🚘

الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

الشيخ محمد مهدي الآصفي

الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام

المؤلف:

الشيخ محمد مهدي الآصفي


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام
المطبعة: مطبعة الأمير
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

(وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) [المؤمن : ٦٠].

٥
٦

كلمة المجلة

لقد مرت الأمة الإسلامية بفترات حرجة من تاريخها ، ولعبت العوامل السياسية دورها البارز في إضفاء طابع الفئات الحاكمة وبصماتها علي مسيرة الأحداث ، فكان نتيجة ذلك أن طفت علي السطح معالم وطمست معالم اخري.

ولا يخفي علي متتبع في مسيرة الأحداث وتاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول صلي الله عليه واله ان تدوين الحديث كان ممنوعا ، واستمر المنع سنوات طويلة ، ولولا جهود جهود أئمة أهل البيت عليهم السلام ، لضاع الكثير من الأحاديث واندرست معالم جانب كبير ومهم من الشريعة ، وقد حاول البعض تبرير وتسويغ أمر المنع بعلل لا تصمد أمام محك الواقع الذي يفرض نفسه ، والذي أثبت أن الأمة بأمس الحاجة إلي من يفهم القران الكريم الراسخون في العلم وأهل الذكر كما صرح الرسول الأكرم صلي الله عليه واله بذلك في معرض تفسيره لقوله تعالي : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون). وسلم

ولقد تصدي أهل البيت عليهم السلام لتبيان حقائق القران الكريم ونشر علوم الشريعة الحقة ، فحفظوا بذلك للأمة الإسلامية تراثها من الضياع ، ورسموا معالم المنهج الالهي الأصيل الذي ارسي دعائمه رسول الإنسانية قولا وعملا.

ولم يترك المناوئون لأهل البيت سانحة ، فقد عملوا جهدهم ، وبذلوا ما في وسعهم لإطفاء هذه الشعلة الوهاجة بكل ما يتسني لهم من الوسائل ، تارة بالقضاء مباشرة علي مصدر الاشعاع ، وتارة بتحريف وتزوير معالمه وآثاره.

ومع كل ما تعرض له أهل البيت عليهم السلام علي امتداد مسيرة حياتهم الشريفة

٧

من اضطهاد وارهاب وتشريد وقتل ، فقد شائت الإرادة الربانية أن يبقي هذا التراث الجليل محفوظا ، مصداقا لقول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم : «ولن يفترقا حتي يردا عليّ الحوض». فکما أن القران هو الدستور الخالد للأمة الإسلامية بنص قوله تعالي : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فكذلك العترة الطاهرة ، ستبقي خالدة مع خلود القران ، خالدة بوجودها الشريف ، متمثلة ببقية الله في أرضه الامام المهدي عليه السلام ، وخالدة بآثارها ومعالم مدرستها الأصيلة ، التي هي امتداد. الرسالة المحمدية الخالدة.

وليس العمل علي نشر معالم هذه المدرسة الشريفة إلا عملا علي إحياء رسالة السماء والنهوض بالشريعة الإسلامية إلي تحقيق أهدافها في الوصول بالأمة إلي شاطئ النجاة وسعادة الدارين «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».

فلقد كانت مسيرتهم الطاهرة نبراسا يضيء للأمة طريقها في جميع مناحي الحياة علما وفكرا وسلوكا وجهادا وموافق واباء ، ورفضا لجميع إشكال الهيمنة والاستعباد والانحراف عن الصراط القويم الذي أمر الله تعالي عباده عباده ان ينهجوه بقوله تعالي : (وان هدا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم).

وانطلاقا من وصية الامام الرضا عليه السلام لأتباع أهل البيت عليهم السلام في قوله : «رحم الله عبدا أحيا أمرنا ، قيل : وكيف يحيا أمركم؟ قال : يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا» ، أخذت مجلة رسالة الثقلين علي عاتقها القيام بهذه المسؤولية الفخمة بإحيائها للمعارف الإسلامية من منبعها الحقيقي منبع الثقلين ، ودفاعها عن حريم القران الكريم وسنة الرسول الشريفة ، وخط أهل بيته الطاهرين عليهم السلام بنشرها علي صفحاتها بعض الأبحاث المسلسلة ذات الموضوع أو العنوان الواحد ، والتي تصب في هذا المجال ، وتؤدي الدور الأساس في هذا المضمار.

٨

ونظرا لأهمية هذه الأبحاث ، وقيام كتابها بمراجعتها وتنقيحها وإكمالها بما يجعلها قابلة لاخراجها علي شكل كتب متكاملة في مواضيعها ، فقد شرعت مجلة «رسالة الثقلين» بإصدار سلسلة کتب تحت عنوان «کتاب الثقلين» مفتتحة عملها المبارك بإصدار الكتاب الأول من هذه السلسلة وهو الكتاب الموسوم بـ «الدعاء عند أهل البيت عليهم السلام» لسماحة العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي ، الذي أوضح فيه حقيقة الدعاء وأنه روح العبادة وجوهرها ، وهو مفتاح الرحمة ، لأنه إقبال علي الله ، فهو يشد الإنسان إلي خالقه ، ويجعل ارتباطه به وثيقا.

وليس في العبادات عبادة تقرب العبد إلي الله أكثر من الدعاء ، وان فقر الانسان وحاجته يلجئانه الي الله ويزيدانه إقبالا عليه ، فالدعاء من أهم الأبواب والقنوات التي جعلها الله تعالي لورود عباده عليه والارتباط به ، إذ أن قنوات الارتباط به تعالي كثيرة منها : التوبة والاستغفار والخوف والخشية ، والحب والشوق ، والرجاء والشكر. والاعراض عن الدعاء اعراض عن الله تعالي واستكبار عن عبادته ، قال تعالي : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين).

وإنما يستعين الانسان علي قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الي الله سبحانه. وإن بين الدعاء والاستجابه علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد علي ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالي علي عبده بالإجابة ويخصه بها؟

وللدعاء آداب وشروط ينبغي للعبد أن يلتزم بها ولا يتخطاها ، كما ان للاستجابة معوقات وعقبات وموانع وهي الذنوب التي تنغلق بها القلوب ، ويفقد الإنسان معها حلاوة الذكر.

كان لأئمة أهل البيت دورهم الريادي في إرساء قواعد الدعاء ، وتبيان ولقد

٩

أثره الكبير والعميق في سلوك العبد تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وخالقه ، ولم يترك أهل البيت عليهم السلام بابا من أبواب حياة الإنسان إلا ووضعوا له من الدعاء ما يختص به ، حيث عملوا علي شد الإنسان بخالقه في جميع تصرفاته ، في أي وقت كان وأينها حل.

والكتاب الذي بين ايدينا سياحة في رياض الدعاء ، وكشف لاسرار مروجه الزاهرة الخضراء ، من خلال ما وضعه اهل البيت عليهم السلام من ادعية ومناجاة تسمو بالعبد الي قمة الخضوع والخشوع والذوبان في الساحة الالهية المقدسة. وقد ابدع الكاتب فيه اذ سلط الاضواء علي جوانب وزوايا قلما تناولتها اقلام علمائنا الابرار بهذا التفصيل والبيان ، خصوصا في باب الحب الالهي في ادعية اهل البيت عليهم السلام. ونترك لقرائنا الافاضل امر التجوال في فصوله وفقراته ليلمسوا هذه القيمة ويتفاعلوا معها علي طريق رحلة العبودية لله وفي رحاب حبه ورحمته.

هيئة التحرير

مجلة رسالة الثقلين

١٠

حقيقة الدعاء

١١
١٢

(وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (١)

الدعاء اقبال العبد عل الله ، والاقبال علي الله هو روح العبادة ، والعبادة هي الغاية من خلق الانسان.

هذه النقاط الثلاثة تسطيع ان تجسد قيمة الدعاء وتوضح لنا حقيقته ولنبدا بالنقطة الاخيرة ، ومنها نتدرج الي الثانية ثم الاولي.

ان القران الكريم صريح وواضح في ان العبادة هي الغاية من خلق الانسان. يقول تعالي :

(وما خلقت الجن والانس الاليعبدون) (٢) وهذه هي الحقيقة الاولي ، وهي ذات اهمية كبيرة في هذا الدين.

وقيمة العبادة انها تشد الانسان الي الله في العبادة امر جوهري في تحقيقها. ومن دونه لا تكون العبادة ، فالعبادة في حقيقتها حركة الي الله ، واقبال علي الله ، وقصد لوجه الله ، وابتغاء لمرضاته.

وهذه الحقيقة الثانية ، وهي توضح الحقيقة الاولي.

والحقيقة الاولي ان الدعاء اقبال علي الله ، ومن ابرز مصاديقه الانشداد والارتباط بالله ... ولا يوجد في العبادات عبادة تقرب الانسان الي الله اكثر من

__________________

(١) المؤمن : ٦٠.

(٢) الذاريات : ٥٦.

١٣

الدعاء.

روي عن سيف التمار انه قال سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول : «عليكم بالدعاء ، فانكم لا تتقربون بمثله» (١).

وكلما تكون حاجة الانسان الي الله اعظم ، وفقره اليه تعالي اشد ، واضطراره اليه اكثر يكون اقباله في الدعاء علي الله اكثر.

والنسبة بين فقر الانسان الي الله واضطراره اليه تعالي ، وبين الانسان عليه سبحانه في الدعاء نسبة طردية. فان الحاجة والاضطرار يلجئان الانسان الي الله ، وبقدر ما يشعر بهذه الحاجة يكون اقباله علي الله ، كما العكس ايضا كذلك.

يقول تعالي : (كلا إن الإنسان ليطغي * أن رآه استغني) (٢).

ان الانسان ليطغي ويعرض عن الله بقدر ما يتراءي له انه قد استغني ، ويقبل علي الله بقدر ما يعي من فقره وحاجته الي الله. وتعبير القران دقيق (أن رآه استغنى). فلا غنى للانسان عن الله ، بل الانسان فقر كله الي الله : (يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله والله هو الغني الحميد) ولكنه يتراءي له انه قد استغني ، وغرور الانسان هو الذي يخيل اليه ذلك.

فاذا تراءي له انه قد استغني عن الله اعرض ونأي بجانبه وطغي.

فاذا مسه الضر ، احس بالاضطرار الي الله عاد واقبل عليه.

اذن الدعاء في حقيقته اقبال علي الله.

تعالي ، ويتضرع اليه فلابد ان يقبل عليه تعالي ومن يدع الله

وهذا الاقبال هو حقيقة الدعاء وجوهره وقيمته.

_____________________

(١)بحار الانوار ٩٣ : ٢٩٣.

(٢) العلق : ٦ ـ ٧.

١٤

المناهل الاربعة للورود علي الله في القران

والدعاء من اهم المناهل التي جعلها الله تعالي لعباده للورود عليه.

وقد بين الله تعالي لنا في القران اربعة مناهل للورود عليه ، في جملة المناهل التي ورد ذكرها في القران والسنة.

عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام : «اربعة للمرء لاعليه : (الايمان) و (الشكر) ، فان الله تعالي يقول : (ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وامنتم) (١).

و (الاستغفار) فانه تعالي يقول : (فما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (٢).

و (الدعاء) فانه تعالي يقول : (قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم) (٣).

معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه).

ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم).

ويقول : (ادعوني استجب لكم) (٤).

وعن عبدالله بن وليد الوصافي عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «ثلاث لا يضر معهن شيء : الدعاء عند الكربات ، والاستغفار عند الذنب ؛ والشكر عند النعمة» (٥).

_____________________

(١) النساء : ١٤٧.

(٢)الانفال : ٣٣.

(٣) الفرقان : ٧٧ بحار الانوار ٩٣ : ٢٩١.

(٤)خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس.

(٥) أمالي الشيخ الطوسي : ١٢٧.

١٥

وهذه قنوات للارتباط بالله ، وقنوات الارتباط بالله كثيرة منها التوبة؛ ومنها الخوف والخشية؛ ومنها الحب والشوق إلى الله؛ ومنها الرجاء؛ ومنها الشكر؛ ومغها الاستغفار.

وعلاقة الانسان بالله يجب أن تنظم طبق مجموعة متناسقة من هذه القنوات؛ ولا يصحح الاسلام نظرية وحدة طريق الارتباط.

والدعاء من اهم وسائل الارتباط بالله والاقبال على الله.

ذلك لأنه لا شيء يلجئ الناس إلى الله كما تلجئهم إليه حاجتهم وفقرهم. فالدعاء من أوسع ابواب الارتباط والعلاقة بالله.

الدعاء جوهر العبادة

اذن الدعاء جوهر العبادة وروحها؛ فإن الغاية من خلق الانسان العبادة : والغاية من العبادة الانشداد إلى الله. والدعاء يحقق هذا الانشداد والارتباط من اوسع الابواب ، وبأقويٰ الوسائل.

وقد روي عن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم : «الدعاء مخ العبادة؛ ولا يهلك مع الدعاء

احد» (١).

وروي عن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم أيضاً. «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (٢).

وتكاد الرواية ترينا طريقة حركة الانسان إلى الله في الدعاء واقباله عليه.

_____________________

(١) بحار الانوار ٩٣ : .. ٣.

(٢) بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣.

١٦

تأملوا :

(افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه).

وفي رواية أخرى عن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم : «الدعاء سلاح المؤمن وعاد الدين» (١).

وإنما كان الدعاء (عماد الدين) ، لأنه قوام الدين وهو التحرك إلى الله والدعاء اقبال على الله.

ولما كانت حقيقة الدعاء هي الاقبال على الله كان الدعاء أحب شيء الى الله واكرم شيء عنده.

عن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم : «ما من شيء اكرم على الله تعالى من الدعاء) (٢).

وعن حنان بن سدير عن ابيه ، قال : «قلت للباقر عليه السلام؛ أي العبادة افضل؟ فقال : ما من شيء احب إلى الله من ان يسأل ويطلب ما عنده؛ وما أحد ابغض إلى الله عزوجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأله ما عنده (٣).

الاعراض عن الدعاء اعراض عن الله

يقول تعالى : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين).

والاستكبار عن العبادة في هذه الاية الكريمة هو الاعراض عن الدعاء ، فإن السياق يدعو إلى الدعاء. يقول تعالى : «ادعوني استجب لكم» وبعد ذلك

_____________________

(١) بحار الانوار ٩٣ : ٢٨٨.

(٢) مكارم الاخلاق : ٣١١.

(٣) مكارم الاخلاق : ٣١١ ونفس المضمون في المحاسن للبرقي : ٢٩٢.

(٤) المؤمن : ٦٠.

١٧

مباشرة يقول : (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين).

اذن الاعراض عن الدعاء في هذه الآية الكريمة يحكم الاستكبار عن العبادة؛ لأنه اعراض عن الله.

وروي بهذا المعنى عن الامام الصادق عليه السلام في تفسير الآية الكريمة : «هي والله العبادة؛ هي والله العبادة».

وعن حماد بن عيسى عن الصادق عليه السلام : «إن الدعاء هو العبادة؛ إن الله عز وجل يقول : (إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ((١).

ولا قيمة للانسان عند الله إلا بالدعاء ، وبمقدار الدعاء ، ولا يعبأ الله تعالى بعبده إلا بقدر ما يدعو الله ويقبل عليه (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دُعاؤكم ((٢).

وذلك لأن الدعاء في الحقيقة يساوي الاقبال على الله ، كما أن الاعراض عن الدعاء اعراض عن الله ، ومن يعرض عن الله فلا يعبأ الله به ، ولا قيمة له عند الله.

عن أبي جعفر الباقر في حديث : «وما أحد أبغض إلى الله عز وجل ممن يستكبر عن عبادته ، ولا يسأل ما عنده» (٣).

وعن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم : «لتسألن الله أو ليغضبن عليكم ، إن لله عباداً يعملون فيعطيهم داخرين ، يسألونه صادقين فيعطيهم ، ثم يجمعهم في الجنة ، فيقول الذين عملوا : ربنا عملنا فأعطيتنا ، فما اعطيت هؤلاء؟ فيقول : هؤلاء عبادي اعطيتكم أجوركم ولم التكم من اعمالكم شيئاً ، وسألني هؤلاء فاعطيتهم واغنيتهم ، وهو

_____________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٣.

(٢) الفرقان : ٧٧.

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨ ، ح ٨٦٠٤.

١٨

فضلي اوتيه من اشاء» (١).

إن الله يشتاق إلى دعاء عبده :

فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله.

وقد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه ، ويطول اقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته.

روي عن العالم : (إنّ الله عز وجل ليؤخر اجابة المؤمن شوقاً إلى دعائه ، ويقول : صوت أحب أن اسمعه ، ويعجل دعاء المنافق ، ويقول : صوت اكرهه) (٢).

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٣).

وعن أمير المؤمنين : «احب الاعمال إلى الله عز وجل في الأرض الدعاء) (٤).

وروي أن أبا جعفر الباقر عليه السلام كان يقول : «إن المؤمن ليسأل الله عزوجل حاجة ، فيؤخر عنه تعجيل اجابته حباً لصوته واستماع نحيبه» (٥).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام : «إن العبد ليدعو فيقول الله عزوجل للملكين : قد استجبت له ، ولكن احبسوه بحاجته ، فإني أحب أن أسمع صوته ، وإن

_____________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٤ ، ح ٨٦٠٩.

(٢) بحار الانوار ٩٧ : ٢٩٩.

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦.

(٤) وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٩ ، ح ٨٦٣٩.

(٥) قرب الاسناد : ١٧١ ، أصول الكافي : ٥٢٦.

١٩

العبد ليدعو فيقول الله تبارك وتعالى : عجلوا له حاجته فإني أبغض صوته» (١).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام : «إن العبد الولي لله ليدعو الله عز وجل في الامر ينوبه ، فيقال للملك الموكل به : اقض لعبدي حاجته ، ولا تعجلها فإني اشتهي أن اسمع صوته ونداءه ، وإن العبد العدو لله عز وجل يدعو الله عز وجل في الامر ينوبه ، فيقال للملك الموكل به : اقض حاجته ، وعجلها فإني اكره أن اسمع صوته ونداءه» (٢).

والله تعالي يكره سؤال الناس بعضهم لبعض ، ويحب للمؤمن ان يكرم نفسه ويده عن السؤال ، ولكنه تعالى يحب سؤال المؤمنين منه ، ويحب تضرعهم ودعاء هم عنده.

عن رسول الله صلي الله عليه واله وسلم : «إن الله احب شيئاً لنفسه وابغضه لخلقه ، ابغض لخلقه المسألة ، واحب لنفسه أن يسأل ، وليس شيء احب الله عز وجل من أن يسأل ، فلا يستحي أحدكم من أن يسأل الله من فضله ، ولو شسع نعل» (٣).

وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام : «إن الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم ، ويبغض العبد أن يستخف بالجرم اليسير» (٤).

روي عن محمد بن عجلان قال : «اصابتني فاقة شديدة واضاقة ، ولا صديق لمضيق ، ولزمني دين ثقيل وعظيم ، يلح في المطالبة ، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد ، وهو يومئذ أمير المدينة لمعرفة كانت بيني وبينه ، وشعر بذلك من حالي محمد بن عبد الله بن علي بن حسين عليهم السلام ، وکان بيني وبينه قديم معرفة ، فلقيني في الطريق فأخذ بيدي وقال : قد بلغني ما أنت بسبيله ، فلن تؤمل لكشف ما

_____________________

(١) وسائل الشيعة ٤ : ١١١٢ ، ح ٨٧٣١ ، أصول الكافي : ٥٢٦.

(٢) أصول الكافي ؛ ٥٢٧ ، وسائل الشيعة ٤ : ١١١٢ ، ح ٨٧٣٢.

(٣) فروع الكافي ١ : ١٩٦ ، من لايحضره الفقيه ٢٣ : ١.

(٤) المحاسن للبرقي : ٢٩٣ ، بحار الانوار ٩٣ : ٢٩٢.

٢٠