حاشية الدسوقي - ج ٤

محمّد بن عرفة الدسوقي

حاشية الدسوقي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عرفة الدسوقي


المحقق: الدكتور عبد الحميد الهنداوي
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
9953-34-744-1

الصفحات: ٣٨٦

١

٢

٣

الفن الثالث

على البديع

٤

الفن الثالث

[علم البديع]

(وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام) أى : يتصور معانيها ، ويعلم أعدادها وتفاصيلها بقدر الطاقة ، والمراد بالوجوه ما مر فى قوله : ويتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا وقبولا ، وقوله (بعد رعاية المطابقة) لمقتضى الحال (و) رعاية (وضوح الدلالة) أى : الخلو عن التعقيد المعنوى ...

______________________________________________________

الفن الثالث

[علم البديع]

(قوله : وهو علم) المراد به هنا الملكة ؛ لأنها هى التى تكون آلة فى معرفة الوجوه المحسنة ، أى فى تصورها وفى التصديق بضبط أعدادها وتفاصيلها.

(قوله : يعرف به وجوه تحسين الكلام) أى يعرف به الأمور التى يصير بها الكلام حسنا. (قوله : أى يتصور إلخ) تفسير لقوله : يعرف ، أشار به إلى أن المراد بالمعرفة هنا تصور معانى تلك الوجوه والتصديق بأعدادها وتفاصيلها ، فالمراد بالمعرفة هنا مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق ، فيعرف بذلك العلم أن الأمور المحسّنة عدتها كذا وأن الوجه الفلانى يتصور بكذا ، وليس المراد بالمعرفة هنا الإدراكات الجزئية المتعلقة بالفروع المستخرجة من القواعد كما سبق فى المعانى والبيان ؛ لأنه لا قواعد لهذا العلم حتى يستخرج منها فروع ، وما قالوه من أن لكل علم مسائل فإنما هو فى العلوم الحكمية ، وأما الشرعية والأدبية فلا يتأتى ذلك فى جميعها ، فإن اللغة ليست إلا ذكر الألفاظ ، وكذلك علم التفسير والحديث ، فعلمت من هذا أن المراد بالعلم ـ فى قول المصنف ـ علم الملكة وليس المراد به القواعد ولا التصديق بالقواعد ، انظر عبد الحكيم. (قوله : بقدر الطاقة) أشار بهذا إلى أن الوجوه البديعية غير منحصرة فى عدد معين لا يمكن زيادتها عليه (قوله : والمراد بالوجوه ما مر إلخ) أشار بهذا إلى أن الإضافة فى قوله : وجوه تحسين ، للعهد ، وحينئذ فصح التعريف واندفع أن يقال : إن الوجوه المحسّنة للكلام مجهولة والتعريف بالمجهول لا يفيد ، فأشار الشارح بقوله : والمراد .. إلخ إلى أنه لا جهل فى التعريف ؛

٥

إشارة إلى أن هذه الوجوه إنما تعد محسنة للكلام بعد رعاية الأمرين. والظرف ـ أعنى قوله : بعد رعاية ـ ...

______________________________________________________

لأن الإضافة هنا للعهد ، فكأنه يقول : علم يعرف به الأوجه المشار إليها فيما تقدم ، وهى الوجوه التى تحسن الكلام وتورثه قبولا بعد رعاية البلاغة مع الفصاحة ، وعلى هذا فقوله بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة تأكيد وبيان لما تقدم ، فقول الشارح (إشارة إلى أن هذه الوجوه إلخ) المراد زيادة إشارة وتنبيه على أن هذه الوجوه إلخ ، وإلا فجعل الوجوه إشارة لما سبق فيه تنبيه على ما ذكره ، وإشارة أيضا إليه تأمل. (قوله : بعد رعاية المطابقة) أى : مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، فأل فى المطابقة إما للعهد أو عوض عن المضاف إليه (وقوله : بعد رعاية المطابقة) أى : المعلومة بعلم المعانى ، ولو قال بعد رعاية البلاغة كان أخصر. (وقوله : ورعاية وضوح الدلالة) أى : وبعد رعاية وضوح الدلالة المعلومة بعلم البيان.

(وقوله : أى الخلو عن التعقيد المعنوى) تفسير لوضوح الدلالة ، وأما الخلو عن التعقيد اللفظى فهو داخل فى قوله بعد رعاية المطابقة لأن المطابقة لا تعتبر إلا بعد الفصاحة وهى تتوقف على الخلو عن التعقيد اللفظى ، وحاصل كلامه أن تلك الأوجه إنما تعد محسنة للكلام إذا أتى بها بعد رعاية الأمرين :

الأمر الأول : مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وهذا يتضمن الخلو عن ضعف التأليف المبين فى النحو ، والخلو عن الغرابة المبين فى اللغة ، والخلو عن مخالفة القياس المبين فى الصرف ، والخلو عن التنافر المدرك بالذوق ، وذلك لأن المطابقة لا عبرة بها إلا بعد الفصاحة ، والفصاحة تتوقف على الخلو عن هذه الأمور المبين بعضها فى تلك العلوم والمدرك بعضها بالذوق.

والأمر الثانى : وضوح الدلالة المبين فى علم البيان ، ولما كان المبين فى الفن الثانى هو ما يزول به التعقيد المعنوى ، فسر الشارح وضوح الدلالة بالخلو عن التعقيد المعنوى ، ولم يفسره بالخلو عن التعقيد المعنوى واللفظى ، وأدخلناه فيما توقفت عليه المطابقة من أمر الفصاحة لعدم بيانه فى الفن الثانى (قوله : إنما تعد محسنة إلخ) أى وإلا كانت كتعليق

٦

متعلق بقوله : تحسين الكلام.

[وجوه تحسين الكلام] :

(وهى) أى : وجوه تحسين الكلام (ضربان : معنوى) أى : راجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات ، ...

______________________________________________________

الدر على أعناق الخنازير (قوله : متعلق بقوله تحسين الكلام) أى فهو ظرف لغو أى أن تحسين الكلام بهذه الوجوه إنما يكون بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة ، فالواقع بعدهما هو التحسين فى الملاحظة لا فى الوجود ؛ لأن التحسين مقارن لهما فى الوجود ، وأما إذا جعل ظرفا مستقرا فالذى بعدهما هو الحصول فيقتضى أنه متأخر عنهما فى الوجود ، والتقدير حالة كون التحسين حاصلا بعدهما.

[وجوه تحسين الكلام] :

(قوله : ضربان) أى نوعان معنوى ولفظى ، أى وأما نوع له مزيد تعلق بكل من اللفظ والمعنى على وجه الأصالة فغير موجود.

الوجه الأول :

(قوله : معنوى) أى منسوب إلى المعنى من حيث إنه راجع لتحسينه أولا ، وبالذات بمعنى أن ذلك النوع قصد أن يكون كل فرد من أفراده محسنا للمعنى لذاته ، وإن كان بعض أفراد ذلك النوع قد يفيد تحسين اللفظ أيضا ، لكن ثانيا وبالعرض أى التبعية لتحسين المعنى (قوله : أولا وبالذات) أولا نصب على الظرفية بمعنى قبل وهو حينئذ منصرف ولا وصفية له ؛ ولذا دخله التنوين مع أنه أفعل تفضيل فى الأصل بدليل الأولى والأوائل كالفضلى والأفاضل ، وهذا معنى قول الصحاح : إذا جعلت أول صفة لم تصرفه تقول لقيته عاما أول ، وإذا لم تجعله صفة صرفته تقول لقيته عاما أولا ، ومعناه فى الأول أول من هذا العام ، وفى الثانى قبل هذا العام ؛ قاله يس. والباء فى بالذات بمعنى اللام وهو عطف على قوله أولا أى راجع لتحسين المعنى قبل رجوعه لتحسين اللفظ ورجوعه لتحسين المعنى لذاته.

٧

وإن كان قد يفيد بعضها تحسين اللفظ أيضا (ولفظى) أى : راجع إلى تحسين اللفظ كذلك.

[المطابقة] :

(أما المعنوى) قدمه لأن المقصود الأصلى والغرض الأولى هو المعانى ، والألفاظ توابع وقوالب لها ...

______________________________________________________

(قوله : وإن كان قد يفيد بعضها) أى بعض الأوجه المندرجة فى ذلك النوع تحسين اللفظ أيضا ، وذلك كما فى المشاكلة وهى ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته كما فى قوله :

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه

قلت اطبخوا لى جبّة وقميصا (١)

فقد عبر عن الخياطة بالطبخ لوقوعها فى صحبته ، فاللفظ حسن لما فيه من إيهام المجانسة اللفظية ؛ لأن المعنى مختلف واللفظ متفق ، لكن الغرض الأصلى جعل الخياطة كطبخ المطبوخ فى اقتراحها لوقوعها فى صحبته ، وكما فى العكس كما يأتى فى قوله عادات السادات سادات العادات ، فإن فى اللفظ شبه الجناس اللفظى لاختلاف المعنى ، ففيه التحسين اللفظى والغرض الأصلى الإخبار بعكس الإضافة مع وجود الصحة.

الوجه الثانى :

(قوله : ولفظى) أى منسوب للفظ من حيث إنه راجع لتحسينه أولا وبالذات ، وإن كان بعض أفراد ذلك النوع قد يفيد تحسين المعنى أيضا ، لكن بطريق التبع والعروض لتحسين اللفظ وهذا معنى قول الشارح كذلك.

(قوله : لأن المقصود الأصلى والغرض الأولى هو المعانى) أى فينبغى حينئذ الاهتمام بالوجوه المحسنة لها وتقديمها على الوجوه المحسنة لغيرها. (قوله : والألفاظ توابع) أى : من حيث إن المعنى يتسحضر أولا ثم يؤتى باللفظ على طبقه (قوله : وقوالب لها) أى من حيث إن المعانى تتلقى منها ويفهم منها ، وإنما كانت المعانى هى المقاصد لأن

__________________

(١) شرح المرشدى على عقود الجمان ٢ / ٧٩.

٨

(فمنه : المطابقة ؛ وتسمى الطباق ، والتضاد أيضا ؛ وهى الجمع بين متضادين ؛ أى : معنيين متقابلين فى الجملة) أى : يكون بينهما تقابل وتناف ولو فى بعض الصور ؛ سواء كان التقابل حقيقيا ، ...

______________________________________________________

بها تقع المؤاخذة ويحصل الغرض أخذا ودفعا وامتثالا وانتهاء وانتفاعا وإضرارا ، ولذلك يقال : لولا المعانى ما كانت الألفاظ محتاجا لها.

[ومن المعنوى] :

ومن المعنوى (قوله : فمنه المطابقة) ذكر المصنف فى هذا الكتاب تسعة وعشرين وجها من هذا النوع ، أولها المطابقة وهى لغة الموافقة ، يقال طابقت بين الشيئين جعلت أحدهما حذو الآخر ، ويسمى المعنى الذى ذكره مطابقة لأن المتكلم وفق بين المعنيين المتقابلين ، أو لموافقة الضدين فى الوقوع فى جملة واحدة واستوائهما فى ذلك مع بعد الموافقة بينهما ، وكون المطابقة من وجوه التحسين يعرف بالذوق ، وكذا يقال فى بقية الوجوه الآتية (قوله : وتسمى الطباق والتضاد) أى وتسمى أيضا بالتطبيق والتكافؤ ؛ لأن المتكلم يكافئ بين اللفظين أى يوافق بينهما (قوله : الجمع بين متضادين) أى فى كلام واحد أو ما هو كالكلام الواحد فى الاتصال ، وقوله بين متضادين أخذ بالأقل كما فى قولهم الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد ، وإلا فالجمع بين الأمور المتضادة مطابقة ولو كثرت تلك المتضادات (قوله : أى معنيين متقابلين) لما كان يتوهم أن المراد بالمتضادين هنا خصوص الأمرين الوجوديين المتواردين على محل واحد بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض ـ وليس ذلك شرطا ، بين المصنف أن المراد بالمتضادين هنا ما هو أعم من ذلك ، أعنى الأمرين اللذين بينهما تقابل وتناف (قوله : فى الجملة) أى : ولو فى الجملة فليس التنافى فى بعض الأحوال شرطا بدليل التعميم.

(قوله : وتناف) تفسير لما قبله (قوله : ولو فى بعض الصور) أى ولو فى بعض الأحوال ، ومن المعلوم أن المتقابلين فى بعض الأحوال إنما يكون التنافى بينهما باعتبار ذلك البعض ، فلذا قال لبيان عموم التقابل (سواء كان التقابل حقيقيّا إلخ) (قوله : ولو فى بعض الصور) أى : كما فى الاعتبارى فإن التنافى فيه باعتبار المتعلق (قوله : سواء كان التقابل حقيقيّا)

٩

أو اعتباريّا ، وسواء كان تقابل التضاد ، أو تقابل الإيجاب والسلب ، أو تقابل العدم والملكة ، أو تقابل التضايف ، أو ما يشبه شيئا من ذلك (ويكون) ذلك الجمع (بلفظين من نوع) واحد من أنواع الكلمة (اسمين ؛ نحو : (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ)(١) أو فعلين ...

______________________________________________________

أى كتقابل الأمرين اللذين بينهما غاية الخلاف لذاتيهما كتقابل القدم والحدوث (قوله : أو اعتباريّا) أى : كتقابل الإحياء والإماتة ، فإنهما لا يتقابلان إلا باعتبار بعض الأحوال ، وهو أن يتعلق الإحياء بحياة جرم فى وقت ، والإماتة بإماتته فى ذلك الوقت ، وإلا فلا تقابل بينهما باعتبار أنفسهما ولا باعتبار المتعلق عند تعدد الوقت.

(قوله : وسواء كان) أى التقابل الحقيقى تقابل التضاد كتقابل الحركة والسكون على الجرم الموجود ، بناء على أنهما وجوديان (قوله : أو تقابل الإيجاب والسلب) أى كتقابل مطلق الوجود وسلبه (قوله : أو تقابل العدم والملكة) أى كتقابل العمى والبصر والقدرة والعجز ، بناء على أن العجز نفى القدرة عمن شأنه الاتصاف بها (قوله : أو تقابل التضايف) أى : كتقابل الأبوة والنبوة ، وقيل : إن الجمع بين الأبوة والبنوة من باب مراعاة النظير لا من المطابقة ، ورد بأن مراعاة النظير الجمع بين أمور لا تنافى فيها كالشمس والقمر ، بخلاف ما فيه التنافى كالأبوة والبنوة. (قوله : أو ما يشبه شيئا من ذلك) أى أو تقابل ما يشبه شيئا مما ذكر مما يشعر بالتنافى لاشتماله بوجه ما على ما يوجب التنافى كهاتا وتلك فى قوله :

مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس

قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل (٢)

لما فى هاتا من القرب وتلك من البعد ، وكما فى قوله تعالى : (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً)(٣) لما يشعر به الإغراق من الماء المشتمل على البرودة غالبا وما يشعر به إدخال النار من حرارة النار.

(قوله : ذلك الجمع) أى بين المتقابلين المسمى بالطباق (قوله من أنواع الكلمة) أى التى هى الاسم والفعل والحرف (قوله : (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ)) الأيقاظ جمع

__________________

(١) الكهف : ١٨.

(٢) لأبى تمام ص ٢٤١ ، التبيان ص ١٧١ ، الطراز ج ٢ / ٤ ، والإشارات ١٩٨.

(٣) نوح : ٢٥.

١٠

نحو يحيى ويميت أو حرفين نحو : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)(١) فإن فى اللام معنى الانتفاع وفى على معنى التضرر أى لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعصيتها غيرها.

______________________________________________________

يقظ على وزن عضد أو كتف بمعنى يقظان ، والرقود جمع راقد فالجمع بين أيقاظ ورقود مطابقة ؛ لأن اليقظة تشتمل على الإدراك بالحواس ، والنوم يشتمل على عدمه فبينهما شبه العدم والملكة باعتبار لازميهما ، وبينهما باعتبار أنفسهما التضاد ؛ لأن النوم عرض يمنع إدراك الحواس واليقظة عرض يقتضى الإدراك بها ، وإن قلنا إن اليقظة نفى ذلك العرض كان بينهما عدم وملكة حقيقة ، وقد دل على كل منهما بالاسم (قوله : نحو : (يُحْيِي وَيُمِيتُ)) (٢) أى من قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) فالإحياء والإماتة وإن صح اجتماعهما فى المحيى والمميت ، لكن بينهما باعتبار متعلقهما أعنى الحياة والموت العدم والملكة أو التضاد بناء على أن الموت عرض وجودى ، فالتنافى بينهما اعتبارى ، وإنما لم يجعلهما من الملحق الآتى لإشعارهما من جهة اللفظ بالحياة والموت ، بخلاف الملحق كما يأتى فى (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)(٣) والليل والنهار فى الآية المذكورة مما يشبه تقابلهما تقابل التضاد للإشعار بالظلمة والنور اللذين هما كالبياض والسواد معا. ((لَها ما كَسَبَتْ) إلخ) أى للنفس جزاء وثواب ما كسبته من الطاعات وعليها عقاب ما اكتسبته من المعاصى (قوله : فإن فى اللام معنى الانتفاع) وذلك لأن اللام تشعر بالملكية المؤذنة بالانتفاع ، وعلى تشعر بالعلو المشعر بالتحمل أو الثقل المؤذن بالتضرر ، فصار تقابلهما ـ أى اللام وعلى ـ كتقابل النفع والضرر وهما ضدان ، فكأنه قيل : لها ثواب ما كسبت من الطاعات فلا ينتفع بطاعتها غيرها ، وعليها عقاب ما اكتسبته من المعاصى فلا يتضرر بمعصيتها غيرها. كما قال الشارح ، وبين الشارح ذلك لما فى تقابل اللام وعلى من الخفاء بخلاف ما قبله فإن التقابل فيه ظاهر فلذا لم ينبه عليه. (قوله : أى لا ينتفع بطاعتها إلخ) أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور على عامله ، فالانتفاع الحاصل من الدعاء والصدقة للغير انتفاع بثمرة الطاعة لا بنفسها.

__________________

(١) البقرة : ٢٨٦.

(٢) المؤمنون : ٨٠.

(٣) الفتح : ٢٩.

١١

(أو من نوعين نحو : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ)(١) فإنه قد اعتبر فى الإحياء معنى الحياة ، والموت والحياة مما يتقابلان وقد دل على الأول بالاسم وعلى الثانى بالفعل.

[أنواع الطباق] :

(وهو) أى : الطباق (ضربان : طباق الإيجاب كما مر ...

______________________________________________________

(قوله : أو من نوعين) عطف على قوله من نوع ، والقسمة العقلية تقتضى أن الجمع بين المتقابلين بنوعين من أنواع الكلمة ثلاثة أقسام : اسم مع فعل واسم مع حرف وفعل مع حرف ، لكن الموجود من هذه الثلاثة واحد فقط وهو الأول ، كذا فى المطول. والمراد بقوله لكن الموجود أى فى الكلام البليغ ، وإلا فقد وجدت بقية الأقسام فى غيره ، فمثال الاسم مع الحرف : للصحيح كل ما مضر وعلى السقيم كل ما نافع ، ومثال الحرف والفعل للصحيح ما يضر وعلى السقيم ما ينفع كذا فى الأطول ، والشاهد فى الأول فى مضر مع اللام ، وفى الثانى فى نافع مع على. (قوله : نحو (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ)) أى ضالا فهديناه ، فقد عبر عن الموت بالاسم وعن الإحياء المتعلق بالحياة بالفعل ، ولا يخفى أن التقابل هنا اعتبارى ؛ لأن تقابل الإحياء للموت باعتبار تعلقه بالحياة التى هى ضد أو ملكة للموت ، وإلا فالإحياء نفسه لا يقابل الموت وإذا لم يجعل هذا المثال من أمثلة الملحق الآتية لأن المقابلة هنا باعتبار ما دل عليه اللفظ ، فإن الحياة المقابلة للموت دل عليها لفظ أحييناه ؛ لأن معنى أحييناه : أوجدنا فيه الحياة ، بخلاف الآتى فى الملحق ، فإن قوله فى المثال الأول رحماء لا يقابل قوله أشداء باعتبار ما دل عليه اللفظ ؛ لأن الرحمة المدلولة للفظ لا تقابل الشدة بنفسها ، بل باعتبار سبب ما دل عليه اللفظ لأن الرحمة سببها اللين وهو يقابل الشدة. (قوله : والموت) أى المعتبر فى ميتا.

[الطباق من حيث الإيجاب والسلب] :

(قوله : وهو ضربان إلخ) هذا تنويع آخر للطباق باعتبار الإيجاب والسلب (قوله : طباق الإيجاب) بأن يكون اللفظان المتقابلان معناهما موجبا (قوله : كما مر) أى

__________________

(١) الأنعام : ١٢٢.

١٢

وطباق السلب) وهو أن يجمع بين فعلى مصدر واحد ، أحدهما مثبت والآخر منفى ، أو أحدهما أمر والآخر نهى ، فالأول (نحو قوله تعالى : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا).

______________________________________________________

فى الأمثلة كلها ، ألا ترى إلى (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ)(١) فإن اليقظة والرقاد ذكرا بطريق الإثبات ، وكذا يقال فى باقى الأمثلة التى مرت (قوله : وطباق السلب) هو داخل فى التعميم السابق فى التقابل (قوله : بين فعلى مصدر واحد) ظاهره التقييد به وإخراج غير الفعلين وفعلى المصدرين (قوله : فعلى مصدر إلخ) الفعلان كيعلمون ولا يعلمون ومصدرهما العلم ، والتقابل بينهما تقابل الإيجاب والسلب (قوله : أحدهما مثبت والآخر منفى) أى فيكون التقابل بين الإيجاب والسلب لا بين مدلولى الفعلين ، وقد تبع الشارح فيما ذكره من التعريف المصنف فى الإيضاح وهو تعريف غير جامع ؛ لأنه يخرج منه لست بعالم وأنا عالم ، ونحو أحسبك إنسانا ولست بإنسان ، ونحو أضرب زيدا وما ضرب عمرو ، ولا تضرب زيدا وقد ضربت بكرا ، والأولى أن يقول : وهو أن يجمع بين الثبوت والانتفاء. قاله فى الأطول.

(قوله : أو أحدهما أمر إلخ) أى أو يجمع بين فعلين أحدهما أمر والآخر نهى ، فإن النهى يدل على طلب الكف عن الفعل والأمر يدل على طلب الفعل ، والكف والفعل متضادان ، فيكون التقابل باعتبار الفعل والترك لا باعتبار مصدر الفعلين لاستوائه ، وإنما جعل هذا من تقابل السلب والإثبات لأن المطلوب فى أحدهما من جهة المعنى سلب وفى الآخر إثبات.

(قوله : فالأول) أى وهو أن يجمع بين فعلى مصدر واحد أثبت أحدهما وسلب الآخر (قوله : نحو قوله تعالى) أى ونحو ضرب ولم يضرب (قوله : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) أى ما أعد لهم فى الآخرة من النعيم ، ومن فى قوله من الحياة الدنيا إما بيانية أى يعلمون الظاهر الذى هو الحياة الدنيا ويعدلون عن الباطن الذى هو الحياة الآخرة ، أو ابتدائية أى يعلمون شيئا ظاهرا ناشئا من الحياة الدنيا وهو التلذذ باللذات

__________________

(١) الكهف : ١٨.

١٣

(و) الثانى (نحو قوله تعالى : (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)(١) ومن الطباق) ما سماه بعضهم تدبيجا ؛ من دبج المطر الأرض ؛ إذا زينها ؛ وفسره بأن يذكر فى معنى من المدح ، أو غيره ألوان لقصد الكناية ، أو التورية ، ...

______________________________________________________

المحرمة لا باطنا وهى كونها مزرعة للآخرة. والشاهد فى قوله : (لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظاهِراً)(٢) فإن العلم الأول منفى والثانى مثبت ، وبين النفى والإثبات تقابل فى الجملة أى باعتبار أصلهما لا باعتبار الحالة الراهنة ؛ لأن المنفى علم ينفع فى الآخرة والمثبت علم لا ينفع فيها ولا تنافى بينهما.

(قوله : والثانى) وهو أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا (قوله : نحو قوله تعالى) أى ونحو اضرب زيدا ولا تضرب عمرا (قوله : (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)) من المعلوم أن الخشية لا يؤمر بها وينهى عنها من جهة واحدة بل من جهتين كما فى الآية ، فقد أمر بها باعتبار كونها لله ونهى باعتبار كونها للناس ، فالتنافى بين الأمر والنهى إنما هو باعتبار أصلهما لا باعتبار مادة استعمالهما فتأمل.

(قوله : ومن الطباق ما سماه بعضهم تدبيجا) إنما جعله من أقسام الطباق ولم يجعله وجها مستقلا برأسه من أوجه المعنوى لدخوله فى تعريف الطباق ، لما بين اللونين أو الألوان من التقابل (قوله : من دبج المطر الأرض إذا زينها) أى بألوان النبات ، فذكر الألوان فى الكلام تشبيه بما يحدث بالمطر من ألوان النبات ، أو أنه مأخوذ من الدبج وهو النقش ؛ لأن ذكر الألوان كالنقش على البساط (قوله : وفسره) أى وفسر ذلك البعض التدبيج (قوله : أو غيره) كالهجاء والرثاء والغزل (قوله : لقصد الكناية أو التورية) أى : بالكلام المشتمل على تلك الألوان ، وأو مانعة خلو فتجوز الجمع كما فى مثال الحريرى الآتى ، واحترز بقوله لقصد الكناية أو التورية عن ذكر الألوان لقصد الحقيقة ، فلا تكون من المحسنات ؛ لأن الحقيقة يقصد منها إفادة المعنى الأصلى ، وعن ذكرها لقصد المجاز كأن يذكر ألوانا وينصب قرينة تمنع من إرادتها بحيث لم يتحقق الجمع بين الألوان إلا فى

__________________

(١) المائدة : ٤٤.

(٢) الروم : ٧ ، ٦.

١٤

وأراد بالألوان ما فوق الواحد ؛ بقرينة الأمثلة ؛ فتدبيج الكناية (نحو قوله : تردى) من : ترديت الثوب : أخذته رداء (ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها) أى : لتلك الثياب (الليل إلا وهى من سندس خضر) ...

______________________________________________________

اللفظ دون المعنى ، فلا يكون ذلك من المحسنات المعنوية ، بل اللفظية ـ كذا ذكر العلامة عبد الحكيم. وذكر بعضهم أن ذكر الألوان باقية على حقيقتها لا يمنع التدبيج كما فى قوله :

ومنثور دمعى غدا أحمرا

على أسّ عارضك الأخضر

وكما فى قول الصلاح الصفدى :

ما أبصرت عيناك أحسن منظرا

فيما يرى من سائر الأشياء

كالشّامة الخضراء فوق الوجنة ال

حمراء تحت المقلة السّوداء

(قوله : وأراد) أى ذلك البعض (وقوله بقرينة الأمثلة) أى كالمثال الأول (قوله:نحو قوله) أى قول الشاعر ، وهو أبو تمام فى مرثية أبى نهشل محمد بن حميد التى رثاه بها حين استشهد وأولها :

لذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر

وليس لعين لم يفض ماؤها عذر

(قوله : تردّى ثياب الموت) أى جعلها رداء لنفسه والمراد أنه لبسها ، وأراد بثياب الموت الثياب التى كان لابسا لها وقت الحرب وقتل وهو لابس لها ، وعلى هذا فإضافة ثياب للموت لأدنى ملابسة ، (وقوله : حمرا) حال من ثياب وهى حال مقدرة إذ لا حمرة حين اللبس لتأخر تلطخها بالدم عنه. ا. ه سم. قال يس : وفيه نظر ، والأظهر أن المراد بثياب الموت الثياب التى كفن بها ، انتهى.

وفيه أنه يكفن فى الثياب التى مات فيها وهو كان لابسا لها قبل حصول الدم.

فتأمل.

(قوله : من سندس) هو رقيق الحرير (قوله : خضر) مرفوع على أنه خبر بعد خبر لا مجرور صفة لسندس لأن القوا فى مضمومة الروى فإن قبله :

وقد كانت البيض القواضب فى الوغى

قواطع وهى الآن من بعده بتر

١٥

يعنى : ارتدى الثياب الملطخة بالدم فلم ينقض يوم قتله ، ولم يدخل فى ليلته إلا وقد صارت الثياب من سندس خضر من ثياب الجنة ، فقد جمع بين الحمرة والخضرة ؛ وقصد بالأول الكناية عن القتل ، وبالثانى : الكناية عن دخول الجنة ، وتدبيج التورية على قول الحريرى ، فمذ اغبر العيش الأخضر ، ...

______________________________________________________

غزا غزوة والحمد نسج ردائه

فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر

تردى ثياب الموت إلخ وبعده :

كأنّ بنى نبهان حين وفاته

نجوم سماء خرّ من بينها البدر (١)

كذا قيل ، ولا يخفى أن جعله خبرا بعد خبر لا يلائم قول الشارح فى شرح البيت : " ولم يدخل فى ليلته إلا وقد صارت الثياب من سندس خضر من ثياب الجنة" فإنه ظاهر فى جعل الخضر صفة لسندس وهو الموافق للعرف من أنه إذا ذكر أصل الثوب يجعل اللون صفة للأصل لا للثوب ، فالوجه أن يجعل خضر فى البيت خبر مبتدأ محذوف أى هى خضر ، والجملة صفة لسندس ، هكذا فى الأطول. (قوله : يعنى ارتدى الثياب الملطخة بالدم) أى لبسها (قوله : وقصد بالأول) أى بالوصف الأول وهو حمرة الثياب يعنى مع بقية الشطر ، الكناية عن القتل ؛ لأن التردى بثياب الموت حالة كونها حمرا يلزم منه القتل.

(قوله : وبالثانى الكناية عن دخول الجنة) أى وقصد بالوصف الثانى وهو خضرة الثياب الكناية عن دخول الجنة ، لما علم أن أهل الجنة يلبسون الحرير الأخضر ، وصيرورة هذه الثياب الحمر تلك الثياب الخضرة عبارة عن انقلاب حال القتل إلى حال التنعم بالجنة.

(قوله : وتدبيج التورية) أى : والتدبيج المشتمل على التورية ، وهى أن يكون للفظ معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد (قوله فمذ اغبر) أى فمن حين اغبر العيش الأخضر ، والذى فى مقامات الحريرى ذكر هذا بعد قوله وازور المحبوب الأصفر هكذا : فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر ، واخضرار العيش كناية عن طيبه ونعومته

__________________

(١) الأبيات لأبى تمام فى ديوانه ص ٣٥٥.

١٦

وازور المحبوب الأصفر اسود يومى الأبيض ، وابيض فودى الأسود حتى رثى لى العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر. فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر : إنسان له صفرة ، والبعيد : الذهب ؛ وهو المراد هاهنا فيكون تورية ، وجمع الألوان لقصد التورية لا يقتضى أن يكون فى كل لون تورية ؛ كما توهمه بعضهم (ويلحق به) أى : بالطباق شيئان ؛ أحدهما : الجمع بين معنيين ...

______________________________________________________

وكماله ؛ لأن اخضرار العود والنبات يدل على طيبه ونعومته وكونه على أكمل حال ، فيكنى به عن لازمه فى الجملة الذى هو الطيب والحسن والكمال ، واغبرار العيش كناية عن ضيقه ونقصانه وكونه فى حال التلف ؛ لأن اغبرار النبات والمكان يدل على الذبول والتغير والرثاثة فيكنى به عن هذا اللازم. (قوله : وازور المحبوب الأصفر) أى تباعد وأعرض ومال عنى المحبوب الأصفر ، وفى ذكر هذا اللون وقعت التورية ؛ لأن المعنى القريب للمحبوب الأصفر هو الإنسان الموصوف بالصفرة المحبوبة ، وازوراره بعده عن ساحة الاتصال ، والمعنى البعيد الذهب الأصفر لأنه محبوب وهو المراد هنا فكان تورية. (قوله : اسود يومى الأبيض) متعلق به المجرور بمذ ، واسوداد اليوم كناية عن ضيق الحال وكثرة الهموم فيه ؛ لأن اسوداد الزمان كالليل يناسبه الهموم ، ووصفه بالبياض كناية عن سعة الحال والفرح والسرور لأن بياض النهار يناسب ذلك. (قوله : وابيض فودى الأسود) عطف على اسود يومى ، والفود شعر جانب الرأس مما يلى الأذن ، وابيضاض فوده كناية عن ضعف بنيته ووهنه من كثرة الحزن والهم (قوله : حتى رثى لى) أى : رق لى وأشفق على العدو الأزرق أى الخالص العداوة الشديدها ، قيل إن وصف العدو الشديد العداوة بالزرقة لأنه فى الأصل كان أهل الروم أعداء للعرب والزرقة غالبة عليهم ، ثم وصف كل عدو شديد العداوة بها على طريق الكناية وإن لم يكن أزرق.

(قوله : فيا حبذا الموت الأحمر) حمرة الموت كناية عن شدته أى الشديد يقال احمر البأس إذا اشتد ، وقيل إنه أراد بالموت الأحمر القتل ، ويا فى قوله فيا حبذا زائدة للتنبيه لا للنداء أى فحبذا الموت الأحمر أى وأحبب به إن جاء عاجلا (قوله : لا يقتضى أن يكون إلخ) أى بل قد تجمع الألوان لقصد التورية بواحد منها كما هنا ، والحاصل أن

١٧

يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق ؛ مثل السببية واللزوم (نحو : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)(١) فإن الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة ...

______________________________________________________

الحريرى قد جمع بين ألوان من الاغبرار والاخضرار والاصفرار والاسوداد والابيضاض والزرقة والحمرة وكل تلك الألوان فى كلامه كناية إلا الاصفرار فإن فيه التورية ، فقد علم من ذلك أن جمع الألوان لا يجب أن يكون على أنها كلها كنايات أو توريات بل يجوز أن تجمع على أن بعضها تورية وبعضها كناية ، وقد توهم بعضهم وجوب ذلك وهو فاسد.

(قوله : يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر) أى : والحال أنه ليس بين هذين المعنيين اللذين تعلق أحدهما بما يقابل الآخر تناف بل يجتمعان ، كالرحمة والشدة فإن الرحمة تكون شديدة وبهذا يمتاز عن الطباق ، وما قيل إنه إذا كان أحدهما لازما لمقابل الآخر يتحقق بينهما التنافى فى الجملة لأن منافى الملزوم مناف للازمه ، وحينئذ فهو طباق لا ملحق به مدفوع ؛ لأن اللازم قد يكون أعم وحينئذ فمنافى الملزوم لا يجب أن يكون منافيا للازم ، والحاصل أن الشىء الأول من الشيئين الملحقين بالطباق هو أن يجمع بين معنيين ليس أحدهما مقابلا للآخر ، لكن يتعلق أحدهما بمعنى يقابل المعنى الآخر ، وتعلق أحد المعنيين بالمعنى المقابل للآخر إما لكونه بينه وبينه لزوم السببية ، أو بينه وبينه لزوم آخر غير لزوم السببية ، والتقابل هنا ليس بين المعنيين بل بين أحدهما وملزوم الآخر. (قوله : فإن الرحمة وإن لم تكن إلخ) حاصله أنه قد جمع فى هذه الآية بين الرحمة والشدة ، ومن المعلوم أن الرحمة لا تقابل الشدة ، وإنما تقابل الرحمة الفظاظة ، والشدة إنما يقابلها اللين ، لكن الرحمة مسببة عن اللين المقابل للشدة ، وذلك لأن اللين فى الإنسان كيفية قلبية تقتضى الانعطاف لمستحقه ، وذلك لأن الانعطاف هو الرحمة فقد قوبل فى الآية بين معنيين هما الشدة والرحمة وأحدهما وهو الرحمة له تعلق بمقابل الشدة وهو اللين والتعلق بينهما تعلق السببية أى كون الرحمة مسببة عن اللين وأصل الشدة واللين فى المحسوسات فالشدة فيها الصلابة ، واللين فيها ضدها وهى صفة تقتضى صحة الغمز إلى

__________________

(١) الفتح : ٢٩.

١٨

لكنها مسببة عن اللين) الذى هو ضد الشدة.

(و) الثانى : الجمع بين معنيين غير متقابلين عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان (نحو : قوله (١) : لا تعجبى يا سلم من رجل) يعنى : نفسه (ضحك المشيب برأسه) أى : ظهر ظهورا تامّا ...

______________________________________________________

الباطن والنفوذ فيه والشدة بخلافها ولو قيل إن الشدة لها تعلق بمقابل الرحمة وهو الفظاظة وعدم الانعطاف لصح أيضا لأن عدم الانعطاف لازم للشدة التى هى كيفية قلبية توجب عدم الانعطاف لمستحقه (قوله : لكنها مسببة عن اللين) أى ومنافى السبب لا يجب أن يكون منافيا للمسبب.

(قوله : غير متقابلين) أى : ولا يستلزم ما أريد بأحدهما ما يقابل الآخر وبهذا فارق ما قبله (قوله : نحو قوله) أى : الشاعر وهو دعبل ـ بكسر الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما عين مهملة ساكنة ـ بوزن زبرج ، وضبطه بعضهم أيضا بفتح الباء ففى الباء وجهان ، وهو شاعر خزاعى رافضى كما فى الأطول (قوله : لا تعجبى إلخ) قبله :

يا سلم ما بالشّيب منقصة

لا سوقة يبقى ولا ملكا

لا تعجبى يا سلم ... البيت

وبعده :

قصر الغواية عن هوى قمر

وجد السّبيل إليه مشتركا

قد كان يضحك فى شبيبته

والآن يحسد كلّ من ضحكا

يا ليت شعرى كيف حالكما

يا صاحبىّ إذا دمى سفكا

لا تأخذا بظلامتى أحدا

قلبى وطرفى فى دمى اشتركا

(قوله : يا سلم) ترخيم سلمى أو المراد يا سالمة من العيوب فيكون السلم بمعنى السلامة المستعمل فى السالمة (قوله : يعنى نفسه) عبر عن نفسه برجل لأجل أن يتمكن من الوصف بالجملة (وقوله : المشيب) هو كالشيب عبارة عن بياض الشعر (قوله : ظهر ظهورا تامّا)

__________________

(١) البيت لدعبل الخزاعى الرافضى ، الإيضاح ص ٣٤٠ ، وشرح المرشدى على عقود الجمان ٢ / ٧٠.

١٩

(فبكى) ذلك الرجل. فظهور المشيب لا يقابل البكاء إلا أنه قد عبر عنه بالضحك الذى معناه الحقيقى مقابل البكاء (ويسمى الثانى : إيهام التضاد) لأن المعنيين قد ذكرا بلفظين يوهمان التضاد نظرا إلى الظاهر.

[المقابلة] :

(ودخل فيه) أى : فى الطباق ؛ ...

______________________________________________________

أى فهو من باب التعبير باللازم عن الملزوم لأن الضحك الذى هو هيئة للفم معتبرة من ابتداء حركة وانتهاء إلى شكل مخصوص يستلزم عادة ظهور بياض الأسنان ، فعبر به عن مطلق ظهور البياض فى ضمن الفعل ، فكان فيه تبعية المجاز المرسل ، ويحتمل أن يكون شبه حدوث الشيب بالرأس بالضحك بجامع أن كلّا منهما معه وجود لون بعد خفائه فى آخر ، ثم قدر استعارة الضحك لذلك الحدوث ، واشتق من الضحك ضحك بمعنى حدث وظهر فهو استعارة تبعية ، كذا فى ابن يعقوب. وفى الأطول : جعل الضحك كناية عن الظهور التام ، إما لأن الظهور التام للشيب يجعل صاحبه مضحكة للناس ، أو لأن الضحك يستلزم ظهور ما خفى من مستور الشفتين (قوله : فبكى ذلك الرجل) أى بتذكر الموت أو للتأسف على زمان الشباب (قوله : فظهور المشيب لا يقابل البكاء) بل يكاد أن يدّعى أن بينهما تلازما.

(قوله : ويسمى الثانى إيهام التضاد) أى فهو محسن معنوى باعتبار إيهام الجمع بين الضدين ، أى باعتبار أنه يوقع فى وهم السامع أن المتكلم قد جمع بين معنيين متضادين ، فلا يرد أنه جمع فى اللفظ فقط فيكون محسنا لفظيّا (وقوله : ويسمى الثانى إلخ) أى بخلاف الأول فإنه ليس له اسم خاص ، بل هو عام وهو ملحق بالطباق. (قول : لأن المعنيين) أى الغير المتقابلين ، والفرق بين التدبيج الذى فيه الكناية ، وبين إيهام التضاد ـ مع أن فى كل منهما المعنيين المرادين لا تضاد بينهما ولكن يتوهم التضاد من ظاهر اللفظين باعتبار معنييهما الأصليين ـ أن الكناية التى فى التدبيج يصح أن يراد بها معناها الأصلى فينافى مقابله ، بخلاف إيهام التضاد فلا يصح فيه معناه الأصلى. (قوله : نظرا إلى الظاهر) أى ظاهر اللفظ ، والحمل له على حقيقته الذى هو غير مراد.

٢٠