أضواء على دعاء كميل

المؤلف:

عز الدين بحر العلوم


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيْم

وَله الحَمدُ ، وَبهِ نستعِينُ

وَالصَلاة ، وَالسَلام عَلى خير خلقهِ محمَّد ، وَآلهِ

الطَيِّبينَ الطاهِرينَ

٥
٦

مع القارئ :

أستميح (قاريء الكريم) العذر اذا طلبت منه أن يسمح لي من وقته الغالي دقائع معدودات لأتحدث معه عما يقوم به بعض القراء الذين يكون همهم الشاغل المرور على المكتبات ، والتطلع على ما تقدمه المطابع من نتاج جديد. فقد يقع كتابي هذا بين يديه ، ويبدأ بتأمل عنوانه ، ويشرع في تقليب بعض صفحاته. وقبل أن يقرأ منه المقدار الكافي ، أولا أقل من تصفح جدول الفهرسة يضعه جانباً والعجب يأخذ منه مأخذه ، فهو لا يطيق أن يرى لمثل ا لدعاء موضوعاً يستدعي الاهتمام الكثير في وقت وصل فيه ركب العلم ، وموكب الحضارة الى ما نحن عليه الآن من التطور ، والتقدم بفضل ما يبذله العلماء من جهود مكثفة في سبيل الوصول الى اكثر ما يمكن تحقيقه في مجال الاكتشاف العلمي. وإذا بالانسان بفضل هذه الجهود يتجاوز فيصل ، ويكتشف أسرار ما يحيط بهذا الكون من معلومات دقيقة ، والتي كانت السبب في ازدهار هذه النهضة العلمية. لذلك نراه ينعى على مثل هذه البحوث التي ربما يرى فيها إضاعة للوقت ، وإماتة للروح البشرية في عصر العلم ، والتقدم.

ومن هنا :

ومن هذا المنطلق أبدأ حديثي مع هؤلاء النفر من القراء فأقول :

٧

مهما تقدم العلم ، وقطعت الحضارة أشواطاً بعيدة في هذه الحياة فان كل ذلك يكون من موجبات ازدياد الثقة بالله تعالى ، وترسيخ قواعد الإيمان به ، والاعتراف بعظمته ، وقدرته. ذلك لأن مجاهر العلم مهما اكتشفت ، وتقدمت فإنها لا تصل الى حل غوامض بعض ما ينطوي عليه هذا الكون من أسرار أرضية ، أو سماوية (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (١).

وإذا كانت كل هذه الاكتشافات نوافذ نطلع منها على عظمة الله ، وقدرته ، فإن الدعاء في حد ذاته هو المدرسة التي نتعلم فيها كيف نعيش ، وكيف نفكر ، وكيف نسلك مع الله ، ومع الناس ، ومع أنفسنا.

ولهذا فالدعاء ليس كما يحلو للبعض أن يعبر عنه بانه : الملهاة المحببة لقلوبٍ أماتها التصوف ، وأفكار خيمت عليها العزلة. بل الدعاء هو المادة الأساسية للغذاء الروحي للإنسان ، فكما يحتاج الفرد منا الى الغذائين : الجسمي والعقلي ، كذلك هو بأمس الحاجة الى ما ينمي الروح ، وينشطها فإن نشاط الجسم بنشاط الروح ، وتقوية معنوياتها.

لذلك نرى علماء النفس يؤكدون بأن نسبة القتل ، والانتحار والطلاق ، والتشاكس ، وكل الأعمال التي تكون مسببة عن الغضب ، واليأس ، والحرمان عند المعتقدين بالدعاء أقل منها عند غير المعتقدين به.

__________________

(١) سورة الإسراء : آية (٨٥).

٨

ويأتي ذلك نتيجة تأثير الدعاء على النفس ، وتصفيتها وتحليقها الى اجواء الله الرفيعة لتعيش مطمئنة في رحابه الطاهرة وبذلك تنشط ، وتقوى على أداء أعمالها على النحو الأكمل.

قارئي العزيز :

أود أن لا أكون قد أثقلت عليك بهذه السطور ، وكل ما أرجوه منك ، وأنا أختم حديثي معك أن تشاركني لنهمس معاً في أذن هؤلاء النفر الكلمة الأخيرة قائلين لهم : في هذه المواقف ... إما أن يمر أحدكم على كل كتاب ، أو مقالٍ يقع بين يديه مروراً عابراً من دون إبداء رأي ، أو تعليق ، أو يحكم ، ويدلي برأيه ... ولكن بعد أن يحيط بجوانب ذلك الموضوع ، ويكوّن فكرة عنه. وفي هذه الصورة فقط تكون لك كامل الحرية في إبداء وجهة نظرك ، وتقييم ما يقع بين يديك من كتاب ، أو مقال.

وبذلك نضمن للمؤلف ، او الكاتب حقه في تقييم ما قدمه للقراء من نتاج فكري.

والله هو الموفق ، وهو المسدد للصواب.

عزالدين السيد علي بحر العلوم

النجف الاشرف

١٢ / شعبان / ١٤٠٤ / هجرية

٩
١٠

في رحَابِ اللهِ :

لقد دأب المؤلفون على الكتابة في شتى العلوم ـ ومن قديم الزمان ـ ولم يتوجهوا الى شيء إلا وتناولوه بحثاً ، وتنقيباً فكان من ذلك أن ذخرت المكتبات بنتاجهم في مختلف المواضيع ، وعلى جميع الأشكال : تأليفاً ، وتحقيقاً ، وتعليقاً.

وتلقى القراء من معاصريهم ، أو ممن سبقهم من المؤلفين القدامى ذلك النتاج ، فكان الدرس النافع ، والضوء الذي ينير الدرب للسالكين.

وانتشر الكتاب ، وزادت حدة التأليف نتيجة التوسع الفكري وعلى الأخص في الفترات الأخيرة حيث تكاثرت دور النشر والطباعة ، وساعدت المطابع الحديثة على توفير الإنتاج وإخراجه بشكل جميل.

ولكن المطامع الكريم يلاحظ من خلال كل ذلك أن حصة الدعاء عرضاً ، وشرحاً ، وتحقيقاً من هذه المسيرة الراكضة قليل جداً رغم ما تزخر به المكتبة العربية ، والإِسلامية من كتب الأدعية ، والأذكار من جميع المذاهب الإِسلامية ، بل وغير الإِسلامية من بقية الأديان السماوية حتى كان نصيب الكثير منها التلف كما هو الحال في كثير من المخطوطات. لقد أهمل المؤلفون هذا الجانب ، فكان من جراء ذلك وجود الفراغ في هذا الحقل.

١١

وحيث كان الدعاء هو الواجهة التي يتوخى الداعي إيصال ما تنطوي عليه نفسه الى الغير عبر الفقرات الدعائية لذلك كان هو المعبر عن حصيلة أفكار الداعي في المجال الذي يدعو به وإذاً : فلا غرابة لو كان الدعاء محتاجاً في كثير من فقراته ، وفصوله الى الشرح ، والتحقيق ، وبيان النقاط التوجيهية التي يقصدها الداعون من وراء ادعيتهم تقرباً منهم الى الله تعالى في كل ما يقدمونه ومن هذا المنطق الفكري اخترت (في رحاب الله) عنواناً لهذه السلسلة الدعائية أتوخى من وراء ذلك أن أنتاول بعض الأدعية التي أراها بحاجة الى البحث ، وبيان ما تنطوي عليه فصول ذلك الدعاء من مطالب قد لا يلتفت اليها الداعي وهو يرتل ذلك الدعاء ، ويمر على جمله ، وفقراته مرور الكرام.

١٢

مع الدّعاء :

يقول اللغويون : أن الدعاء هو : النداء.

ويضيف البعض منهم الى ذلك : أن الدعاء هو الرغبة الى الله عزوجل.

أما الفريق الثالث فيقول : أن الدعاء يأتي بمعنى الاستعانة كما جاء ذلك في قوله تعالى : (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (١).

اي ادعوا من استدعيتم طاعته ، ورجوتم معونته ، فالدعاء هنا بمعنى الاستعانة.

وفي تفسير هذه الآية المتقدمة : (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ).

يقول الفراء : أي استغيثوا بآلهتكم. فالدعاء هنا جاء بمعنى الاستغاثة.

ويفسر البعض الآخر الدعاء فيقول : أنه بمعنى (العبادة) ويستدل على ذلك بقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) (٢) أي الذين تعبدون.

__________________

(١) سورة البقرة : آية : (٢٣).

(٢) سورة الأعراف : آية (٩٤).

١٣

وقسم بعض اللغويين الدعاء لله على ثلاثة أوجه فقال :

معنى الدعاء لله على ثلاثة أوجه :

فضرب منها : توحيده ، والثناء عليه كقولك : يا الله ، و «لا إله إلا انت» وكقولك : «ربنا لك الحمد» اذا قلت ذلك فقد دعوته بقولك : «ربنا» ثم أتيت بالثناء ، والتوحيد ، ومثله قوله تعالى : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (١).

والضرب الثاني : مسألة العفو ، والرحمة ، وما يقرب منه كقولك : «اللهم اغفر لنا».

والضرب الثالث : مسألة الحظ من الدنيا كقولك : «اللهم ارزقني مالاً وولداً».

وهكذا تختلف كلمة اللغويين في الدعاء.

ولكنا ومن مجموع ما ذكره أهل اللغة في هذا الخصوص بالإِمكان ان نخرج بالنتيجة التالية :

ان المراد من الدعاء : هو النداء ، ولكن أسبابه تختلف.

فمرة : يراد به الاستعانة.

وأخرى : الاستغاثة.

وثالثة : الرغبة.

__________________

(١) سورة المؤمن : آية (٦٠).

١٤

ورابعة : العبادة.

ولذلك قال أبو إسحق كما نقل عنه ابن منظور :

«وانما سمي هذا جميعه دعاء لأن الإِنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله : يا الله ، يا رب ، يا رحمن ، فلذلك سمي دعاء» (١).

الدعاء بين الرفض والقبول :

وككثير من المواضيع التي كانت محطاً للنقاش بين العلماء نرى للدعاء الحصة الوافرة من مثل هذا النزاع فبين مؤيدٍ له وبين رافض له واذا ما تتبع الباحث هذه المعركة الدعائية فيسجد الأقوال في المسألة ولكن بالإمكان حصر الجميع والرجوع بها الى أقوال رئيسية ثلاثة.

القول الأول : هو الأخذ بفكرة الدعاء في كل شيء في هذه الحياة.

القول الثاني : رفض الدعاء رفضاً قاطعاً.

القول الثالث : ونطلق عليه القول المشترك بين الرفض ، والقبول أو القول الوسط بين الطرفين.

١ ـ القائلون بقبول الدعاء مطلقاً ، أدلتهم :

يتعصب البعض لفكرة الدعاء ويذهب بالشوط بعيداً فيعول عليه كمبدأ أساسي لكل شيء يقدم عليه الفرد في هذه الحياة ، ولذلك

__________________

(١) لاحظ لجميع ذلك لسان العرب. مادة (دعو).

١٥

نرى هذا البعض يعتمد على الأذكار ، والأوراد والرياضة النفسية ، والتضرع الى الله ، وما الى ذلك في كل شيء ـ وعلى سبيل المثال ـ ففي مجال الرزق ، والتجارة ، والعمل للإنتاج نرى هذا البعض يترك كل ذلك متكلاً على الدعاء ، ومتخذاً من الآيات الكريمة التالية درساً يسير على هداه.

يقول تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (١).

وقوله عز وجل : (وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (٢).

فعلى أي شيء يتعب الإنسان نفسه ، ويجهد ، ويعمل ليحصل على لقمة العيش؟ بل يكفيه أن يتقي ربه ، وفي قبال ذلك يرزقه الله ، ويجعل له مخرجاً في كل الأمور حسب منطوق الآية الكريمة. وفوق كل ذلك أنه يمنح هذا الفيض بغير حساب.

هذا من جهة الرزق ، ولقمة العيش. أما بقية الأمور فنراهم لدفع الأخطار يتركون الفكر ، والشجاعة ، والاقدام لدفع العدو ، ورده ويتكلون على ما وراء الغيب لأن الله يقول :

(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (٣).

إذاً فليس من يتوكل على الله في بيته ، وهو عز وجل يدفع عنه كل عدو ، وكل مهاجم.

__________________

(١) سورة الطلاق : آية (٣).

(٢) سورة البقرة : آية (٢١٢).

(٣) سورة الطلاق : آية (٣).

١٦

وإذا نزل بأحدهم المرض لجأ الى الدعاء فقط تاركاً وراءه الطيب والدواء متخذاً من قوله تعالى حكاية عن النبي إبراهيم (عليه السلام) (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (١).

فلماذا إذاً السعي وراء الطب ، والطبيب؟ والشفاء بيد المشافي وهو الله عز وجل فمن العبد الدعاء ، ومن الرب الشفاء.

وعلى هذه المسيرة الدعائية يسير موكب هذه الجماعة من الاتكال المفرط على الدعاء.

الرد على هذا القول :

والجواب عن هذا الدليل الذي استدل به هؤلاء المتكلمون هو : أننا نؤمن كموحدين لله ، معترفين بعظمته ، وقدرته أن الرزق من الله ، والحفظ منه ، والشفاء بيديه ، فهو الذي يمنح من يشاء ويفيض على من يشاء حتى ولو كان ذلك الإِنسان لا يؤمن بالله. كل ذلك لحكمة منه في هذا الاجراء ، وأنه بالإِمكان أن يهيء لعباده كل شيء في هذه الحياة من أمور المعاش ، والرزق ، وهم جالسون في ديارهم لا يحركون أي ساكن ، ولا يبذلون أدنى جهد في سبيل تحصيل ذلك ، وكذلك يدفع عنهم جميع الأمراض من دون أن يحوجهم الى أي طبيب ، وهكذا بالنسبة الى العدو حيث يدفع عنهم شروره من دون أن يلجئهم الى حرب ، ودفاع.

كل ذلك بوسع الله أن يهيئه لعباده ولكن المشيئة الإِلهية لم تقتض أن يترك الإِنسان إتكالياً على هذا النحو من الدعة ، والراحة ، بل لقد

__________________

(١) سورة الشعراء : آية (٨٠).

١٧

حارب الإِسلام وهو دين الله القويم هذا النوع من التواكل ولم يرتضه. يقول (عمر بن يزيد) وهو أحد الرواة عن الإِمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : رجل قال لاقعدن في بيتي ، ولأصلين ، ولأصومن ، ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتيني فقال أبو عبد الله : هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم قلت : ومن الاثنين الأخران؟

قال : رجل له إمرأة يدعو الله ان يريحه منها ، ويفرق بينه وبينها فيقال له : أمرها بيدك خل سبيلها ، ورجل له حق على إنسان لم يُشهد عليه فيدعو الله أن يرد عليه فيقال له : قد أمرتك أن تشهد وتستوثق فلم تفعل» (١).

وفي حديث آخر يقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) «إن أصنافاً من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم» وعد من هؤلاء :

«ورجل يقعد في بيته ، ويقول : رب ارزقني ، ولا يخرج ، ولا يطلب الرزق فيقول الله عز وجل :

عبدي الم أجعل لك السبيل الى الطلب ، والتصرف في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت ، فيما بيني وبينك ، في الطلب لاتباع أمري ، ولكيلا تكون كلَّا على أهلك (٢)؟.

وتتجلى روعة المحاورة بين الله ، وعبده في هذه الفقرات ، فالله عز وجل لا يريد لعبده أن يكون كَلّاً على أهله يتكفف منهم ، بل

__________________

(١) وسائل الشيعة : باب (٥٠) من أبواب الدعاء / حديث (٤).

(٢) نفس المصدر ، والموضع = حديث (٦).

١٨

يريد منه أن يجهد ، ويطلب ، ومنه التوفيق فهي عملية يشترك فيها الطرفان.

فمن العبد العمل ، والطلب.

ومن الله الهداية ، والتوفيق.

ويقول راوٍ آخر قال أبو عبد الله (عليه السلام) :

ما فعل عمر بن مسلم؟

قلت : جعلت فداك أقبل على العبادة ، وترك التجارة.

فقال : ويحه أما علم أن تارك الطلب لا تستجاب له دعوة إن قوماً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت آية :

(وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (١).

أغلقوا الأبواب ، واقبلوا على العبادة ، وقالوا : قد كفينا.

فبلغ ذلك النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إليهم فقال :

ما صنعتم؟ فقالوا : يا رسول الله تكفل الله لنا بأرزاقنا ، فأقبلنا على العبادة فقال : «إنه من فعل ذلك يستجب له عليكم بالطلب» (٢).

__________________

(١) سورة الطلاق : آية (٣).

(٢) وسائل الشيعة : ١٢ / ١٥ / حديث (٧ ، ٨) الباب (٥) من أبواب مقدمات التجارة.

١٩

وفي مقام آخر يقول :

«إني لأبغض الرجل فاغراً فاه الى ربه فيقول ارزقني ويترك الطلب» (١).

إن هذه الأحاديث ، ، وغيرها مما كان على هذا النحو قد تصدت لتنبه اولئك الذين تركوا العمل والتجارة واقبلوا على العبادة ولو كان ذلك لأجل العبادة والتلذذ بها فان السير على هذا النوع من الانهماك حتماً يؤدي الى شل الحياة الاجتماعية ، والوقوف في وجه نموها وازدهارها ، وهذا مالا يريده الشارع المقدس بل على العكس فإن الشارع جعل العمل ، والكسب ، وبذل الجهد في سبيل العيش للعامل وعياله من العبادة بل وعبر عنه بالجهاد الأكبر. ولذلك نرى المصادر التأريخية تحدثنا بأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يكره ان يرى سائلاً يستجدي الآخرين ، وفي بدنه طاقة على العمل بل كان يدفعه للنزول الى معترك الحياة العملية تاركاً وراءه الحياة الخاملة الذليلة ، والتي ترتسم في التطلع الى ما في أيدي الآخرين.

وكان أهل البيت (عليهم السلام) وكثير من الصحابة يباشرون أعمال الفلاحة ، والزراعة بأنفسهم ، ويأكلون ما تدره عليهم تلك الأعمال من مال كل ذلك لئلا يكونوا كَلّاً على بيت مال المسلمين أو يتكففوا أيدي الناس في الطلب.

ويضرب الإِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) المثل الأعلى في الاعتماد على النفس في سبيل تحصيل ما يؤمن القوت

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٢ / ١٥ / حديث (٨) الباب (٥) من ابواب مقدمات التجارة.

٢٠