🚘

الحدائق الناضرة - ج ٢١

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الحدائق الناضرة - ج ٢١

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الطاهرين

كتاب الضمان

اعلم أن الضمان عند الفقهاء لفظ مشترك يطلق على معنيين أحدهما أخص من الأخر والمعنى الأعم عبارة عن عقد شرع للتعهد بمال أو نفس ، والتعهد بالنفس هو الكفالة والتعهد بالمال ان كان ممن في ذمته مال فهو الحوالة والا فهو الضمان بالمعنى الأخص الا ان في هذا المقام اشكالا من حيث الخلاف في الحوالة ، وأنه هل يشترط فيها شغل الذمة أم لا قولان : والأقسام الثلاثة انما تتم بناء على الأول وأما على الثاني فهي داخلة في الضمان بالمعنى الأخص. والمحقق في الشرائع مع قوله بعدم اعتبار شغل لذمة المحال عليه للمحيل قائل بالتقسيم إلى الأقسام الثلاثة ، وهو جعل الحوالة قسيما للضمان بالمعنى الأخير وهو مشكل لما عرفت ولا مخرج من هذا الإشكال إلا بجعل التقسيم مخصوصا بمحل الوفاق ، أو باعتبار القسم الأخر للحوالة ، وهو ـ تعهد مشغول الذمة للمحيل ، فيكون هو أحدا للأقسام الثلاثة خاصة ، ويكون القسم المشترك ذا جهتين من حيث تسميته هنا ضمانا خاصا وحوالة ، فيسهل الخطب بذلك.

٣

وكيف كان فالمراد هنا عندنا بالضمان هو المعنى الأخص وهو التعهد بالمال من البري‌ء والمتبادر من إطلاق لفظ الضمان في كلامهم هو المعنى الأخص ولذا ان جملة منهم أفراد لكل من الثلاثة كتابا على حده وبعض لاحظ المعنى الأعم ، وجعل الثلاثة في كتاب واحد ، وقسمه الى الأقسام الثلاثة كالمحقق في الشرائع ، والعلامة في الإرشاد وغيرهما في غيرهما ، وعلى هذا النهج جرينا في هذا الكتاب ، وحينئذ فالبحث في هذا الكتاب يقع في مقاصد ثلاثة

الأول في الضمان بالمعنى الأخص وهو التعهد بالمال من البري‌ء وفيه بحوث ثلاثة : الأول ـ في الضامن : والكلام فيه يقع في مواضع ، أحدها ـ لا خلاف في أنه يشترط في الضامن جواز التصرف المالي ، فلا يصح ضمان الصبي ولا المجنون ، بل الغافل والساهي أيضا ، والظاهر أنه لا خلاف فيه كما ذكره بعضهم ، والظاهر أن السفيه المحجور عليه لسفهه كذلك ، وبه صرح في التذكرة وغيرها.

وأما المملوك فان ضمن بغير اذن سيده ففي صحته قولان : أحدهما ـ وبه قطع المحقق في الشرائع من غير نقل خلاف ـ العدم ، وهو قول الشيخ وابن الجنيد ، واستدلوا عليه بأن العبد لا يقدر على شي‌ء ـ كما وصفه الله تعالى (١) وذمته مملوكة للمولى ، فلا يملك إثبات شي‌ء فيها إلا باذنه.

وقيل : بالصحة ، واختاره العلامة في المختلف ، وقربه في التذكرة ، وعلل بانتفاء الضرر على المولى ، لان استحقاق المطالبة له بما يستقر في ذمته بعد العتق لا ضرر فيه ، كما لو استدان بغير اذن سيده ، وأجاب في المختلف عن الآية بأن المراد بالشي‌ء المال ، لقوله في مقابلته : ـ «وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً» والمسألة محل توقف واشكال ، وان كان ضمانه باذن سيده ، فإنه يصح إجماعا كما ذكره العلامة في المختلف.

__________________

(١) سورة النحل الآية ٧٥.

٤

لكن بقي الكلام في أنه لو أطلق له الاذن ولم يشترط له الأداء من كسبه ، ولا الصبر الى أن يعتق ، فهل يتعلق بذمته أم بكسبه ، قولان : قال في المبسوط : قيل : انه يتعلق بكسبه ، وقيل : انه يتعلق بذمته ، وان عينه في ذمته أو كسبه أو غيرهما من أمواله تعين ، ووجب قضاؤه ، ولم يرجح الشيخ هنا شيئا من القولين المذكورين ، وعلل القول الأول بأن إطلاق الضمان أعم من كل منهما ، والعام لا يدل على الخاص ، فلم يقع من المولى ما يدل على التزامه في ملكه ، وكسبه ملكه ، ولأن الاذن في الكلي ليس إذنا في الجزئي المعين ، وان كان لا يوجد إلا في ضمنه كما حقق في الأصول ، وعلل القول الثاني بأنه انما يتعلق بكسبه ، لأن إطلاق الضمان انما يحمل على الضمان الذي يستعقب الأداء ، فإنه المعهود ، والأداء من غير مال السيد يمتنع ، وكذا في مال غير الكسب ، والا لكان هو الضامن لا العبد ، وهو خلاف التقدير فيكون في كسبه ، قال في المسالك : والبحث في ذلك قريب مما لو أذن له في الاستدانة فينبغي ترتب قول ثالث ، وهو ان الضمان يتعلق بالمولى ولا يختص بكسب العبد ، ولعله أقوى. انتهى.

أقول : هذا القول الثالث مستقر على حمله هذه المسألة على مسألة الاذن في الاستدانة ، فإنه لا إشكال في كون ذلك على السيد ، سواء كان الاستدانة للعبد أو السيد كما تقدم تحقيقه في كتاب الديون ، وحينئذ فيتجه هنا هذا القول الثالث بناء على ذلك ، وهو قريب من حيث الاعتبار ، لأن الاذن في الضمان في معنى الاذن في الاستدانة ، الا أن المسألة لخلوها من النص بجميع شقوقها محل اشكال. والله العالم.

الثاني ـ هل يشترط علم الضامن بالمضمون له ، والمضمون عنه ، ومعرفتهما بنسبهما أو وصفهما ، قيل : نعم ، وقيل : لا يشترط ، وقيل : يشترط معرفة المضمون عنه دون معرفة المضمون له ، والقول الأول ـ للشيخ في المبسوط ، والثاني له أيضا في الخلاف ، وهو اختيار المحقق في الشرائع ، والشهيد ، والعلامة في غير المختلف ، والشهيد الثاني في المسالك وجماعة ، والثالث للعلامة في المختلف ، وعلى القول

٥

الثاني فإنه وان لم يشترط المعرفة على الوجه المتقدم ، لكن يشترط عندهم ان يمتاز المضمون عنه عند الضمان بما يصح معه القصد الى الضمان عنه.

استدل العلامة في المختلف على اشتراط معرفة المضمون عنه قال : لنا ان المضمون عنه لا بد وأن يتميز عند الضامن ، ويتخصص عن غيره ليقع الضمان عنه ، وذلك يستدعي العلم به.

وما رواه أبو سعيد الخدري (١) «قال كنا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في جنازة فلما وضعت قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله) : هل على صاحبكم من دين؟ قالوا : نعم ، درهمان ، فقال : صلوا على صاحبكم ، فقال على (عليه‌السلام) : هما على يا رسول الله وأنا لهما ضامن ، فقام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فصلى عليه ، ثم أقبل على على فقال : جزاك الله عن الإسلام خيرا ، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك».

وروى جابر بن عبد الله (٢) «أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) كان لا يصلى على رجل عليه دين فأتي بجنازة فقال : هل على صاحبكم دين؟ فقالوا : نعم ديناران ، فقال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة هما على يا رسول الله قال : فصلى عليه فلما فتح الله على رسوله ، قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن ترك مالا فلورثته ، ومن ترك دينا فعلى».

وهما يدلان على صحة الضمان مع عدم العلم بالمضمون له ، ثم قال : احتج الشيخ في الخلاف بالحديثين ، «فإن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله» لم يسأل عليا (عليه‌السلام) ولا أبا قتادة عن صاحب الدين ولا الميت ، فلا يشترط علمهما وعلى قوله في المبسوط بأنه يشترط معرفة المضمون له ليعرف هل هو سهل المعاملة أم لا ، ومع انتفاء ذلك يتطرق الغرر ، ومعرفة المضمون عنه لينظر هل يستحق بذلك عليه أم لا.

__________________

(١) الوسائل ج ١٣ ص ١٥١ الباب ٣ من أبواب أحكام الضمان الرقم ٢.

(٢) الوسائل ج ١٣ ص ١٥١ الباب ٣ من أبواب أحكام الضمان الرقم ٣.

٦

ثم قال : والجواب عن الأول القول بالموجب في المضمون له ، وأما المضمون عنه فإنه متعين لتشخصه ، وحضوره عنده ، ولا يشترط علمه بنسبه ولا حاله ، والغرر ليس بمعتبر ، إذ لا يشترط علمه حال الضمان بحسن معاملة المضمون له وعدمه ، وان علمه بعينه إجماعا فلو كان الغرر معتبرا كان العلم بهذه الوصف شرطا ، وليس كذلك بالإجماع انتهى.

أقول : وبذلك علم حجج هذه الأقوال المذكورة في المقام ، وهي عند التحقيق لا اعتماد عليها في تأسيس الأحكام ، أما قوله لنا : ان المضمون عنه الى آخره ، ففيه أولا أنه مصادرة محضة ، لأن هذا عين المدعى ، ومع تسليمه فإنه يكفي التميز بوجه ما ، كما اعترف به القائلون بعدم الاشتراط بالنسبة إلى المضمون عنه ، وبه يظهر ضعف قوله وذلك يستدعي العلم به.

وأما الخبران المذكوران فإنهما وان ذكرهما الشيخ في الخلاف ، الا أن الظاهر أنهما من روايات العامة ، فإنهم كثيرا ما يستسلفون رواياتهم ، ولا سيما الشيخ في الكتاب المذكور ، فلا تقوم بهما حجة ، ومع تسليم صحتهما فهما بالدلالة على العدم ـ في كل من المضمون له ، وعنه ـ أقرب ، كما ذكره الشيخ في الخلاف ، حيث استدل بهما على ذلك بالتقريب الذي تقدم نقله عنه. (١)

وأما ما استدل به الشيخ في المبسوط فهو أظهر ضعفا من أن يتعرض لبيانه ،

__________________

(١) أقول : هذان الخبران وان لم ينقلا في كتب أخبارنا ، لكن في بعض الاخبار ، ما يشير الى ذلك ، كصحيحة معاوية بن وهب قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام) : أنه ذكر لنا أن رجلا من الأنصار مات وعليه ديناران دينا فلم يصل عليه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وقال : صلوا على صاحبكم حتى ضمنهما عنه بعض قرابته فقال أبو عبد الله (عليه‌السلام) ذلك الحق ، ثم قال ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) انما فعل ذلك ليتعظوا وليرد بعضهم على بعض ، ولئلا يستخفوا بالدين. الحديث. الوسائل ج ١٣ ص ٧٩ الباب ٢ من أبواب الدين والقرض الرقم ـ ١. وقد تقدم في صدر كتاب الدين ـ منه رحمه‌الله.

٧

ولو صح بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات الواهية لاتسع المجال والكلام في تشريع الأحكام مع استفاضة النصوص عن ذوي الخصوص بالمنع من القول فيها الا بما ورد عنهم (عليهم‌السلام) والا فالسكوت ، وما أجاب به في المختلف عن حجة المبسوط ـ بالنسبة إلى المضمون عنه بأنه متعين لتشخصه وحضوره عنده ـ انما يتم بالنسبة إلى مورد الخبرين ، والمدعى أعم من ذلك.

وبالجملة فإن الاعتماد في تأسيس الأحكام على مثل هذا الكلام مجازفة محضة في أحكام الملك العلام ، والعجب منهم (رضوان الله عليهم) أنهم يطعنون في الاخبار المتفق على روايتها في الأصول المشتهرة المتعمدة ، بناء على الاصطلاح المحدث ، ويعولون هنا على نقل هذه الروايات الواهية التي هي كبيت العنكبوت ، وأنه لأوهن البيوت مضاهية.

وبذلك يظهر لك أن الأصح من هذه الأقوال هو القول بعدم الاشتراط مطلقا ، ومما يدل صريحا على عدم معرفة المضمون له ما رواه في الكافي عن فضيل وعبيد (١) عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «لما حضر محمد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم فقال لهم : لقد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم ، وعلى دين فأحب أن تقضوه عنى ، فقال على بن الحسين (عليهما‌السلام) ثلث دينك على ، ثم سكت وسكتوا ، فقال على بن الحسين (عليهما‌السلام) على دينك كله ، ثم قال على بن الحسين (عليهما‌السلام) أما انه لم يمنعني أن أضمنه أولا إلا كراهة أن يقولوا : سبقنا».

وهذا الخبر كما أنه يدل على عدم اشتراط معرفة المضمون له ، كذلك يدل على عدم اشتراط معرفة قدر الدين ، وسيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى ، والأصحاب القائلون بعدم الاشتراط مطلقا عللوا عدم اعتبار العلم بالمضمون عنه بأن الضمان وفاء دين عنه ، وهو جائز عن كل مديون.

وأما المضمون له فان اعتبر فيه القبول لفظا كما هو مقتضى العقد اللازم ،

__________________

(١) الكافي ج ٨ ص ٣٣٢ ح ٥١٤ ، الوسائل ج ١٣ ص ١٥١.

٨

اقتضى ذلك تميزه وان لم يعتبر ، فإنه لا يعتبر العلم به.

أقول : الأظهر في الاستدلال على ذلك هو التمسك بأصالة العدم حتى يقوم دليل على الاشتراط في المضمون عنه ، أو المضمون له.

وأما اعتبار القبول وأنه لا بد من عقد يشتمل عليه فقد عرفت من الخبر المذكور ما يدفعه ، فإنه (عليه‌السلام) بمجرد اخبار محمد المذكور أن عليه دينا ضمنه من غير فحص ، ولا علم بصاحب الدين بالكلية ، ولا علم بقدر الدين ، وكذلك يؤيده الخبران المتقدمان هذا.

وأما ما ذكره القائلون بهذا القول ـ من اشتراط امتياز المضمون عنه عند الضامن ليصح معه القصد الى الضمان عنه كما قدمنا نقله عنهم.

فقيل : ان وجهه أن الضمان يتوقف على القصد ، وهو متعلق بالمضمون عنه والحق ، فلا بد من تميزه بوجه تزول عنه الجهالة ليمكن القصد اليه.

وأورد عليه بأنه يشكل بمنع توقف القصد على ذلك ، فان المعتبر القصد الى الضمان ، وهو التزام المال الذي يذكره المضمون له في الذمة ، وهو غير متوقف على معرفة من عليه الدين ، والدليل انما دل على اعتبار القصد في العقد ، لا في من كان عليه الدين ، فلو قال شخص مثلا : انى استحق في ذمة شخص مأة درهم ، فقال له آخر : ضمنتها لك ، كان قاصدا الى عقد الضمان ، على أى من كان الدين عليه ، ولا دليل على اعتبار ما زاد عن ذلك.

والى ذلك مال في التذكرة حيث قال : «وهل يشترط معرفة ما يميزه عن غيره؟ الأقرب العدم ، بل لو قال : ضمنت الدين الذي لك على من كان من الناس جاز. نعم لا بد من معرفة المضمون عنه بوصف يميزه عند الضامن ، بما يمكن القصد معه الى الضمان عنه ، لو لم يقصد الضمان عن أى من كان. انتهى.

أقول : ما حكموا به من صحة الضمان وثبوته في هذه الصورة بمعنى على أى من كان من الناس لم أقف فيه على نص يدل عليه ، أو يشير اليه ، والمفهوم من الروايات

٩

الواردة في هذا الباب انما هو اعتبار معرفة المضمون عنه ولو بوجه ما ، والحكم بالصحة فيما ذكروه يتوقف على الدليل ، لأن الأصل براءة الذمة ، والحكم باشتغالها يحتاج الى دليل واضح ، والركون الى هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة كما عرفت ، ودعوى العموم في بعض روايات الضمان ـ على وجه يشمل هذه الصورة ـ ممنوعة ، وبذلك يظهر أن الأظهر في الاحتجاج على اعتبار ذلك انما هو كونه هو الوارد في النصوص ، لا ما عللوا به من القصد الذي تطرقت اليه هذه المناقشة. والله العالم.

الثالث ـ المشهور عند الأصحاب اشتراط رضا المضمون له في صحة الضمان ، وعللوه بأن حقه يتحول من ذمة غريمه إلى ذمة الضامن ، والناس يختلفون في حسن المعاملة وسهولة القضاء ، فلو لم يعتبر رضاه لزم الضرر والغرر ، ونقل عن الشيخ قول بعدم اشتراط رضاه ، محتجا بأن عليا (عليه‌السلام) وأبا قتادة ضمنا الدين عن الميت ، ولم يسأل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) عن رضا المضمون له ، وأجيب بأنها واقعة لا عموم لها ، وأن ذلك انما يدل على عدم بطلان الضمان قبل علمه ورده ، ونحن نقول بموجبه ، لانه صحيح ، ولكن لا يلزم الا برضا المضمون له.

أقول : والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه ثقة الإسلام والشيخ نور الله تعالى مرقديهما عن عبد الله بن سنان (١) في الصحيح «عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء ، فقال : إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمة الميت».

ورواه في الفقيه (٢) عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) مثله ، والحسن بن صالح زيدي ضعيف ، والخبر المذكور ظاهر في الدلالة على القول المشهور ، وبه استدل جملة من أصحابنا المتأخرين من غير أن ينقلوا له معارضا في ذلك ، مع وجود المعارض في الاخبار ، بل تعدده كما

__________________

(١) التهذيب ج ٦ ص ١٨٧ ح ١٧ وفروع الكافي ج ٥ ص ٩٩ ح ٢.

(٢) الفقيه ج ٣ ص ١١٦ ح ٣٣.

١٠

ستقف عليه.

ومثل هذا الخبر قول الرضا (عليه‌السلام) في كتاب فقه الرضوي (١) حيث قال (عليه‌السلام): «وان كان لك على رجل مال ، وضمنه رجل عند موته وقبلت ضمانه فالميت قد برء وقد لزم الضامن رده عليك».

ومنها ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن إسحاق بن عمار (٢) عن أبى ـ عبد الله (عليه‌السلام) في الرجل يكون عليه دين فحضره الموت فيقول وليه : على دينك قال : يبرئه ذلك ، وان لم يوفه وليه من بعده ، وقال : أرجو أن لا يأثم ، وانما إثمه على الذي يحبسه ،.

وما رواه في الكافي والتهذيب عن الحسين بن الجهم في الموثق قال : «سألت أبا الحسن (عليه‌السلام) عن رجل مات وله على دين ، وخلف ولدا رجالا ونساءا وصبيانا ، فجاء رجل منهم فقال : أنت في حل مما لأبي عليك من حصتي وأنت في حل مما لإخوتى وأخواتي ، وأنا ضامن لرضاهم عنك ، قال : تكون في سعة من ذلك وحل ، قلت فان لم يعطهم؟ قال : كان ذلك في عنقه ، قلت : فان رجع الورثة على فقالوا : أعطنا حقنا ، فقال : لهم ذلك في الحكم الظاهر ، فأما بينك وبين الله عزوجل فأنت منها في حل إذا كان الرجل الذي أحل لك يضمن لك عنهم رضاهم فيحتمل الضامن لك» الحديث (٣).

والخبران المذكوران ظاهرا الدلالة ، صريحا المقالة ، ولا سيما الثاني في صحة الضمان ولزومه ، من غير توقف على رضا المضمون له ، فإن الثاني صريح في أنه مع عدم الرضا ، فان الضمان لازم ، وقد ذكرنا في هذا الخبر جملة من الفوائد

__________________

(١) المستدرك ج ٢ ص ٤٩١.

(٢) التهذيب ج ٦ ص ١٨٨ ح ٢٢.

(٣) فروع الكافي ج ٧ ص ٢٥ كتاب الوصايا ح ٧ ، وفي التهذيب ج ٩ ص ١٦٧ كتاب الوصايا ح ٢٨ ـ إذا كان الرجل الذي حللك يضمن عنهم رضاهم فيحتمل لما ضمن لك ، وفي الوسائل ج ١٣ ص ١٥٢ الباب ـ ٤ ـ من أبواب أحكام الضمان ـ إذا كان الرجل الذي حللك يضمن عنهم رضاهم فيحمل لما ضمن لك.

١١

الزائدة على محل الاستدلال في كتاب الديون.

ويدل على ذلك أيضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن حبيب الخثعمي والصدوق في الفقيه عن ابن ابى عمير عن حبيب الخثعمي عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «قلت له : الرجل يكون عنده المال وديعة يأخذ منه بغير اذن صاحبه قال : لا يأخذ الا أن يكون له وفاء قال : قلت أرأيت ان وجدت من يضمنه ولم يكن له وفاء وأشهد على نفسه الذي يضمنه يأخذ منه؟ قال : نعم». (١).

وهو كما ترى أيضا ظاهر في صحة الضمان من غير اشتراط رضا المضمون له ، والمراد من الخبر أن الضامن أشهد على نفسه بأنه ضامن ، وينبغي تقييده بملائة الضامن أيضا ، وحمله على ذلك.

ولم أقف على من تعرض لنقل هذه الاخبار في المقام ، فضلا عن الجواب عنها سوى صاحب الكفاية ، فإنه نقل موثقة إسحاق بن عمار ، وأجاب عنها بأنها تضعف عن مقاومة الخبر الصحيح المعتضد بالشهرة بين الأصحاب ، وهو كما ترى ، مع أن المخالفة غير منحصرة في الموثقة المذكورة كما عرفت ، والمسألة عندي محل توقف واشكال ، لعدم معلومية ما يجمع به بين هذه الاخبار. (٢)

__________________

(١) (في الوسائل ج ١٣ ص ٢٣٢ كتاب الوديعة الباب ـ ٨ ـ قال : قلت. بغير اذن فقال. أرأيت ان وجد من. إلخ) ـ (وفي من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ١٩٤ ح ٤) ـ (وفي التهذيب ج ٧ ص ١٨٠ ح ٥ كتاب الوديعة).

(٢) والعجب من المحدث الكاشاني في المحجة حيث أنه ممن اختار القول المشهور فقال : ـ بعد ذكر المسألة خلافا للشيخ في أحد قوليه للخبر ـ وهو قاصر الدلالة ، والظاهر أنه أشار بالخبر إلى موثقة إسحاق بن عمار ولا أدرى بما أراد من قصور الدلالة مع أنها واضحة الدلالة على القول المذكور فان ظاهرها أنه بمجرد قول وليه على دينك ، تبرأ ذمة المضمون عنه من الدين ، وتنتقل إلى ذمة الولي المذكور ، من غير توقف على العلم بالمضمون له ، فضلا عن رضاه بذلك ، وأخرج منها رواية الحسين بن الجهم كما عرفت. منه رحمه‌الله.

١٢

ثم انه بناء على القول المشهور من اشتراط رضا المضمون له فهل المعتبر مجرد رضاه كيف اتفق ولو مع التراخي؟ أم لا بد من كونه بصيغة القبول ، قولان : استجود في المسالك الثاني ، قال : لانه عقد فلا بد فيه من القبول ، ولأصالة بقاء ما كان من شغل ذمة المضمون عنه وسلامة ذمة الضامن ، وانتفاء حق المضمون له الى أن يتحقق المزيل ، وحينئذ فيعتبر فيه ما يعتبر في سائر العقود من التواصل المعهود بين الإيجاب والقبول ، وكونه بلفظ الماضي واللفظ العربي ، لأنه من العقود اللازمة.

ثم قال : ووجه العدم قصة على (عليه‌السلام) وأصالة عدم الاشتراط ، ومخالفته لغيره من العقود المملكة ، لأن الضمان لا يثبت ملكا جديدا وانما يتوثق به الدين الذي كان مملوكا ، وفيه ان استحقاق المضمون له عند الضامن حقا ضرب من التملك ثم ينتقض بالرهن ، فإنه فائدته التوثق مع اشتراطه فيه انتهى.

أقول جميع ما ذكره وأطال به لا يخرج عن مجرد الدعوى ، ولم أره استند الى دليل يدل عليه ولا برهان يلجأ اليه الا التمسك بأصالة بقاء شغل ذمة المضمون عنه ، وعدم شغل ذمة الضامن ، وفيه أنه وان كان الأمر كذلك لكن يجب النظر في الدليل المخرج عن ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار ، لا مجرد الدعاوي العارية عن الاعتبار.

وأنت خبير بأنه لم يرد في الاخبار مما يدل على اشتراط رضا المضمون له الا صحيحة عبد الله بن سنان ، وقوله «فيها إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمة الميت» وظاهرها بل صريحها هو توقف ذلك على ما يدل على الرضا بأي لفظ كان ، بل بغير لفظ أيضا ، وفي معناها عبارة كتاب الفقه الرضوي ، ومن أين يفهم من ذلك اشتراط كونه عقدا مشتملا على الإيجاب والقبول بهذه الاعتبارات التي أطال بها ، مضافا إلى ما عرفته في كتاب البيع من عدم دليل على هذه الأمور المذكورة ، بل قيام الدليل على خلافها ، وهو ممن وافق على ذلك ثمة ، على أنك قد عرفت من الروايات الثلاث التي أوردناها أنه يكفى في حصول الضمان ـ وانتقال المال إلى ذمة الضامن ـ قوله

١٣

«على دينك أو أنا ضامن لرضاهم عنك» ، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على ذلك ، وبالجملة فإن كلامه هنا بمحل من الضعف الذي لا يخفى على المصنف والله العالم.

الرابع : ظاهر جملة من الأصحاب أن رضى المضمون عنه غير شرط في صحة الضمان ، بل يظهر من المسالك أن ذلك موضع وفاق ، حيث قال بعد قول المصنف : ـ ولا عبرة برضا المضمون عنه ، لان الضمان كالقضاء ، هذا موضع وفاق ، ولأن أداء الدين كما يجوز بغير اذنه فالتزامه في الذمة أولى ، ولصحة الضمان عن الميت كما مر في واقعة المصلى عليه ولا يتصور رضاه. انتهى.

وأشار بالواقعة المذكورة إلى حديثي على (عليه‌السلام) وأبى قتادة المتقدمين.

أقول : ما نقله هنا من الاتفاق على الحكم المذكور ينافيه ما نقله في المختلف عن الشيخ أنه قال في النهاية : متى تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه ، وقبل المضمون له ضمانه ، فقد برء عهدة المضمون عنه ، الا أن ينكر ذلك ويأباه ، فيبطل ضمان المتبرع ، ويكون الحق على أصله لم ينتقل عنه بالضمان ، ثم نقل عن ابن البراج أنه قال : إذا تبرع انسان بضمان حق ثم أنكر المضمون عنه ذلك كان الحق باقيا في جهته ، لم ينتقل الى المتبرع بضمان ذلك ، قال : وهذا يوافق قول الشيخ من اعتبار رضى المضمون عنه في الضمان ، وبه قال ابن حمزة ، وهو قول شيخنا المفيد رحمه‌الله في المقنعة ، ثم نقل عن ابن إدريس أنه لا يعتبر رضى المضمون عنه ، بل يلزم الضمان مع رضى الضامن والمضمون له ، قال : وهو مذهب والدي رحمه‌الله ، ثم استدل على ذلك فقال : لنا قوله (عليه‌السلام) (١) «الزعيم غارم». وما رواه داود الرقي (٢) في الصحيح عن الصادق (عليه‌السلام) قال : مكتوب في التوراة «كفالة ندامة غرامة». ولانه كالقضاء فلا خيار له كما لو قضى عنه. انتهى

ومنه يظهر ما في دعوى الاتفاق مع ظهور خلاف هؤلاء الأجلاء والقائلون

__________________

(١) المستدرك ج ٢ ص ٤٩٧.

(٢) الوسائل ج ١٣ الباب ٧ من أبواب الضمان ص ١٥٥ ح ٥.

١٤

بعدم اشتراط رضى المضمون عنه ، قالوا : تفريعا على ذلك : بأنه لو أنكر المضمون عنه بعد الضمان لم يبطل الضمان ، وعللوه بأنه لا أثر له ، فإنه إذا لم يعتبر رضاه ابتداء فلا عبرة بإنكاره بعده ، ثم نقلوا هنا خلاف الشيخ وجماعة حيث حكموا ببطلانه بعد إنكاره ، وردوه بأنه ضعيف جدا.

أقول : ان الشيخ انما حكم هنا ببطلان الضمان بالإنكار تفريعا على قوله باشتراط رضى المضمون عنه في صحة الضمان ، مع أنهم لم ينقلوا خلافه هناك ، بل ادعوا الاتفاق ، وهو يشعر بموافقة الشيخ لهم في تلك المسألة ، وتخصيص مخالفته بهذه ، ومن ثم نسبوه الى كونه ضعيفا جدا.

وأنت خبير بأنا لم نجد لهم دليلا شافيا على ما ادعوه من عدم اشتراط رضى المضمون عنه في صحة الضمان ، الا ما يذكرونه من جواز أداء الدين عنه بغير رضاه ، وغاية ما يستند اليه هنا في أداء الدين حديث الضمان عن الميت ، حيث أنه لا يتصور الرضا أو عدمه من الميت.

وما ادعوه من جواز أداء الدين عن الحي وبراءة ذمته مع عدم رضاه بذلك لم نقف له على دليل ومع وجود الدليل عليه فحمل الضمان على ذلك قياس ، وان كان مما يرجع اليه بنوع من الاعتبار والاستناد الى الضمان عن الميت أو الأداء عنه غير دال على ما نحن فيه ، لظهور الفرق بين الحي والميت ، فهو قياس مع الفارق ، وما ذكره العلامة من الدليل عليل لا يهدى الى سبيل وبالجملة فالمسألة لما عرفت محل اشكال.

الخامس : الظاهر أنه لا خلاف في أنه متى تحقق الضمان على الوجه المعتبر شرعا انتقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن ، وبرء المضمون عنه من حق المضمون له ، وانما يبقى الحق في ذمة الضامن إذا كان الضمان باذنه دون ما إذا كان تبرعا وخالف كافة العامة في ذلك حيث قالوا : بان الضمان غير ناقل ، وانما هو ضم ذمة إلى ذمة ، فللمضمون له مطالبة من شاء من الضامن والمضمون عنه.

١٥

ويدل على القول المذكور مضافا الى اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) ، صحيحة عبد الله بن سنان ، وموثقة إسحاق بن عمار ، وموثقة الحسين بن الجهم المتقدمات ، فإنها صريحة في خلو ذمة المضمون عنه ، وانتقال المال إلى ذمة الضامن ، فعلى هذا لو أبرأ المضمون له ذمة المضمون عنه لم يفد شيئا ، بل كان لغوا وذلك لأنك قد عرفت أنه بالضمان انتقل المال إلى ذمة الضامن ، وبرئت ذمة المضمون عنه من حق المضمون له ، فهذا الإبراء لم يصادف محلا لانه غير مشغول الذمة له.

نعم لو أبرأ ذمة الضامن برئا جميعا ، أما الضامن فلانه مشغول الذمة له ، فإذا أبرئه برئت ذمته ، وأما المضمون عنه فلان الضامن لا يرجع عليه الا بما أداه عنه ، وهو هنا لم يؤد عنه شيئا ، فلا يرجع إليه بشي‌ء ، وخالف الجمهور في ذلك ، فقالوا : ان كل واحد من الضامن والمضمون عنه ذمته مشغولة ، فإذا أبرأ المضمون له المضمون عنه فقد أبرأ الضامن ، لسقوط الحق كما لو أدى المال ، ولو أبرأ الضامن لم يبرء المضمون عنه ، لان الضامن عندهم كالوثيقة فلا يلزم من سقوطها سقوط الدين كفك الرهن.

والحكم المذكور اتفاقي بين أصحابنا كما ذكره في التذكرة : حيث ادعى إجماع علمائنا على ذلك ، والمحقق في الشرائع نسبه إلى قول مشهور ، وربما كان فيه اشعار بوجود مخالف منا ، أو إشارة الى عدم تحقق الإجماع المدعى.

السادس : قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يشترط في الضامن الملاءة أو العلم بإعساره والمراد انه شرط في اللزوم لا في الصحة فلو ضمن ثم بان إعساره كان للمضمون له الفسخ ، قالوا : لان عقد الضمان مبنى على الارتفاق ، والقصد منه استيفاء الدين من الضامن ، وانما يكون ذلك إذا أمكن الأداء بإيساره ، فإذا فات هذا المقصود ثبت للمضمون له الخيار بين الصبر على الضامن ، وبين فسخ العقد والرجوع على المضمون عنه.

وهل الخيار هنا على الفور أم لا لم أقف فيه على كلام لهم ، والأصل يقتضي

١٦

امتداده الى ان يثبت المزيل ، والمراد بالملاءة المشترطة في الضامن أن يكون مالكا لما يؤدى به الدين فاضلا عن المستثنيات في البيع ، وانما تعتبر الملاءة ابتداء لا استدامة فلو كان مليا وقت الضمان ثم تجدد عدمها قبل الأداء لم يبطل الضمان ، ولم يجز له الفسخ ، لحصول الشرط حين الضمان.

ولم يحضرني الان خبر في المقام الا ما رواه ثقة الإسلام في الكافي والشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله قال احتضر عبد الله بن الحسن ورواه في الفقيه مرسلا قال : «وروى أنه احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع إليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم فقال لهم : ما عندي ما أعطيكم ولكن ارضوا بمن شئتم من أخي وبنى عمى على بن الحسين أو عبد الله بن جعفر فقال الغرماء : اما عبد الله بن جعفر فملي مطول ، واما على بن الحسين ، فرجل لا مال له صدوق وهو أحبهما إلينا ، فأرسل إليه فأخبره الخبر فقال عليه‌السلام : أضمن لكم المال إلى غلة ولم تكن له غلة فقال القوم : قد رضينا وضمنه فلما أتت الغلة أتاح الله عزوجل له المال فأداه». (١).

والخبر مع ضعف سنده وعدم إسناده الى الامام (عليه‌السلام) لا دلالة فيه على محل البحث ، وظني أن الأصحاب لو جعلوا الشرط هنا رضا المضمون له بالضامن ، وقبوله له مليا كان أو غير ملي لكان أظهر ، فإن مجرد الملاءة مع حصول المطل كما تضمنه هذا الخبر لا تفيد فائدة في ترتب الأثر عليها.

وبالجملة فإن اشتراطهم رضا المضمون له كما هو المشهور بينهم بالضمان والضامن كاف عن هذا الشرط هنا ، مع أنه لا دليل عليه الا ما ذكروه من التعليل الذي يحصل بالرضا بالضامن ، إلا أنك قد عرفت اختلاف الاخبار في ذلك ، وأن أكثر الأخبار ظاهر في العدم. والله العالم.

__________________

(١) الكافي ج ٥ ص ٩٧ باب قضاء الدين ح ٧ وفي التهذيب ج ٦ ص ٢١١ ح ١٢ وفي من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ٥٥ باب الحوالة حديث ٢ ـ (ولا يخفى ان في النسخ اختلافا جزئيا) وفي الوسائل ج ١٣ ص ١٥٢ ح ١.

١٧

السابع ـ الحق المضمون اما أن يكون حالا أو مؤجلا ، ثم انه اما أن يضمنه الضامن حالا أو مؤجلا ، وعلى تقدير ضمان المؤجل مؤجلا ، اما أن يكون الأجل الثاني مساويا للأول ، أو أنقص أو أزيد ، وعلى التقادير اما ان يكون الضمان تبرعا ، أو بسؤال المضمون عنه ، فالصور اثني عشرة ، وقد صرح جملة من محققي المتأخرين ومتأخريهم بأنها كلها جائزة ، للأصل ، وعموم دلائل مشروعية الضمان ، وتحقق الغرض المطلوب منه في الجميع ، ولانه كالقضاء عن المدين ، وبعض هذه الصور إجماعي ، وبعضها محل خلاف ، الا أن محل الخلاف في كلامهم غير محرر.

وظاهر كلام المحقق في الشرائع أن الضمان المؤجل جائز إجماعا ، وفي الحال تردد أظهره الجواز ، والمراد من الثاني الذي هو محل التردد عنده ما لو كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن حالا.

والمنقول عن الشيخ وجماعة منع الضمان هنا ، لان مبنى عقد الضمان على الإرفاق ، وتسهيل الأمر على المضمون عنه ، والضمان في هذه الصورة ينافي الغرض المذكور ، لان الدين مؤجل والضامن يريد أن يضمنه حالا ، ويرجع به على المضمون عنه ، ووجه آخر وهو أن ثبوت المال في ذمة الضامن فرع ثبوته في ذمة المضمون عنه ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل ، (١) والقائلون بالصحة أجابوا عن ذلك بأن المنتقل بالضمان هو الدين ، وأما الأجل فإذا أسقطه المديون وأدى المال حالا جاز ، فكذا إذا سأل الضمان كذلك ، لان الضمان انما ضمن كذلك باذنه وسؤاله ، فهو في معنى الاسقاط له ، لكنه لا يرجع على المضمون عنه الا بعد تمام

__________________

(١) قال في المبسوط : إذا ضمن المؤجل حالا الأقوى أنه لا يصح ، لانه لا يجوز ان يكون الفرع أقوى من الأصل ، قال في المختلف : بعد نقل ذلك عنه : الوجه عندي الصحة ، ولا نسلم تحقق القوة هنا ، فإنه يجوز للمضمون عنه دفع المال معجلا كذا يجوز الضمان معجلا ، فان الضمان كالقضاء إذا ثبت هذا ، فإذا ضمن حالا لم يكن له الرجوع على المضمون عنه ، الا بعد الأجل وان أخذ منه المال حالا انتهى. منه رحمه‌الله.

١٨

الأجل ، وان أداه حالا بمقتضى الضمان ، ولو كان الضامن متبرعا بالضمان فأولى بعدم الاشتراط ، إذ لا رجوع له على المضمون عنه فيكون في معنى ما لو أدى عنه ـ دينه المؤجل قبل الأجل ، وهو جائز.

ومن ذلك يظهر أن الجواز هو الأقوى وفي هذه الصورة أعني صورة الضمان حالا صورة أخرى ، وهي ما إذا كان الدين حالا ، وسيأتي الكلام فيها في المقام. ان شاء الله تعالى.

وأما الصورة الأولى مما نقلناه من كلام المحقق وهي قوله ان الضمان المؤجل جائز إجماعا فهي شاملة لجملة من الصور ، منها ما لو كان الدين حالا فضمنه مؤجلا ، وهذه الصورة مجمع عليها ، ودعواه الإجماع هنا في محله ، والتعليل بالارتفاق وتسهيل الأمر على المضمون عنه هنا متجه ، لان الدين حال وبالضمان صار مؤجلا ، قالوا : وليس هذا تعليقا للضمان على الأجل ، بل تأجيل للدين الحال في عقد لازم ، (١) ومن حكم هذه الصورة أن المضمون عنه لا يطالب قبل حلول الأجل.

أما من المضمون له ، فلانه لا طلب له عليه ، لانتقال حقه الى ذمة الضامن ، وأما من الضامن فلانه ليس له المطالبة حتى يؤدى ولو كان حالا فمع الأجل أولى وليس للمضمون له أيضا مطالبة الضامن قبل حلول الأجل عملا بمقتضى الشرط.

ومن صور تلك الصورة المشار إليها ما لو كان الحق مؤجلا مع قصور أجل الضمان أو مساواته وتعليل الشيخ والجماعة المانعين من ضمان المؤجل حالا يقتضي المنع من هاتين الصورتين ، لما عرفت من أنهم عللوا ذلك وبه صرح في المختلف وغيره أيضا بأن الضمان إرفاق ، (٢) فالإخلال به يقتضي تسويغ المطالبة للضامن ،

__________________

(١) بمعنى أنه ليس له مطالبة المضمون عنه حتى يؤدى ما ضمنه في صورة حلول الدين ، فكيف في صورة الأجل ، فهو بطريق أولى. منه رحمه‌الله.

(٢) أما لو كان أجل الضمان أزيد من أجل الحق ، فإنه داخل في الإجماع ، لأن الأجل الزائد يحصل فيه الارتفاق المطلوب من الضمان. منه رحمه‌الله.

١٩

فيتسلط على مطالبة المضمون عنه في الحال ، فينتفى فائدة الضمان ، وهذا التعليل بعينه آت في الأجل المساوي والقاصر ، ويقتضي أن الضامن لو كان متبرعا لم يضر ، لانتفاء المانع من التسلط على المضمون عنه.

والشيخ فخر الدين منع من ضمان الحال كما ذهب اليه الشيخ ، الا أنه علله بعلة أخرى قال : لانه ضمان ما لم يجب ، وهذا التعليل يجري في الأجل القاصر عن أجل الدين ، كما هو شامل للحال ، ومخرج للمساوي (١) وبالجملة فإطلاق كلام الشيخ ومن تبعه حيث خصوا المنع بصورة ضمان المؤجل حالا يقتضي ثبوت الإجماع المدعى في صورة الضمان مؤجلا لما كان حالا أو مؤجلا بجميع أقسامه ، وبالنظر الى التعليلات يدل على اختصاصه بغير الصورتين المذكورتين ، وأما الضمان حالا فان كان الدين مؤجلا فقد اتفق المانعون على منعه نصا وتعليلا كذا قيل.

وفيه أن الشيخ فخر الدين من القائلين بهذا القول ، وقد تقدم تعليله بغير ما علل به الشيخ وان كان حالا ، فالشيخ فخر الدين وأتباعه جوزوه لوجوب الحق ، والشيخ وأتباعه منعوه لعدم الارتفاق. والله العالم.

الثامن : لو ضمن مؤجلا مع كون الدين حالا ثم مات قبل حلول الأجل حل الدين المذكور ، وأخذ من تركته ، لما تقدم من أن الميت تحل ديونه المؤجلة بموته ، وهذا من جملة أفرادها ، وللورثة حينئذ مطالبة المضمون عنه ، لان الدين عليه حال كما هو المفروض ، ولم يحصل ما يقتضي تأجيله ، والمؤجل انما هو الدين الذي في ذمة الضامن ، لا الذي في ذمته ، والضامن انما امتنع رجوعه عليه في حياته

__________________

(١) قال العلامة في المختلف : بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه في الحاشية المقدمة من نقل كلام الشيخ في المبسوط ورده له : ما صورته وقد استخرج ولدي العزيز محمد جعلت فداه وجها هنا يقوى قول الشيخ رحمه‌الله ، وهو أن الحلول زيادة في الحق ، ولهذا يختلف الأثمان به ، وهذه الزيادة غير واجبة على المديون ، ولا ثانية في ذمته ، فيكون ضمان ما لم يجب فلا يصح عندنا انتهى. منه رحمه‌الله.

٢٠