🚘

الأزمنة والأنواء

أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل [ إبن أجدابي ]

الأزمنة والأنواء

المؤلف:

أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل [ إبن أجدابي ]


المحقق: الدكتور عزّة حسن
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دارابي رقراق للطباعة والنشر
الطبعة: ٢
ISBN: 99544-0-5074-4
الصفحات: ١٩٤
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

الأنواء عند العرب في الجاهلية

كان العرب قديما في بواديهم الفسيحة في حاجة شديدة إلى معرفة الكواكب الثابتة ، ومواقع طلوعها وغروبها ، لأن طبيعة الحياة في بيئة الصحراء كانت تضطرهم إلى الارتحال دائما من مكان إلى مكان طلبا للماء والمرعى. وكانت شمس الصحراء الساطعة اللاهبة كثيرا ما تضطرهم إلى السرى ، وهو الرحيل في الليل ، لينجوا من لهبها في النهار. فكانوا يقطعون الفيافي الموحشة ، والغلوات البعيدة ، في ظلام الليالي ، مهتدين بالدراري اللامعة في قبة السماء.

ولو لا عيون هذه الدراري التي ترعاهم ، وتهديهم السبيل المقصود ، لضلت قوافلهم ، وهلكت أموالهم من الإبل وغيرها ، بين كثبان الرمال المتشابهة والمتلاحقة كأمواج البحر المترامية على مدى البصر وإلى هذه الحقيقة الكبرى تشير الآية الكريمة :

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)(١).

وكذلك كان العرب في حاجة ماسة إلى معرفة أحوال الهواء ، وأوضاع الشمس والقمر ، وتغير فصول السنة ، وما يحدث في الجو من حوادث في هذه الفصول ، من نشوء السحاب ، وسقوط الأمطار ، وهبوب الرياح ، واشتداد البرد ، وإقبال الحر ، وغيرها من عوارض الطبيعة التي تعرض في أوقات معلومة من السنة. ذلك لأن طبيعة حياتهم في بيئة الصحراء كانت تجعل قوام حياتهم مرتبطا ارتباطا وثيقا بهذه الحوادث أيضا. فهم كانوا يحيون ويسعدون بالغيث والكلأ في خصب الزمان. وكانوا يشقون ويضيق عيشهم بانحباس الغيث وانقطاع الكلأ في جدب الزمان.

__________________

(١) سورة الانعام ٦ / ٩٧.

٧

وقد بين أبو عثمان الجاحظ هذه الحاجة في كتاب الحيوان ، وأجاد في بيانها. قال : «ومن هذه الجهة (١) عرفوا الآثار في الأرض والرمل ، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء. لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس ـ حيث لا أمارة ، ولا هادي ، مع حاجته إلى بعد الشقة ـ مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه. ولحاجته إلى الغيث ، وفراره من الجدب ، وضنه بالحياة ، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث. ولأنه في كل حال يرى السماء ، وما يجري فيها من كوكب ، ويرى التعاقب بينها ، والنجوم الثوابت ، وما يسير منها مجتمعا ، وما يسير منها فاردا ، وما يكون منها راجعا ومستقيما» (٢).

وكل ذلك دفع العرب ، منذ القديم ، أن يرجعوا البصر في السماء ، وينظروا فيها إلى النجوم ، ويرقبوا الشمس والقمر ، ليعلموا علم حركاتها ، ومواقع طلوعها وغروبها. فعرفوا من ذلك ، على مر الزمن ، أمورا كثيرة ، وربطوا بينها وبين حوادث الطبيعة ، وجعلوها مواقيت لها. حتى أنهم نظموا لحركة القمر وسيره في السماء منازل معروفة محدودة ، يجري القمر بينها في نظام معروف محدود. وراحوا ينسبون حوادث الطبيعة إلى طلوع هذه المنازل وغروبها وقت الفجر (٣). وعرفوا أيضا عددا وافرا من الكواكب الثابتة مع مطالعها ومغاربها. وجعلوا لها أشكالا وصورا. وسموها بأسماء خاصة ترد كثيرا في أشعارهم وأسجاعهم ، مثل الثريا والشعرى وسهيل والدبران والعيوق والفرقدين والسماكين وكشفوا أيضا أمر الكواكب السيارة ، وميزوها عن الكواكب الثابتة. وبذلك نشأ عندهم علم الأنواء والأزمنة.

__________________

(١) أي جهة الحاجة.

(٢) كتاب الحيوان ٦ / ٣٠. وانظر الآثار الباقية للبيروني ٣٣٢.

(٣) كتاب الأنواء لابن قتيبة ٧.

٨

وقد ساق أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان أخبارا تدل على سعة معرفة العرب بالنجوم ، وجودة نظام المعرفة ، وتبين ، في إيجاز حاسم ، علة هذه المعرفة وجودتها.

قال : «وسئلت أعرابية ، فقيل لها : أتعرفين النجوم؟ فقالت : سبحان الله! أما أعرف أشباحا وقوفا علي كل ليلة؟ وقال اليقطري : وصف أعرابي لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء ، ونجوم الاهتداء ، ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس. فقال قائل لشيخ عبادي كان حاضرا : أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف! قال : ويل أمك ، من لا يعرف أجذاع بيته؟ قال : وقلت لشيخ من الأعراب قد خرف ، وكان دهاتهم : إني لأراك عارفا بالنجوم! وقال : أما إنها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر ، ولو كانت أقل لكنت لها أذكر. وأكثر سبب ذلك كله ، بعد فرط الحاجة ، وطول المدارسة ، دقة الأذهان ، وجودة الحفظ» (١).

وجمع أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي الفلكي العربي المشهور (ـ ٣٧٦) ، في كتابه المعروف بالكواكب والصور ، أسماء الكواكب المستعملة عند عرب البادية ، فبلغ عددها نحو مائتين وخمسين اسما (٢). ولسنا في حاجة إلى دليل على سعة معرفة العرب بالنجوم أكبر من هذا الدليل.

ويمكن لنا استخلاص أكثر معارف العرب بالأنواء والأزمنة من شعرهم القديم في الجاهلية وصدر الإسلام : فقد أكثر شعراء العرب من ذكر هذه الأمور في أشعارهم. ودواوينهم والشواهد المأخوذة من شعرهم في كتب اللغة وغيرها تفيض

__________________

(١) كتاب الحيوان ٦ / ٣١

(٢) علم الفلك ، تاريخه عند العرب في المقرون الوسطى ١٠٧.

٩

بذلك. وبعد الشعر تأتي الأخبار والأحاديث والشروح التي جمعها علماء الأدب واللغة من البصريين والكوفيين وغيرهم ، أو وضعوها حول هذا الشعر ، في القرنين الثاني والثالث للهجرة ، ثم تأتي بعد ذلك أمثال العرب وأسجاعهم الموضوعة خاصة لما يكون من حوادث الطبيعة في أنواء النجوم ومطالعها ومغاربها.

وفي مصادرنا القديمة أمثلة مستفيضة من هذه الأمثال والأسجاع التي تجمع إلى جمال الفكرة العلمية جودة السجع وحسن وقعه في النفوس وإرنانه في الآذان. ونجد جملة صالحة من هذه الأمثال والأسجاع في كتاب الأنواء (١) لابن قتيبة (٢٦٦) ، وكتاب الأزمنة والأمكنة (٢) لأبي علي المرزوقي (٤٢١) ؛ وكتاب المخصص (٣) لابن سيده (٤٥٨) نقلا عن كتاب الأنواء لأبي حنيفة الدينوري (٢٨٦) ، وهو مفقود لم يصل إلينا ؛ وكتاب عجائب المخلوقات (٤) لزكريا بن محمد القزويني (٦٨٢) ؛ وكتاب المزهر في علوم اللغة للسيوطي (٩١١) ؛ وكتب اللغة المعروفة مثل كتاب لسان العرب وغيره.

وقد ساق أبو إسحاق ابن الأجدابي معظم هذه الأمثال والأسجاع في ثنايا الباب الأخير من كتابه ، وهو (باب معرفة الشهور الشمسية وأسمائها عند الأعاجم ، وما يحدث في كل شهر منها من طلوع المنازل أو سقوطها).

وفي القرآن الكريم آيات فيها ذكر بعض الكواكب ، وإشارات إلى منازل القمر ، وغير ذلك من معارف العرب بالسماء والنجوم في القديم. فيمكن لنا بهذا أن نعد القرآن الكريم في عداد المصادر التي تمدنا بطرف يسير من هذه المعارف.

__________________

(١) في أثناء كلامه على منازل القمر ص ١٧ ـ ٨٧.

(٢) ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٧.

(٣) أنظر المخصص ٩ / ١٥ ـ ١٨ ،

(٤) ص ٤٢ ـ ٥٢.

١٠

على أن معرفة العرب في الجاهلية في موضوع الأزمنة والأنواء كانت معرفة عملية ، قائمة على التجربة المستمرة خلال السنين والدهور ، ومبنية على مجرد العيان ، غير مستنبطة بالنظر العقلي والبحث العلمي ، ولجهلهم علوم الرياضيات والهندسة (١).

ولا يسعنا أن نغفل هاهنا عن الإشارة إلى أن العرب قد أخذوا شيئا من معارفهم في الأزمنة والأنواء من جيرانهم من الأمم السامية الساكنة في البلاد الواقعة في شمال جزيرة العرب ، ولا سيما أهل بابل من الكلدان سكان سواد العراق. فقد برع هؤلاء في الزمن السحيق في معرفة النجوم الثابتة وحركات الكواكب السيارة ، لأنهم كانوا أهل زراعة وري فيما بين النهرين : دجلة والفرات ، وكانوا على مبلغ كبير من الحضارة. وكانت القبائل العربية الضاربة في بوادي نجد والحجاز ، القريبة من سواد العراق ، على علاقات وثيقة جدا بسكان السواد ، منذ أقدم الأزمان. فلا يبعد ، لذلك ، أن يكون قد انتقلت أشياء من معارف أهل السواد إلي جيرانهم العرب ، من اتصالهم بهم خلال العصور المتطاولة (٢). ويغلب على الظن أن العرب قد استمدوا نظام منازل القمر من الكلدان أهل بابل (٣).

وتصور أهل بابل في القديم السماء سبع سماوات طباقا ، بعضها فوق بعض. وجعلوا في كل طبقة منها أحد الكواكب السيارة. واعتبروا كل كوكب في سمائه كأنه الرب الساكن فيه. وقد انتشر هذا الرأي من بابل ، وشاع عند الأمم الأخرى

__________________

(١) الآثار الباقية للبيروني ٢٣٨ ـ ٢٣٩. والأزمنة للمرزوقي ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٠

(٢) علم الفلك ، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى ١٢١ ـ ١٢٢.

(٣) المصدر السابق في الموضع نفسه.

١١

القديمة كاليونان والسريان وغيرهم. وأخذ به العرب في الجاهلية نقلا عن أهل بابل أيضا (١). يدلنا على ذلك جملة من الآيات وردت في القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى :

(اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ)(٢) ؛ ومثل قوله : (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً)(٣).

ونرى أن لفظ طباق ، ومفردها طبقة ، اللذين شاعا في اللغة العربية ، واكتسبا صفة المصطلح منذ القديم ، ووردت أولاهما كذلك في القرآن الكريم ، نرى أن أصلهما بابلي سامي ، من كلمة طبقت Tupuqu t (٤).

ويغلب على ظننا كذلك أن لفظ الفلك الذي شاع في اللغة العربية ، واكتسب صفة المصطلح منذ القديم أيضا ، مثل كلمة طباق سواء ، أصله بابلي أيضا ، من كلمة بلكّ Pulukku (٥).

هذا وقد استعمل العرب في الجاهلية السنة القمرية التي تدور شهورها في أيام السنة ، ولا تثبت ، لنقصان أيامها عن أيام السنة الشمسية. فكان الشهر من شهورهم يدور في فصول السنة المختلفة ، خلال دورة زمنية معلومة. فبينا هو يوافق الصيف في سنة من السنين مثلا ، إذا هو يوافي في الشتاء بعد سنوات. كما هي الحال في أيامنا هذه بالنسبة إلى السنة القمرية التي نسميها بالسنة الهجرية فشهر

__________________

(١) المصدر السابق ١٠٥.

(٢) سورة الطلاق ٦٥ / ١٢.

(٣) سورة نوح ٧١ / ١٤.

(٤) علم الفلك ، تاريخه عند العرب في القرون الوسط ١٠٥.

(٥) المصدر السابق ١٠٥ ـ ١٠٦.

١٢

الصوم رمضان مثلا يدور في فصول السنة ، ولا يأتي في زمن معلوم لا يحول عنه في كل عام.

فكبس العرب سنتهم القمرية بطريقة خاصة ، لتوافق شهورهم أيام السنة الشمسية. وتعلموا ذلك من اليهود (١) الذين وفدوا إلى الحجاز ، واستوطنوه ، بعد زوال دولتهم في بيت المقدس على أيدي الرومان ، وتفرقوا في الأرض تحت كل كوكب.

__________________

(١) الآثار الباقية للبيروني ١١ ـ ١٢ ، ٦٢ ـ ٦٣ ، وانظر أيضا ص ٣٢٥ ، ٣٣٢ من الكتاب نفسه. وأنظر علم الفلك ، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى ٩٠ ـ ١٠٠.

١٣
١٤

الأنواء عند العرب في الإسلام

استقر العرب بعد الإسلام والفتوح في البلاد المجاورة الواقعة في شمال جزيرة العرب. ولم يلبثوا ، بعد الاستقرار ، أن بدءوا يهتمون بشئون الحضارة والعمران ، منذ أوائل القرن الثاني للهجرة. فأخذوا يدونون شعرهم ولغتهم ، ويترجمون العلوم من اللغات الأخرى. وبذلك بدأت نهضة العرب الكبرى في القديم مع استحكام شأن الدولة العربية وثبات أركانها.

ويغلب على ظننا أن أول كتاب ترجمه العرب من اللغة اليونانية إلى لغتهم هو كتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم اليوناني وهو كتاب موضوع على تحاويل سني العالم ، وما فيها من أحكام النجوم (١).

وقد اتسعت نهضة العرب الناشئة ، وتعددت مناحيها ، مع تقدم الأيام واستمرار نقل العلوم من اللغات الأخرى ، حتى غدت حضارة زاهرة عظيمة في عهد بني العباس في بغداد ، منذ أوائل القرن الثالث للهجرة ، أي بعد مضي قرن من الزمان على بدء تكوينها.

وفي هذه الأثناء زادت رغبة العرب في أحكام النجوم ، وحبهم للاطلاع على الكتب الموضوعة في هذا الفن. حتى شاع بين الناس ، وجرى على ألسنتهم القول الآتي : «إن العلوم ثلاثة : الفقه للأديان ، والطب للأبدان ، والنجوم للأزمان» (٢).

__________________

(١) الفهرست ٢٦٧ ، ٣١٢ ، ٣١٣ ،

(٢) علم الفلك ، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى ١٤٣.

١٥

وكان اهتمام أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني (١٥٨) بهذا الفن عاملا كبيرا في نهضته وتقدمه. فقد كان المنصور يقرب المنجمين ، ويستشيرهم في أموره. وفي خلافته نقل أبو يحيى البطريق كتاب المقالات الأربع في صناعة أحكام النجوم لبطلميوس (١). وفي عهده نشأ الفلكي العربي المشهور أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب بن سليمان الفزاري. وهو أول عربي صنع اسطرلابا ، والف فيه كتابا (٢).

وجاء إلى بغداد في سنة ١٥٤ وفد من السند في بلاد الهند. وكان في جملة هذا الوفد رجل هندي ماهر في معرفة حركات الكواكب وحسابها وسائر أعمال الفلك على مذهب علماء الهند ، ولا سيما مذهب الكتاب الشهير المعروف بالسندهند. فكلف المنصور هذا الرجل بإملاء مختصر لهذا الكتاب. ثم أمر بترجمته إلى العربية ، واستخراج كتاب منه يتخذ العرب أصلا في حساب حركات الكواكب ، وما يتصل به من الأعمال. فتولى ذلك أبو إسحاق الفزاري الفلكي المشهور (٣). وترجمت كذلك كتب الفرس واليونان في الهيئة. وأشهرها وأجلها كتاب المجسطي لبطلميوس اليوناني.

استمر العرب في نقل علوم الهيئة والنجوم من اللغات الأخرى. وتدارسوها وتدبروا ما فيها ، حتى أتى حين من الدهر نشأت فيه طبقة من العلماء من العرب أنفسهم ، يبتكرون أشياء جديدة في هذه العلوم ، ويصححون الأخطاء التي وجدوها في الكتب المنقولة ، ويستكملون النواقص التي لم يتنبه إليها العلماء القدامى ، أو

__________________

(١) الفهرست ٢٧٣ ، ٢٤٤.

(٢) المصدر السابق ٢٧٣ ، ٢٨٤.

(٣) تحقيق ما للهند من مقولة للبيروني ٢٠٨ ، ٢١١.

١٦

لم يصلوا إلى رأي قاطع فيها. وبذلك كانوا يضيفون لبنات محكمة إلى بناء الحضارة النامي على الأيام.

ومن أشهر علماء العرب الذين اشتغلوا بعلم الهيئة والنجوم ، وألفوا فيها كتبا المنجم المشهور أبو معشر جعفر بن محمد البلخي (٢٧٢). وقد ألف كتاب الأمطار والرياح وتغير الأهوية ، ووضعه على مذهب حكماء الهند (١). ومنهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي (٣٦٧) ، وله كتاب الكواكب والصور ، أحصى فيه أسماء الكواكب التي كانت العرب يستعملونها في القديم. وأبو الريحان البيروني (٤٤٠) ، وأكبر كتبه كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية ، وكتاب القانون المسعودي. وهي كتب معروفة متداولة في أيامنا.

وكان يرافق نقل علوم الهيئة والنجوم من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية ، ثم تأليف الكتب فيها مباشرة ، تأليف كتب الأزمنة والأنواء على مذهب العرب. فقد وضع كثير من أئمة اللغة ، منذ أواخر القرن الثاني وحتى أواخر القرن الرابع من الهجرة ، كتبا في الأنواء ، ذكروا فيها كل ما كان العرب يعرفونه في هذا الباب ، وجمعوا أقوالهم فيها من الأشعار والأسجاع والأمثال. وأضافوا إليها ماجد في الإسلام من معارف في هذا الباب أيضا ، مثل معرفة سمت القبلة في البلدان المختلفة ، ومواقيت الصلوات والصوم ، وما يتصل بذلك من مراقبة الشفقين والفجرين ، وطلوع الشمس وغروبها ، ورؤية الهلال وغير ذلك من المعارف.

__________________

(١) الفهرست ٢٧٧.

١٧

ومن أشهر هؤلاء اللغويين الذين عاشوا في القرن الثالث أو القرن الرابع من الهجرة وكتبوا كتبا في فن الأنواء :

١ ـ أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن كناسة (٢٠٧).

٢ ـ أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (٢١٦)

٣ ـ أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢٧٦).

٤ ـ أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (٢٨٢). وكتابه أجود الكتب في فن الأنواء على مذهب العرب ، وأتمها ، يتضمن كل ما كان العرب يعرفونه عن السماء والنجوم والأنواء ومهاب الرياح وتفصيل الأزمنة وغير ذلك من أمور هذا الفن (١).

وجماع هذه الكتب مؤلفة على مذهب العرب في الأنواء ، وليس فيها شيء من علوم الأمم الأخرى الذي ترجمت إلى اللغة العربية ، إلا أشياء يسيرة جدا ، لا يعول عليها في هذا الباب. وكتاب الأنواء لابن قتيبة ، وهو مطبوع متداول في هذه الأيام ، يقوم وحده دليلا كافيا على ما نقول. فكل ما فيه علي مذهب العرب ، إلا ما أورده في باب (ذكر الأزمنة الأربعة وتحديد أوقاتها) (٢) ، وهو على مذهب أهل الحساب المحدث ، والأشياء يسيرة أخرى تفرقت في تضاعيف كتابه هنا وهناك.

ثم بدأ العلماء الذين كانوا يكتبون في الأنواء يدخلون في كتبهم فصولا كثيرة من معارف الأمم الأخرى في الأزمنة والأنواء ، كالسريانيين والعبرانيين

__________________

(١) وانظر الجدول المرتب بأسماء العلماء الذين ألفوا كتبا في الأنواء

(٢) كتاب الأنواء لابن قتيبة ١٠٠ ـ ١٠٢.

١٨

والفرس واليونان والقبط ، إلى جانب الفصول التي كانوا يكتبونها في الأنواء علي مذهب العرب. وكانوا يضيفون إلى كتبهم ، فوق ذلك ، أشياء أخرى مقتبسة من كتب علوم الهيئة والنجوم على مذهب أهل الحساب والرصد.

وأفضل مثال لهذا النوع من كتب الأنواء هو كتاب الأزمنة والأمكنة لأبي علي المرزوقي (٤٢١). فالباب الرابع من هذا الكتاب مثلا هو : (في ذكر ابتداء الزمان وأقسامه ، والتنبيه على مبادئ السنة في المذاهب كلها ، وما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج). والباب الخامس منه هو : (في قسمة الأزمنة ودورانها ، واختلاف الأمم فيها). والباب السابع منه هو : (في تحديد سني العرب والفرس والروم ، وأوقات فصول السنة). ولسنا نجد مثل هذه الأبواب في كتاب الأنواء لابن قتيبة.

ويوازن المرزوقي ، فوق ذلك ، بين معارف العرب في الأزمنة والأنواء وبين معارف غيرهم من الأمم في تضاعيف كتابه ، ويذكر أشياء كثيرة للأمم الأخرى ليشاكل بها ما يذكره للعرب ، في مواضع كثيرة من كتابه الكبير. ولسنا نرى شيئا من مثل هذا في كتاب الأنواء لابن قتيبة أيضا.

وكان علماء الهيئة والنجوم ، من جهتهم ، يذكرون في كتبهم العلمية أطرافا من الأزمنة والأنواء على المذاهب المختلفة كما فعل المؤلفون في الأنواء في الاقتباس من كتب علوم الهيئة والنجوم سواء. ونظرة منا عجلى إلى كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية لأبي الريحان البيروني كافية لإدراك هذه الحقيقة. فقد ذكر البيرون ، في كتابه هذا ، سنة العرب وشهورهم ، ومنازل القمر عندهم ، وأشياء أخرى في الأنواء على مذهبهم ، وأورد كذلك ، للأمم الأخرى ، كثيرا من الأمور المشاكلة لذلك.

١٩
٢٠