايتك ، وكيف تجيب أوامره ونواهيه ، وكيف تمتثل حدوده فانه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فرتله ترتيلا ، وقف عند وعده ووعيده ، وتفكر في أمثاله ومواعظه واحذر ان تقع من إقامتك حروفه في اضاعة حدوده» (١).

فالأصل في كل شارد ووارد هو القرآن ، يردّ اليه غير الضروري من الدين ، ليعرف به المارد عن الوارد ، ويميّز به الغث عن السمين والخائن عن الأمين.

وإذا كان القرآن هو المعوّل والمرجع لسواه ، فبأن يكون مرجعا لنفسه أحرى ، حيث التمسك بالقرآن في الأمور المشتبهة إصلاح لها ، ووصول للرشد فيها ، فهو هو أحق ان يمسّك في تفسيره بنفسه : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (٧ : ١٧)! فالذين لا يمسكون بالكتاب او يمسّكون في تفسير الكتاب بغير الكتاب هم من المفسدين ، حيث المرجع الوحيد في المختلف فيه هو الله ، ولا يمثل الحكم فيه إلا كتاب الله : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) (٤٢ : ١٧) ثم وموقف السنة المحمدية هو موقف الهامش الشارح لكتاب الله ، ما ثبت أنها من سنته ، ولا يعرف إلا بموافقته لكتاب الله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٤ : ٥٩) ـ ف «اردد الى الله ورسوله ما يضلعك من

__________________

(١) عن مصباح الشريعة المنسوب الى الامام الصادق (عليه السلام).

١٦

الخطوب ويشتبه عليك من الأمور ، والرد الى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والرد الى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة» (١).

ثم و (أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) هم حملة السنة المحمدية السليمة ، كما امر الله بطاعتهم المطلقة بعده وبعد رسوله : فطاعة اولي الأمر هي طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث لا يصدرون إلا عن الرسول ، فمثنى الذيل في الآية (فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) هو مثلث الصدر فيها (.. وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فإنهم لا يحملون إلا سنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

ففي هذا المثلث البارع من الطاعة المطلقة طاعة الله هي القاعدة الرصينة وطاعة الرسول بعدها هي الزاوية الأولى حيث يصدر عن الله ، و (أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) هم الزاوية الأخيرة حيث يصدرون عن رسول الله ، ولا سبيل للتعرف الى واقع السنة التي ترويها الرواة إلا موافقتها لكتاب الله و (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) : مأخذا ومآلا.

ف «القرآن يفسر بعضه بعضا وينطق بعضه على بعض» (٢) وآيات العرض وأحاديثه المتواترة تفرض على المستفسرين عن آي الذكر الحكيم ان يبدءوا بالتدبر في القرآن نفسه كما يجب ، ثم عرض الأحاديث المفسّرة للقرآن على القرآن فيستفسر الموافق له ويرفض المخالف ، لكي يحصل على معاني متلائمة ، غير متضاربة : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (٤ : ٨٢).

__________________

(١) نهج البلاغة عن الامام علي امير المؤمنين (عليه السلام).

(٢) نهج البلاغة عن الامام علي امير المؤمنين (عليه السلام).

١٧

ولا يعني تفسير القرآن بالقرآن ضرب بعضه ببعض دون رعاية لمناسبات الآيات ، وان تنثر آياته نثر الدقل دون تأمل في رباطاتها «وقد رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوما يتدارءون فقال : هلك من كان قبلكم ، بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وانما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه الى عالمه» (١).

وخرج على قوم يتراجعون القرآن وهو مغضب فقال : «بهذا ضلت الأمم باختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض» (٢).

فعلى المفسر التدبّر التام في آي الذكر الحكيم ، متحللا عما أثبته هو او أثبتته الطرق العلمية أو العقلية أمّاهيه ، مستنطقا كل آية بنظائرها في المغزى ، فيستفسر عنها أشباهها ونظائرها ، متثبتا عن الأحاديث الموافقة الملائمة لها.

فاختلاف الروايات في تفسير الآيات ، واختلاف المفسرين من جراءه ، ومن اختلاف افهامهم وأساليبهم ، هذه الاختلافات ترد إلى القرآن نفسه ، فلا يصدّق عليه إلّا ما يصدقه.

إذا فمسالك التفسير كلّها هباء وخواء إلّا تفسير القرآن بالقرآن ، كما وان الرسول والائمة من آل الرسول سلكوا هذا المسلك القويم في تفسير آي الذكر الحكيم ، وعلى المفسرين ان يتعلموا هذه الطريقة المثلى من هؤلاء

__________________

(١) الدر المنثور ـ اخرج احمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)

(٢) الدر المنثور ـ اخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

١٨

المعلمين المعصومين. رجوعا الى أساليبهم السليمة في تمسكهم بالكتاب ، تفسيرا للآيات بالآيات ، ثم سلوكا في صراطهم المستقيم على طول الخط ومر الزمن.

فالتفسير بين حق وباطل ، تفسير بالقرآن وتفسير بالرأي «ومن فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار» «اخطأ أو أصاب كان مصيره الى النار» ولا يعني التفسير بالرأي إلا ان تحمل معك رأيا لك او لغيرك من قولة او رواية غير ثابتة ، ثم تحمّله على آية لا تتحمّله ، او لا توافقه او تخالفه ، وليس الكثير من اختلافات المفسرين في تفسير الآيات إلّا لتفرقهم ايادي سبا عن تفسيره بنفسه ، او عدم المؤهلات لمن حاول تفسيره بنفسه ، فان له شروطا جمة (١).

__________________

(١) روى ابو عبد الله محمد بن ابراهيم بن جعفر النعماني في تفسيره باسناده عن إسماعيل بن جابر قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : ان الله تبارك وتعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فختم به الأنبياء فلا نبي بعده وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحلّ فيه حلالا وحرم فيه حراما فحلاله حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم وجعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علما باقيا في أوصياءه فتركهم الناس وهم الشهداء على اهل كل زمان وعدلوا عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم وأخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من اظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم قال الله سبحانه : (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) وذلك انهم ضربوا بعض القرآن ببعض واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون انه الناسخ واحتجوا بالمتشابه وهم يرون انه المحكم واحتجوا بالخاص وهم يقدّرون انه العام واحتجوا باوّل الآية وتركوا السبب في تأويلها ولم ينظروا الى ما يفتح الكلام والى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوا عن اهله فضلوا وأضلوا واعلموا رحمكم الله من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني واسباب التنزيل والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء ـ

١٩

فالمحدث يفسره بما يجده من أحاديث تناقلتها الرواة ، ناظرا الى أسانيدها ، غضا عن متونها ، فإذا قيل : إسناده صحيح ، صحّح به تفسير القرآن وافقه ام خالفه ، رغم وجود الكثير من وثنيات وإسرائيليات ومسيحيات وأضرابها من خرافات تسربت الى أحاديث الإسلام فترسبت في كتب الحديث ، مهما صحت أسناد منها او ضعفت.

كما يروى من طريق السنة «ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سحر» مسا من كرامة النبوة ، والقرآن يقول عن هؤلاء المختلقين انهم ظالمون : (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) (٣٥ : ٩) (١).

ويروى من طريق الشيعة في تفسير دابة الأرض أنها علي عليه السلام! مسّا جاهلا او متجاهلا من كرامة الخلافة الإسلامية المنصوصة المنصوبة.

وكثير أمثال هذه الخرافات الزور التي تناقلتها الرواة والمفسرون من الفريقين دون رعاية لصريح القرآن او ظاهره حيث يمجّه وينافيه.

فهذا ليس تفسيرا للقرآن بالسنة ، وانما بالرواية التي يعتبرها رواتها سنة ويتقبلها المفسر بالسنة كسنة ، وما هي سنة ، فانها ليست إلّا قول الرسول او فعله وتقريره ، ولا سبيل إليها قويما إلّا موافقتها للقرآن حيث

__________________

ـ والقدر والتقديم والتأخير والمبين والعميق والباطن والابتداء من الانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنى منه والجار فيه والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد والمؤكد منه والمفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه واحكامه ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون والموصول من الألفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده ـ فليس بعالم بالقرآن ولا هو من اهله ومتى ادعى معرفة هذه الأقسام بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير».

(١) راجع ج ٣٠ ص ٥٣٩ حول آية النفاثات في العقد ، وج ١٥ حول آيته وكذلك الفرقان الآية ٨.

٢٠