🚘

الحدائق الناضرة - ج ١٠

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الحدائق الناضرة - ج ١٠

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


المحقق: محمّد تقي الإيرواني
الموضوع : الفقه
الناشر: منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية ـ قم المقدّسة
🚘 نسخة غير مصححة

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

المطلب الثاني

في شروط وجوب الجمعة وهي أمور : أحدها الامام ، وثانيها العدد ، وثالثها الخطبتان ، ورابعها الجماعة ، وخامسها ان لا يكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة أميال ، وسادسها الوقت ، فالكلام في هذا المطلب يقتضي بسطه في مقاصد :

(الأول) في الإمام ويشترط فيه أمور (الأول) ـ البلوغ فلا تصح إمامة الصبي وان كان مميزا ، وقال العلامة في المنتهى انه لا خلاف فيه ، مع ان المنقول عن الشيخ في الخلاف والمبسوط جواز إمامة الصبي المراهق المميز العاقل في الفرائض وهو ظاهر في ثبوت الخلاف في المسألة ، واما ما اوله به في المدارك من الحمل على غير الجمعة ـ حيث قال : والظاهر ان مراده بالفرائض ما عدا الجمعة ـ فلا يظهر له وجه سيما مع دلالة ظواهر جملة من الأخبار على ذلك :

ومنها ـ ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الحسن أو الصحيح بإبراهيم بن هاشم عن عبد الله بن المغيرة عن غياث بن إبراهيم البتري الثقة عن ابى عبد الله

٢

(عليه‌السلام) (١) قال : «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤم القوم وان يؤذن».

وفي الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه‌السلام) (٢) قال : «تجوز صدقة الغلام وعتقه ويؤم الناس إذا كان له عشر سنين».

وفي رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم‌السلام) (٣) قال : «لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وان يؤم».

وهذه الأخبار كما ترى ظاهرة الدلالة في ما نقل عن الشيخ وبها يترجح ما ذهب اليه.

قال في المدارك بعد تأويله كلام الشيخ بما قدمنا نقله عنه : وكيف كان فالأصح اعتبار البلوغ مطلقا لأصالة عدم سقوط التكليف بالقراءة بفعل الصبي ، ولان غير المكلف لا يؤمن من إخلاله بواجب أو فعل محرم فلا يتحقق الامتثال ، ويؤيده رواية إسحاق بن عمار عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم‌السلام) (٤) انه قال : «لا بأس ان يؤذن الغلام قبل أن يحتلم ولا يؤم حتى يحتلم».

أقول : لا يخفى ان ما ذكره من التعليلات لا وجه له في مقابلة ما نقلناه من الروايات وهل هو إلا من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص ، واما ما ذكره من الأصل فيجب الخروج عنه بالدليل وقد عرفته. بقي الكلام في الخبر الذي نقله ويمكن حمله على غير المميز.

وظاهر المحقق الأردبيلي (قدس‌سره) تقوية هذا القول لولا الإجماع المدعى من العلامة في المنتهى ، قال : ولولا الإجماع المنقول في المنتهى لأمكن القول بصحة إمامة الصبي المميز مع الاعتماد عليه لان عبادته شرعية ، وقد صرح به في المنتهى في كتاب الصوم وغيره. انتهى.

أقول : قد عرفت في المطلب المتقدم ما في هذه الإجماعات وانه ليس فيها إلا تكثير السواد وإضاعة المداد ولا سيما في مقابلة الأخبار الظاهرة في المراد.

__________________

(١ و ٢ و ٣ و ٤) الوسائل الباب ١٤ من صلاة الجماعة.

٣

ثم ان في هذه الرواية التي اعتمد عليها في المدارك زيادة مؤكدة لما اراده ولم ينقلها حيث قال بعد قوله : «ولا يؤم حتى يحتلم» : «فإن أم جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه» ويمكن حملها ايضا على تأكد الكراهة جمعا بين الأخبار كما هي قاعدتهم في هذا المضمار.

وبالجملة فالظاهر عندي هو قوة ما ذهب اليه الشيخ وان كان الاحتياط في ما ذهبوا اليه. والله العالم.

الثاني ـ العقل فلا تنعقد امامة المجنون قولا واحدا لعدم الاعتداد بفعله. بقي الكلام في ما لو كان يعتريه الجنون أدوارا فهل تجوز إمامته في حال الإفاقة؟ الظاهر ذلك وهو المشهور وبه صرح العلامة في باب الجماعة من التذكرة على ما نقل عنه إلا انه قطع في باب الجمعة من التذكرة على ما حكى عنه بالمنع من إمامته مستندا إلى إمكان عروضه حال الصلاة له ، ولأنه لا يؤمن احتلامه في حينه بغير شعوره فقد روى ان المجنون يمني في حال جنونه (١) ولهذه العلة نقل عن العلامة في النهاية انه يستحب له الغسل بعد الإفاقة. ولا يخفى ضعف ما استند اليه من التعليلين المذكورين

الثالث ـ الايمان وهو عبارة عن الإقرار بالأصول الخمسة التي من جملتها إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم‌السلام) ولا خلاف بين الأصحاب في اشتراطه.

وعليه تدل الأخبار المتظافرة ، ومنها ما رواه في الكافي عن زرارة بإسنادين أحدهما من الصحاح أو الحسان بإبراهيم بن هاشم (٢) قال : «كنت جالسا عند أبى جعفر (عليه‌السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه فقال له جعلت فداك انى رجل

__________________

(١) علل في التذكرة ـ في المسألة ٣ من البحث الثاني في السلطان من صلاة الجمعة ـ منع إمامة الأدواري بوجوه ثلاثة وهي الوجهان المتقدمان في المتن وانه ناقص عن المراتب الجليلة. واما الرواية فهي من كلام السبزواري في الذخيرة في شروط النائب ولم يستند إليها في التذكرة.

(٢) الوسائل الباب ٥ من صلاة الجماعة.

٤

جار مسجد لقومي فإذا انا لم أصل معهم وقعوا في وقالوا هو هكذا وهكذا؟ فقال اما لئن قلت ذاك لقد قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام) : من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له لا تدع الصلاة معهم وخلف كل امام. فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك فان لم يكونوا مؤمنين؟ قال فضحك (عليه‌السلام) ثم قال ما أراك بعد إلا ههنا يا زرارة فأية علة تريد أعظم من انه لا يؤتم به؟ ثم قال يا زرارة ا ما تراني قلت صلوا في مساجدكم وصلوا مع أئمتكم؟».

وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي عبد الله البرقي (١) قال «كتبت إلى ابى جعفر (عليه‌السلام) جعلت فداك أيجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك (صلوات الله عليهما)؟ فأجاب لا تصل وراءه».

وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن إسماعيل الجعفي (٢) قال : «قلت لأبي جعفر (عليه‌السلام) رجل يحب أمير المؤمنين (عليه‌السلام) ولا يتبرأ من عدوه ويقول هو أحب الى ممن خالفه؟ فقال هذا مخلط وهو عدو فلا تصل خلفه ولا كرامة إلا ان تتقيه».

وما رواه في التهذيب عن إبراهيم بن شيبة (٣) قال : «كتبت الى ابى جعفر (عليه‌السلام) اسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (عليه‌السلام) وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح؟ فكتب ان جامعك وإياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبح».

وما رواه الكليني في الحسن عن زرارة (٤) قال : «سألت أبا جعفر (عليه‌السلام) عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر».

وعن ابى على بن راشد (٥) قال : «قلت لأبي جعفر (عليه‌السلام) ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه».

__________________

(١ و ٢ و ٤ و ٥) الوسائل الباب ١٠ من صلاة الجماعة.

(٣) الوسائل الباب ٣٣ من صلاة الجماعة.

٥

وما رواه الكشي في كتاب الرجال عن يزيد بن حماد عن ابى الحسن (عليه‌السلام) (١) قال : «قلت له أصلي خلف من لا اعرف؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة مما يدل على بطلان عبادة المخالفين وعدم الاعتداد بالصلاة خلفهم.

الرابع ـ طهارة المولد وهو ان لا يعلم كونه ابن زنا ، وهو مذهب الأصحاب من غير خلاف ينقل. ويدل عليه

ما رواه في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام) مرسلا ورواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه‌السلام) (٢) قال : «قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام) لا يصلين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا والأعرابي لا يؤم المهاجرين».

وما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن ابى بصير ـ والظاهر انه ليث المرادي بقرينة رواية عبد الله بن مسكان عنه ـ عن ابى عبد الله (عليه‌السلام) (٣) قال : «خمسة لا يؤمون الناس على كل حال : المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي».

وما رواه في الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه‌السلام) (٤) انه قال : «خمسة لا يؤمون الناس ولا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة : الأبرص والمجذوم وولد الزنا والأعرابي حتى يهاجر والمحدود».

ولا عبرة بمن تناله الألسن وكذا لا تقدح ولادة الشبهة ولا كونه مجهول الأب كما صرح به جملة من الأصحاب ، لأصالة عدم المانع مع وجود المقتضى. وربما قيل بالكراهة لنفرة النفس من من هذا شأنه الموجبة لعدم كمال الإقبال على العبادة ،

__________________

(١) الوسائل الباب ١٢ من صلاة الجماعة.

(٢) الوسائل الباب ١٥ من صلاة الجماعة عن الكافي والفقيه وكذا في الوافي باب (صفة إمام الجماعة.) ولم نعثر عليه في التهذيب في مظانه.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ١٥ من صلاة الجماعة.

٦

قال في الذكرى : وفي كراهة الائتمام بهؤلاء قول لا بأس به لنقصهم وعدم كمال الانقياد الى متابعتهم. انتهى.

الخامس ـ الذكورة فلا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى لعدم جواز إمامتهما للرجال كما سيأتي في باب الجماعة ان شاء الله تعالى ، قال في التذكرة يشترط في إمامة الرجال الذكورة عند علمائنا اجمع وبه قال عامة العلماء (١) ولا ريب في اشتراطها بناء على ان الجمعة لا تنعقد بالمرأة ولا بالخنثى.

السادس ـ السلامة من البرص والجذام والحد الشرعي والاعرابية ، أما الأول والثاني فاختلف الأصحاب في جواز إمامتهما ، فقال الشيخ في النهاية والخلاف بالمنع من ذلك مطلقا وهو اختيار العلامة في المنتهى والسيد السند في المدارك ، وقال المرتضى في الانتصار وابن حمزة بالكراهة ، وقال الشيخ في المبسوط وابن البراج وابن زهرة بالمنع من إمامتهما إلا بمثلهما ، وقال ابن إدريس يكره إمامتهما في ما عدا الجمعة والعيد واما فيهما فلا يجوز.

والذي وقفت عليه من اخبار المسألة ما تقدم (٢) من صحيحتي زرارة وابى بصير ورواية محمد بن مسلم الدال جميعه على النهى عن الصلاة خلفهما.

ومنها ـ ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه‌السلام) (٣) قال : «لا يصلى بالناس من في وجهه آثار».

وما رواه الشيخ عن عبد الله بن يزيد (٤) قال : «سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن المجذوم والأبرص يؤمان المسلمين؟ قال نعم. قلت هل يبتلى الله بهما المؤمن؟ قال نعم

__________________

(١) في المغني ج ٢ ص ١٩٩ «لا يصح ان يأتم الرجل بالمرأة بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء» وفي بدائع الصنائع ج ١ ص ٢٦٢ «المرأة لا تصلح للإمامة في سائر الصلوات ففي الجمعة أولى» وفي ص ٢٢٧ صرح بعدم صلوح المرأة لامامة الرجال. وفي بداية المجتهد ج ١ ص ١٣٢ «الجمهور على انه لا يجوز ان تؤم المرأة الرجال».

(٢) ص ٦.

(٣ و ٤) الوسائل الباب ١٥ من صلاة الجماعة.

٧

وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمن».

وما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب المحاسن في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء عن ابى عبد الله (عليه‌السلام) (١) قال : «سألته عن المجذوم والأبرص منا أيؤمان المسلمين؟

قال نعم وهل يبتلى الله بهذا إلا المؤمن وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمنين». وروى الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح على الأظهر عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام) (٢) قال : «ستة لا ينبغي ان يؤموا الناس : ولد الزنا والمرتد والأعرابي بعد الهجرة وشارب الخمر والمحدود والأغلف». ولفظ «لا ينبغي» في الخبر المذكور مراد به التحريم كما هو شائع في الأخبار.

وجملة من المتأخرين جمعوا بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الكراهة. والشيخ حمل رواية عبد الله بن يزيد على الضرورة في الجماعة بان لا يوجد غيرهما أو يكونا إمامين لأمثالهما. ولا يخلو من بعد.

وظاهر صاحب المدارك بل صريحه العمل بالروايات الأولة حيث ان فيها الصحيح وهو يدور مداره غالبا ، وطعن في رواية عبد الله بن يزيد بضعف السند بجهالة الراوي ، ثم قال بعد كلام في البين : نعم لو صح السند لأمكن حمل النهى الواقع في الأخبار المتقدمة على الكراهة كما هو مذهب المرتضى (قدس‌سره).

وقال في الذكرى بعد نقل الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الكراهة : ويلزم منه استعمال المشترك في معنييه لأن النهي في ولد الزنا والمجنون محمول على المنع من النقيض قطعا فلو حمل على المنع لا من النقيض في غيرهما لزم المحذور. ويمكن ان يقال لا مانع من استعمال المشترك في معنييه ، وان سلم فهو مجاز لا مانع من ارتكابه. انتهى.

أقول : والمسألة عندي لا تخلو من شوب التوقف فإن الأخبار المتقدمة مع

__________________

(١) الوسائل الباب ١٥ من صلاة الجماعة وفي المحاسن ص ٣٢٦.

(٢) الوسائل الباب ١٤ من صلاة الجماعة «وهل كتب البلاء».

٨

صحة سند أكثرها صريحة في التحريم والحمل على الكراهة مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة ولا قرينة فيها تؤذن بذلك ، ووجود المخالف ليس قرينة إذ يحتمل الحمل على معنى آخر من تقية ونحوها. ويحتمل العكس ايضا. وبالجملة فإنه لا يحضرني الآن مذهب المخالفين في هذه المسألة (١) ولعل أخبار أحد الطرفين انما خرج مخرج التقية واما القولان الآخران فلم نقف لهما على دليل. والله العالم.

واما الثالث وهو المحدود فان كان قبل التوبة فلا إشكال في عدم جواز الائتمام به لفسقه ، وان كان بعدها فقد حكم الأكثر بكراهة إمامته ، وعلله في المعتبر بنقص رتبته عن منصب الإمامة وان زال فسقه بالتوبة. ونقل عن ابى الصلاح انه منع من امامة المحدود بعد التوبة إلا بمثله. ورده الأكثر بأن المحدود ليس اسوأ حالا من الكافر وبالتوبة واستجماع الشرائط تصح إمامته. أقول : ومما ردوا به كلام ابى الصالح يعلم الرد لما ذكروه من الكراهة أيضا فإن الظاهر انهم لا يقولون بكراهة الائتمام بالكافر بعد الإسلام إذا استجمع شرائط الإمامة فالمحدود بطريق اولى بمقتضى ما ذكروه. والظاهر حمل الأخبار المتقدمة الدالة على النهى عن الائتمام به على ما قبل التوبة لظهور الفسق المانع من ذلك.

واما الرابع وهو الأعرابي فالمراد به الأعرابي بعد الهجرة كما أفصح به خبر الأصبغ بن نباتة وخبر محمد بن مسلم وعليهما يحمل ما أطلق في غيرهما ، والوجه في المنع من إمامته ظاهر لإخلاله بالواجب عليه وهو الهجرة وإصراره على الترك بغير عذر شرعي ، وسيأتي ان شاء الله تعالى في جملة من الأخبار الدالة على عدد الكبائر ان من جملتها التعرب بعد الهجرة إلا ان تحققه في مثل هذه الأزمنة غير معلوم.

والأصحاب في هذه المسألة منهم من أطلق المنع كالشيخ وجماعة ومنهم من أطلق الكراهة.

__________________

(١) في بدائع الصنائع ج ١ ص ١٥٦ «تجوز امامة العبد والأعرابي والأعمى وولد الزنا وعليه قول العامة لقوله (ص) : صلوا خلف من قال لا إله إلا الله».

٩

وفصل في المعتبر في ذلك بما يرجع الى الفرق بين من لا يعرف محاسن الإسلام ولا وصفها فالأمر كما ذكروه من المنع وبين من وصل اليه ما يكفيه اعتماده ويدين به ولم يكن تلزمه المهاجرة وجوبا جاز ان يؤم.

وفيه ان ما ذكره لا اختصاص له بالأعرابي كما لا يخفى بل الأظهر كما عرفت انما هو ما قلناه لأنه الذي دلت عليه الاخبار المذكورة.

نعم قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليه‌السلام) (١) في حديث قال : «وكره ان يؤم الأعرابي لجفائه عن الوضوء والصلاة».

وملخص الكلام في ما يفهم من هذه الاخبار هو المنع والتحريم في من ترك الهجرة مع وجوبها عليه والجواز على كراهة في من لم يكن كذلك مع عدم كماله في معرفة أحكام الطهارة والصلاة. ويحتمل حمل أخبار المنع على ما إذا كان يؤم بالمهاجرين كما يستفاد من صحيح زرارة المتقدم في اشتراط طهارة المولد.

السابع ـ العدالة وهي مما طال فيها الكلام بين علمائنا الأعلام بإبرام النقض ونقض الإبرام وصنفت فيها رسائل وتعارضت فيها الدلائل فلا جرم انا ارخينا للقلم عنانة في هذا الميدان وأعطينا المسألة حقها من البيان بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعيان :

والكلام فيها يقع في مقامات

(الأول) ـ لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط عدالة إمام الجماعة مطلقا ونقل إجماعهم على ذلك جمع كثير منهم ، بل نقل ذلك عن بعض المخالفين وهو أبو عبد الله البصري محتجا بإجماع أهل البيت (عليهم‌السلام) (٢) وان إجماعهم حجة.

__________________

(١) الوسائل الباب ١٤ من صلاة الجماعة.

(٢) ذكر ذلك الشيخ في الخلاف ص ٨٢ نقلا عن السيد المرتضى ولم يتعرض له السيد في الانتصار والناصريات وأبو عبد الله البصري ـ كما في المنتظم لابن الجوزي ج ٧.

١٠

واحتج الأصحاب على ذلك بقوله عزوجل «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ» (١) والفاسق ظالم لقوله تعالى «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (٢) والائتمام ركون لان معنى الركون هو الميل القلبي.

أقول : لا يخفى ان غاية ما يدل عليه هذا الدليل هو عدم جواز امامة الفاسق خاصة وهو أخص من المدعى إذ المدعى اعتبار العدالة بأحد المعاني الآتية ان شاء الله تعالى المؤذن بعدم ثبوتها لمجهول الحال أيضا والدليل المذكور لا يشمله.

والعمدة في الاستدلال على ذلك انما هي الأخبار الواضحة المنار ، ومنها ما رواه الشيخ عن خلف بن حماد عن رجل عن ابى عبد الله (عليه‌السلام) (٣) قال : «لا تصل خلف الغالي وان كان يقول بقولك والمجهول والمجاهر بالفسق وان كان مقتصدا».

ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا (٤) وفي أوله «ثلاثة لا يصلى خلفهم. الى آخر ما ذكر».

وما رواه الشيخ في الصحيح الى سعد بن إسماعيل عن أبيه (٥) قال : «قلت للرضا (عليه‌السلام) رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟ قال لا». ومعنى «يقارف» اى يقارب ، قال في النهاية : قارف الذنب وغيره إذا داناه ولاصقه وهو كناية عن فعل الذنوب.

وما رواه الكليني والشيخ عن ابى على بن راشد (٦) قال : «قلت لأبي جعفر

__________________

ص ١٠٧ ـ يعرف بالجعل سكن بغداد وكان من شيوخ المعتزلة وصنف على مذاهبهم وانتحل في الفروع مذهب أهل العراق. وذكر المصنف «قدس‌سره» في لؤلؤة البحرين عند ذكر الشيخ المفيد نقلا عن الشيخ ورام ان الشيخ المفيد اشتغل بالعربية على الشيخ ابى عبد الله المعروف بجعل.

(١) سورة هود الآية ١١٥.

(٢) سورة الطلاق الآية ١.

(٣ و ٦) الوسائل الباب ١٠ من صلاة الجماعة وكلمة «وأمانته» في التهذيب.

(٤) الوسائل الباب ١١ من صلاة الجماعة وفي الخصال ج ١ ص ٧٤.

(٥) الوسائل الباب ١١ من صلاة الجماعة.

١١

(عليه‌السلام) ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته».

وما رواه الشيخ عن إبراهيم بن على المرافقي وابى أحمد عمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليهما‌السلام) (١) «انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال إذا كنت خلف الامام تولاه وتثق به فإنه يجزيك قراءته ، وان أحببت أن تقرأ فاقرأ في ما يخافت فيه فإذا جهر فأنصت قال الله تعالى «وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (٢) قال فقيل له فان لم أكن أثق به فأصلي خلفه واقرأ؟ قال لا صل قبله أو بعده. الحديث».

وما رواه في الفقيه عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله) (٣) «امام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم». قال وقال على (عليه‌السلام) (٤) «ان سركم ان تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم».

وما رواه في كتاب قرب الاسناد في الموثق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم‌السلام) (٥) «ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) قال ان أئمتكم وفدكم الى الله تعالى فانظروا من توفدون في دينكم وصلاتكم».

وعن ابى ذر (٦) «ان امامك شفيعك الى الله عزوجل فلا تجعل شفيعك سفيها ولا فاسقا». الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع.

(المقام الثاني) ـ في بيان معنى العدالة وانها عبارة عما ذا ونقل أقوال جملة من علمائنا الأعلام رفع الله تعالى أقدارهم في دار المقام :

فنقول : اعلم ان العدالة لغة مأخوذة من العدل وهو القصد في الأمور ضد الجور» وقيل من العدالة بمعنى الاستواء والاستقامة كما يقال «هذا عدل هذا» أي

__________________

(١) الوسائل الباب ٣١ و ٦ من صلاة الجماعة. والراوي الثاني عنون في كتب الرجال في «عمر» بلا واو.

(٢) سورة الأعراف الآية ٢٠٣.

(٣ و ٤ و ٥) الوسائل الباب ٢٦ من صلاة الجماعة. والحديث «٤» عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله).

(٦) الوسائل الباب ١١ من صلاة الجماعة.

١٢

مساو له ، واعتدل الشيئان اى تساويا ، وفي اصطلاح أرباب الحكمة وأهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس وتقويم أفعالها بحيث لا يغلب بعض على بعض. وتوضيح ذلك ان للنفس الإنسانية قوة عاقلة هي مبدأ الفكر والتمييز والشوق الى النظر في الحقائق والتأمل في الدقائق ، وقوة غضبية هي مبدأ الغضب والجرأة لدفع المضار والاقدام على الأهوال والشوق الى التسلط على الرجال ، وقوة شهوية هي مبدأ طلب الشهوة واللذات من المآكل والمشارب والمناكح وسائر الملاذ البدنية والشهوات الحسية ، وهذه القوى متباينة جدا فمتى غلب أحدها انقهرت الباقيات وربما أبطل بعضها فعل بعض ، والفضيلة البشرية تعديل هذه القوي لأن لكل من هذه القوى طرفي إفراط وتفريط ، فاما القوة العاقلة فالسفاهة والبلاهة والقوة الغضبية التهور والجبن والقوة الشهوية الشره وخمود الشهوة ، فألقوه العاقلة تحصل من تعديلها فضيلة العلم والحكمة والغضبية تحصل من تعديلها فضيلة الشجاعة والقوة الشهوية تحصل من تعديلها فضيلة العفة ، وإذا حصلت هذه الفضائل الثلاث التي هي في حاق الاواساط وتعادلت حصل منها فضيلة رابعة وملكة راسخة هي أم الفضائل وهي المعبر عنها بالعدالة ، فهي إذا ملكة نفسانية تصدر عنها المساواة في الأمور الصادرة عن صاحبها ، وتحت كل واحدة من هذه الفضائل الثلاث المتقدمة فضائل أخرى وكلها داخلة تحت العدالة فهي دائرة الكمال وجماع الفضائل على الإجمال.

واما في اصطلاح أهل الشرع الذي هو المقصود الذاتي بالبحث فأقوال : (الأول) ما هو المشهور بين أصحابنا المتأخرين من انها ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروة ، واحترزوا بالملكة عما ليس كذلك من الأحوال المنتقلة بسرعة كحمرة الخجل وصفرة الوجل بمعنى ان الاتصاف بالوصف المذكور لا بد ان يكون من الملكات الراسخة التي يعسر زوالها.

واختلف كلامهم في معنى التقوى ، فقيل هي اجتناب الكبائر والصغائر من المكلف العاقل ، ونسبه شيخنا الشهيد الثاني إلى جماعة من أجلاء الأصحاب كالشيخ

١٣

المفيد والتقى ابى الصلاح الحلبي والقاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي وابى عبد الله محمد بن منصور بن إدريس الحلي العجلي (١) وابى الفضائل الطبرسي حاكيا ذلك عن

__________________

(١) بمناسبة تعرض المصنف «قدس‌سره» لذكر ابن إدريس بهذا النحو رأيت ان التعرض في المقام لما ذكره صاحب كشف الظنون عند تعرضه للكتب المؤلفة في الفقه على مذهب الإمامية ج ٢ ص ١٢٨٦ فإنه علق على هذا العنوان في ذيل الصفحة هكذا : يطلقون ابن إدريس على الشافعي. ثم قال في بيان الكتب هكذا : البيان والذكرى شرائع الإسلام وحاشيته القواعد النهاية. ثم قال : ومن أقوالهم الباطلة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة. إلى آخر ما ذكره من الأحكام الباطلة بنظره ، وعد منها استحباب غسل يوم الغدير وهو العاشر من ذي الحجة. وقال ج ٢ ص ١٢٨١ : والكتب المؤلفة على مذهب الإمامية الذين ينتسبون الى مذهب ابن إدريس اعنى الشافعي كثيرة : منها ـ شرائع الإسلام وحاشيته والبيان والذكرى والقواعد والنهاية. أقول ما أدرى من أين اتى هذا المتتبع المحقق بهذا التحقيق النفيس وكيف أدى تحقيقه وتتبعه الى إغفال محمد بن إدريس العجلي الحلي من قائمة علماء الإمامية وإغفال كتابه السرائر من قائمة كتبهم حتى حكم بان المراد ب (ابن إدريس) في كلامهم هو محمد بن إدريس الشافعي القرشي وليته رجع على الأقل إلى لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج ٥ ص ٦٥ حيث يقول محمد بن إدريس العجلي الحلي فقيه الشيعة وعالمهم له تصانيف في فقه الإمامية ولم يكن للشيعة في وقته مثله مات سنة سبع وتسعين وخمسمائة. انتهى. نعم ليس هذا بغريب ممن يكتب ويؤلف ويحكم بما تشتهيه نفسه ويقتضيه تعصبه ويتجنب ما يفرضه الوجدان والضمير من التتبع والتحقيق ليفهم من هو ابن إدريس في كلام الإمامية وليفهم انه لا علاقة لمذهب الإمامية بمذهب الشافعي إلا التضاد كغيره من المذاهب فإن أساسه ومنبعه هو ما خلفه النبي «ص» في الأمة واوصى باتباعه والتمسك به وجعله المرجع في أمور الدين وأناط به الأمن من الضلال من بعده وهو الكتاب والعترة كما هو نص حديث الثقلين الثابت من الطريقين راجع ج ٩ ص ٣٦٠ من الحدائق ، فمذهب الإمامية يستقى أحكامه من منبع الكتاب والعترة ولا ارتباط له بمذهب الشافعي أصلا وإنما يذكر قوله كغيره بعنوان «الشافعي» عند نقل الأقوال. ومما ذكرناه تظهر قيمة منقولاته الأخر كنسبة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة إلى الإمامية الذي هو

١٤

أصحابنا من غير تفصيل. وقيل باجتناب الكبائر كلها وعدم الإصرار على الصغائر أو عدم كونها أغلب فلا تقدح الصغيرة النادرة ، وألحقوا بها ما يؤول إليها بالعرض وان غايرها بالأصل كترك المندوبات المؤدي إلى التهاون بالسنن في أظهر الوجهين ونسبه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين إلى الأصحاب.

وكذا اختلفت أقوالهم في الكبائر وسيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى في المقام الثالث مفصلا مشروحا.

وفسروا المروة باتباع محاسن العادات واجتناب مساويها وما تنفر عنه النفس من المباحات ويؤذن بدناءة النفس وخستها كالأكل في الأسواق والمجامع والبول في الشوارع وقت سلوك الناس وكشف الرأس في المجامع وتقبيل زوجته وأمته في المحاضر ولبس الفقيه لباس الجندي والمضايقة في اليسير الذي لا يناسب حاله ونقل الماء والأطعمة بنفسه ممن ليس أهلا لذلك إذا كان عن شح وظنة ونحو ذلك ،

__________________

افتراء محض عليهم وهذه كتب الشيعة منتشرة في البلاد ، وكجعل الغدير اليوم العاشر من ذي الحجة ، كما يظهر انه لا قيمة لحكمه وحكم غيره ببطلان أقوالهم بعد ابتنائها على الأساس الذي أسسه مشرع الشريعة (ص) والرجوع فيها الى المرجع الذي عينه في حديث الثقلين وغيره. ولتزداد بصيرة في ما قلناه راجع ج ١ ص ٤٥٢ من كشف الظنون حيث يقول : تفسير الطوسي ـ هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي فقيه الشيعة الشافعي «كان ينتمي إلى مذهب الشافعي» المتوفى سنة ستين وأربعمائة (٥٦١) سماه مجمع البيان لعلوم القرآن واختصر الكشاف وسماه جوامع الجامع وابتدأ بتأليفه في سنة ٥٤٢ قال السبكى وقد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس. فانظر كيف صار مجمع البيان للشيخ الطوسي بدل التبيان وكيف صار فقيه الشيعة شافعيا ، وراجع ج ٢ ص ١٦٠٢ منه حيث يقول مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ ابى على فضل بن الحسين الطبرسي المشهدي الشيعي. ثم إن في ريحانة الأدب ج ٥ ص ٢٤٦ ما ترجمته : ابن إدريس محمد بن أحمد أو محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن حسين المكنى ب «ابى عبد الله». وبالمراجعة لرجال الشيخ المامقاني «قدس‌سره» ج ٢ باب (محمد) يتضح وجه الترديد في نسبه.

١٥

ويختلف ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والأعصار والأمصار والمقامات.

والحق ـ كما ذكره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين ـ انه لا دليل على اعتبار المروة في معنى العدالة ، بل الظاهر ان تعريف العدالة بالملكة المذكورة لا مستند له من الأخبار ايضا ولذا لم يذكره القدماء وانما وقع ذلك في كلام العلامة ومن تأخر عنه والظاهر انه اقتفى في ذلك العامة حيث انهم عرفوها بذلك (١).

قال في الذخيرة بعد ذكر التعريف المشار اليه : ولم أجد ذلك في كلام من تقدم على المصنف وليس في الأخبار منه اثر ولا شاهد عليه في ما أعلم وكأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامة حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة ويوردونه في كتبهم. انتهى

أقول : وما ذكروه في معنى المروة مع كونه لا دليل عليه من الأخبار يدفعه ما ورد عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله) (٢) انه كان يركب الحمار العاري ويردف خلفه وانه كان يأكل ماشيا إلى الصلاة بمجمع من الناس في المسجد وانه كان يحلب الشاة. ونحو ذلك.

ولا يخفى انه قد ورد هنا جملة من الأخبار في معنى المروة وليس في شي‌ء منها

__________________

(١) في المغني ج ٩ ص ١٦٧ «العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله ففي الدين لا يرتكب كبيرة ولا يداوم على صغيرة واما المروءة فيجتنب الأمور الدنيئة المزرية به كأن ينصب مائدة في السوق ويأكل والناس ينظرون اليه أو يمد رجليه بحضرتهم أو يخاطب أهله بالخطاب الفاحش ، ومن ذلك ارتكاب الصناعات الدنيئة كالكناسة وأمثالها» وفي بدائع الصنائع ج ٦ ص ٢٦٨ ذكر خلافا في تعريفها فعند بعضهم العدل من لم يطعن عليه في بطن أو فرج وعند آخر من لم يعرف عليه جريمة في دينه وعند ثالث من غلبت حسناته سيئاته.

(٢) في أخلاق النبي «ص» ص ٦١ «كان رسول الله «ص» يركب الحمار بغير سرج» وفي ص ٦٣ «عاد سعدا وأردف خلفه أسامة بن زيد وكان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض» وفي المواهب اللدنية كما في شرحها للزرقانى ج ٤ ص ٢٦٤ «كان (ص) يحلب شاته وكان انس رديف رسول الله «ص» عند رجوعهم من خيبر» وقد أورد جميع ذلك في البحار ج ٦ باب مكارم أخلاقه «ص» إلا انا لم نعثر على ما ذكره من أكله ماشيا.

١٦

ما ذكروه ، ومنها ما رواه الكليني في روضة الكافي (١) بإسناده عن جويرية قال : «اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه‌السلام) فقال لي يا جويرية انه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم ما جاء بك؟ قلت جئت أسألك عن ثلاث : عن الشرف وعن المروة وعن العقل؟ قال : اما الشرف فمن شرفه السلطان واما المروة فإصلاح المعيشة واما العقل فمن اتقى الله عقل».

وما روى عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم‌السلام) (٢) قال : «قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ستة من المروة ثلاثة منها في الحضر وثلاثة منها في السفر ، فأما التي في الحضر فتلاوة كتاب الله وعمارة مساجد الله واتخاذ الإخوان في الله واما التي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي الله تعالى».

وما رواه الصدوق في الفقيه في باب المروة في السفر عن الصادق (عليه‌السلام) (٣) حيث قال فيه : «المروة والله ان يضع الرجل خوانه بفناء داره ، والمروة مروتان مروة في الحضر ومروة في السفر ، فأما التي في الحضر فتلاوة القرآن ولزوم المساجد والمشي مع الإخوان في الحوائج والنعمة ترى على الخادم انها تسر الصديق وتكبت العدو ، واما التي في السفر فكثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك وكتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك إياهم وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله».

ثم انه لا يخفى انه قد ورد في بعض الاخبار ما يدل على اعتبار المروة في العدالة لكن لا بالمعنى الذي ذكروه وهو ما روى عن ابى الحسن الرضا عن آبائه عن على (عليهم‌السلام) (٤) قال : «قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته وظهرت عدالته ووجبت اخوته وحرمت غيبته». فإن المروة هنا لم يعتبر فيها إلا الخصال الثلاث وهي واجبة بناء على وجوب الوفاء كما هو الظاهر ، وهو اختيار شيخنا أبى الحسن

__________________

(١) ص ٢٤١.

(٢ و ٣) الوسائل الباب ٤٩ من آداب السفر.

(٤) الوسائل الباب ١ من الشهادات.

١٧

الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني ، وقد نقل انه كتب رسالة شريفة في وجوب الوفاء بالوعد ولم أقف عليها. وما ذكره (قدس‌سره) هو ظاهر الآية الشريفة أعني قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (١).

ونقل شيخنا المشار إليه في رسالته الصلاتية عن بعض معاصريه ـ وكتب في الحاشية إنه المحقق المدقق الشيخ احمد بن محمد بن يوسف البحراني ـ انه استدل على اعتبار المروة في معنى العدالة بقول الكاظم (عليه‌السلام) في حديث هشام بن الحكم المروي في الكافي (٢) «لا دين لمن لا مروة له ولا مروة لمن لا عقل له». واعترضه بأنه خفي عليه ان استعمال المروة بالمعنى الذي ذكره الأصحاب غير معروف في كلامهم (عليهم‌السلام) وحينئذ فالأظهر حملها على بعض المعاني المروية عنهم (عليهم‌السلام) في تفسيرها. وهو جيد ، وأشار بالمعاني المروية عنهم (عليهم‌السلام) الى ما قدمنا ذكره من الأخبار الواردة بتفسيرها. ثم قال ، ويمكن حملها على كمال الإنسانية وهو فعل ما يليق وترك ما لا يليق.

أقول : ويؤيده أن المروة لا تعتبر في أصل الدين إجماعا فلا بد ان يحمل نفى الدين عن من لا مروة له على نفى الكمال فتحمل المروة على كمال الإنسانية كما فسرها به بعض شارحي الكتاب.

(الثاني) ـ القول بأنها عبارة عن مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق ؛ ونقل هذا القول عن جماعة من المتقدمين كابن الجنيد والشيخ في الخلاف والشيخ المفيد في كتاب الاشراف بل ادعى في الخلاف الإجماع عليه ودلالة الأخبار ، وقال (٣) البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ولا أيام الصحابة

__________________

(١) سورة الصف الآية ٢ و ٣.

(٢) الأصول ج ١ ص ١٩ الطبع الحديث.

(٣) في كتاب آداب القضاء من الخلاف ص ٢٣١.

١٨

ولا أيام التابعين وانما هو شي‌ء أحدثه شريك بن عبد الله القاضي (١) ولو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه. انتهى.

أقول : وممن انتصر لهذا القول وبلغ في ترجيحه الغاية الشهيد الثاني في المسالك وتبعه فيه جملة ممن تأخر عنه سيما سبطه السيد السند في المدارك والمحدث الكاشاني والفاضل الخراساني صاحب الذخيرة والكفاية.

أقول : وهذا القول وما قبله وقعا على طرفي الإفراط والتفريط في المقام لأن العدالة بالمعنى الأول لا تكاد توجد إلا في المعصوم أو من قرب من مرتبته كما لا يخفى على ذوي الأفهام ، مع انه لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد مدة مديدة ومخالطة أكيدة وتعمق شديد ولربما لا يتيسر ذلك وبه تنسد أبواب الأمور المشروطة بالعدالة مثل الجمعات والجماعات والفتاوى والشهادات ، واما العدالة بالمعنى الثاني فقد انجر الأمر فيها إلى إثباتها للمخالفين وأعداء الدين والنصاب الذين هم أشد نجاسة من الكلاب كما وردت به الرواية عن أهل بيت النبوة الأطياب (٢) وسيظهر ذلك في ما يأتي قريبا ان شاء الله تعالى في المقام.

وقال شيخنا المشار إليه في كتاب المسالك : إذا شهد عند الحاكم شهود فان عرف فسقهم فلا خلاف في رد شهادتهم من غير احتياج الى بحث وان عرف عدالتهم قبل شهادتهم ولا حاجة الى التعديل وان لم يعرف حالهم في الفسق والعدالة فان لم يعرف إسلامهم وجب البحث ايضا وهذا كله مما لا خلاف فيه ، وان عرف إسلامهم ولم يعرف شيئا آخر من جرح ولا تعديل فهذا مما اختلف فيه الأصحاب والمشهور بينهم خصوصا المتأخرين منهم انه يجب البحث عن عدالتهم ولا يجوز

__________________

(١) ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب ٦ من أبواب كيفية الحكم ان الحاكم إذا اشتبه عليه عدالة الشهود وفسقهم سأل عنهم حتى يعرفهم وذكر في الباب حديثا عن تفسير الإمام العسكري (ع) يتضمن ان رسول الله (ص) كان يبحث عن عدالة الشهود إذا لم يعرفهم.

(٢) ج ٥ ص ١٨٧.

١٩

الاعتماد على ظاهر الإسلام. ثم أورد الآية (١) ورواية ابن ابى يعفور بطريق الشيخ في التهذيب (٢) دليلا لهم وطعن في دلالة الآية وسند الرواية ، ثم نقل عن الشيخ في الخلاف وابن الجنيد والمفيد في كتاب الاشراف ظاهرا الاكتفاء بمجرد الإسلام ثم قال : وباقي المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم بأحد الأمرين بل كلامهم محتمل لهما ، ثم أورد جملة من الروايات الدالة بظاهرها على مجرد الاكتفاء بظاهر الإسلام وسننقلها جميعا ان شاء الله تعالى في المقام ، ثم قال : وهذا القول امتن دليلا وأكثر رواية وحال السلف يشهد به وبدونه لا تكاد تنتظم الأحكام للحكام خصوصا في المدن الكبيرة والقاضي القادم إليها من بعد لكن المشهور الآن بل المذهب خلافه. انتهى ملخصا.

أقول : فيه (أولا) ـ ما أشرنا إليه آنفا من أنه قد انجر الأمر بناء على هذا القول من هذا القائل ومن تبعه فيه الى الحكم بعدالة المخالفين والنصاب من ذوي الأذناب ؛ وهذا من البطلان أظهر من ان يخفى على أحد من ذوي الإيمان فضلا عن العلماء الأعيان كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى قريبا.

و (ثانيا) ـ دلالة ظاهر الآية الشريفة على خلاف ما يدعيه اعنى قوله عزوجل «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (٣) فإنها صريحة الدلالة في اعتبار أمر آخر وراء الإسلام لأن الخطاب فيها للمسلمين وضمير «مِنْكُمْ» راجع إليهم فهي دالة على إسلام الشاهدين فيكون قوله «ذَوَيْ عَدْلٍ» دالا على العدالة بعد حصول الإسلام فهي أمر زائد على مجرد الإسلام.

واما ما أجاب به (قدس‌سره) في المسالك ـ وان اقتفاه فيه من تبعه في ذلك من أن غاية ما تدل عليه الآية الاتصاف بأمر زائد على مجرد الإسلام فنحمله على عدم ظهور الفسق ـ

ففيه انه لا ريب ان المتبادر من لفظ العدالة لغة وعرفا وشرعا ـ كما سيظهر

__________________

(١ و ٣) سورة الطلاق الآية ٢.

(٢) ستأتي ص ٢٥.

٢٠