🚘

الحدائق الناضرة - ج ٣

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]

الحدائق الناضرة - ج ٣

المؤلف:

الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
🚘 نسخة غير مصححة

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الباب الثالث في الغسل

ومنه الواجب والمندوب ، فالكلام فيه يقع في مطلبين :

المطلب الأول

في الواجب وفيه فصول :

الفصل الأول

في غسل الجنابة ، ولما كان له سبب وغاية وكيفية واجبة وآداب وأحكام متفرعة عليه ، فالبحث فيه يقع في مقاصد خمسة :

المقصد الأول

في السبب وهو الجنابة الحاصلة بأحد أمرين : الجماع والانزال ، فلا بد من الكلام عليهما حينئذ في مقامين :

(المقام الأول) ـ في الجماع وفيه مسائل : (الأولى) ـ وجوب الغسل على الرجل والمرأة ـ بالجماع في القبل حتى تغيب الحشفة وان لم ينزل ـ مما انعقد عليه الإجماع نصا وفتوى :

٢

فمن الأخبار الواردة بذلك صحيحة محمد بن إسماعيل (١) قال : «سألت الرضا (عليه‌السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت : التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال : نعم».

وصحيحة داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٢) قال : «إذا أولجه فقد وجب الغسل.».

وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما‌السلام) (٣) قال : «إذا أدخله فقد وجب الغسل.». الى غير ذلك من الاخبار.

ثم ان جمعا من الأصحاب (نور الله مراقدهم) صرحوا بان التقاء الختانين المرتب عليه وجوب الغسل في الاخبار عبارة عن تحاذيهما ، قالوا : لأن الملاقاة حقيقة غير متصورة فإن مدخل الذكر أسفل الفرج وهو مخرج الولد والحيض وموضع الختان أعلاه وبينهما ثقبة البول ، وحينئذ فالمراد من الالتقاء في الاخبار التقابل كما يقال : «تلاقى الفارسان والتقيا» إذا تقابلا ، لكن في صحيحة علي بن يقطين (٤) «إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل». وهو ظاهر الدلالة على ان المراد الملاصقة ، وأظهر منها صحيحة الحلبي (٥) «إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل». ولعل توسط ثقبة البول بين الموضعين المذكورين لا يكون مانعا من المماسة والملاصقة لانضغاطها بدخول الذكر فتحمل الاخبار كملا على ظاهرها.

ثم لا يخفى عليك ان جملة من الاخبار قد تضمنت تعليق وجوب الغسل بالجماع على التقاء الختانين ، وصحيحة ابن بزيع المتقدمة قد تضمنت تفسير التقاء الختانين بغيبوبة الحشفة من قبيل حمل السبب على المسبب ، والمراد انه يحصل بغيبوبة الحشفة ،

__________________

(١ و ٣ و ٤ و ٥) المروية في الوسائل في الباب ٦ من أبواب الجنابة.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ٥٤ من أبواب المهور.

٣

وحينئذ فما ورد من الاخبار بلفظ الإدخال والإيلاج مطلقا يجب تقييده بمقدار الحشفة لتنتظم الاخبار.

نعم روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن كتاب النوادر لمحمد بن علي ابن محبوب في الصحيح عن محمد بن عذافر (١) قال : «سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) متى يجب على الرجل والمرأة الغسل؟ فقال : يجب عليهما الغسل حين يدخله ، وإذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما». وظاهره ان التقاء الختانين لا يوجب الغسل بل انما يوجب غسل كل منهما فرجه. واحتمل فيه بعض مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) عطف قوله : «وإذا التقى» على قوله : «حين يدخله» اي يجب عليهما الغسل إذا التقى الختانان ، وقوله : «فيغسلان» حكم آخر. وظني بعده ، ولكن بمقتضى ما قدمنا نقله عن الأصحاب ـ من ان التقاء الختانين انما هو عبارة عن تحاذيهما وان موضع دخول الذكر أسفل من ذلك ـ يمكن حينئذ حمل التقاء الختانين في هذا الخبر على حقيقته بان يضع ذكره على موضع الختان ولا يدخله فيما هو أسفل منه بقرينة انه جعله مقابلا لدخول الفرج.

(المسألة الثانية) ـ اختلف الأصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في حكم الوطء في دبر المرأة وكذا دبر الغلام : (اما الأول) ـ فالمشهور وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة فيه على الفاعل والمفعول بل نقل جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) عن المرتضى (رضي‌الله‌عنه) انه قال : «لا اعلم خلافا بين المسلمين في ان الوطء في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب وغيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل والمفعول به وان لم يكن انزل ، ولا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلا ذلك ، ولا سمعت ممن عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة يفتي إلا بذلك ، فهذا إجماع من الكل ، واتصل لي في هذه الأيام عن بعض الشيعة الإمامية ان الوطء في الدبر

__________________

(١) رواه في الوسائل في الباب ٦ من أبواب الجنابة.

٤

لا يوجب الغسل تعويلا على ان الأصل عدم الوجوب أو على خبر يذكر انه في منتخبات سعد أو غيره ، وهذا مما لا يلتفت اليه» انتهى. ونقل عن الشيخ في الاستبصار والنهاية وسلار عدم الوجوب ، وهو ظاهر الصدوق (رحمه‌الله) في الفقيه حيث روى فيه (١) ما يدل على عدم الوجوب وهو صحيحة الحلبي الآتية (٢) ولم ينقل شيئا من اخبار الغسل ، وهو ظاهر ثقة الإسلام في الكافي أيضا حيث روى فيه (٣) مرفوعة البرقي الآتية (٤) ولم يورد ما ينافيها.

واستدل على القول الأول بوجوه : (أحدها) قوله سبحانه : «... أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ...» (٥) وجه الاستدلال انه جعل الملامسة سببا للتيمم مع فقد الماء ، والتيمم اما عن الوضوء أو عن الغسل ، لا سبيل إلى الأول إذ الإجماع منا منعقد على عدم إيجاب فرد من افراد الملامسة الوضوء فتعين الثاني ، خرج منه الملامسة في غير القبل والدبر بالإجماع وبالنقل عن أهل الذكر (عليهم‌السلام) كما رواه أبو مريم الأنصاري في الصحيح عن ابي جعفر (عليه‌السلام) (٦) حيث سأله فقال : «ما تقول في الرجل يتوضأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي الى المسجد فان من عندنا يزعمون أنها الملامسة؟ فقال : لا والله ما بذلك بأس وربما فعلته ، وما يعنى بهذا : «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ» إلا المواقعة في الفرج». والفرج شامل للقبل والدبر لغة وشرعا (اما الأول) فلتصريح أهل اللغة بذلك. و (اما الثاني) فلقوله سبحانه : «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ» (٧) مراد به الذكر من الرجل.

__________________

(١) ج ١ ص ٤٧.

(٢) ص ٨.

(٣) ج ١ ص ١٥.

(٤) ص ٩.

(٥) سورة النساء الآية ٤٣. وسورة المائدة. الآية ٦.

(٦) رواه في الوسائل في الباب ٩ من أبواب نواقض الوضوء.

(٧) سورة المؤمنون الآية ٦ وسورة المعارج الآية ٢٩.

٥

وأنت خبير بان مرجع هذا الاستدلال الى صدق الفرج على الدبر في هذا المقام وفيه انه وان صح إطلاقه عليه الا ان المتبادر منه فيما نحن فيه بقرينة المقام هو القبل خاصة لأنه المتعارف المتكرر والمندوب اليه وغيره منهي عنه فينصرف الإطلاق لذلك اليه ، ويؤيده ما صرح به الفيومي في كتاب المصباح المنير ، حيث قال : «والفرج من الإنسان القبل والدبر ، وأكثر استعماله في العرف في القبل» انتهى. ويؤيد ذلك ايضا التعبير في جملة من الاخبار بالتقاء الختانين المختص بالقبل ، وسيجي‌ء ما فيه مزيد تحقيق لذلك ان شاء الله تعالى ، وكيف كان فلا أقل من حصول الاحتمال بما ذكرنا احتمالا مساويا لما ذكروه ان منع الرجحان ، وهو كاف في بطلان الاستدلال.

و (ثانيها) ـ صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما‌السلام) (١) قال : «سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال : إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم». والإدخال صادق فيهما.

وفيه ما تقدم في الوجه الأول ، وزيادة ما عرفت آنفا من تقييد هذه الرواية وأمثالها بالتقاء الختانين المفسر بغيبوبة الحشفة في صحيح ابن بزيع المؤذن بالاختصاص بالقبل.

و (ثالثها) ـ صحيحة زرارة (٢) الواردة في قضية المهاجرين والأنصار واختلافهم في من يخالط اهله ولا ينزل ، حيث قالت الأنصار : الماء من الماء. وقالت المهاجرون : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. وقول أمير المؤمنين (عليه‌السلام) فيها : «أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل». الدال بالاستفهام الإنكاري على ان إثبات الحد والرجم مع عدم إيجاب الصاع من الماء الذي هو كناية عن الغسل كالجمع بين النقيضين ، إذ هما معلولا علة واحدة وإثبات أحدهما مع نفي الآخر يؤدي الى إثبات العلة ورفعها في وقت واحد وهو محال ، أو على ان إيجاب الصاع من الماء اولى بالإثبات من إيجاب الحد لكون الحد مبنيا

__________________

(١ و ٢) المروية في الوسائل في الباب ٦ من أبواب الجنابة.

٦

على التخفيف بخلاف إيجاب الصاع ، وحينئذ يقال : كلما ثبت الحد والرجم ثبت الغسل أو كان اولى بالثبوت ، والمقدم ثابت بالإجماع والروايات فيثبت التالي ، كذا قرره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين.

ويرد عليه ان هذا الاستدلال وان وجهه بما قال الا انه لا يخرج بذلك عن القياس ولا يبرز عن ظلمة الالتباس وان كان على الثاني يكون من قبيل قياس الأولوية ، فإنا لا نسلم ان العلة في وجوب كل من الغسل والحد هو الإيلاج ، بل العلة هي أمر الشارع بذلك عند وقوع الإيلاج ، ولئن أطلق على ذلك علة فهو كما في سائر علل الشرع لما صرحوا به انها من قبيل الأسباب والمعرفات ، لا انها علل حقيقية يدور المعلول معها وجودا وعدما كالعلل العقلية حتى يلزم المحال بإثبات العلة ورفعها في وقت واحد ، وحينئذ فحمل الغسل على الحد والرجم لاشتراكهما في جامع الإيلاج قبلا قياس محض ، إذ ليس القياس إلا عبارة عن تعدية الحكم من جزئي إلى آخر لاشتراكهما في جامع ، وهو هنا كذلك فإنه قد عدي الحكم وهو الوجوب من الحد والرجم الى الغسل لاشتراكهما في العلة الجامعة وهو النكاح في القبل ، فاثبت وجوب الغسل في كل موضع ثبت فيه الحد والرجم ، والاخبار الدالة على بطلان القياس في الشريعة أظهر من ان يتعرض لنقلها في المقام. واما قياس الأولوية فهو وان سلم ثبوته هنا وذهب بعض الأصحاب إلى القول به الا ان جملة من الأخبار تدفعه كما تقدم ذلك في المقدمة الثالثة من مقدمات الكتاب (١) وحينئذ فالأظهر في معنى الخبر المذكور ان يقال : ان كلامه (عليه‌السلام) انما هو على طريق الإلزام لأولئك المخالفين حيث انهم قائلون بالقياس ، أو انه (عليه‌السلام) أنكر عليهم ذلك مع مخالفته لاعتقادهم ، بمعنى انه كيف تقولون بهذا القول مع انه مخالف لمعتقدكم؟ ثم بين (عليه‌السلام) الحكم بقوله : «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الخبر المذكور : «قد جادلهم (عليه

__________________

(١) ج ١ ص ٦٠.

٧

السلام) بالتي هي أحسن ، لأنهم كانوا أصحاب قياس وكان مثل هذا التمثيل والمقايسة أوقع في نفوسهم وأقرب لقبولهم ، وحاشاه (عليه‌السلام) ان يقيس في الدين أو يكون طريق (عليه‌السلام) معرفته بالأحكام القياس» انتهى.

و (رابعها) ـ رواية حفص بن سوقة عمن أخبره عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (١) حيث «سأله عن الرجل يأتي المرأة من خلفها. قال : هو أحد المأتيين فيه الغسل». وهو صريح الدلالة الا انه ـ مع ضعف السند ـ معارض بما يأتي.

و (خامسها) ـ الإجماع المنقول في كلام السيد (رضي‌الله‌عنه). وفيه ان الإجماع المذكور وان كثر نقله في كلامهم وتداولوه على رؤوس أقلامهم الا انه لم تثبت حجيته عندنا ، كما تقدم القول فيه مفصلا في المقدمة الثالثة (٢).

واستدل على القول الثاني أيضا بوجوه : (أحدها) ـ صحيحة الحلبي (٣) قال : «سئل أبو عبد الله (عليه‌السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أعليها غسل ان هو انزل ولم تنزل هي؟ قال : ليس عليها غسل ، وان لم ينزل هو فليس عليه غسل».

وأجيب بأن الفرج هنا لا خصوصية له بالقبل بل هو شامل للدبر ايضا. لصدق الفرج عليه كما تقدم.

وفيه (أولا) ـ ان المتبادر من الفرج ـ كما قدمنا ذكره ـ هو القبل وعليه بناء الاستدلال ، فان الظاهر المتبادر من لفظ الإصابة هنا هو الكناية عن الوطء والنكاح ، كما غبر به وبأمثاله في غير موضع من الاخبار الإمامية والآيات القرآنية ، وذلك لا يكون في غير الفرجين.

و (ثانيا) ـ ان الصدوق في الفقيه (٤) روى الخبر المذكور بقوله : «فيما دون

__________________

(١) المروية في الوسائل في الباب ١٢ من أبواب الجنابة.

(٢) ج ١ ص ٣٥.

(٣) المروية في الوسائل في الباب ١١ من أبواب الجنابة.

(٤) ج ١ ص ٤٧.

٨

ذلك» عوض قوله : «فيما دون الفرج» ومن الظاهر ـ سيما بانضمام افراد اسم الإشارة دون تثنيته ـ ظهوره في القبل ، إذ هو المعهود والمتكرر فيختص بالإشارة ، وبالجملة فتطرق احتمال الدبر على بعد ـ كما يدعيه الخصم ـ وان سلم الا انه لا يقاوم الظاهر المتبادر من اللفظ وما يتناقل في عباراتهم ويدور في محاوراتهم ـ من انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال ـ فكلام شعري وخطاب جدلي ، إذ لو تم لانسد باب الاستدلال ، إذ لا لفظ الا وهو قابل للاحتمال ولا دليل الا وللمنازع فيه بذلك مجال وبه ينسد باب إثبات الإمامة والنبوة والتوحيد ، كما لا يخفى على الماهر الوحيد ومن القى السمع وهو شهيد.

و (ثانيها) ـ ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن البرقي رفعه عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (١) قال : «إذا اتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما ، وان انزل فعليه الغسل ولا غسل عليها».

وأجيب بضعف الرواية بالإرسال ، مع المعارضة برواية حفص المتقدمة ، وباحتمال الحمل على عدم غيبوبة الحشفة.

و (ثالثها ورابعها) ـ ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن محبوب عن بعض الكوفيين رفعه الى ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٢) «في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة؟ قال : لا ينقض صومها وليس عليها غسل». وما رواه أيضا في الصحيح عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٣) قال : «إذا اتى الرجل المرأة في دبرها وهي صائمة لم ينقض صومها وليس عليها غسل».

وأنت خبير بان هذه الروايات الثلاث وان ضعف سندها بهذا الاصطلاح المحدث الا انها لما كانت صريحة الدلالة على المطلوب ـ معتضدة بظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة مع انها لا معارض لها في صراحتها بل مطلقا على ما حققناه آنفا إلا مرسلة حفص وهي لذلك تضعف عن المعارضة ـ كان أظهر القولين هو الثاني. الا ان الحكم بعد لا يخلو

__________________

(١) رواه في الوسائل في الباب ١٢ من أبواب الجنابة.

(٢) رواه في الوسائل في الباب ١٢ من أبواب الجنابة.

(٣) رواه في الوسائل في الباب ١٢ من أبواب الجنابة.

٩

من شوب الاشكال ، لما ذكره السيد (قدس‌سره) من شيوع الفتوى في عصره بما ذكره وعدم المخالف سابقا في ذلك ، فهو مما يثمر الظن الغالب بكون أصحاب الطبقة المتصلة بأصحاب العصمة (سلام الله عليهم) كانوا على ذلك القول. لكن فيه ما ذكرنا من اقتصار ثقة الإسلام والصدوق (قدس‌سرهما) في كتابيهما الكافي والفقيه على الاخبار الدالة على عدم الغسل مع ما علم من حالهما في ديباجتي كتابيهما سيما الصدوق. وكيف كان فالاحتياط ـ بان يغتسل ثم يحدث ثم يتوضأ ـ سبيل النجاة ، عجل الله تعالى الفرج لمن بزبل عنا أمثال هذه الرتج.

ثم العجب من شيخ الطائفة (نور الله مرقده) حيث عمل في هذا المقام على هذه الروايات واستند إليها في الحكم المذكور ، وطعن في رواية حفص المعارضة لها ثم حملها على التقية (١) وفي كتاب الصوم من التهذيب طعن في مرسلة علي بن الحكم بأنه خبر غير معمول عليه وهو مقطوع الاسناد ولا يعول عليه.

هذا. وصريح كلام السيد المتقدم هو وجوب الغسل بالوطء في الدبر على كل من الفاعل والمفعول ، وهو ظاهر كل من قال بالوجوب ، الا ان المفهوم من كلام العلامة في المنتهى انه تردد في الوجوب على المرأة ، حيث قال : «وهل يجب على المرأة الموطوأة في الدبر الغسل مع عدم الانزال؟ فيه تردد» ونقل عن ظاهر كلام ابن إدريس الوجوب ، واستدل له بقوله (عليه‌السلام) (٢) : «أتوجبون عليه الحد والرجم. الى آخر

__________________

(١) في بدائع الصنائع ج ١ ص ٣٦ والبحر الرائق ج ١ ص ٥٨ ، توارى الحشفة في القبل والدبر يوجب الغسل وان لم ينزل على الفاعل والمفعول به» وكذا في الأم للشافعي ج ١ ص ٣٢ والمهذب للشيرازي ج ١ ص ٢٨ والمغني لابن قدامة ج ١ ص ١٩٩. وفي الفقه على المذاهب الأربعة ج ١ ص ٩٥ «عند المالكية يجب الغسل بإدخال الحشفة في القبل أو الدبر مع الحائل أم لا».

(٢) في صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة ٦.

١٠

كلامه» ويظهر ايضا من المحدث الكاشاني في المفاتيح والوافي حيث قال في الثاني : «وأكثر أصحابنا على وجوب الغسل عليهما في ذلك ، ولم تجد على وجوبه حديثا لا قول أمير المؤمنين (عليه‌السلام): «أتوجبون عليه الحد. إلخ ان أفاد ذلك» انتهى.

أقول : يمكن الاستدلال على ذلك بظاهر قوله (عليه‌السلام) في رواية حفص التي هي أصرح أدلة الوجوب : «هو أحد المأتيين» فإنه يظهر منه وجوب الغسل على كل منهما في هذا المأتي كما انه في الآخر كذلك. ولا يخلو من شوب الاشكال. هذا بالنسبة إلى دبر المرأة.

واما دبر الغلام فالأكثر ايضا على وجوب الغسل على الفاعل والمفعول استنادا إلى الإجماع المركب الذي ادعاه المرتضى (رضي‌الله‌عنه) فإنه ادعى ان كل من أوجب الغسل بالغيبوبة في دبر المرأة أوجبه في دبر الذكر وكل من نفاه هناك نفاه هنا ، ولما كان الأول ثابتا بالأدلة علمنا ان الامام (عليه‌السلام) قائل به ، فيكون قائلا بالوجوب في الثاني ، هكذا ذكره جملة من الأصحاب.

وفيه (أولا) ـ ان صريح كلام السيد ـ كما قدمنا ذكره ـ دعوى الإجماع على الوجوب في الموضعين فلا حاجة الى دعوى الإجماع المركب هنا.

و (ثانيا) ـ ان هذه الدعوى ممنوعة بما عرفته سابقا.

الا ان بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين ـ حيث انه ممن ذهب الى القول بالوجوب في المسألة الأولى واستدل بما نقلناه آنفا وأجبنا عنه ـ استدل هنا على الوجوب بصحيحة زرارة المتقدمة في قضية المهاجرين والأنصار ، بناء على ما قرره ثمة من دلالتها على الوجوب في دبر المرأة بما ذكره من الكلية القائلة : كلما ثبت الحد والرجم ثبت الغسل أو كان اولى بالثبوت ، والمقدم ثابت بالإجماع والروايات فيثبت التالي ، وقد ثبت الحد في وطء الغلام فيثبت الغسل. وقد عرفت ما فيه مما كشف عن باطنه وخافية ، الا ان الأحوط ـ كما قدمنا ـ هو الغسل ثم الحدث بعده ثم الوضوء.

١١

ويمكن ان يستدل لوجوب الغسل بظاهر حسنة الحضرمي المروية في الكافي (١) عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) قال : «قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) : من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا. الحديث». فإنه ظاهر في ثبوت الجنابة له مطلقا ، وإطلاقه شامل للجماع مع الانزال وعدمه ، واما كونه لا ينقيه ماء الدنيا يعني ان غسله في الدنيا لا ينقيه من الجنابة ، فهو محمول على تغليظ الحكم في المنع والردع عن ذلك ، وبذلك يظهر قوة القول بالوجوب.

هذا. وقد صرح جملة من الأصحاب بأنه لا فرق في الموضعين بين كون المفعول حيا أو ميتا ، لعموم «حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا» (٢). وفيه نظر ، فإن أقصى ما يستفاد منه حصول الإثم بهتك حرمته بذلك ، واما ترتب الغسل على ذلك فظني ان الخبر لا بفي به ، إذ وجوب الغسل على الفاعل لا تعلق له بحرمة الميت.

وربما استدل على ذلك بالظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من أولج في الفرج وفيه ان أمثال ذلك انما يحمل على المتكرر المعهود ـ كما أشرنا إليه في غير موضع ـ دون الأفراد النادرة الوقوع ، واما وجوب الغسل على الميت لو فعل به ذلك فالظاهر عدمه ، لعدم الدليل عليه وعدم توجه التكليف اليه. وكذا لا دليل على الوجوب على الولي ولا على غيره من سائر المسلمين.

(المسألة الثالثة) ـ اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الإيلاج في فرج البهيمة ، فنقل عن الشيخ في الخلاف والمبسوط العدم لعدم النص ، واستحسنه المحقق وجمع من المتأخرين ومتأخريهم ، والظاهر انه المشهور ، وخالف فيه العلامة في المختلف ، ونقل عن السيد المرتضى (رضي‌الله‌عنه) في تتمة كلامه المتقدم ما يدل

__________________

(١) ج ٢ ص ٧٠.

(٢) ورد هذا المضمون في حديث العلاء بن سيابة المروي في الوسائل في الباب ٥١ من أبواب الدفن ، وأورد بعض الاخبار المشتملة عليه في الباب ٢٥ من ديات الأعضاء.

١٢

على دعوى الإجماع عليه ايضا ، واستدل عليه في المختلف بإنكار علي (عليه‌السلام) على الأنصار في صحيحة زرارة المتقدمة. وفيه ما عرفت سابقا ، مع ان المنقول عن العلامة التعزير بوطء البهيمة دون الحد. وقال في الذكرى : «اما فرج البهيمة فلا نص فيه ، والحمل على ختان المرأة قوى ، ولفحوى قضية الأنصار» انتهى. وضعفه ظاهر.

(المسألة الرابعة) ـ لو أولج الرجل في دبر الخنثى وجب الغسل عليهما بناء على ما تقدم من الوجوب في الدبر. ولو أولج في قبله أو أولج الخنثى في فرج امرأة لم يجب الغسل ، لاحتمال الزيادة في أحد هذين الفرجين وان يكون رجلا على الأول وأنثى على الثاني ، فلا يتعلق به حكم. وقال في التذكرة بالنسبة إلى الأول بعد ان نقل عن بعض علمائنا عدم الوجوب لما ذكرنا : «ولو قيل بالوجوب كان وجها ، لقوله (عليه‌السلام): «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (١).، ولوجوب الحد به» انتهى. وقال بالنسبة الى الثاني بعد ان افتى بالعدم لما قدمنا : «ويحتمل الوجوب للعموم» وضعف ما ذكر من دليل الوجوب في الموضعين ظاهر. ولو أولج الرجل في قبل الخنثى والخنثى في قبل المرأة كان الخنثى جنبا والرجل والمرأة كواجدي المني في الثوب المشترك ، ويأتي على ما ذكره العلامة من الاحتمال الحكم بجنابة الجميع. هذا كله بالنسبة إلى الخنثى المشكل وإلا فالواضح يتبع في حكمه ما يلحق به.

(المسألة الخامسة) ـ قد صرح الأصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) بان مقطوع الحشفة يجب الغسل عليه بغيبوبة قدرها من الذكر ، واستدل عليه في المنتهى وتبعه جمع منهم بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في المسألة الأولى الدالة على وجوب الغسل بمجرد الإدخال. وأنت خبير بان هذه الرواية وأمثالها مما دل على وجوب الغسل بمجرد الإدخال ان عمل بها على ظاهرها في ما اتفقوا عليه ووردت به جملة من الاخبار من التخصيص بإدخال الحشفة ، فلا بد حينئذ من تقييدها بذلك كما قدمنا ذكره ، وبه تنتفي دلالة الرواية

__________________

(١) في صحيحة محمد بن إسماعيل المروية في الوسائل في الباب ٦ من أبواب الجنابة.

١٣

المذكورة وأمثالها على المدعى ، فيقى الحكم عاريا عن الدليل والأصل البراءة ، الا ان الاحتياط يقتضي الوقوف على ما عليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) سيما مع عدم المخالف ظاهرا.

(المقام الثاني) ـ في الانزال وفيه أيضا مسائل (الأولى) ـ لا ريب انه كما يجب على الرجل والمرأة الغسل بالجماع على الوجه المتقدم كذا يجب عليهما بإنزال الماء الأكبر يقظة ونوما على المعروف من مذهب الأصحاب بل لم ينقل فيه خلاف ، الا انه يظهر من كلام الصدوق (قدس‌سره) في المقنع الخلاف في المرأة إذا أنزلت بالاحتلام حيث قال : «وان احتلمت المرأة فأنزلت فليس عليها غسل ، وروى ان عليها الغسل إذا أنزلت» وهو في الرجل مجمع عليه رواية ، واما في المرأة فعلى أشهرها :

فمن الأخبار الدالة عليه في الرجل حسنة الحلبي (١) قال : «سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن المفخذ عليه غسل؟ قال : نعم إذا أنزل».

وحسنة الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٢) قال : «كان علي (عليه‌السلام) يقول : انما الغسل من الماء الأكبر».

ورواية عنبسة بن مصعب عنه (عليه‌السلام) (٣) قال : «كان علي (عليه‌السلام) لا يرى في شي‌ء الغسل إلا في الماء الأكبر».

والحصر في هذه الاخبار وأمثالها إضافي بالنسبة الى ما يخرج من الذكر من المذي ونحوه ، فلا ينافي ما دل على الوجوب بمجرد التقاء الختانين كما تفصح عنه رواية عنبسة عنه (عليه‌السلام) (٤) قال : «كان علي (عليه‌السلام) لا يرى في المذي وضوء ولا غسلا ما أصاب الثوب منه الا في الماء الأكبر». الى غير ذلك من الاخبار.

__________________

(١ و ٣ و ٤) المروية في الوسائل في الباب ٧ من أبواب الجنابة.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ٩ من أبواب الجنابة.

١٤

واما المرأة فمما يدل على وجوب الغسل عليها بذلك أيضا صحيحة محمد بن إسماعيل عن الرضا (عليه‌السلام) (١) «في الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة هل عليها غسل؟ قال : نعم».

وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٢) قال : «سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل. قال : ان أنزلت فعليها الغسل وان لم تنزل فليس عليها الغسل».

ورواية معاوية بن حكيم عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٣) قال : «إذا أمنت المرأة والأمة من شهوة ـ جامعها الرجل أو لم يجامعها ، في نوم كان ذلك أو في يقظة ـ فإن عليها الغسل».

وحسنة أديم بن الحر (٤) قال : «سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل عليها غسل؟ قال : نعم ولا تحدثوهن فيتخذنه علة».

أقول : ولعل المراد باتخاذ ذلك علة يعني للزناء أو الخروج الى الحمامات.

الى غير ذلك من الاخبار كصحيحة عبد الله بن سنان (٥) وصحيحة إسماعيل ابن سعد الأشعري (٦) وصحيحة محمد بن إسماعيل الأخرى (٧) واخبار أخر أيضا.

وبإزاء هذه الاخبار ما يدل على عدم الوجوب كصحيحة عمر بن يزيد (٨) قال : «اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيبت ، فمرت بي وصيفة ففخذت لها فأمذيت انا وأمنت هي فدخلني من ذلك ضيق ، فسألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن ذلك. فقال : ليس عليك وضوء ولا عليها غسل».

ورواية عبيد بن زرارة (٩) قال : «قلت له : هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال : لا ، وأيكم يرضى ان يرى أو يصبر على ذلك ان يرى

__________________

(١ و ٢ و ٣ و ٤ و ٥ و ٦ و ٧ و ٩) المروية في الوسائل في الباب ٧ من أبواب الجنابة.

(٨) المروية في الوسائل في الباب ١٢ من نواقض الوضوء و ٧ من أبواب الجنابة.

١٥

ابنته أو أخته أو امه أو زوجته أو أحدا من قرابته قائمة تغتسل فيقول مالك؟ فتقول احتلمت وليس لها بعل. ثم قال : لا ليس عليهن ذلك ، وقد وضع الله ذلك عليكم ، قال : «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (١) ولم يقل ذلك لهن».

وصحيحة محمد بن مسلم (٢) قال : «قلت لأبي جعفر (عليه‌السلام) : كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم ان الرجل يجامعها في فرجها الغسل ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال : لأنها لما رأت في منامها ان الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل ، والآخر انما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لانه لم يدخله ، ولو كان ادخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن». ومثلها صحيحة عمر بن يزيد الأخرى (٣) وصحيحة ابن أذينة (٤).

وقد تأول الشيخ (رضوان الله عليه) ومن تأخر عنه هذه الاخبار بتأويلات في غاية البعد ، وصحتها وصراحتها في عدم الوجوب مما لا سبيل إلى إنكاره ، فالأولى ردها الى العالم من آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) والعمل على تلك الأخبار الأولة ، لاعتضادها بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا ، وموافقتها للاحتياط في الدين الذين هما من جملة المرجحات المنصوصة.

ويقرب عندي خروج هذه الاخبار مخرج التقية (٥) (أما أولا) ـ فلجواز وجود القائل به في تلك الأعصار وان لم ينقل عن أحد الأربعة المشهورة الآن بينهم ، فإن شهرة هذه الأربعة وحصر مذهبهم فيها انما تجدد في الأعصار المتأخرة بقرب

__________________

(١) سورة المائدة الآية ٩.

(٢ و ٣ و ٤) المروية في الوسائل في الباب ٧ من أبواب الجنابة.

(٥) في نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ١٩٥ بعد ان ذكر حديث خولة بنت حكيم «سألت رسول الله (ص) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. قال ليس عليها غسل حتى تنزل». قال : «يدل الحديث على وجوب الغسل على الرجل والمرأة إذا وقع الانزال ، وهو إجماع إلا ما يحكى عن النخعي».

١٦

سنة الستمائة. والا فمذاهبهم في أعصار الأئمة (عليهم‌السلام) لا تكاد تحصى كثرة وانتشارا ، كما نبه عليه جملة من علمائنا وعلمائهم ، وأوضحناه في مواضع من رسائلنا.

و (اما ثانيا) ـ فلان المستفاد من الاخبار وان كان خلاف ما اشتهر بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) الا ان فتواهم (عليهم‌السلام) بالتقية أحيانا لا يختص بوجود القائل بذلك من العامة ، بل كثيرا ما يقصدون (عليهم‌السلام) الى مجرد إيقاع الاختلاف في الحكم تقية كما مر بك تحقيقه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب واما ما يفهم من كلام المقنع ـ من العمل بما ورد من هذه الروايات في الاحتلام دون ما ورد في اليقظة ـ فلا اعرف له وجها وجيها.

ولقد أشكل الأمر في هذه الاخبار على أصحاب هذا الاصطلاح المتأخر من تقسيم هذه الاخبار الى الأقسام الأربعة ، لصحتها وصراحتها فلم يستطيعوا ردها بضعف الاسناد كما هو المقرر بينهم والمعتاد. حتى قال صاحب المنتقى الذي هو من جملة من شيد أركان هذا الاصطلاح بل زاد بزعمه في الإصلاح بعد نقله هذه الاخبار : «والعجب من اضطراب هذه الاخبار مع ما لأسانيدها من الاعتبار».

فرع

ينبغي ان يعلم انه لو كان الخارج من المرأة انما هو من مني الرجل يقينا أو مشكوكا في مصاحبته منيها ، فإنه لا يوجب الغسل يقينا على الأول وفي الثاني على الظاهر تمسكا بالأصل سيما بعد الغسل ، كما تدل عليه صحيحة سليمان بن خالد (١) المتضمّنة للسؤال عن المرأة يخرج منها شي‌ء من بعد الغسل فقال : «لا تعيد». وعلله بان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل ، ومثلها صحيحة منصور (٢) ويدل على الأول أيضا رواية عبد الرحمن البصري (٣) قال : «سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن المرأة تغتسل

__________________

(١ و ٢ و ٣) المروية في الوسائل في الباب ١٣ من أبواب الجنابة.

١٧

من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال : لا». اما لو حصل الاشتباه في غير مورد الصحيحة المتقدمة فالظاهر الرجوع الى الأوصاف المعتبرة عند الاشتباه كما سيأتي ان شاء الله تعالى ، إذ هذه الأوصاف إنما توجد عند خروج منيها لا مطلق المني كما هو الظاهر.

(المسألة الثانية) ـ لو انزل من غير الموضع المعتاد فهل يكون موجبا للغسل مطلقا مع تيقن كونه منيا. أو يلحق بالحدث الأصغر الخارج من غير الموضع المعتاد على القول به هناك فيشترط في حدثيته الاعتياد أو انسداد الخلقي؟ قولان ، وبالأول صرح العلامة في التذكرة والمنتهى ، وبالثاني الشهيد في الذكرى.

ويدل على الأول إطلاق جملة من الاخبار الدالة على وجوب الغسل بخروج المني كقولهم (عليهم‌السلام) في جملة منها (١) : «انما الغسل من الماء الأكبر». وقولهم في بعض منها (٢) : «إذا جاءت الشهوة وأنزلت الماء وجب عليها الغسل». ولعل مستند القول الثاني ما تقدم في الحدث الأصغر.

وتردد بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين في المسألة ، نظرا إلى أصالة البراءة من الوجوب ، ووجوب استصحاب حكم الطهارة حتى يعلم المزيل ، والى إطلاق الاخبار.

وأنت خبير بان الظاهر ان إطلاق الاخبار موجب للخروج عن الأصالة المذكورة والاستصحاب المذكور ، الا ان يمنع الاعتماد على الإطلاق في الدلالة والظاهر انه لا قائل به. نعم لو كان الشك في العمل بالإطلاق من حيث احتمال تقييده بالحمل على ما هو المعهود المتعارف من الخروج من الموضع الخلقي فيحمل إطلاق الاخبار عليه لكان وجها ، الا انه يحتمل ان ذكر الخروج من الفرجين في بعض الاخبار باعتبار كونه المتعارف المعتاد لا يدل

__________________

(١) المروي في الوسائل في الباب ٩ من أبواب الجنابة.

(٢) المروي في الوسائل في الباب ٧ من أبواب الجنابة.

١٨

على الانحصار بوجه فلا يصلح لتقييد ما أطلق منها ، والى هذا يميل كلام المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس‌سره) في مسألة خروج الحدث الأصغر من غير الموضع المعتاد ، والمسألة لا تخلو من تردد.

ومن هنا يعلم الحكم في الخنثى لو خرج من أحد مخرجيها لا مع الاعتباد من أحدهما كما هو أحد القولين بل الظاهر انه أشهرهما ، والقول الآخر اعتباره منهما الا مع الاعتياد من أحدهما ، واليه ذهب ثاني المحققين وثاني الشهيدين.

(المسألة الثالثة) ـ الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ـ كما نقله جملة منهم ـ في وجوب الغسل مع تيقن كون الخارج منيا وان لم يكن على الصفات الآتية ، وان الرجوع إليها كلا أو بعضا انما هو مع الاشتباه ، ويدل عليه الاخبار الكثيرة المتضمنة لترتب الغسل على مطلق الانزال وخروج الماء (١) وحينئذ فما ورد في بعض الاخبار ـ من تقييد وجوب الغسل بالقيود الثلاثة من الشهوة والدفع وفتور الجسد وانه مع عدم ذلك فلا بأس ، كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه‌السلام) (٢) قال : «سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال : إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر فعليه الغسل ، وان كان انما هو شي‌ء لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس». أو الشهوة فقط كصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري (٣) قال : «سألت الرضا (عليه‌السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير ان يباشر ، يعبث بها بيده حتى تنزل. قال : إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل». ومثلها رواية محمد بن الفضيل (٤) قال : «إذا جاءت الشهوة وأنزلت الماء وجب عليها الغسل». ـ فمحمول على حال الاشتباه. قال الشيخ (قدس‌سره) في التهذيب بعد نقل صحيحة علي بن جعفر المذكورة : «ان قوله (عليه‌السلام) ـ : «وان كان انما هو شي‌ء لم يجد له

__________________

(١ و ٣ و ٤) المروية في الوسائل في الباب ٧ من أبواب الجنابة.

(٢) المروية في الوسائل في الباب ٨ من أبواب الجنابة.

١٩

فترة ولا شهوة فلا يأس». ـ معناه إذا لم يكن الخارج الماء الأكبر ، لأن من المستبعد من العادة والطبائع ان يخرج المني من الإنسان ولا يجد له شهوة ولا لذة. وانما أراد انه إذا اشتبه على الإنسان فاعتقد انه مني وان لم يكن في الحقيقة منيا يعتبره بوجود الشهوة من نفسه ، فإذا وجد وجب عليه الغسل وإذا لم يجد علم ان الخارج منه ليس بمني» انتهى. وهو جيد مطابق لما يحكم به الوجدان ويحققه العيان ، على انه لو أريد به ظاهره لوجب حمله على التقية لموافقته لأشهر مذاهب العامة ، فإنه منقول عن أبي حنيفة ومالك واحمد (١) مع ان فيه ايضا انه دلالة بمفهوم الشرط ، وهو انما يكون حجة إذا لم يظهر للشرط فائدة سوى التعليق والتقييد ، ومن المحتمل خروج ذلك مخرج الغالب ان لم يدع اللزوم الكلي مع عدم العارض من مرض ونحوه ، وبه تنتفي حجية المفهوم في نفسه فضلا ان يصلح لتقييد ظواهر الأخبار المستفيضة.

ثم انه مع اشتباه الخارج فقد ذكر جمع من الأصحاب انه يعتبر في الصحيح باللذة والدفق وفتور البدن ، وفي المريض باللذة والفتور ولا يعتبر الدفق لأن قوة المريض ربما عجزت عن دفعه ، وزاد الشهيد في الذكرى والدروس علامة أخرى للاشتباه ايضا وهو قرب رائحته من رائحة الطلع والعجين إذا كان رطبا وبياض البيض جافا.

واحتجوا على اعتبار الأوصاف الثلاثة في الصحيح بأنها صفات لازمة في الأغلب فمع الاشتباه يرجع إليها. وبصحيحة علي بن جعفر المتقدمة ، وفي المريض بما تقدم من العجز ، وبصحيحة عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه‌السلام) (٢) قال : «قلت له : الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ وينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث بعد

__________________

(١) في المغني ج ١ ص ١٩٩ «الموجب للغسل خروج المنى وهو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة ، فإن حرج شبيه المنى لمرض أو برد لا عن شهوة فلا غسل فيه وهو قول احمد ومالك وابى حنيفة ، وقال الشافعي يجب به الغسل لقوله (ص) : «الماء من الماء» ولأنه مني خارج فأوجب الغسل كما لو خرج حال الإغماء».

(٢) المروية في الوسائل في الباب ٨ من أبواب الجنابة.

٢٠