🚘

شرح دعاء كميل

السيّد عبد الأعلى السبزواري

شرح دعاء كميل

المؤلف:

السيّد عبد الأعلى السبزواري


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: مؤسسة عاشوراء
المطبعة: مطبعة الكوثر
ISBN: 964-7263-74-0
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

٥
٦

٧

رواية كميل بن زياد

روىٰ السيد في الإقبال (١) : أنّ كميل بن زياد قال : كنت جالساً مع مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مسجد البصرة ومعه جماعة من أصحابه ، فقال بعضهم ما معنى ٰقول الله عزَّ وجلَّ : (فيها يفرق كلّ أمر حكيم) ، قال عليه السلام : هي ليلة النّصف من شعبان ، والذي نفس علي يبده إنّه ما من عبد إلّا وجميع ما يجري عليه من خير وشرّ مقسوم له في ليلة النّصف من شعبان إلىٰ آخر السّنة ، في مثل تلك الليلة المقبلة وما من عبد يحييها ويدعو بدعاء الخضر عليه السلام إلَّا أجيب له ، فلمّا انصرف طرقته ليلاً فقال عليه السلام : ما جاء بك يا كميل؟ قلت : يا أمير المؤمنين دعاء الخضر عليه السلام ، فقال : اجلس يا كميل ، إذا حفظت هذا الدعاء فادع به كلّ ليلة جمعة أو في الشهر مرّة أو في السنة مرّة أو في عمرك مرّة ، تكف وتنصر وترزق ولن تعدم المغفرة ، يا كميل أوجب لك طول الصّحبة لنا أن نجود لك بما سألت ثم قال : اكتب :

__________________

(١) إقبال الأعمال ٢ : ٣٢١ ـ ٣٣٨.

٨

دعاء كميل

اَللّـهُمَّ اِنّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء ، وَبِقُوَّتِكَ الَّتي قَهَرْتَ بِها كُلَّ شَيْء ، وَخَضَعَ لَها كُلُّ شَيء ، وَذَلَّ لَها كُلُّ شَيء ، وَبِجَبَرُوتِكَ الَّتي غَلَبْتَ بِها كُلَّ شَيء ، وَبِعِزَّتِكَ الَّتي لا يَقُومُ لَها شَيءٌ ، وَبِعَظَمَتِكَ الَّتي مَلاََتْ كُلَّ شَيء ، وَبِسُلْطانِكَ الَّذي عَلا كُلَّ شَيء ، وَبِوَجْهِكَ الْباقي بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيء ، وَبِأَسْمائِكَ الَّتي مَلاََتْ اَرْكانَ كُلِّ شَيء ، وَبِعِلْمِكَ الَّذي اَحاطَ بِكُلِّ شَيء ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذي اَضاءَ لَهُ كُلُّ شيء ، يا نُورُ يا قُدُّوسُ ، يا اَوَّلَ الاَْوَّلِينَ وَيا آخِرَ الاْخِرينَ ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ ، اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لي كُلَّ ذَنْب اَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ خَطيئَة اَخْطَأتُها ، اَللّهُمَّ اِنّي اَتَقَرَّبُ اِلَيْكَ بِذِكْرِكَ ، وَاَسْتَشْفِعُ بِكَ اِلى نَفْسِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِجُودِكَ اَنْ تُدْنِيَني مِنْ قُرْبِكَ ، وَاَنْ تُوزِعَني شُكْرَكَ ، وَاَنْ تُلْهِمَني ذِكْرَكَ ، اَللّهُمَّ اِنّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ خاضِع مُتَذَلِّل خاشِع اَنْ تُسامِحَني وَتَرْحَمَني وَتَجْعَلَني بِقِسْمِكَ راضِياً قانِعاً وَفي جَميعِ الاَْحْوالِ مُتَواضِعاً ، اَللّهُمَّ

٩

وَأَسْأَلُكَ سُؤالَ مَنِ اشْتَدَّتْ فاقَتُهُ ، وَاَنْزَلَ بِكَ عِنْدَ الشَّدائِدِ حاجَتَهُ ، وَعَظُمَ فيما عِنْدَكَ رَغْبَتُهُ ، اَللّـهُمَّ عَظُمَ سُلْطانُكَ وَعَلا مَكانُكَ وَخَفِي مَكْرُكَ وَظَهَرَ اَمْرُكَ وَغَلَبَ قَهْرُكَ وَجَرَتْ قُدْرَتُكَ وَلا يُمْكِنُ الْفِرارُ مِنْ حُكُومَتِكَ.

اَللّهُمَّ لا اَجِدُ لِذُنُوبي غافِراً ، وَلا لِقَبائِحي ساتِراً ، وَلا لِشَيء مِنْ عَمَلِي الْقَبيحِ بِالْحَسَنِ مُبَدِّلاً غَيْرَكَ لا اِلـهَ إلاّ اَنْتَ سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ ظَلَمْتُ نَفْسي ، وَتَجَرَّأْتُ بِجَهْلي وَسَكَنْتُ اِلى قَديمِ ذِكْرِكَ لي وَمَنِّكَ عَلَيَّ.

اَللّهُمَّ مَوْلاي كَمْ مِنْ قَبيح سَتَرْتَهُ وَكَمْ مِنْ فادِح مِنَ الْبَلاءِ اَقَلْتَهُ (اَمَلْتَهُ) وَكَمْ مِنْ عِثار وَقَيْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ مَكْرُوه دَفَعْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ ثَناء جَميل لَسْتُ اَهْلاً لَهُ نَشَرْتَهُ.

اَللّهُمَّ عَظُمَ بَلائي وَاَفْرَطَ بي سُوءُ حالي ، وَقَصُرَتْ (قَصَّرَتْ) بي اَعْمالي وَقَعَدَتْ بي اَغْلالى ، وَحَبَسَني عَنْ نَفْعي بُعْدُ اَمَلي (آمالي) ، وَخَدَعَتْنِي الدُّنْيا بِغُرُورِها ، وَنَفْسي بِجِنايَتِها (بِخِيانَتِها) وَمِطالي يا سَيِّدي فَأَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ اَنْ لا يَحْجُبَ عَنْكَ دُعائي سُوءُ عَمَلي وَفِعالي ، وَلا تَفْضَحْني بِخَفِي مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْ سِرّى ، وَلا تُعاجِلْني بِالْعُقُوبَةِ عَلى ما عَمِلْتُهُ في خَلَواتي مِنْ سُوءِ فِعْلي وَإساءَتي وَدَوامِ تَفْريطي وَجَهالَتي وَكَثْرَةِ شَهَواتي وَغَفْلَتي ، وَكُنِ اللّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لي في كُلِّ الاَْحْوالِ (فِي الاَْحْوالِ كُلِّها) رَؤوفاً وَعَلَي في جَميعِ الاُْمُورِ عَطُوفاً.

اِلـهي وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ أَسْأَلُهُ كَشْفَ ضُرّي وَالنَّظَرَ في اَمْري؟

اِلهي وَمَوْلاي اَجْرَيْتَ عَلَي حُكْماً اِتَّبَعْتُ فيهِ هَوى نَفْسي وَلَمْ اَحْتَرِسْ فيهِ مِنْ تَزْيينِ عَدُوّي ، فَغَرَّني بِما اَهْوى وَاَسْعَدَهُ عَلى ذلِكَ الْقَضاءُ فَتَجاوَزْتُ بِما جَرى عَلَي مِنْ ذلِكَ بَعْضَ حُدُودِكَ ، وَخالَفْتُ بَعْضَ اَوامِرِكَ فَلَكَ الْحَمْدُ (اَلْحُجَّةُ) عَلي في جَميعِ ذلِكَ وَلا حُجَّةَ لي فيما جَرى عَلَيَّ فيهِ قَضاؤُكَ وَاَلْزَمَني حُكْمُكَ وَبَلاؤُكَ ، وَقَدْ

١٠

اَتَيْتُكَ يا اِلـهي بَعْدَ تَقْصيري وَاِسْرافي عَلى نَفْسي مُعْتَذِراً نادِماً مُنْكَسِراً مُسْتَقيلاً مُسْتَغْفِراً مُنيباً مُقِرّاً مُذْعِناً مُعْتَرِفاً لا اَجِدُ مَفَرّاً مِمّا كانَ مِنّي وَلا مَفْزَعاً اَتَوَجَّهُ اِلَيْهِ في اَمْري غَيْرَ قَبُولِكَ عُذْري وَاِدْخالِكَ اِيّايَ في سَعَة مِنْ رَحْمَتِكَ.

اِلـهي فَاقْبَلْ عُذْري وَارْحَمْ شِدَّةَ ضُرّي وَفُكَّني مِنْ شَدِّ وَثاقي ، يا رَبِّ ارْحَمْ ضَعْفَ بَدَني وَرِقَّةَ جِلْدي وَدِقَّةَ عَظْمي ، يا مَنْ بَدَأَ خَلْقي وَذِكْري وَتَرْبِيَتي وَبِرّى وَتَغْذِيَتي هَبْني لاِبـْتِداءِ كَرَمِكَ وَسالِفِ بِرِّكَ بي يا اِلـهي وَسَيِّدي وَرَبّي ، اَتُراكَ مُعَذِّبي بِنارِكَ بَعْدَ تَوْحيدِكَ وَبَعْدَ مَا انْطَوى عَلَيْهِ قَلْبي مِنْ مَعْرِفَتِكَ وَلَهِجَ بِهِ لِساني مِنْ ذِكْرِكَ ، وَاعْتَقَدَهُ ضَميري مِنْ حُبِّكَ ، وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرافي وَدُعائي خاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ ، هَيْهاتَ اَنْتَ اَكْرَمُ مِنْ اَنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ اَوْ تُبْعِدَ (تُبَعِّدَ) مَنْ اَدْنَيْتَهُ اَوْ تُشَرِّدَ مَنْ اوَيْتَهُ اَوْ تُسَلِّمَ اِلَى الْبَلاءِ مَنْ كَفَيْتَهُ وَرَحِمْتَهُ.

وَلَيْتَ شِعْرى يا سَيِّدي وَاِلـهي وَمَوْلايَ اَتُسَلِّطُ النّارَ عَلى وُجُوه خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ ساجِدَةً ، وَعَلى اَلْسُن نَطَقَتْ بِتَوْحيدِكَ صادِقَةً ، وَبِشُكْرِكَ مادِحَةً ، وَعَلى قُلُوب اعْتَرَفَتْ بِاِلهِيَّتِكَ مُحَقِّقَةً ، وَعَلى ضَمائِرَ حَوَتْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ حَتّى صارَتْ خاشِعَةً ، وَعَلى جَوارِحَ سَعَتْ اِلى اَوْطانِ تَعَبُّدِكَ طائِعَةً وَاَشارَتْ بِاسْتِغْفارِكَ مُذْعِنَةً ، ما هكَذَا الظَّنُّ بِكَ وَلا اُخْبِرْنا بِفَضْلِكَ عَنْكَ يا كَريمُ يا رَبِّ وَاَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفي عَنْ قَليل مِنْ بَلاءِ الدُّنْيا وَعُقُوباتِها وَما يَجْري فيها مِنَ الْمَكارِهِ عَلى اَهْلِها ، عَلى اَنَّ ذلِكَ بَلاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَليلٌ مَكْثُهُ ، يَسيرٌ بَقاؤُهُ ، قَصيرٌ مُدَّتُهُ فَكَيْفَ احْتِمالي لِبَلاءِ الاْخِرَةِ وَجَليلِ (حُلُولِ) وُقُوعِ الْمَكارِهِ فيها وَهُوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَدُومُ مَقامُهُ وَلا يُخَفَّفُ عَنْ اَهْلِهِ لاَِنَّهُ لا يَكُونُ إلاّ عَنْ غَضَبِكَ وَاْنتِقامِكَ وَسَخَطِكَ ، وَهذا ما لا تَقُومُ لَهُ السَّمـاواتُ وَالاَْرْضُ يا سَيِّدِي فَكَيْفَ لي (بي) وَاَنَا عَبْدُكَ الضَّعيـفُ الـذَّليـلُ الْحَقيـرُ الْمِسْكيـنُ

١١

الْمُسْتَكينُ.

يا اِلهي وَرَبّي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ لاَِيِّ الاُْمُورِ اِلَيْكَ اَشْكُو وَلِما مِنْها اَضِجُّ وَاَبْكي لاَِليمِ الْعَذابِ وَشِدَّتِهِ ، اَمْ لِطُولِ الْبَلاءِ وَمُدَّتِهِ ، فَلَئِنْ صَيَّرْتَنى لِلْعُقُوباتِ مَعَ اَعْدائِكَ وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَهْلِ بَلائِكَ وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَحِبّائِكَ وَاَوْليائِكَ ،

فَهَبْني يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ ، وَهَبْني (يا اِلـهي) صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ اِلى كَرامَتِكَ اَمْ كَيْفَ اَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ.

فَبِعِزَّتِكَ يا سَيِّدى وَمَوْلايَ اُقْسِمُ صادِقاً لَئِنْ تَرَكْتَني ناطِقاً لاَِضِجَّنَّ اِلَيْكَ بَيْنَ اَهْلِها ضَجيجَ الاْمِلينَ (الاْلِمينَ) وَلاََصْرُخَنَّ اِلَيْكَ صُراخَ الْمَسْتَصْرِخينَ ، وَلاََبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بُكاءَ الْفاقِدينَ ، وَلاَُنادِيَنَّكَ اَيْنَ كُنْتَ يا وَلِيَّ الْمُؤْمِنينَ ، يا غايَةَ آمالِ الْعارِفينَ ، يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ ، يا حَبيبَ قُلُوبِ الصّادِقينَ ، وَيا اِلهَ الْعالَمينَ.

اَفَتُراكَ سُبْحانَكَ يا اِلهى وَبِحَمْدِكَ تَسْمَعُ فيها صَوْتَ عَبْد مُسْلِم سُجِنَ (يُسْجَنُ) فيها بِمُخالَفَتِهِ ، وَذاقَ طَعْمَ عَذابِها بِمَعْصِيَتِهِ وَحُبِسَ بَيْنَ اَطْباقِها بِجُرْمِهِ وَجَريرَتِهِ وَهُوَ يَضِجُّ اِلَيْكَ ضَجيجَ مُؤَمِّل لِرَحْمَتِكَ ، وَيُناديكَ بِلِسانِ اَهْلِ تَوْحيدِكَ ، وَيَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِرُبُوبِيَّتِكَ ، يا مَوْلايَ فَكَيْفَ يَبْقى فِي الْعَذابِ وَهُوَ يَرْجُو ما سَلَفَ مِنْ حِلْمِكَ ، اَمْ كَيْفَ تُؤْلِمُهُ النّارُ وَهُوَ يَأْملُ فَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ اَمْ كَيْفَ يُحْرِقُهُ لَهيبُها وَاَنْتَ تَسْمَعُ صَوْتَهُ وَتَرى مَكانَه اَمْ كَيْفَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ زَفيرُها وَاَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَهُ ، اَمْ كَيْفَ يَتَقَلْقَلُ بَيْنَ اَطْباقِها وَاَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقَهُ ، اَمْ كَيْفَ تَزْجُرُهُ زَبانِيَتُها وَهُوَ يُناديكَ يا رَبَّهُ ، اَمْ كَيْفَ يَرْجُو فَضْلَكَ في عِتْقِهِ مِنْها فَتَتْرُكُهُ فيها هَيْهاتَ ما ذلِكَ الظَّنُ بِكَ وَلاَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فَضْلِكَ وَلا مُشْبِهٌ لِما عامَلْتَ بِهِ الْمُوَحِّدينَ مِنْ بِرِّكَ

١٢

وَاِحْسانِكَ.

فَبِالْيَقينِ اَقْطَعُ لَوْ لا ما حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذيبِ جاحِديكَ ، وَقَضَيْتَ بِهِ مِنْ اِخْلادِ مُعانِدِيكَ لَجَعَلْتَ النّارَ كُلَّها بَرْداً وَسَلاماً وَما كانَت لاَِحَد فيها مَقَرّاً وَلا مُقاماً لكِنَّكَ تَقَدَّسَتْ اَسْماؤُكَ اَقْسَمْتَ اَنْ تَمْلاََها مِنَ الْكافِرينَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ اَجْمَعينَ ، وَاَنْ تُخَلِّدَ فيهَا الْمُعانِدينَ وَاَنْتَ جَلَّ ثَناؤُكَ قُلْتَ مُبْتَدِئاً ، وَتَطَوَّلْتَ بِالاًِنْعامِ مُتَكَرِّماً (اَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) ، اِلهى وَسَيِّدى فَأَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتى قَدَّرْتَها ، وَبِالْقَضِيَّةِ الَّتي حَتَمْتَها وَحَكَمْتَها وَغَلَبْتَ مَنْ عَلَيْهِ اَجْرَيْتَها اَنْ تَهَبَ لى فى هذِهِ اللَّيْلَةِ وَفي هذِهِ السّاعَةِ كُلَّ جُرْم اَجْرَمْتُهُ ، وَكُلَّ ذَنْب اَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ قَبِيح اَسْرَرْتُهُ ، وَكُلَّ جَهْل عَمِلْتُهُ ، كَتَمْتُهُ اَوْ اَعْلَنْتُهُ اَخْفَيْتُهُ اَوْ اَظْهَرْتُهُ ، وَكُلَّ سَيِّئَة اَمَرْتَ بِاِثْباتِهَا الْكِرامَ الْكاتِبينَ الَّذينَ وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ ما يَكُونُ مِنّي وَجَعَلْتَهُمْ شُهُوداً عَلَيَّ مَعَ جَوارِحي ، وَكُنْتَ اَنْتَ الرَّقيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرائِهِمْ ، وَالشّاهِدَ لِما خَفِيَ عَنْهُمْ ، وَبِرَحْمَتِكَ اَخْفَيْتَهُ ، وَبِفَضْلِكَ سَتَرْتَهُ ، وَاَنْ تُوَفِّرَ حَظّي مِنْ كُلِّ خَيْر اَنْزَلْتَهُ (تُنَزِّلُهُ) اَوْ اِحْسان فَضَّلْتَهُ اَوْ بِرٍّ نَشَرْتَهُ (تَنْشُرُهُ) اَوْ رِزْق بَسَطْتَهُ (تَبْسُطُهُ) اَوْ ذَنْب تَغْفِرُهُ اَوْ خَطَأ تَسْتُرُهُ.

يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ يا اِلهي وَسَيِّدي وَمَوْلايَ وَمالِكَ رِقّى ، يا مَنْ بِيَدِهِ ناصِيَتى يا عَليماً بِضُرّى (بِفَقْرى) وَمَسْكَنَتى ، يا خَبيراً بِفَقْرى وَفاقَتى.

يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ وَقُدْسِكَ وَاَعْظَمِ صِفاتِكَ وَاَسْمائِكَ اَنْ تَجْعَلَ اَوْقاتي مِنَ (فِي) اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بِذِكْرِكَ مَعْمُورَةً ، وَبِخِدْمَتِكَ مَوْصُولَةً ، وَاَعْمالى عِنْدَكَ مَقْبُولَةً حَتّى تَكُونَ اَعْمالي وَاَوْرادى (وَاِرادَتي) كُلُّها وِرْداً واحِداً وَحالى فى خِدْمَتِكَ سَرْمَداً.

يا سَيِّدي يا مَنْ عَلَيْهِ مُعَوَّلي يا مَنْ اِلَيْهِ شَكَوْتُ اَحْوالي يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ ، قَوِّ

١٣

عَلى خِدْمَتِكَ جَوارِحى وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزيمَةِ جَوانِحي وَهَبْ لِيَ الْجِدَّ في خَشْيَتِكَ ، وَالدَّوامَ فِي الاِْتِّصالِ بِخِدْمَتِكَ ، حَتّى اَسْرَحَ اِلَيْكَ في مَيادينِ السّابِقينَ وَاُسْرِعَ اِلَيْكَ فِي الْبارِزينَ (الْمُبادِرينَ) وَاَشْتاقَ اِلى قُرْبِكَ فِي الْمُشْتاقينَ وَاَدْنُوَ مِنْكَ دُنُوَّ الُْمخْلِصينَ ، وَاَخافَكَ مَخافَةَ الْمُوقِنينَ ، وَاَجْتَمِعَ فى جِوارِكَ مَعَ الْمُؤْمِنينَ.

اَللّهُمَّ وَمَنْ اَرادَني بِسُوء فَاَرِدْهُ وَمَنْ كادَني فَكِدْهُ ، وَاجْعَلْني مِنْ اَحْسَنِ عَبيدِكَ نَصيباً عِنْدَكَ ، وَاَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ ، وَاَخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَيْكَ ، فَاِنَّهُ لا يُنالُ ذلِكَ إلاّ بِفَضْلِكَ ، وَجُدْ لي بِجُودِكَ وَاعْطِفْ عَلَيَّ بِمَجْدِكَ وَاحْفَظْني بِرَحْمَتِكَ ، وَاجْعَلْ لِسانى بِذِكْرِكَ لَهِجَاً وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ اِجابَتِكَ ، وَاَقِلْني عَثْرَتي وَاغْفِرْ زَلَّتي ، فَاِنَّكَ قَضَيْتَ عَلى عِبادِكَ بِعِبادَتِكَ ، وَاَمَرْتَهُمْ بِدُعائِكَ ، وَضَمِنْتَ لَهُمُ الاِْجابَةَ ، فَاِلَيْكَ يا رَبِّ نَصَبْتُ وَجْهي وَاِلَيْكَ يا رَبِّ مَدَدْتُ يَدي ، فَبِعِزَّتِكَ اسْتَجِبْ لي دُعائي وَبَلِّغْني مُنايَ وَلا تَقْطَعْ مِنْ فَضْلِكَ رَجائي ، وَاكْفِني شَرَّ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ مِنْ اَعْدائي ، يا سَريعَ الرِّضا اِغْفِرْ لِمَنْ لا يَمْلِكُ إلاّ الدُّعاءَ فَاِنَّكَ فَعّالٌ لِما تَشاءُ ، يا مَنِ اسْمُهُ دَواءٌ وَذِكْرُهُ شِفاءٌ وَطاعَتُهُ غِنىً ، اِرْحَمْ مَنْ رَأْسُ مالِهِ الرَّجاءُ وَسِلاحُهُ الْبُكاءُ.

يا سابِـغَ النِّعَمِ ، يا دافِعَ النِّقَمِ ، يا نُورَ الْمُسْتَوْحِشينَ فِي الظُّلَمِ ، يا عالِماً لا يُعَلَّمُ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَافْعَلْ بي ما اَنْتَ اَهْلُهُ وَصَلَّى اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَالاَْئِمَّةِ الْمَيامينَ مِنْ آلِهِ (اَهْلِهِ) وَسَلَّمَ تَسْليماً كَثيراً.

١٤

بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

الحمد لله الفرد العلي الذي أشرقت بسبحات وجهه نجوم سماوات الأرواح ، وتلألأ بلمعات ظلال إشراقاته تخوم أراضي الأشباح ، الأحد الصمد الذي لما عنده من الكمالات قد ندب إليه المفتاقون (١) في الغدو والرواح ، بل استصرخ لديه المذنبون والمشتاقون في كلّ مساء وصباح ، المدعوّ المرجوّ الذي كلّ من دعاه صادقاً كئيباً محرور الكبد فقد كشف عنه السوء وأعطاه سؤله حتّىٰ اطمأن من الاضطراب واستراح.

والصلاة علىٰ مثل نوره الذي هو مشكاة فيها مصباح ، الذي اقتبس كلّ مستنير من أنواره السنيّة سراجاً لنادي قلبه ، حتىٰ يميز به الخبيث من الطيب والمحظور م المباح ، وعلىٰ آله القدّيسين الذين هم هداة الخلائق إلىٰ سبيل الفلاح والنجاح ، والمبرّؤون المنزّهون عن النقيصة والساكنون في الضراح ، والكلمات التامّات والأسماء الحسنىٰ الذين هم ضنائن الله الفتّاح المرتاح.

وبعد ، فيقول الفقير الحقير المحتاج إلىٰ رحمة ربّه البارئ ، عبدالأعلىٰ بن محمد

__________________

(١) المفتاق : المحتاج.

١٥

القاضي السبزواري ـ غفر الله لهما ـ : لمّا رأيت الدعاء المنسوب إلىٰ كميل بن زياد ـ الذي علّمه الإمام الهمام القمقام ، الوصي الحاكم بالنص الجلي أعني : مركز دائرة المطالب ، سيد المشارق والمغارب ، أسد الله الغالب ، علي بن أبي طالب عليه السلام ـ دعاة أسانيده عالية ، تراكيبه شامخة ، اندرج في مضامينه مطالب رفيعة ، وإشارات منيعة ، جارياً علىٰ ألسنة أهل الذكر أكثر الأوقات ، ولا سيّما ليالي الجمعات ، وقد كنت دهراً طويلاً دعوت به في منتصف ليالي الجمعة ، ناوياً في قراءته إنجاح بعض مآربي ، مستعفياً لجرائمي ، مستغفراً لمآثمي ، إلىٰ أن سنح لي أن أشرحه شرحاً يمتاز عن العبارات إشاراتها ، تسهيلاً للوصول إلىٰ معانيها الغامضة ومقاصدها القاصية. وحيث ما كان ممّا يمتسك به المذنبون ، ويعتصم به الخاطئون ، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

وكنت في دولة عليّة ، قد رقد الناس فيها في مهاد الأمن والأمان ، وقعدوا عن الإجراء في البغي والاعتساف والطغيان ، ومن غاية الفراغ والارتياح تشتهي الضُئين أن ترتع مع الفهود والذؤيان؛ من مهابة صاحبها السلطان ابن السلطان وخاقان ابن خاقان ، ناصر الملّة والدولة والدين ، قهرمان الماء والطين ، ناصر الدين ، شاه قاجار ، خلّد الله ملكه وسلطانه ، وأبّد عيشه ، وأيد جيشه ، ونصر أعوانه.

فها أنا خائض في المقصود ، بعون الله الملك المعبود ، فقال السائل :

١٦

بسم الله الرحمن الرحيم

(اللهمّ)

أصله : «يا الله» ، فحذفت كلمة «يا» وعُوّض عنها الميم المشدّدة ، تفخيماً وتعظيماً له تعالىٰ.

قال الشيخ أبو علي رحمه الله : «الميم فيه عوض عن «يا» ، ولذلك لا يجتمعان ، وهذا من خصائص هذا الاسم ، كما اختص «التاء» فيي القَسم» (١).

وقال الفراء : «أصل «اللهم» يا الله آمنّا بالخير ، أي اقصدنا به ، فخّفف بالحذف؛ لكثرة الدوران علىٰ الألسنة» (٢).

والشيخ الرضي (٣) ردّ هذا الكلام بأنّه يقال أيضاً : اللهم لا تؤمهم بالخير ، و «الله» قيل (٤) : هو غير مشقق من شيء ، بل هو علم لزمته الألف واللام.

وقال سيبويه : «هو مشتق ، وأصله : إلٰه ، دخلت عليه الألف واللام فصار : الإلٰه ، ثم نُقلت حركة الهمزة إلىٰ اللام ، وسقطت فبقي (الله) ، فاُسكنت اللام الاُولىٰ واُدغمت ، وفُخّم تعظيماً ، لكنه ترقّق مع كسر ما قبله» (٥).

ويؤيد كلام سيبويه ما ورد في بعض الأخبار ، ومنه قوله عليه السلام : (يا هشام الله مشتق من إله ، والإلٰه يقتضي مألوهاً) (٦) ، (كان إلٰهاً إذ لا مألوه) (٧).

وذكر صدر المتألّهين سبزواري رحمه الله ، في ابتداء شرح دعاء الصباح كلاماً

__________________

(١) «مجمع البيان» ج ٢ ، ص ٥٤٨.

(٢) انظر : «مجمع البيان» ج ٢ ، ص ٥٤٨ ، «لسان العرب» ، ج ١ ، ص ١٩٠ ، مادة «أله».

(٣) «شرح الرضي علىٰ الكافية» ج ١ ، ص ٣٨٤.

(٤) القائل هو أبو الهيثم. انظر «لسان العرب» ج ١ ، ص ١٨٨ ، مادة «أله».

(٥) كتاب سيبويه : ج ٢ ، ص ١٩٥.

(٦) «الكافي» ج ١ ، ص ٨٧ ، ح ٢.

(٧) «الكافي» ج ١ ، ص ١٣٩ ، ح ٤ وفيه : (كان رباً إذ لا مربوب ، وإلهاً إذ لا مألوه).

١٧

يدلُّ علىٰ عدم اشتقاقه من شيء فإنّه قال : «أصل «الله» ، كأن الهاء المستديرة؛ لمناسبة أنَّ الدائرة أفضل الأشكال وأصلها ، وأنها لا نهاية لها؛ إذ الخط ينتهي بالنقظة وهي طرف الخط ، ولا طرف للدائرة ، وأنّ البدء والختم فيها واحد ، وقد تكتب بالدائرتين إشارة إلىٰ الجمال والجلال ، وقد تكتب بدائرة واحدة إشارة إلىٰ أنّ صفاته الحقيقية عين ذاته تعالىٰ. هذه هي المناسبة بحسب الرسم والكَتْب.

وأمّا المناسبة بحسبة اللفظ والنظق ، فلأنها جارية علىٰ أنفاس الحيوانات كلّها ، سواء كانت أهل الذكر والعلم بالعلم التركيبي أو بالعلم البسيط.

ثم اُعرب بالضمّة ، إشارة إلىٰ ترفّع المسمّىٰ ، ثم تارةً اُشبع ، إشارةً إلىٰ أنّه تعالىٰ فوق التمام ، وأنّه فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهىٰ عدّة ومدّة وشدّة ، فصار بالإشباع (هو) (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (١).

وتارة اُدخل عليه لام الاختصاص والتمليك ، فصار : (له) فـ (لَهُ الخلقُ والأمرُ) (٢). ثم اُشبع فتح اللام ، إشارة إلىٰ أنه من عنده الفتوح التامّ ، فصار (لاه). ثمّ اُدخل عليه لام التعريف ، إشارة إلىٰ أنه تعالىٰ معروف ذاته لذاته ولما سواه (أَفِي اللهِ شَكُّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (٣) فصار (الله)» (٤) انتهىٰ كلامه.

ثمّ إنَّ العلماء أطبقوا علىٰ أنَّ هذا الاسم الشريف هو الاسم الأعظم ، وفيه أسرار لا تعدّ ولا تحصىٰ : لأنّه ـ علىٰ الأصح ـ عَلَم للذات المقدّسة الجامعة لجميع الصفات العليا والأسماء الحسنىٰ.

وفي الحديث : سُئل عليه السّلام عن معنىٰ (الله) فقال : (استولىٰ علىٰ ما دقّ وجلّ) (٥).

وفيه أيضاً : (الله معنىً يُدلّ عليه بهذه الأسماء ، وكلّها غيره) (٦).

أراد عليه السّلام أنّ سائر الأسماء معانيها مشمولة للذات الواجبة الجامعة لجميع صفات

__________________

(١) «الاخلاص» الآية : ١.

(٢) «الأعراف» الآية : ٥٤.

(٣) «إبراهيم» الآية : ١٠.

(٤) «شرح دعاء الصباح» ص ٤ ـ ٥ ، بتفاوت.

(٥) «الكافي» ج ١ ، ص ١١٥ ، ح ٣.

(٦) «الكافي» ج ١ ، ص ١١٤ ، ح ٢.

١٨

الكمالات ، التي هي مسمّىٰ الاسم (الله) بخلاف تلك الأسماء ، فإنّ كلاً منها يدلّ علىٰ الذات ولكن لا مطلقاً ، بل ملحوظاً بتعيّن من التعيّنات النورية ، وسيأتي توضيح ذلك عند قوله : (وبأسمائك التي ملأت أركان كلّ شيء) ، إن شاء الله تعالىٰ.

(إنّي)

أثبت السائل لنفسه الإنيّة ، إشعاراً بأنّه ممسوس في إنيّة الإنيّات ، كما ورد : (إنّ عليّاً ممسوس في الله) (١) أو إشارة بأنه ممسوس بالوجود ، والوجود إشراق الله تعالىٰ : (اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (٢).

وهذا الامتساس من أعظم النعماء التي أنعمه الله بها ، فحدّث بهذه النعمة العظمىٰ والمنّة القصوىٰ ، امتثالاً لقوله تعالىٰ : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (٣).

هذا ، وإن كان إثات الإنية للنفس من أعظم الخطايا عند أصحاب الحقيقة وأرباب العيان ، كما قيل :

 ..................

وجودك ذنب لا يقاس به ذنب

وقيل :

بيني وبينك إنّي ينازعني

فارفع بلطفك إنّيِ من البين (٤)

إلّا إنّه من باب : (حسنات الأبرار سيئات المقرّبين) (٥).

وبالإضافة وتوضيح المقام : أنّه لمّا كان المقام مقام التضرّع والابتهال ـ كما قال تعالىٰ : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٦) وقال : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي

__________________

(١) «بحار الأنوار» ج ٣٩ ، ص ٣١٣ ، ج ١٠٧ ، ص ٣١.

(٢) «النور» الآية : ٣٥.

(٣) «الضحىٰ» الآية : ١١.

(٤) «ديوان الحلّاج» ص ١٦٠.

(٥) «بحار الأنوار» ج ٢٥ ، ص ٢٠٥.

(٦) «الأعراف» الآية : ٥٥.

١٩

نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) (١) ـ أشار السائل إلىٰ أنّه في أسئلته ودعواته ليس ممّن كتم ما أنعمه المنعم وتكدّىٰ في أزياد النعمة ضنّة وولعاً ، وإمسكاً وهلعاً ، بل اعترف في أوّل الأمر وابتداء الحال بأنّه من المستغرقين في آلائه تعالىٰ ، ومن المستخلعين بخلعه الفاخرة ، من الوجود والحياة والقدرة والعلم والعرفان ، وغير من لواحق الوجود التي دارت معه حيثما دار ، كما قيل :

نور أو آز يمن ويسار وتحت وفوق

بر سر وبر گردنم افكنده طوق

كمن ليس ثياب الخلعة ، وقام عند منعمه تعظيماً لإكرامه ، وحامداً لأنعامه ، قائلاً بلسان حاله الذي هو أفصح من لسان قاله ، بل أصدق منه : ربّ (لا اُحصي ثناء عليك ، أنتَ كما أثنيتَ علىٰ نفسك) (٢).

گر بهر مولى زبانى باشدم

شكر يك نعمت نگويم آز هزار

وبالجملة ، ففي أمثال هذا المقام إن أثبت السائلون لنفوسهم الإنيّة فعلىٰ ضرب من الحجاز ؛ لأنّه ـ كما حقق في موضعه ـ شيئية الشيء كانت بصورته وتمامه ، وتعاميته بفاعله وعلّته ، كما قال الحكماء : نسبة الشيء إلىٰ فاعله بالوجوب والوجدان ، وإلىٰ قابله بالإمكان والفقدان.

ومن المعلوم أنّ فوق التمام وعلّة العلل وفاعل الفواعل هو الحقّ الأوّل الجاعل تعالىٰ شأنه ، فالإشارة وإلىٰ النفس في الحقيقة إشارة إلىٰ مقوّمها سواء كان المشير من ذوي الاستشعار بهذا أم لا.

تو دير بزى كه من برفتم زنسيان

گر من گويم زمن توئى مقصود

__________________

(١) «الأعراف» الآية : ٢٠٥

(٢) «مصباح الشريعة» ص ٥٦.

٢٠