🚘

تحقيق الأصول - ج ٢

السيّد علي الحسيني الميلاني

تحقيق الأصول - ج ٢

المؤلف:

السيّد علي الحسيني الميلاني


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الحقائق الإسلاميّة
المطبعة: وفا
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الأوامر

٥

البحوث السابقة كانت مقدمات. والمهم هو المقاصد والخاتمة.

والمقصدُ الأول في الأوامر ، وهي مورد الابتلاء في الفقه من أوّله إلى آخره ، وهي كثيرة جدّاً ، إمّا تعييناً وامّا تخييراً ، معلَّقاً أو منجّزاً ، عينيّاً أو كفائيّاً ، توصّلياً أو تعبّدياً ...

في هذا المقصد بحوث مهمّة ، كمباحث الإجزاء واقتضاء الأمر للنهي عن الضدّ وأمثال ذلك ممّا له الأثر العلمي والعملي.

وهذا المقصد موضوعه الأمر مادّةً وصيغةً.

والبحث أوّلاً عن مادّة الأمر.

ثم عن الصّيغة.

٦

مادّة الأمر

وفيه بحوث :

١ ـ ما معنى مادّة الأمر؟

٢ ـ هل المادّة تدلّ على الوجوب؟

٣ ـ هل يعتبر في مفهوم الأمر : العلوّ ، أو الاستعلاء ، أو لا هذا ولا ذاك؟

ما معنى مادّة الأمر؟

قال تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ...)(١) وفي الحديث : «إذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم» (٢) ونحو ذلك ـ كتاباً وسنّةً ـ كثير ، فما هو مدلول هذه المادّة؟ وهل المعنى واحد أو متعدّد؟

قيل : المعنى الموضوع له مادّة الأمر واحد وليس بمتعدّد ، وعليه المحقّقان الميرزا والأصفهاني.

وقيل : لمادّة الأمر معانٍ متعدّدة ، فعدّ في (الكفاية) سبعة ، وذكر بعض أكثر من عشرين معنى.

ثم أرجعوا تلك المعاني الكثيرة إلى معنيين ، لكنّهم اختلفوا في

__________________

(١) سورة النحل : ٩٢.

(٢) غوالي اللآلي ٤ / ٥٨ برقم ٢٠٦.

٧

تعيينهما :

قال صاحب (الفصول) هما : الطلب والشأن ، وقوّى في (الكفاية) القول بأنّهما : الطلب والشيء ، وقال السيد البروجردي : الطلب والفعل ، وقيل : الطلب ومعنى أخص من الشيء وأعمّ من الفعل ، وقيل بدل الطلب : إبراز الاعتبار النفساني.

هذه أهمّ الآراء في هذا المقام.

التحقيق في الآراء بناءً على تعدّد المعنى

فأمّا بناءً على تعدّد المعنى للفظ «الأمر» ، فأقوى الأقوال المذكورة هو القول الرابع ، ويظهر ذلك من النظر فيها :

أمّا رأي صاحب (الفصول) (١) فواضح الضّعف ، إذ لا حكاية للفظ «الأمر» عن «الشأن» ولا ينسبق منه إلى الذهن.

وأمّا رأي صاحب (الكفاية) (٢) من أن المعنى الحقيقي للفظ «الأمر» هو «الطلب» و«الشيء» وأنّ استعماله في مثل «الغرض» و«الحادثة» و«الفعل» ، ونحوها هو من باب اشتباه المصداق بالمفهوم ، لأنّ «الشيء» مصداق «الغرض» مثلاً ، ولكونه مصداقاً له تخيّل أن مفهوم «الأمر» هو «الغرض» ، فقولك : «جئتك للأمر الفلاني» ليس معناه : جئتك للغرض الفلاني ، بل المعنى جئتك للشيء الفلاني ، إلاّ أنه مصداقٌ للغرض ، كما يكون مصداقاً للحادثة وللفعل ... وهكذا ...

فهذا رأي المحقق الخراساني ، لكنْ فيه :

__________________

(١) الفصول الغروية : ٦٢ ، حجري.

(٢) كفاية الأصول : ٦٢ ط مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث.

٨

إنّ «الشيء» يطلق على : الجوهر ، والعرض ، من الفعل وغيره ، وعلى ذات الباري عزّ وجلّ ، لكنّ «الأمر» لا يصحّ إطلاقه على هذه الموارد ، فلا يقال في زيد : إنه أمرٌ ، وفي الأخبار إنه يقال لله «شيء» لكنّه «شيء بخلاف الأشياء» (١) فيطلق عليه «الشيء» ولكنْ لا يطلق «الأمر».

وقد استشكل المحقق الأصفهاني تعبير صاحب (الكفاية) عن الاشتباه المزبور بأنه من اشتباه المفهوم بالمصداق ، ببيان : إن اشتباه المفهوم بالمصداق إنما يكون في موردٍ يوضع اللفظ للمصداق بما أنه مصداق وبما هو كذلك ويستعمل فيه مع هذا اللّحاظ ، فيدّعى وضعه للمفهوم ، كما لو وضع اللفظ للغرض بالحمل الشائع ، فيدّعى وضعه للغرض بالحمل الأوّلي. أما مع عدم الوضع للمصداق فلا يكون ادّعاء وضعه للمفهوم من باب الخلط بين المفهوم والمصداق ، والحال في المعاني المذكورة كذلك ، إذ لم يوضع اللّفظ لمصاديقها جزماً ، فالمتّجه على هذا التعبير بالاشتباه ، لا غير (٢).

قال السيد الاستاذ بعد إيراده : وأنت خبير بأنَّ هذا التعبير كما يمكن أن يراد به ما ذكره المحقق الأصفهاني ، يمكن أنْ يراد به ما قصده المحقق الخراساني ، إذ يصحّ التعبير به عن دعوى الوضع للمفهوم مع استعماله في المصداق لتخيّل استعماله في المفهوم ، ويكون من باب اشتباه المفهوم بالمصداق في مقام الاستعمال الذي لوحظ طريقاً لمعرفة الوضع (٣).

وأمّا رأي السيد البروجردي (٤) ، فقد ظهر ما فيه ممّا تقدّم ، لأنه قد

__________________

(١) الكافي ١ / ٨٢ باب إطلاق القول بأنه شيء.

(٢) نهاية الدراية ١ / ٢٤٩.

(٣) منتقى الاصول ١ / ٣٧٠.

(٤) الحجة في الفقه : ٩٧.

٩

خصّ «الأمر» ب «الفعل» مع كونه يطلق على غير الفعل أيضاً. هذا أوّلاً. وثانياً : فإنّ «الفعل» لا ينسبق إلى الذهن من لفظ «الأمر».

فظهر أن الحق كون مفهوم «الأمر» أوسع دائرة من «الفعل» وأضيق من «الشيء».

وأمّا رأي القائل بأن مدلول «الأمر» هو الاعتبار النفساني وإبرازه (١) ، فإنّ المولى يجعل ـ في عالم الاعتبار ـ على ذمّة المكلَّف الحكم ويبرز اعتباره ب «الأمر» ، ففيه :

صحيح أن هناك ألفاظاً وصيغاً موضوعة لإبراز الاعتبار النفساني ، مثل صيغ العقود ، حيث تعتبر الملكيّة ـ مثلاً ـ ويبرز هذا الاعتبار بلفظ «بعتُ» ، لكنَّ هذا مطلبٌ وكون مدلول هذه الصيغة هو ذاك الاعتبار وإبرازه مطلبٌ آخر.

فالحقّ هو القول الرابع من الأقوال المذكورة.

النظر في القول بوحدة المعنى

هذا ، وذهب المحقّقان الميرزا والأصفهاني إلى أن مفهوم لفظ «الأمر» هو المعنى الواحد الجامع بين المعاني بنحو الاشتراك المعنوي.

أمّا الميرزا فقال : بأنه موضوع لِما هو عبارة عن «واقعة لها أهميّة» (٢) وفيه :

أوّلاً : إن هذا لا ينسبق من لفظ «الأمر» إلى الذهن.

وثانياً : إنه يستلزم مجيء «الأهميّة» إلى الذهن من قولنا «الأمر»

__________________

(١) محاضرات في اصول الفقه ٢ / ٩.

(٢) أجود التقريرات ١ / ١٣١ ط مؤسّسة صاحب الأمر عليه‌السلام.

١٠

المهم ، فيكون الكلام : الواقعة ذات الأهمية مهمّة ، وهو كما ترى. كما يستلزم تجريد لفظ «الأمر» من «الأهميّة» في قولنا : أمر غير مهم.

وأمّا الأصفهاني فقال (١) : إن مفهوم «الأمر» عبارة عن الإرادة البالغة حدّ الفعليّة ، سواء كانت تشريعيّة أو تكوينيّة ، فيطلق «الأمر» في جميع الموارد بلحاظ كونها قابلةً لتعلّق الطلب والإرادة ... قال السيد الاستاذ : وما ذكره لا أرى فيه خدشاً فلا ضير في الالتزام به (٢) ، لكن شيخنا الاستاذ أورد عليه :

أوّلاً : أين انسباق الإرادة والطلب من مثل : (ألا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ)(٣)؟

وثانياً : إنه في مورد التشريع يصدق الأمر ، ولكنه أعم من الحقيقة ، وأمّا في مورد التكوين فلا صدق أصلاً ، فإن الله تعالى يريد مثلاً خلق فلانٍ ، لا أنه يأمر بخلقه ، فلا يصدق الأمر على الإرادة لا لغةً ولا عرفاً.

وثالثاً : قياس ما نحن فيه على «المقصد» و«المطلب» ـ بأن «الأمر» يطلق على الفعل بلحاظ قابليّته لتعلّق الإرادة تكويناً وتشريعاً ، نظير إطلاق «المقصد» و«المطلب» على بلحاظ تلك القابليّة ـ فيه : إنه قياس مع الفارق ، لأنه متى اطلق «المطلب» على فعلٍ فإنه يتبادر إلى الذهن معنى الطلب من نفس الإطلاق ، أمّا إذا قيل : هل فَعَل فلانٌ الأمر الكذائي؟ فلا ينسبق من لفظ «الأمر» مفهوم «الطّلب».

المختار عند الشيخ الاستاذ

وبعد التحقيق في الأقوال والنظر في أدلّتها ، فقد اختار شيخنا دام بقاه ،

__________________

(١) نهاية الدراية ١ / ٢٥٠.

(٢) منتقى الاصول ١ / ٣٧٣.

(٣) سورة الشورى : ٥٣.

١١

أن الاشتراك لفظي ، وليس بمعنوي ، وأن للفظ «الأمر» معنيين مختلفين ، لوجوه :

الأوّل : التبادر ، فإن المتبادر في مثل «هل تعلّق أمر زيد بكذا»؟ غير ما يتبادر من مثل «هل زيد فعل الأمر الكذائي»؟

والثاني : إن جمع «الأمر» بمعنى «الطلب» هو «الأوامر» وبالمعنى الآخر هو «الامور». واختلاف صيغة الجمع دليل اختلاف المعنى في المفرد.

والثالث : إن «الأمر» بالمعنى الأول يقبل الاشتقاق ، وبالمعنى الثاني جامد.

وتلخّص :

إن المعنى مختلف ، ولا يتم إرجاعهما إلى معنىً واحد ، والاشتراك بينهما لفظي.

وقد تقدَّم إن المعنى الأول هو «الطلب» والمعنى الثاني هو معنىً أعم من الفعل وأخص من «الشيء» وهذا القول للمحقّق العراقي (١) وقد ذكر السيد الاستاذ أنّه لا يرد عليه ما ورد على صاحب (الكفاية) كما لا يرد عليه ما ورد على المحقق النائيني (٢).

هذا تمام الكلام في البحث الأول.

ولا يخفى ، أنْ لا ثمرة لهذا النزاع ، لأن مقتضى الأصل في حال تردّد المفهوم هو ـ على كلّ تقديرٍ ـ أصالة البراءة.

__________________

(١) نهاية الأفكار ١ / ١٥٦.

(٢) منتقى الاصول ١ / ٣٧٢.

١٢

هل يعتبر العلوّ أو الاستعلاء في مفهوم مادّة الأمر؟

والحق : إنه يعتبر في «الأمر» العلوّ ، وأنه لا أثر لأمر المستعلي ، لأن الأمر مفهوماً وعقلاء من شئون العالي ، ولا أمر للداني المستعلي ... ولا فرق في العالي بين أنْ يكون علوّه بحقٍّ أو يكون بغير حق.

ومن الواضح أن جميع الأوامر الشرعيّة صادرة عن العالي ، وعلوّه تعالى بالحق ، بل كلّ علوٍّ بالحق فإنّه من علوّه.

هل تدل مادّة الأمر على الوجوب؟

قبل الورود في البحث نقول : هل مفهوم الأمر عبارة عن الطلب ، أو الطلب الخاص المبرز ، أو المجموع المركب هو الأمر ، أو أنه ينتزع الأمر من الطلب المبرز للطلب النفساني؟

الظاهر هو الأخير ، والشاهد عليه انتزاع الأمر من قولك «آمرك» المقترن بالطلب النفساني واقعاً.

فهل «الأمر» الذي هو عبارة عما ذكر يدل على الوجوب؟

فيه خلاف.

فقيل : إن مادّة الأمر حقيقة في الندب.

وقيل : إنها مشتركة بين الوجوب والندب ، والاشتراك معنوي.

وقيل : لمادّة الأمر ظهور وضعي في الوجوب.

وقيل : بل ظهور إطلاقي.

وقيل : دلالتها على الوجوب إنما هي بحكم العقل.

وقيل : بل بالسّيرة العقلائيّة.

١٣

دليل القول بالدلالة على الجامع المشترك

واستدلّ للقول بدلالة مادّة الأمر على الجامع المشترك بين الوجوب والندب :

أوّلاً : بصحّة التقسيم ، لأن الأمر ينقسم إلى الأمر الوجوبي والأمر الندبي ، وصحّة التقسيم لا يكون إلاّ اذا كان القسمان داخلين في المقسم ، فمعنى الأمر هو المقسم.

وفيه : إن هذا التقسيم صحيح ، لكنّه ليس بما للمادّة من المعنى الحقيقي ، بل هو بالمعنى المستعمل فيه ، وهذا لا يثبت المعنى الحقيقي الموضوع له.

وثانياً : باستعمال المادّة في موارد الندب.

وفيه : إن الاستعمال أعمّ من المعنى الحقيقي والمعنى المجازي.

دليل القول بالدلالة على الندب

ومستند القول بوضع مادّة الأمر للندب هو قولهم : فعل المندوب طاعة ، وكلّ طاعة مأمور بها ، فالمندوب مأمور به.

وفيه : أوّلاً : هذا القياس إنْ تم فيدلّ على استعمال المادّة في الندب ، أما كون الندب هو الموضوع له فلا يثبته ، لأن الأعمّ لا يدلّ على الأخص ، لاحتمال الوضع للمشترك المعنوي بين الوجوب والندب.

وثانياً : القياس المذكور يشتمل على مصادرة ، فقولهم ، «كلّ طاعة مأمور بها» أوّل الكلام.

دليل القول بالوضع للوجوب

واستدلّ للقول بوضع مادّة الأمر للوجوب بوجوه :

الأوّل : قوله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ

١٤

يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (١). فالله سبحانه قد رتّب ما يلزمه الطلب الوجوبي وهو :

١ ـ الحذر عن المخالفة ، فإنّ مخالفة الأمر الندبي لا حذر فيها

٢ ـ الفتنة والعذاب الأليم ، فإنّه لا يترتب على مخالفة الأمر الندبي العذاب الأليم.

ومن الواضح : أنّ الأثرين المذكورين يترتّبان على مخالفة أمر الإمام عليه‌السلام أيضاً ، فالأوامر الواردة في الكتاب والمرويّة عن النبي والأئمة ظاهرة في الوجوب.

والثاني : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو لا أنْ أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» (٢).

وتقريب الاستدلال :

١ ـ إن في «الأمر» مشقة ، وهذا دليل على أنّه للوجوب ، إذ ليس في الندب مشقة.

٢ ـ إن من المسلَّم به كون السواك مندوباً ، ومفاد الحديث عدم كون المندوب مأموراً به ، ومعنى ذلك أنه في مورد الندب لا يأتي الوجوب.

الأجوبة عن الاستدلال بالآية والحديث

* أجاب المحقّق الخراساني عن الاستدلال بالآية ونظائرها وبالحديث المزبور :

بأنّ غاية ما يستفاد منها استعمال مادّة الأمر في الوجوب ، والاستعمال أعم من الحقيقة.

__________________

(١) سورة النور : ٦٣.

(٢) غوالي اللآلي ٢ / ١٢.

١٥

وأورد الاستاذ دام بقاه : بأن دلالة الآية على ترتب العذاب على مخالفة الأمر ـ بما هو أمر ـ ظاهرة من دون أيّة قرينةٍ أو عناية ، ولذا استفاد الشيخ والطبرسي (١) في تفسيريهما ، وكذا كبار الاصوليين ، دلالة الآية على الوجوب ... وهكذا الكلام في الحديث ، وكلامنا في دلالة أوامر الكتاب والسنّة.

فإن قلت : فقد ورد أن الأمر منه ما هو فرض ومنه ما هو نفل.

قلت : لكنّ الكلام في ثبوته.

والحاصل : عدم تمامية جواب صاحب (الكفاية).

* وأجاب المحقّق العراقي رحمه‌الله (٢) : بأنّ الاستدلال بالآية والرواية موقوف على القول بتقدّم التخصّص في مورد دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص ، وهو باطلٌ ، لعدم وجود أصل في المقام المزبور يقتضي ذلك. وما قيل من أنّه مقتضى أصالة العموم ، ففيه : إن مدرك جريان الأصل المذكور هو السيرة العقلائيّة ، وهي هنا منتفية ومفقودة.

وأمّا انطباق تلك الكبرى على ما نحن فيه ، فهو من جهة أنّ عدم ترتّب العذاب والفتنة على مخالفة الأمر الندبي ، لا يُعلم هل هو من جهة عدم وجود الأمر في مورد الاستحباب فالخروج موضوعي ، أو أنه يوجد الأمر لكنّه مخصّص.

قال شيخنا دام بقاه : إنّ هذا الجواب وإنْ كان دقيقاً وقد ارتضاه بعضهم ، لكن لا يمكن المساعدة عليه.

فأجاب في الدورة السّابقة بعدم ابتناء الاستدلال بالآية والرواية على

__________________

(١) التبيان في تفسير القرآن ٧ / ٤٦٦. مجمع البيان في تفسير القرآن ٧ / ٢٠٨ الأعلمي.

(٢) نهاية الأفكار ١ / ١٦١ ـ ١٦٢.

١٦

القاعدة المذكورة حتى يجاب عنه بما قال ، لأنّ وجه الاستدلال هو إن حدود مفاهيم الألفاظ يرجع فيها إلى أهل اللّسان ، سواء كانت تلك القاعدة موجودةً أو لا ، وقد رأينا أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وهو أفصح الناس ـ يفيد كلامه أنّ الطلب الندبي غير داخلٍ في مفهوم الأمر. هذا بالنسبة إلى الحديث.

وكذا بالنسبة إلى الآية ، فإنّ الله سبحانه قد رتّب على الأمر ـ بما هو أمر شيئاً لا يترتَّب على الطلب الندبي ، وهو الفتنة والعذاب الأليم ، وبذلك يظهر حدّ المعنى ومفهوم اللّفظ ، بغضّ النظر عن القاعدة ، ولذا نرى أنّ من الاصوليين من لا يلتفت إلى القاعدة أو يلتفت إليها ولكنّ مبناه أن مقتضى الأصل ليس هو تقدّم التخصّص ، ومع ذلك يستدل بالآية والرواية ، وهذا من شواهد ما ذكرناه.

وأجاب دام بقاه في الدورة اللاّحقة بما هو أدق فقال :

إنه يعتبر في مورد دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص أنْ يكون قابلاً لهما ، كخروج زيد عن «أكرم العلماء» ، أمّا المورد الذي لا يكون الحكم فيه قابلاً للتخصيص ، فليس بموضوع لكبرى تلك القاعدة ، والآية الكريمة من هذا القبيل ، لأنّ ترتّب العذاب بلا استحقاقٍ له محال ، كما في قوله تعالى : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١) ، واستحقاق العذاب من الأحكام العقليّة ، والأحكام العقليّة لا يدور أمرها بين التخصيص والتخصّص ، فمورد عدم استحقاق العقاب ـ وهو الأمر الندبيّ ـ خارج خروجاً تخصّصياً ، فالكبرى غير منطبقة على الآية المباركة.

* وقد يجاب : بأنّ «الأمر» يقابل «النهي» أي الزجر ، وكما أنّ الزجر

__________________

(١) سورة الإسراء : ١٦.

١٧

ينقسم إلى الزجر التنزيهي والزجر التحريمي ، فكذلك الأمر ـ بقرينة التقابل ـ ينقسم إلى الوجوبي والندبي.

وفيه : إن انقسام النهي إلى القسمين أوّل الكلام ، وعلى فرض التسليم فهل هو تقسيم على الحقيقة أو الأعمّ من الحقيقة والمجاز؟

الحقُّ في الجواب

ثم قال شيخنا دام ظلّه : بأن الحق في الجواب عن الاستدلال بالآية والرواية وأمثالهما هو :

إن الأمر كما اطلق في الكتاب والسنّة ودلّ على الوجوب ، كذلك قد اطلق في موارد لا يمكن حمل الأمر فيها على الوجوب ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (١) لوضوح أنّ مطلق العدل ومطلق الإحسان ليسا بواجبين ، مع تعلّق الأمر بهما ، ويؤيّد ذلك : الروايات الواردة في أنّ الأوامر الواردة عن الشارع منها : ما قام الدليل على الرخصة فيها ، ومنها : ما ورد في النفل ، ومنها : ما كان عزيمة.

وأضاف في الدورة اللاّحقة : أنّ الآية الكريمة ـ بالخصوص ـ قد طبّقها الإمام عليه‌السلام في غير مورد الوجوب ، وذلك في روايةٍ صحيحة :

قال الكليني رحمه‌الله : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن الحسين بن عمر بن يزيد ، عن أبيه قال :

اشتريت إبلاً وأنا بالمدينة مقيم ، فأعجبتني إعجاباً شديداً ، فدخلت على أبي الحسن الأوّل ، فذكرتها له ، فقال : ما لك وللإبل؟ أما علمت أنها كثيرة المصائب؟ قال : فمن إعجابي بها أكريتها ، وبعثت بها مع غلمانٍ لي إلى

__________________

(١) سورة النحل : ٩٢.

١٨

الكوفة ، فسقطت كلّها ، ثم دخلت عليه فأخبرته بذلك ، فقال : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (١).

فمن الواضح : أن شراء الإبل لم يكن بحرامٍ ، ولكنّ الإمام نهاه ، فخالف الرجل النهي ، ثم ابتلي بذهاب ماله ، وهنا قرأ الإمام الآية المباركة مستشهداً بها ، ليدلّ على ترتّب الفتنة ـ أي البليّة الدنيوية ـ على المخالفة مع الإمام المعصوم في مورد غير الوجوب والحرمة ، كما أنّ العذاب الأليم الأُخروي يترتب على مخالفة الوجوب والحرمة.

وبذلك يظهر سقوط الاستدلال بالآية للقول بدلالة الأمر على الوجوب.

دليل القول بالدلالة على الوجوب بالظهور الإطلاقي

وبعد وضوح عدم تماميّة القول بالدلالة اللّفظيّة على الوجوب ، فهل تدلّ المادّة ـ وكذا الصيغة ـ على الوجوب بالدلالة الإطلاقيّة؟

إنّ أحسن ما استدلّ به لهذا القول تقريبان :

أحدهما : للمحقّق العراقي قدس‌سره ، فقال ما حاصله (٢) : إنّ الأمر موضوع للطلب ، والطلب حقيقة تشكيكيّة ، ذات شدّةٍ وضعف ، والأمر التشكيكي مرتبته الشديدة الكاملة ليس إلاّ الحقيقة ، فهي بسيطة لا مركّبة ، أمّا مرتبته الضعيفة الناقصة فمركّبة من الحقيقة ومن عدم المرتبة التامّة الكاملة. هذا في مقام الثبوت ، وبناءً عليه ، فإنّه في مقام الإثبات ، إذا أراد المرتبة الناقصة وهو الندب ـ لزم بيان زائدٌ يدلّ على ذلك ـ بخلاف المرتبة التامّة الكاملة وهو الوجوب ، فلكونها نفس الحقيقة فقط فلا يحتاج إرادتها إلى مئونةٍ

__________________

(١) الكافي ٦ / ٥٤٣ ، كتاب الدواجن باب اتخاذ الابل. وانظر : كنز الدقائق ٨ / ٢٠٧ ـ ٢٠٩ والآية في سورة النور : ٦٣.

(٢) نهاية الأفكار ١ / ١٦٢ ـ ١٦٣.

١٩

زائدة ـ. وحينئذٍ ، ففي كلّ موردٍ لا يوجد فيه البيان الزائد لإفادة المرتبة الناقصة ، كان مقتضى أصالة الإطلاق إرادة الحقيقة التامّة للطلب ، وهو المرتبة الشديدة ، أي الوجوب.

هذا ، وقد قرَّب الإطلاق بوجهٍ آخر أيضاً لكنّه يرجع إلى الوجه المذكور.

الجواب عمّا ذكره المحقق العراقي :

قال شيخنا دام بقاه في الدورتين جواباً عن هذا الوجه : بأنّ الحقيقة التشكيكية كالحقيقة المتواطية في عدم كفايتها لإفادة الحقيقة ، فكما أنَّ لفظ «الأسد» ـ مثلاً ـ الموضوع للحيوان المفترس ، لا يمكن أنْ يدل على إرادة فردٍ بخصوصه ، بل يحتاج إلى بيانٍ زائد ، كذلك لفظ «النور» ـ مثلاً ـ بالنسبة إلى مرتبةٍ من المراتب ، سواء كانت الشديدة أو الضعيفة ، لأن اللّفظ الموضوع لمرتبتين من الحقيقة ، لا يكفي مجرّد استعماله للدلالة على إحداهما وإنْ كانت القويّة والشديدة ، وما ذكره من أنّ المرتبة التامّة غير محتاجة إلى مئونةٍ زائدة ، ممنوع.

وعلى الجملة ، فإنّ لفظ «الأمر» موضوع للطلب الذي هو حقيقة تشكيكيّة مثل النور ، وهو موجود في الطلب الشديد والطلب الضعيف على السواء ، وكما لا يمكنه إفادة الشديد بلا مئونة بيانٍ ، كذلك إفادة الضّعيف ، وإنما يفيد أصل الطلب فقط ... هذا كلّه أوّلاً.

وثانياً : ـ وقد أفاده في الدورة اللاّحقة ـ إنّ الخطابات الشرعيّة كلّها ملقاة إلى العرف العام ، ومنها ما يشتمل على الأمر ـ مادةً أو صيغةً ـ فلا بدّ وأنْ يكون الإطلاق والتقييد فيه بضابطةٍ يدركها العرف العام ، ليتمكّنوا من التفهيم والتفهّم

٢٠