🚘

شرح الصحيفة الكاملة السجّاديّة

السيّد محمّد باقر المشتهر بمحقّق الداماد

شرح الصحيفة الكاملة السجّاديّة

المؤلف:

السيّد محمّد باقر المشتهر بمحقّق الداماد


المحقق: السيد مهدي الرجائي
الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: بهار قلوب
ISBN: 964-93610-0-6
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

قال السجاد عليه السلام

يا ابا خالد انّ اهل زمان غيبته القائلون بامامته والمنتظرون لظهوره

افضل اهل كلّ زمان فان الله تبارك تعالى ذكره اعطاهم من العقول

والافهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المجاهدين

بين يدي رسول ا ... بالسّيف اولئك المخلصون حقّاً وشيعتنا صدقاً

والدعاة الى دين ا ... عز وجل سراً وجهراً

وقال عليه السلام

انتظار الفرج من اعظم الفرج

بحار الانوار جلد ٥٢ صفحة ١٢٢

٣

بسمه تعالى

يهدى ثواب نشر هذا الاثر القيّم المسمّى بالصحيفة المكرّمة

السجادية لمولانا الامام زين العابدين (عليه السلام) الى روح المرحومة

المغفورة خادمة الزهراء سلام ا ... عليها

الحاجية شاه بى بى الانصاري رحمة ا ... عليها

متعلّقة خادم الشريعة والولاية

خير الحاج الشيخ عبد الحسين الانصاري زيد عزّه وتوفيقه

الناشر

٤

المقدّمة الاُولى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة على محمّد وآله الطاهرين المعصومين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدّين.

قال عليه السلام : مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء. وذلك لما أنهّم أتبعوا نفوسهم الشريفة وجاهدوا في الله جهاداً عظيماً لحفظ أحكام الإسلام وشرائعه ، وأنّهم بتدريسهم وتآليفهم الأنيقة أحيوا أحكام الإسلام ، وبيّنوا حلاله وحرامه من القرآن والسنّة ، وبمواعظهم ساقوا الاُمّة إلى التقوى والفضيلة ، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين.

وممّن زهى وبرز منهم جدّى العالم العامل والعارف الكامل ، والفيلسوف الجامع ، آية الحقّ السيّد محمّد باقر الاسترآبادي ، المعروف بـ«الداماد» الذي خدم الإسلام بتآليفه القيّمة ومواعظه وإرشاداته في زمانه ، وبتدريسه الذي برز من مجلس درسه رجال أبرار ، كملّا صدرا وأمثالهما.

ونحن نقصد ـ بعون الله تعالى ـ أن ننشر آثاره القيّمة ، المخطوطة جلّها ، المهجورة بعضها ، والملتمس من موالينا وأصحاب المكتبات العامّة والخاصّة ، حيثما عثروا على أثر لم يطبع إلى الآن من المؤلّفات والرشحات العلميّة والأدبيّة للمؤلّف وسليله أن يمنّوا علينا

٥

بإرسال نسخة مخطوطة أو مصوّرة منه ، حتّى نطبعها وننشرها ليسهل تناولها ويعمّ النفع بها.

وفي الختام أنّي لأتقدّم بوافر الشكر للأخ العلّامة السيّد مهدي الرجائي دام مجده ، حيث تصدّى لتحقيق هذه الدرّة الثمينة ، ولقد سبق منه تحقيق عدّة كتب من مخطوطات السيّد ، فجزاه الله خير الجزاء.

السيّد محمود بحر العلوم الميردامادي

١٨ ذيحجة الحرام ١٤٠٥ هـ ق

٦

المقدّمة الثانية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

نذكر في هذه المقدّمة عدة مطالب :

الأوّل : الآيات القرآنية والسنن النبوية صلى الله عليه وآله يدعو جميع البشر إلى الدعاء والإستمداد من الله تعالى والله تعالى هو مالك الملك يعطي الملك من يشاء ويزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير ، ولا بدّ لنا من تعلّم كيفيّة الدعاء والمناجات مع الله تبارك وتعالى ، وذلك من خواصّ طريق الأولياء ، والمسلّم أنّا لا نعلم كيفيّة الدعاء والمناجاة ، إلّا ما ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام الممحّضين في طريق العبوديّة ، وهم الاُسوة في ذلك ، ولا بدّ لنا أنّ نتعلّم منهم كيفيّة الدعاء والمناجاة ، كما لا بدّ لنا أن نتعلّم منهم التوحيد والمعارف الحقّة ، وذلك أنّهم عليهم السلام متابعون للقوانين الإلهيّة وهم الهداة المهديّون لهذه الاُمّة ، فهم يهدون هذه الاُمّة إلى كيفية الطلب والدعاء وطريق المناجاة ، وهم عليهم السلام مصاديق (مَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) و (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فهم يهدون البشر إلى مسير الحقّ ، ولا بدّ لنا في جميع أطواع الحياة من هاد لنا ، ونأخذ عنهم جميع معالم الدين والهداية من الدعاء ومراحل السير والسلوك لا عن غيرهم ، وعلى هذا فأدعية رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام سيّما الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والإمام زين العابدين عليه السلام تكون للموحّدين اسوة وملجأ إلهي وحصن حصين ربّانيّ ، فالموحّدون بقراءتهم هذه الأدعية والمناجات وفهمها يسلكون مراتب العبوديّة ويصلون

٧

إلى أعلى درجات الكمال والفضيلة.

الثاني : أن الصحيفة السجاديّة مكتبة الدعاء والتضرّع وهي أثر خالد من الإمام زين العابدين عليه السلام ولا بدّ من نشرها بين جميع المسلمين في أنحاء العالم من أهل السنّة والشيعة ، ولا محيص لجميع الموحّدين من هذا الكتاب الشريف.

الثالث : لا بدّ من التدبّر التامّ في معاني هذه الأدعية الواردة في الصحيفة ، والدعاء لنصرة جميع المسلمين.

الرابع : أنّ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرين عليهم السلام فريضة من الله تعالى ، وإليها ذهب جميع الفرق الإسلاميّة ، وقد جاء في هذه الصحيفة المكرّمة حوالي مائتين مرّة ، وهذا يبيّن عظمة الصلاة على النبي وآله ، كما قال الشافعي :

يا آل بيت رسول الله حبّكم

فرض من الله في القرآن أنزله

يكفيكم من عظيم الفخر أنّكم

من لم يصلّ عليكم لا صلاة له

الخامس : التعليقات الموجودة في هذا الكتاب هي لجدّي المحقّق الكبير المرحوم السيّد محمّد باقر ، المشتهر بـ«الداماد قدّس الله سرّه ، وهي مختصّة للمحقّقين والباحثين في المراكز العلميّة والجامعات في أنحاء العالم ، ولا محيص لهم لفهم هذه الأدعية والمناجاة من المراجعة إلى هذا الكتاب الشريف.

وفي الختام نسأل الله التوفيق والسعادة لجميع الداعين والمبتهلين ، والنصرة لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا سيما خدمة العلم والفضيلة والناصرين لصاحب الولاية عجّل الله تعالى فرجه الشريف في المدرسة والمكتبة الخاصّة لولي العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، والحمد لله ربّ العالمين والسلام علينا وعلى عباده الصالحين ورحمة الله وبركاته.

ايران ـ اصفهان

السيّد محمود بحر العلوم الميردامادي

٢٥ / محرّم الحرام / ١٤٢٢ هـ ق

٨

مقدمة المحقّق

في طريق التحقيق

قوبل هذا الكتاب على ثلاث نسخ :

١ ـ نسخة مخطوطة كاملة من أولها الى آخرها بخط النسخ ، وهي تقع في (١٦٦) صحيفة كل صفحة (٢٠) سطراً ، كاتبها حسن الحسيني الجيلاني ، تاريخ كتابتها سنة (١٠٥٢) قال في آخر النسخة : تم في چمن أسد آباد وكان مخيماً للعساكر المنصورة الصفوية ـ الخ ، والنسخة محفوظة في مكتبة (مجلس الشورى) وجعلت رمز النسخة «س».

٢ ـ نسخة مخطوطة كاملة من أولها الى آخرها بخط النستعليق ، وهي تقع في (٩٤) صحيفة ، كل صفحة (١٥) سطر ، طول كتابتها ٥ / ٢٢ ، وعرضها ١٣ سانتي متراً ، كاتبها محمد باقر بن ولي الاسترابادي ، تاريخ كتابتها في رجب سنة (١١٠٦) والنسخة محفوظة في مكتبة آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف ، وجعلت رمز النسخة «ن».

٣ ـ نسخة مطبوعة كاملة من أولها الى آخرها على هامش كتاب نور الأنوار للسيد نعمة الله الجزائري المطبوع سنة (١٣١٦) وجعلت رمز النسخة «ط».

٩

وقد بذلت الوسع في تصحيح الكتاب وعرضه على الأصول المنقولة عنها أو المصادر المأخوذة منها ، الا مالم أعثر عليه ، ولم آل جهداً في تنميقه وتحقيقه حق التحقيق.

لفت نظر :

أردو من العلماء الأفاضل الذين يراجعون الكتاب أن يتفضلوا علينا بما لديهم من النقد وتصحيح مالعلنا وقعنا فيه من الاخطاء والاشتباهات والزلات.

والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ، ونستغفره مما وقع من خلل وحصل من زلل ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وزلات أقدامنا وعثرات أقلامنا ، فهو الهادي الى الرشاد ، والموفق للصواب والسداد ، والسلام على من اتبع الهدى.

السيد مهدي الرجائي

١٢ / ١ / ١٤٠٦ ـ قم المشرفة

١٠

١١

١٢

ترجمة المؤلّف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

هو السيّد محمّد باقر ابن السيّد الفاضل المير شمس الدين محمّد الحسيني الاسترابادي الأصل ـ الشهير بـ«داماد» ، وكان والده المبرور ختن شيخنا المحقّق علي بن عبد العالي الكركي رحمه الله ، فخرجت هذه الدرّة اليتيمة من صدف تلك الحرّة الكريمة ، وطلعت هذه الطلعة الرشيدة من اُفق تلك النجمة السعيدة.

وكان سبب هذه المواصلة أنّ الشيخ الأجلّ علي بن عبد العالي رأى في المنام أمير المؤمنين عليه السلام وأنّه يقول له : زوّج بنتك من مير شمس الدين ، يخرج منها ولد يكون وارثاً لعلوم الأنبياء والأوصياء ، فزوّج الشيخ بنته منه ، وتوفّيت بعد مدّة قبل أن تلد ولداً ، فتحيّر الشيخ من ذلك وأنّه لم يظهر لمنامه أثر ، فرأى أمير المؤمنين عليه السلام مرّة اُخرى في المنام وهو عليه السلام يقول له : ما أردنا هذه الصبيّة بل البنت الفلانيّة فزوجّها إيّاه ، فولدت السيّد المحقّق المذكور.

وجه تلقّبه بالداماد :

لقّب والده الشريف للتعظيم هذه المواصلة بـ«الداماد» الذي هو بمعنى الختن بالفارسيّة ، ثمّ غلب عليه وعلى ولده من بعده ذلك اللقب الشريف ، ولقّب هو نفسه بذلك كما في بعض المواضع بهذه الصورة : «وكتب بيمناه الداثرة أحوج الخلق إلى الله الحميد الغني محمّد بن

١٣

محمّد يدعى باقر بن داماد الحسيني ختم الله له بالحسنى حامداً مصلّياً».

قال المتتبّع الخبير الميرزا عبد الله الأفندي في الرياض في أحوال الشيخ عبد العالي بن الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي : ثمّ هذا الشيخ خال السيّد الداماد المذكور ، فإنّ إحدى بنتي الشيخ علي الكركي كانت تحت الأميرزا السيّد حسن والد الأمير السيّد حسين المجتهد ، والاُخرى تحت والد السيّد الداماد هذا ، وقد حصل منها السيّد الداماد.

ولذلك يعرف الأمير باقر المذكور بالداماد ، لا بمعنى أنّه صهر ، ولا بمعنى أنّه هو بنفسه داماد الشيخ علي ، أعني صهره كما قد يظنّ ، بل والده.

فالسيّد الأمير محمّد باقر الداماد من باب الاضافة لا التوصيف ، ولذلك ترى السيّد الداماد حين يحكي عن الشيخ علي الكركي المذكور يعبّر عنه بالجدّ القمقام يعني جدّه الاُمّي. وبما أوضحنا ظهر بطلان حسبان كون المراد بالداماد هو صهر السلطان ، وكذلك ظنّ كون نفسه صهراً. (١)

الثناء عليه :

يوجد ثناء العلماء عليه في كثير من معاجم التراجم ، وكتب الرجال مشفوعة بالإكبار والتبجيل والإطراء :

قال السيّد علي خان في سلافة العصر : طراز العصابة ، وجواز الفضل سهم الإصابة ، الرافع بأحاسن الصفات أعلامه ، فسيّد وسند وعلم وعلّامة ، إكليل جبين الشرف وقلادة جيده ، الناطقة ألسن الدهور بتعظيمه وتمجيده.

باقر العلم ونحريره ، الشاهد بفضله تقريره وتحريره ، ووالله إنّ الزمان بمثله لعقيم ، وإنّ مكارمه لا يتّسع لبثها صدر رقيم ، وأنا بريء من المبالغة في هذا المقال ، وبرّ قسمي يشهد به كلّ وامق وقال ، شعر :

__________________

١. رياض العلماء : ٣ / ١٣٢.

١٤

وإذا خفيت على الغنى فعاذر

أن لا تراني مقلة عمياء

إن عدت الفنون فهو منارها الذي يهتدى به ، أو الآداب فهو مؤمّلها الذي يتعلّق بأهدابه ، أو الكرم فهو بحره المستعذب النهل والعلل ، أو النسيم فهو حميدها الذي يدبّ منه نسيم البرء في العلل ، أو السياسة فهو أمبرها الذي تجمّ منه الاُسود في الأجم ، أو الرياسة فهو كبيرها الذي هاب تسلّطه سلطان العجم.

وكان الشاه عبّاس أضمر له السوء مراراً وأمر له حبل غيلته امراراً ، خوفاً من خروجه عليه ، وفرقاً من توجّه قلوب الناس إليه ، فحال دونه ذو القوّة والحول ، وأبى إلّا أن يتمّ عليه المنّة والطول ، ولم يزل موفور العزّ والجاه ، مالكاً سبيل الفوز والنجاة حتّى استأثر ذو المنّة ، وتلا بـ(أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ). (١)

وقال تلميذه العارف قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب : السيد السند المحقّق في المعقول ، والمحقّق في المنقول ، سمّى خامس أجداده المعصومين مير محمّد باقر الداماد ، لا زال سعيه في كشف معضلات المسائل مشكوراً ، واسمه في صدر جريدة أهل الفضل مسطوراً :

علم عروس همه استاد شد

فطرت او بود كه داماد شد

ثمّ ذكر وجه التسمية : وقال : كان شكر الله سعيه ورفع درجته يصرّح النجابة بذكره ، ويخطب المعارف بشكره ، ولم يزل يطالع كتب الأوائل متفهّماً ، ويلقي الشيوخ متعلّماً ، حتّى يفوق في أقصر مدّة في كلّ من فنون العلم على كلّ أوحديّ أخصّ ، وصار في كلّ مآثره كالواسطة في النصّ :

عقليش از قياس عقل برون

نقليش از اساس نقل فزون

يخبر عن معضلات المسائل فيصيب ، ويضرب في كلّ ما ينتحله من التعليم بأوفى نصيب ، توحّد بإبداع دقائق العلوم والعرفان ، وتفرّد بفرائد أبكار لم يكشف قناع الإجمال عن جمال حقائقها إلى الآن ، فلقد صدق ما أنشد بعض الشعراء في شأنه :

__________________

١. سلافة العصر : ٤٧٧ ـ ٤٧٨.

١٥

به تخميرش يد الله چون فروشد

نم فيض آنچه بد در كار او شد

وقال تلميذه أيضاً صدر المتألّهين في شرح الاُصول الكافي : سيّدي وسندي واُستادي ، واستنادي في المعالم الدينيّة ، والعلوم الإلهيّة ، والمعارف الحقيقيّة ، والاُصول اليقينيّة ، السيّد الأجلّ الأنور ، العالم المقدّس الأطهر ، الحكيم الإلهي ، والفقيه الربّاني ، سيّد عصره ، وصفوة دهره ، الأمير الكبير ، والبدر المنير ، علّامة الزمان ، اُعجوبة الدوران ، المسمّى بـ«محمّد» ، الملقّب بـ«باقر الداماد الحسيني» قدّس الله عقله بالنور الربّاني. (١)

وقال الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل : عالم فاضل ، جليل القدر ، حكيم ، متكلّم ، ماهر في العقليّات ، معاصر لشيخنا البهائي ، وكان شاعراً بالفارسيّة والعربيّة ، مجيداً. (٢)

وقال الشيخ أسد الله الكاظمي في مقابس الأنوار : السيّد الهمام ، وملاذ الأنام ، عين الأماثل ، عديم المماثل ، عمدة الأفاضل ، منار الفضائل ، بحر العلم ، الذي لا يدرك ساحله ، وبرّ الفضل الذي لا تطوى مراحله ، المقتبس من أنواره أنواع الفنون ، والمستفاد من آثاره أحكام الدين المصون ، الفقيه المحدّث الأديب ، الحكيم الاصبهاني ، المتكلّم العارف الخائض في أسرار السبع المثاني ، الأمير الكبير. (٣)

وقال السيّد الخوانساري في روضات الجنّات : كان رحمه الله تبارك وتعالى عليه من أجلّاء علماء المعقول والمشروع ، وأذكياء نبلاء الاُصول والفروع ، متقدّماً بشعلة ذهنه الوقّاد ، وفهمه المتوقّد النقّاد ، على كلّ متبحّر اُستاد ، ومتفنّن مرتاد ، صاحب منزلة وجلال ، وعظمة وإقبال ، عظيم الهيبة ، فخيم الهيئة ، رفيع الهمّة ، سريع الجمّة ، جليل المنزلة والمقدار ، جزيل الموهبة والإيثار.

قاطناً بدار السلطنة إصبهان ، مقدّماً على فضلائها الأعيان ، مقرّباً عند السلاطين الصفويّة ، بل مؤدّبهم بجميل الآداب الدينيّة ، مواظباً للجمعة والجماعات ، مطاعاً لقاطبة

__________________

١. شرح الاُصول الكافي : ١٦.

٢. أمل الآمل : ٢ / ٢٤٩.

٣. مقابس الأنوار : ١٦.

١٦

أرباب المناعات ، إماماً في فنون الحكمة والأدب ، مطّلعاً على أسارير كلمات العرب ، خطيباً قلّ ما يوجد مثله في فصاحة البيان وطلاقة اللسان ، أديباً لبيباً فقيهاً نبيهاً عارفاً ألمعيّاً ، كأنّما هو إنسان العين وعين الإنسان. (١)

وقال الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين : فاضل ، جليل ، متكلّم ، حكيم ماهر في النقليّات ، شاعر بالعربيّة والفارسيّة. (٢)

وقال الشيخ المحدّث النوري في خاتمة المستدرك : العالم المحقّق ، النحرير السيّد السند ، النقّاد الخبير. (٣)

وقال الميرزا محمّد التنكابني في قصص العلماء ما هذا لفظه : «واين سيّد امام أنام ، وفاضل همام ، وعالم قمقام ، عين أماثل ، أكامل أفاضل ، ومعدوم المماثل ، ومنار فضائل وفواضل ، ودرياي بي ساحل ، علّامه فهامه است. ودر علم لغت گوي از ميدان صاحب قاموس وصحاح ربوده.

در علوم عربيّت حياظت علوم أرباب أدب نموده ، ودر فصاحت وبلاغت وانشاء وانشاد ونظم ونثر سرآمد أهل زمان ، ودر منطق وحكمت وكلام مسلّم علماء أعلام ، ودر حديث وفقه فائق بر همگان ، ودر علم رجال از أكامل رجال ، ودر علم رياضي به جميع أقسام متفرّد ووحيد در مقال ، ودر اُصول حلّال عويصات وأعضال ، ودر علم تفسير قرآن اُعجوبه زمان. (٤)

وقال الميرزا محمّد علي الكشميري في نجوم السماء ما هذا لفظه : مجمع شرافت وحذاقت ، ومرجع كلام وحكمت ، حامي دين وملّت. وحاوي فقه وشريعت بود. كافّه عقلاي ذوي الأفهام از خاصّ وعام معترف علوم وكمالات ودقائق وافادات اُويند ، تصانيف او مشتمل بر تحقيقات دقيقه وتدقيقات أنيقه مشهور ومعروف است. (٥)

__________________

١. روضات الجنّات : ٢ / ٦٢.

٢. لؤلؤة البحرين : ١٣٢.

٣. مستدرك الوسائل : ٣ / ٤٢٤.

٤. قصص العلماء : ٣٣٣.

٥. نجوم السماء في تراجم العلماء : ٤٦.

١٧

وغيرهم ممّا لا مجال لذكرهم.

ورعه وعبادته :

كان (رحمه الله تعالى) متعبّداً في الغاية ، مكثاراً من تلاوة كتاب الله المجيد ، بحيث ذكره بعض الثقات أنّه كان يقرأ كلّ ليلة خمسة عشر جزءاً من القرآن ، مواظباً على أداء النوافل ، لم يفته شيء منها منذ أن بلغ سنّ التكليف حتّى مات. مجدّاً ساعياً في تزكية نفسه النفيسة ، وتصفية باطنه الشريف ، حتّى اشتهر أنّه لم يضع جنبه على فراشه بالليل في مدّة أربعين سنة.

مكاشفاته :

ذكر قدّس سرّه في بعض المواضع أنّه كثيراً ما يودع جسده الشريف ويخرج إلى سير معارج الملكوت ، ثمّ يرجع إليه مكرهاً ، والله أعلم بحقيقة مراده ، وخبيئة فؤاده.

قال قدّس الله سرّه : كنت ذات يوم من أيّام شهرنا هذا ، وقد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول الله صلى الله عليه وآله شعبان المكرّم لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدّسه ، في بعض خلواتي أذكر ربّي في تضاعيف أذكاري وأورادي باسمه الغني فاُكرّر «يا غنيّ يا مغني» مشدوهاً بذلك عن كلّ شيء إلّا عن التوغّل في حريم سرّه والإمحاء في شعاء نوره ، فكان خاطفة قدسيّة قد ابتدرت إليّ فاجتذبتني من الوكر الجسدانيّ ، ففللت (١) حلق شبكة الحسّ ، وحللت عقد حبالة الطبيعة.

وأخذت أطير بجناح الورع في جوّ ملكوت الحقيقة ، فكأنّي قد خلعت بدني ، ورفضت عدني ، ومقوت خلدي ونضوت جسدي ، وطويت إقليم الزمان ، وصرت إلى عالم الدهر.

فإذا أنا في مصر الوجود بجماجم اُمم النظام الجملي من الإبداعيّات والتكوينيّات والإلهيّات والطبيعيّات والقدسيّات والهيولانيّات والدهريّات والزمنيّات ، وأقوام الكفر والإيمان وأرهاط الجاهليّة والإسلام من الدارجين والدارجات والغابرين والغابرات والسالفين والسالفات ، والعاقبات في الأزل والآباد.

__________________

١. في البحار : ففككت.

١٨

وبالجملة آحاد مجامع الإمكان وذوات عوالم الإمكان ، بقضّهام وقضيضها وصغيرها وكبيرها ثابتاتها وبايداتها حاليّاتها وأنياتها.

وإذا الجميع زقّة زقّة وزمرة زمرة ، بحشدهم (١) قاطبة معاً ، مولون وجوه مهيّاتهم شطر بابه سبحانه ، شاخصون بأبصار أنياتهم تلقاء جنابه جلّ سلطانه من حيث هم لا يعلمون ، وهم جميعاً بألسنة فقر ذواتهم الفاقرة وألسن فاقة هويّاتهم الهالكة في ضجيج الضراعة وصراخ الإبتهال ذاكروه وداعوه ومستصرخوه ومنادوه بـ«يا غني يا مغني» من حيث لا يشعرون.

فطفقت في تينك الضجّة العقليّة والصرخة الغيبيّة أخرّ مغشيّاً عليّ ، وكدت من شدّة الوله والدهش أنسى جوهر ذاتي العاقلة ، وأغيب عن بصر نفسي المجرّدة ، واُهاجر ساهرة أرض الكون ، وأخرج عن صقع قطر الوجود رأساً ، إذ قد ودعتني تلك الخلسة شيقاً حنوناً إليها ، وخلفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقاً لهوفاً عليها ، فرجعت إلى أرض التبار ، كورة البوار ، وبقعة الزور ، وقرية الغرور تارة اُخرى. (٢)

وقال نوّر الله مرقده : ومن لطائف ما اختطفته من الفيوض الربّانيّة بمنّه سبحانه ، وفضله جلّ سلطانه ، حيث كنت بمدينة الإيمان حرم أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله ، قم المحروسة ، صينت عن دواهي الدهر ونوائبها ، في بعض أيّام شهر الله الأعظم لعام الحادي عشر بعد الألف من الهجرة المباركة المقدّسة النبويّة ، أنّه قد غشيني ذات يوم سنة شبه خلسة وأنا جالس في تعقيب صلاة العصر تاجه تجاه القبلة.

فأريت في سنتي نوراً شعشعانيّاً على أبهة صوانيّة في شبح هيكل إنساني مضطجع على يمينه ، وآخر كذلك على هيأة عظيمة ، ومهابة كبيرة في بهاء ضوء لامع ، وجلاء نور ساطع جالساً من وراء ظهر المضطجع ، وكأنّي أنا دار من نفسي أو أدراني أحد غيري أنّ المضطجع

__________________

١. في البحار : بحزبهم.

٢. البحار : ١٠٩ / ١٢٥ وهو رسالته المعروف بالخلعيّة.

١٩

مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وتسليماته عليه ، والجالس من وراء ظهره سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأنا جاثّ على ركبتي وجاه المضطجع قبالته وبين يديه وحذاء صدره ، فأراه صلوات الله عليه وآله متبسّماً في وجهي ، ممرّاً يده المباركة على جبهتي وخدّي ولحيتي ، كأنّه متبشّر مستبشر لي منفّس عني كربتي ، جابر انكسار قلبي مستنفض بذلك عن نفسي حزني وكآبتي ، وإذا أنا عارض عليه ذلك الحرز على ما هو مأخوذ سماعي ومحفوظ جناني فيقول لي هكذا إقرأ واقرأ هكذا : محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله أمامي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فوق رأسي ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله عن يميني ، والحسن والحسين وعلي ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعلي والحسن والحجّة المنتظر أئمّتي صلوات الله وسلامه عليهم عن شمالي ، وأبوذرّ وسلمان والمقداد وحذيفة وعمّار وأصحاب رسول الله صلّى اله عليه وآله من ورائي ، والملائكة عليهم السلام حولي ، والله ربّي تعالى شأنه وتقدّست أسماؤه محيط بي وحافظي وحفيظي ، والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

وإذ قد بلغ بي التمام فقال سلام الله عليه : كرّر ، فقرأ وقرأت عليه بقراءته صلوات الله عليه ، ثمّ قال : أبلغ ، وأعاد عليّ ، وهكذا كلّما بلغت منه النهاية يعيده عليّ بقراءته صلوات الله عليه ، ثمّ قال : أبلغ وأعاد عليّ ، وهكذا كلّما بلغت منه النهاية يعيده عليّ إلى حيث حفظته ، فانتبهت من سنتي متلهّفاً عليها إلى يوم القيامة. (١)

كلماته القصار :

لد قدّس سرّه القدّوسيّ كلمات قصار في النصائح والمواعظ ، وهي : قال : أخلص معاشك لمعادك ، واجعل مسيرك في مصيرك ، وتزوّد ممّا تؤتاه زادك ، ولا تفسد بمتاع الغرور فؤادك ، ولا تهتمّ برزقك ، ولا تغتمّ في طسقك ، فالذي يبقيك يرزقك ، ونصيبك

__________________

١. دار السلام للمحدّث النوري : ٢ / ٥٢ ـ ٥٣.

٢٠