🚘

التّفسير الكاشف - ج ٦

محمّد جواد مغنية

التّفسير الكاشف - ج ٦

المؤلف:

محمّد جواد مغنية


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الأنوار ، طباعة ـ نشر ـ توزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

سورة النّمل

مكية وآياتها ٩٣.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

هدى وبشرى المؤمنين الآة ١ ـ ٥ :

(طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥))

اللغة :

العمى للبصر ، والعمه للبصيرة.

الإعراب :

تلك آيات مبتدأ وخبر. وهدى وبشرى مصدر في موضع الحال من القرآن أي هاديا ومبشرا ، والعامل بالحال معنى الاشارة. وهم بالآخرة هم يوقنون الجملة حال ، وهم الثانية تأكيد لهم الأولى.

٥

المعنى :

(طس) تقدم الكلام عن مثله في أول سورة البقرة (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ). تلك إشارة إلى هذه السورة ، والقرآن والكتاب بمعنى واحد ، والاختلاف بينهما بالوصف لا بالذات ، وبالعرض لا بالجوهر ، فهو قرآن لأنه مقروء ، وهو كتاب لأنه مكتوب ، وهو مبين لأنه واضح ، وهو أيضا (هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) يرشد من طلب الهداية إلى الحق ، ويبشره بالجنة ان آمن به وعمل (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). ليس الإيمان بشيء عند الله إلا إذا ظهرت آثاره ومقتضياته للعيان ، ومن أهمها الصلاة والزكاة. وبالاختصار ليس الإيمان الحق فكرة في الرأس ، ولا كلاما يدور على اللسان ، وإنما هو سلوك وعمل.

وتسأل : ان مقيمي الصلاة ومؤدي الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، فما هو الوجه لقوله تعالى : (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)؟.

الجواب : المراد أنهم يؤمنون بالآخرة إيمانا لا ريب فيه ، تماما كمن قد رآها.

(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ). عميت قلوبهم عن أعمالهم وما فيها من فساد وضلال ، فاقترفوها دون خوف من حساب وعقاب.

وتسأل : أسند سبحانه هنا التزيين الى نفسه حيث قال : (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) وفي الآية ٦٣ من سورة النحل أسند التزيين إلى الشيطان حيث قال : (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ). فما هو وجه الجمع بين الآيتين؟.

الجواب : أسند التزيين في آية سورة النحل إلى الشيطان بالنظر إلى أنه هو الذي يغري ويوسوس ، وأسنده اليه تعالى هنا بالنظر إلى أن سنّة الله ومشيئته قضت بأن يعمى عن سوء أعماله من لا يؤمن باليوم الآخر ، تماما كما قضت مشيئته تعالى بالموت والهلاك على من يسلك الطريق المؤدية اليه ، وبتعبير ثان ان من لا يؤمن بالآخرة يفعل الحرام ، وهو يرى انه حلال ، لأن الله جعل عدم الايمان سببا للجهل بالحرام .. وإذا قال قائل : إن هذا شيء طبيعي قلنا في جوابه :

٦

إن جميع الأشياء الطبيعية والأسباب الكونية تنتهي اليه تعالى لأنه هو الذي أوجد الطبيعة والكون.

(أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ). خسروا الدنيا لأنهم فارقوها ، وخسروا في الآخرة الثواب ، وحلّ بهم العقاب ، وذلك هو الخسران المبين.

موسى الآة ٦ ـ ١٤ :

(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤))

٧

اللغة :

تلقى القرآن تعطاه. وآنست أبصرت. وشهاب شعلة. وقبس قطعة من نار. وتصطلون تستدفئون. ولم يعقّب لم يرجع. ومبصرة واضحة.

الإعراب :

إذ في محل نصب باذكر المحذوف. وأن بورك (ان) بمعنى أي مفسرة للنداء. وسبحان منصوب على المصدر. ورب العالمين بدل من الله. وضمير انه للشأن. وانا الله مبتدأ وخبر ، والجملة خبر ان. وجملة تهتز حال من عصاك. ومدبرا حال من الضمير المستتر في ولّى. وبيضاء حال من يدك. وإلى فرعون متعلق بحال محذوف أي مرسلا إلى فرعون. ومبصرة حال من آياتنا. وظلما مفعول من أجله لجحدوا. وكيف خبر كان ، وعاقبة اسمها.

المعنى :

(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). الخطاب لرسول الله (ص) ، والمعنى ان الله هو الذي أعطاك القرآن يا محمد ، وما هو من عندك كما يزعم الجاحدون (إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ). تقدم مثله مع التفسير في الآية ١٠ من سورة طه.

(فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ). المراد بالنار هنا النور ، ومن فيها قدرة الله ، ومن حولها موسى ، والمعنى ان الذي رأيته يا موسى وظننته نارا هو نور مبارك أوجده الله بقدرته ، وأنت الذي تقف من حول هذا النور مبارك أيضا ، لأني قد اخترتك لرسالتي تبشر وتنذر وتنشر البركة في الأرض .. هذا ما فهمناه من الآية بعد التتبع والتأمل ، فإن كان هو المراد فذاك ، وإلا فإنه صحيح في ذاته.

(يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). كشف سبحانه ان الذي يناديه ويخاطبه

٨

هو رب العزة ليسمع ويطيع (وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ). المراد بالجان هنا الحية بدليل قوله تعالى : (فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) ـ ٢٠ طه. وقوله : (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) ـ ١٠٦ الأعراف .. ان موسى إنسان ، ومن طبيعة الإنسان الخوف .. ومن الذي لا يخاف إذا تحول القميص الذي على بدنه إلى حيوان مفترس ، والخاتم الذي في إصبعه الى عقرب ، والعصا التي في يده الى ثعبان؟. خاف موسى لأنه إنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، فأمنه الله سبحانه ، وقال له : أنت رسولي ، وجميع رسلي في أمان وسلام.

(إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ). إن الأنبياء لا خوف عليهم لأنهم لا يظلمون أنفسهم ولا غيرهم ، وانما الذي يجب أن يخاف هو من ظلم الله بالكفر والشرك ، أو ظلم نفسه بالمعصية ، أو غيره بالاعتداء إلا من تاب بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ، ويشمله بعفوه ورحمته. (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) تقدم مثله في الآية ١٠٨ من سورة الأعراف ج ٣ ص ٣٧٥ والآية ٢٢ من سورة طه والآية ٣٣ من سورة الشعراء. (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ). تقدم في الآية ١٠١ من سورة الإسراء.

(فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ). مبصرة أي يبصر الإنسان الحق إذا رأى تلك الآيات التسع التي جاء بها موسى ، وقد أبصر فرعون وقومه الحق حين رأوا هذه الآيات ، ولكنهم كابروا وعاندوا ، وكذبوا على الله وعلى أنفسهم في قولهم : انها سحر مبين ، ولذا قال تعالى : (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا). أيقنت قلوبهم وعقولهم بصدق موسى وآياته ، ولكنهم أنكروها بألسنتهم خوفا على منافعهم وحرصا على مناصبهم ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : (ظُلْماً وَعُلُوًّا). (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) في الأرض بالكفر والظلم والفساد.

٩

سليمان الآة ١٥ ـ ١٩ :

(وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩))

اللغة :

الوازع المانع ، ويوزعون يمنعون من الفوضى ويسيرون سيرا منظما. وأوزعني ألهمني.

الإعراب :

لا يحطمنكم في موضع الجزم جوابا للأمر وهو ادخلوا. وضاحكا حال مؤكدة.

المعنى :

(وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً) يهتديان به إلى طاعة الله ومنفعة الناس ، ولم

١٠

يتطاولا به على عباد الله وعياله ، أو يخترعا به أسلحة الفناء والدمار ليستعبدا الضعفاء ، ويسيطرا على أقواتهم ومقدّراتهم ، بل أطاعا الله في أمره ونهيه ، وشكراه على نعمة العلم التي لا يعادلها شيء (وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ). المراد بالفضيلة هنا فضيلة العلم النافع ، وبالكثير من المؤمنين من لم يكن في مكانتهما من العلم .. وفيه إيماء إلى أن في المؤمنين من هو أفضل من داود وسليمان .. وهذا هو الواقع ، بل ان الأفضل أكثر بكثير من المفضول بالنسبة اليهما .. ومهما يكن فإن الفضل عند الله لا يقاس بالعلم ، ولا بتسخير الرياح ، ولا بإلانة الحديد ، ولا بشيء إلا بمنفعة الناس وصلاحهم بجهة من الجهات.

(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ). داود من نسل يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم ، وقد كرمه الله بالنبوة ، وأنزل عليه الزبور ، وجعله خليفة في الأرض ، وخصه بأجمل الأصوات ، وألان له الحديد ، وهو ثاني ملك لدولة اليهود ، ويطلق عليه لقب الملك داود ، أما الملك الأول فهو طالوت كما في الآية ٢٤٧ من سورة البقرة : (إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً). وكان ابنه سليمان نبيا أيضا ، وخصه الله بكثير من النعم ، منها وراثة الملك عن أبيه ، ويقول التاريخ : ان ملكهما امتد سبعين سنة. وكان ذلك من حوالى ثلاثة آلاف سنة ، وبعد موت سليمان انقسم اليهود الى دولتين متحاربتين : دولة إسرائيل ، ودولة يهوذا ، ولما جاء بخت نصر قضى عليهما ، ولم تقم لليهود بعدئذ قائمة حتى تعاون الاستعمار الانكلوا أمريكي على إنشاء قاعدة عسكرية تحفظ مصالحه في الشرق الأوسط ، فأنشأوها باسم دولة إسرائيل على أرض فلسطين سنة ١٩٤٨.

ويقول اليهود عن ملكهم داود : انه كان يخطف النساء ، ويقتل أزواجهن ، وان ابنه سليمان كان من الجبابرة الطغاة ، والمسرفين المبذرين.

وقال بعض المفسرين : المراد بقوله تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) ان سليمان ورث العلم فقط عن أبيه .. والصحيح ان الآية تعني وراثة الملك ، كما حدث ذلك بالفعل ، أما العلم فلا يكون بالوراثة بل بالجد والاجتهاد ، أو بالوحي من الله .. وحديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، محل خلاف بين المسلمين ، فأثبتته طائفة ، ونفته أخرى.

١١

(وَقالَ ـ سليمان ـ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ). أقر الإسلام فكرة المعجزة الخارقة على أيدي الأنبياء ، ومن أنكرها فليس بمسلم ، لأن هذا الإنكار تكذيب لله ورسوله ، وبالمعجزة وحدها نفسر معرفة سليمان بلغة بعض الطيور .. إن الله سبحانه خصّ كل نبي بنوع خاص من المعجزات ، فكان نصيب سليمان تسخير الريح له وبعض الجن ، ومعرفته بلغة بعض الطيور والحشرات كالنمل (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ). المراد بكل هنا الكثرة دون الشمول والاستغراق ، تماما كما تقول : فلان يملك كل شيء كناية عن كثرة أملاكه وتنوعها. وتدل الآية على ان للطيور إدراكا ولغة تتفاهم بها ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) ـ ٣٨ الأنعام.

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ). و (من) هنا للتبعيض ، أي بعض الجن والانس والطير .. وقلنا مرارا : اننا نؤمن بوجود الجن لأن القرآن يثبته والعقل لا ينفيه ، وقد كان لسليمان جيش من الجن والانس والطير ، وكان لكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة قادة ومراقبون يحافظون على النظام في السير وغيره ، وهذا هو معنى يوزعون.

العظات والعبر في نملة سليمان :

(حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ). اختلف المفسرون في مكان هذا الوادي ، فمن قائل : انه في الطائف ، وقائل هو بالشام ، ومهما يكن فإن الآية تدل على ان للنمل إدراكا ولغة ونظاما ، وهذا ما أثبته العلم ، أما معرفة سليمان بلغة النمل فلا تفسير لها إلا بالمعجزة الخارقة.

وتسأل : كيف سمع سليمان كلام النملة ، وبينه وبينها من البعد ما الله أعلم به ، مع ان أحدنا لو أدخل النملة إلى أذنه لا يسمع لها صوتا؟.

وجاء في بعض الروايات ان الريح حملت لسليمان كلام النملة. ويؤيد هذه الرواية قوله تعالى : (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ) ـ ٣٦ ص.

١٢

(فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ). حين طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده أراد بالملك تسخير الرياح والجن والطير ونحوه ، لأن التمكين في الأرض قد منحه الله إلى كثيرين ، ولما أتى سليمان على وادي النمل ، وحملت له الريح قول النملة وفهم معناه أدرك بأن هذا مما لا يكون لأحد من بعده ، فاغتبط بهذه النعمة ، وأدى حقها بالشكر لله ، ومجرد الشعور بأن هذه النعمة من الله هو نوع من الشكر ، وأعظم أنواعه هو عمل الخير لوجه الخير.

وكما دلت الآية على ان لسليمان دولته وجنوده ، وان الله سبحانه قد ألهمه العلم بلغة النملة ومنطقها فقد دلت أيضا على ان للنملة دولتها ورعيتها ، وان الله قد ألهمها العلم ببعض الآدميين وأسمائهم ، وإلا فمن أين لها العلم بأن هذا القادم العظيم بموكبه وجنوده هو سليمان بن داود؟ .. انها عظيمة في عالمها تماما كسليمان في عالمه ، وانها تعدل في الرعية ، وترفق بها ، وتسهر على مصالحها ، وتؤدي حق الولاية كاملة ، كما يفعل سليمان وغيره من ولاة الحق والعدل.

ومن تأمل وتدبر حادث النملة مع سليمان ينتهي إلى العبر والعظات التالية :

١ ـ ان النظام والتقدير يعم ويشمل جميع الكائنات من أصغر صغير كالنملة إلى أكبر كبير كالمجرّات : ولا تفسير لهذا النظام الدقيق ، والتدبير العجيب إلا بوجود قادر عليم : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) ـ ٢ الفرقان.

٢ ـ ان المشاركة الوجدانية والشعور بالمسؤولية نحو الآخرين لا يختص بالإنسان ، بل يعم ويشمل الحيوانات والطيور والحشرات .. فهذه الذرة التي لا تكاد ترى بالعين حين أحست بالخطر على جماعتها ، وأبناء جنسها وقفت تحذرهم وتقول : (ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ). وقد أورد أهل الاختصاص العديد من الشواهد على هذه الحقيقة من حياة الحيوان.

٣ ـ ان الله سبحانه إذا أنعم على عبد من عباده بنعمة كالعلم أو السلطان وغيره فعليه أن يشكر الله ويتواضع له وللناس ، ولا يأخذه الخيلاء والعجب ، ويتطاول بنعمة الله على الآخرين ، وأن يكون على يقين بأن هذه النعمة قد أنعم

١٣

الله بمثلها وبخير منها على أضعف الكائنات ، وان الإنسان ليس هو الكائن المدلل الذي خصه الله بفضله ورحمته دون الخلق أجمعين .. وقد أثبتت الكشوف العلمية ان هناك أكوانا أعظم من هذا الكون الذي نراه ، وانه لا أحد يستطيع معرفة حقيقتها إلا خالق الكائنات ، وان الإنسان بالنسبة اليها ليس شيئا مذكورا .. ويومئ إلى ذلك قوله تعالى : (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ـ ٥٧ غافر.

وعلى هذا فإن الآيات التي تقول : (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) .. (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) .. (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) ـ ٢٤ فاطر. إن هذه الآيات وأمثالها تعم وتشمل الإنسان وغير الإنسان .. وتجدر الاشارة إلى أن الله سبحانه قد أطلق كلمة الأمة على غير البشر كما في الآية ٣٨ من سورة الأنعام : (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ).

مالي لا ارى الهدهد الآة ٢٠ ـ ٢٦ :

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦))

١٤

اللغة :

تفقد تعهد ، هذا هو المتبادر إلى الأذهان ، وتقتضيه العناية بأمور الملك ، وقيل : معنى تفقد فقده عند غيبته. وسبأ اسم رجل تنسب اليه قبائل باليمن. والفرق بين النبأ والخبر ان النبأ للخبر الذي له شأن ، والخبر لكل خبر حتى التافه.

والخبء المخبوء.

الإعراب :

ما لي مبتدأ وخبر. وام هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة. والّا بالتشديد كلمتان ان ولا ، والمصدر مفعول من أجله لزيّن أو لصدهم أي زيّن لهم الشيطان أعمالهم لعدم السجود ، أو صدهم عن السبيل لذلك.

المعنى :

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ). كان لسليمان أصناف من الطيور تأتمر بأمره ، وهي مطلقة غير مسجونة في قفص وشبهه ، وفي ذات يوم تعهد الطيور ، كما يتعهد القائد جنوده ، فلم يجد الهدهد من بينها ، ولم يكن قد أذن له بالغياب ، فتهدده ـ على مسمع من الطيور ـ بالعذاب كالسجن ونحوه ، أو بالإعدام إذا لم يدل بحجة واضحة تبرر غيابه.

(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ). لم يمض أمد قصير على تهديد سليمان حتى جاء الهدهد ، وقال له : اكتشفت شيئا هاما لا تعرفه أنت على سعة علمك (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ). المراد بسبإ القوم الذين ينتسبون إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، والمرأة هي بلقيس بنت شراحيل ، وكان من الملوك ، وورثت ابنته بلقيس السلطان منه ، وكانت تملك جميع مظاهر الثراء

١٥

والترف في زمانها ، وكانت تجلس على سرير ضخم وثمين مرصع بقلوب المساكين ، ومطلي بعرقهم ودمائهم .. وطريف قول بعض المفسرين : انه كان مسقوفا ، وان مساحته ثمانون ذراعا مربعا ، وأيضا علوه ثمانون.

(وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ). وتسأل : ان الطيور والحيوانات والحشرات تعرف بغريزتها مأكلها ومشربها وما يضرها وينفعها ، ويعرف الذكر منها الأنثى من نوعه ، والأنثى تعرف الذكر من نوعها ، تعرف ذلك وما إليه لأنه من مقومات وجودها ، وحافظ لحياتها واستمرار بقائها ، اما ان تميز بين الذكر والأنثى من الآدميين ، وتعرف ان اسم هذه القبيلة سبأ وتلك ثمود ـ مثلا ـ وان هؤلاء القوم يؤمنون بالله ، وأولئك يكفرون به ، أما هذا وما إليه فلا يتصل بحياتها من قريب أو بعيد كي تعرفه بالفطرة والغريزة .. اذن فمن أين جاء العلم للهدهد باسم القبيلة ، وبالمرأة التي تملكهم ، وبأنهم يعبدون الشمس ، مع أننا نحن الآدميين لا نميز بمجرد النظر الذكر من الأنثى في أكثر أنواع الطيور ، وفي جميع الحشرات والأسماك؟.

الجواب : ان الآية أثبتت هذه الأوصاف لهدهد سليمان فقط ، وثبوتها له لا يستدعي ثبوتها لكل طير أو لكل هدهد تماما كما لا تستدعي معرفة فلان باللغة الانكليزية أن يعرفها كل الناس .. أما معرفة هدهد سليمان بما أخبره به فلا تفسير له عندنا إلا بمشيئة الله.

(أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ). المراد بالخبء هنا خيرات الكون ، والله سبحانه يخرجها لعباده بالأسباب الطبيعية كالنبات يخرجه من الأرض بسبب المطر ، والتوالد بسبب التلقيح ، أو بالوسائل العلمية كالمعادن وما اليها يخرجها الله بأيدي العلماء وأدواتهم الفنية ، وقد عبّر سبحانه عن هذه الوسائل والأسباب بأيدي الله حيث قال : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ) ـ ٧١ يس. (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) الذي لا يقاس بملكه ملك ، ولا بعظمته عظمة.

١٦

اذهب بكتابي هذا الآة ٢٧ ـ ٣٥ :

(قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥))

اللغة :

تولّ تنحّ. ما ذا يرجعون ما ذا يدور بينهم. والملأ أشراف القوم. ومسلمين منقادين. أفتوني أشيروا عليّ. وتشهدون تحضرون.

الإعراب :

ما ذا يجوز أن تكون كلمة واحدة للاستفهام ، ومحلها النصب بيرجعون ، وان تكون كلمتين ما للاستفهام مبتدأ وذا بمعنى الذي خبر ، وجملة يرجعون صلة الموصول. ألّا بالتشديد كلمتان ان المفسرة لكتاب ولا الناهية. ومسلمين حال من واو ائتوني. أمرا مفعول قاطعة. وتشهدون منصوب بأن بعد حتى ، والنون للوقاية لأن الأصل تشهدونني.

١٧

المعنى :

(قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ). أخبر الهدهد سليمان عن قوم سبأ ، فقال له : سنختبر مقالتك لنعرف مكانها من الصدق (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ). كتب سليمان إلى القوم يدعوهم إلى طاعته ، وأعطى الكتاب للهدهد ، وقال له : أوصله إليهم بطريق من الطرق ، وتنح عنهم إلى مكان تراقبهم منه ، وتسمع ما يقولون وما يتفقون عليه ، وترجع إليّ بخبرهم.

(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ). حمل الهدهد الكتاب الى القوم ، وألقاه في مكان من قصر الملكة ، بحيث ترى الكتاب ، ولا تعلم من جاء به ، كما تشعر كلمة ألقي بصيغة المجهول ، ثم تنحى الهدهد إلى مكان قريب يسجل حركات القوم وأقوالهم ، تماما كالموظف في الاستخبارات ، ولما رأت الملكة الكتاب وعلمت ما فيه جمعت الوزراء والمستشارين ، وعرضته عليهم ، ووصفته بالكريم لأن صاحبه عظيم الجاه والسلطان .. والبسملة جزء من كتاب سليمان الذي اقتصر فيه على الدعوة إلى الطاعة من غير مقدمات وزيادة كلام .. وهذا هو شأن الأنبياء في رسائلهم ، يقتصرون فيها على الهدف المطلوب ، وكان الرسول الأعظم (ص) يقتصر في رسائله إلى الملوك على قوله : «اسلم تسلم» بعد البسملة والحمد.

(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ). أشيروا عليّ ، فلا أبتّ بشيء حتى استظهر برأيكم ، وفيه إيماء إلى أن ديمقراطية الحكم لها جذور في التاريخ البعيد ، ثم تطورت بمرور الزمن إلى ما هي عليه الآن. (قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ). قالوا هذا على طريقة الساسة في الإعلان عن قوتهم وحزمهم وصلابتهم ، وفي الاحتفاظ أيضا نحط الرجعة حيث ألقوا بالمسؤولية كلها على عاتق الملكة حتى إذا ساءت العاقبة كانوا منها في حل.

١٨

هل الفساد طبيعة في الملوك؟

(قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ). تطلق القرية على المدينة وعلى بلدة ريفية ، وشرح بعض المفسرين الجدد هذه الآية بقوله : فهي تعرف ان من طبيعة الملوك إذا دخلوا قرية أشاعوا فيها الفساد ، وحطموا الرؤساء وجعلوهم أذلة ، وهذا هو دأبهم الذي يفعلونه.

والحق ان الفساد ينتشر في الأرض بمقدار ما للمجرمين من قوة ، ويتضاعف كلما تضاعفت مقدرتهم عليه ملوكا كانوا أو غير ملوك ، وإنما خصت الآية الملوك بالذكر لأنهم أقوى وأقدر من غيرهم .. إن شخصية المجرم تختفي وراء ضعفه ، وتظهر مع قوته .. فمن الخطأ أن نحدد شخصية الضعيف من خلال تصرفاته .. فقد اشتهر البعض في زماننا بالتقى والصلاح قبل أن يتولى الرئاسة ، ولما أخذ نصيبه منها التصقت به تهم لا تمحوها الأيام .. نسأل الله الهداية لنا وله.

وبهذا يتبين معنا ان صفة الفساد لا تختص بالملوك ، ولا هي من طبيعتهم ، وإلا استحال وجود العدل والصلاح فيهم ، وانما هي من طبيعة القوي المجرم ، سواء أجاءت قوته من المال أو الجسم أو العقل أو من منصب زمني أو ديني : ولا رادع للمجرم القوي إلا الدين. قال الإمام علي (ع) : قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ، ودونه مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين. الحوّل القلّب هو البصير بتحويل الأمور وتقلّبها ، والحريجة التحرز من الإثم.

(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ). أرجع الوزراء والمستشارون الى الملكة أمر السلم والحرب ، وقبل أن تبت بشيء رأت أن ترسل الى سليمان هدية ، فيها كل غال وثمين ، ثم تنظر هل يقبلها أو يرفضها؟ فإن قبلها فهو طالب دنيا ، لا طالب دين ، يمكن مصانعته بالمال ، وان رفض الهدية وأصر على أن نأتيه مسلمين فهو من أصحاب المبادئ والرسالات الذين لا يساومون

١٩

على عقيدتهم ، ويضحّون من أجلها بكل عزيز ، ومثلهم لا تجوز محاربتهم ، وتصعب مقاومتهم.

عرش بلقيس الآة ٣٦ ـ ٤٠:

(فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠))

اللغة :

لا قبل لهم لا طاقة لهم. والعرش سرير الملك. العفريت الداهية الماكر.

الإعراب :

فلما جاء فاعل (جاء) محذوف يدل عليه قول الملكة : وإني مرسلة إليهم ،

٢٠