الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٢٠

آية الله مكارم الشيرازي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج ٢٠

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: أمير المؤمنين عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-6632-61-0
ISBN الدورة:
964-6632-53-X

الصفحات: ٦٠٠

١
٢

٣
٤

نهاية تجربة

وبداية تجربة اخرى

ها نحن بفضل الله ومنّه وتوفيقه في نهاية المطاف مع «التّفسير الأمثل» ، بعد جولة في كتاب الله استغرقت خمسة عشر عاما : ومن المناسب أن يكون لنا مع القارئ الكريم ، الذي رافقنا في هذه الرحلة الطويلة ، حديث نستعرض فيه عصارة تجربتنا مع هذا التّفسير على أن يكون مفيدا للسائرين على طريق الدراسة والتعمّق في القرآن الكريم.

١ ـ خلال جولتنا في رحاب كتاب الله ازددنا تفهّما لما ورد في الحديث الشريف بشأن وصف القرآن ، بل تلمّسنا هذه الأوصاف بكلّ وجودنا ، ورأينا بأم أعيننا. من ذلك ما ورد عن النّبي عليه أفضل الصلاة والسّلام أنّه قال في القرآن : «له نجوم ، وعلى نجومه نجوم ، ولا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ، ومنازل الحكمة». (١)

وعن علي بن موسى الرضا عليه‌السلام أنّه في جواب من سأله : ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلّا غضاضة؟ قال :

«لأنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس ، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ قوم غض إلى يوم القيامة». (٢)

نعم : إنّه الشجرة الطيبة التي (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها) وهو البحر

__________________

(١) بحار الأنوار ، ج ٨٩ ، ص ١٧.

(٢) المصدر السابق ، ص ١٥.

٥

الواسع العميق الذي يجد فيه الغواص درّا جديدا كلما ازداد فيه غوصا.

هذه الحقيقة تتّضح لكلّ السالكين طريق القرآن ، وتبعث فيهم الشوق والاندفاع نحو طلب المزيد من مائدة كتاب الله ، ونحو مواصلة هذا الطريق حتى نهاية رحلة العمر.

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام قال في حديثه عن القرآن : «فيه ربيع القلب ، وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره». (١)

وهذه حقيقة اخرى تلمّسناها خلال جولتنا في رحاب القرآن الكريم. وكلما عاش الإنسان جوّ القرآن أكثر يحسّ بتفتح جديد في القلب والروح. وهذا الإحساس واضح لكلّ من دخل غمار التجربة. وباب الدخول مفتوح لمن أراد أن يجرّب.

٢ ـ من خلال هذه الجولة التّفسيرية تبيّن مدى شمول التعاليم القرآنية ، واتضح أنّ القرآن الكريم لم يترك مجالا من المجالات الحيويّة في الساحة الإنسانية دون أن يبيّن أصولها ويعيّن إطارها (التفاصيل تكفلت السنّة ببيانها).

من هنا لا يحتاج الإنسان المسلم في تنظيم حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى أن يولّي وجهه شطر مدارس الشرق أو الغرب ، وكما قال أمير المؤمنين علي عليه‌السلام: «واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ولا لأحد قبل القرآن من غنى». (٢)

مشكلة المسلمين تكمن في عدم معرفتهم بما بين ظهرانيهم من كنز عظيم :

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

والماء فوق ظهورها محمول

وهنا نشير مرّة اخرى إلى أن معارف القرآن وتعاليمه لا يمكن أن نتلقاها من

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ١٧٦.

(٢) المصدر السابق.

٦

كتاب الله العزيز إلّا إذا جلسنا عنده متتلمذين متعلمين. أمّا إذا أقبلنا على القرآن بذهنية مملوءة بأحكام مسبقة ملتقطة من مدارس الشرق والغرب ، فسوف نلجأ إلى زجّ آيات القرآن في إطار مفاهيم غريبة عليه ، لتنسجم مع ما نحمله من أحكام ونظريات مسبقة ، وبذلك نحرم من عطاء القرآن ، ونحوله إلى «آلة» لتبرير أخطائنا وإسناد أفكارنا الناقصة.

٣ ـ بعد هذه الجولة القرآنية التي تلمّسنا فيها الحياة القرآنية بكلّ ما تحمله من عطاء ثرّ لحياة الفرد والجماعة ، لا بدّ أن نسجّل أسفنا لما يحمله كثير من المسلمين من نظرة إلى القرآن ... نظرة تجعل القرآن محاطا بهالة من القدسية غير أنّه معزول عن الحياة. تتلمس الثواب والبركة في التلاوة ، والفضيلة في الحفظ ، دون أن ترى فيه منهجا للحياة.

لقد نسي هؤلاء أنّ القرآن مدرسة للفرد المسلم وللجماعة المسلمة ، يرسم لها طريقها في جميع المجالات ، ويوجهها الوجهة الصحيحة في كلّ المنعطفات ، وهنا تكمن عظمة القرآن وقدسيته.

كثيرة هي مدارس القرآن وخلاوي التحفيظ ومجلس التلاوة في عالمنا الإسلامي ، وكم يدور فيها من البحوث حول طريقة التجويد والترتيل! لكن الحديث عن المنهج العملي الذي يطرحه القرآن قليل ، والالتزام بهذا المنهج أقلّ.

ونحن في هذا التّفسير قلّما تعرّضنا لسورة دون أن نبيّن أنّ التلاوة التي بيّنت السنّة فضائلها إنّما هي التلاوة المتبوعة بالفكر والعمل ... فضيلة التلاوة أن يكون مقدمة للتفكر ، أن يؤدي التفكر إلى العمل.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق علماء المسلمين لطرح منهج القرآن بين أبناء الامّة ، وأن يوفق اتباع القرآن إلى العمل به في كلّ جوانب حياتهم ، وهذه كلمتنا الأخيرة في التّفسير الأمثل ، وندع بقية الحديث إلى (التّفسير الموضوعي).

والحمد لله ربّ العالمين

* * *

٧
٨

سورة

المطفّفين

مكيّة

وعدد آياتها ستّ وثلاثون آية

٩
١٠

«سورة المطفّفين»

محتوى السّورة :

لقد جرى الحديث بين المفسّرين بخصوص نزولها بين مكّة والمدينة ، وبملاحظة أسباب نزول الآيات الاولى من السّورة ، والتي تتعلق بالذين يخسرون الميزان ، فسيظهر أنّ نزولها كان في المدينة.

ولكنّ طبيعة بقية الآيات تأتي تماما مع سياق الآيات المكّية ، حيث أنّها تتحدث وبعبارات موجزة ومثيرة عن حوادث يوم القيامة ، وعلى الخصوص الآيات الأخيرة من السّورة والتي تنقل لنا حالة استهزاء الكفّار بالمسلمين ، وهو ما ينسجم مع أوضاع مكّة في أوائل الدعوة المباركة ، حينها كان المؤمنون عصبة قليلة والكفّار كثرة من حيث العدد. ولعل ذلك هو الذي دفع بالمفسّرين لاعتبار قسم من الآيات مكّية والقسم الآخر مدنية.

وعموما ، فالسّورة أقرب منها للسور المكّية من السور المدنية ، وعلى أية حال ، فبحوث السّورة تدور حول محاور خمس : هي :

١ ـ تحذير وإنذار شديد للمطفّفين.

٢ ـ الإشارة إلى أنّ منشأ الذنوب الكبيرة إنّما يأتي من عدم رسوخ الإيمان بالبعث والمعاد.

٣ ـ عرض لجوانب من عاقبة «الفجّار» في ذلك اليوم العظيم.

٤ ـ عرض لجوانب ما ينتظر المحسنين في الجنّة من نعم إلهية وعطاء ربّاني جزيل.

١١

٥ ـ الإشارة لآثار استهزاء الكفّار بالمؤمنين في الحياة الدنيا ، وانعكاس الحال في يوم القيامة.

فضيلة السّورة :

روي عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال : «من قرأ سورة المطفّفين سقاه الله من الرحيق المختوم» (١).

وعن الإمام الصّادق عليه‌السلام : أنّه قال : «من قرأ في فرائضه (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) أعطاه الأمن يوم القيامة من النّار ، ولم تره ، ولم يرها ...» (٢).

وبطبيعة الحال ، فكلّ هذا الثواب والفضيلة والبركة ، سينالها من جعل قراءتها مقدمة للعمل على هديها.

* * *

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٥١.

(٢) ثواب الأعمال ، ص ١٢٢ ، وعنه نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٥٢٧.

١٢

الآيات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦))

سبب النّزول

قال ابن عباس : لمّا قدم نبيّ الله المدينة ، كانوا من أبخس النّاس كيلا ، فأنزل الله هذه الآية ، فأحسنوا الكيل بعد ذلك.

وقيل : كان تجار المدينة تجارا يطففون ، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة ، فنزلت هذه الآية ، فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرأها عليهم وقال : «خمس بخمس» ، قيل يا رسول الله ، وما خمس بخمس؟

قال : «ما نقص قوم العهد إلّا سلط الله عليهم عدّوهم!

وما حكموا بغير ما أنزل الله إلّا فشا فيهم الفقر!

وما ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت!

١٣

ولا طففوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين!

ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم المطر!» (١).

وروى العلّامة الطبرسي في مجمع البيان : إنّ رجلا كان في المدينة يقال له (أبو جهينة) كان له صاعان ، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر ، فنزلت هذه الآيات. (٢)

التّفسير

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) :

بدأ الحديث في هذه السّورة بتهديد شديد للمطفّفين : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ).

وتمثل الآية في حقيقة توجيهها ، إعلان حرب من الله عزوجل على هؤلاء الظالمين ، الذين يأكلون حقّ النّاس بهذه الطريقة القذرة.

«المطفّفين» : من (التطفيف) وأصله من (الطف) ، وهو جوانب الشيء وأطرافه ، وإنّما قيل لكربلاء ب (وادي الطف) ، لوقوعها على ساحل نهر الفرات ، و (الطفيف) : الشيء النزر ، و (التطفيف) : البخس في الكيل والوزن ، ونقص المكيال ، وهو أن لا تملأه إلى أصباره.

«ويل» : تأتي بمعاني : حلول الشرّ ، الحزن ، الهلاك ، المشقّة من العذاب ، واد مهيب في نار جهنم ، وتستعمل عادة في اللعن وبيان قبح الشيء ، ورغم صغر الكلمة إلّا أنّها تستبطن مفاهيم كثيرة.

وروي عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال : «ولم يجعل الله الويل لأحد حتى يسميه كافرا ، قال الله عزوجل : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (٣).

__________________

(١) تفسير الفخر الرازي ، ج ٣١ ، ص ٨٨ ؛ وكذلك ... أبو الفتوح والمراغي في تفسيريهما.

(٢) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٥٢.

(٣) اصول الكافي ، ج ٢ ، ص ٣٢ ؛ وعنه نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٥٢٧.

١٤

وما نستفيده من هذه الرّواية هو : إنّ التطفيف فيه وجه من الكفر.

وتتطرق الآيتين التاليتين إلى طريقة عمل المطففين ، فتقول الآية الأولى : (الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) (١).

وتقول الآية الثّانية : (إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)

وذهب جمع من المفسّرين إلى أنّ الآية أرادت ب «المطفف» من يأخذ عند الشراء أكثر من حقّه ، ويعطي عند البيع أقل من الحقّ الذي عليه ، وال «ويل» إنّما جاء بلحاظ هاتين الجهتين.

ولكن ما ذهب أولئك المفسّرون غير صحيح ، بدلالة «يستوفون» التي تعني أخذهم بالكامل ، وليس ثمّة ما يدلّ على أخذهم أكثر من حقّهم ، ويمكننا توجيه (الذم) الحاصل ، باعتبار أخذهم حقّهم كاملا عند الشراء ، وينقصون من حقّ الآخرين عند البيع ، كمن يريد أن يذم شخصا بقوله : ما أغربك من رجل ، تراك تأتي في الموعد المقرر عند ما تكون دائنا ، وتتهرب من أداء ما عليك عند ما تكون مدينا.

فأخذ الحقّ في موعده المقرر ليس عملا سيّئا ، ولكن حصول الحالتين (أعلاه) في شخص واحد هو الشيء.

وقد جاء ذكر «الكيل» في الآيتين عند حالة الشراء ، وذكر «الكيل» و «الوزن» عند حالة البيع ، وربّما يرجع ذلك لأحد سببين :

الأوّل : كان تجار تلك الأزمان الكبار يستعملون (المكيال) عند شرائهم للكميات الكبيرة من المواد ، لأنّه لم يكن عندهم ميزان كبير يستوعب تلك المواد الكثيرة.

(وقيل : إنّ (الكر) ، كان في الأصل اسما لمكيال كبير ... والكر : مصطلح

__________________

(١) «على النّاس» : اشارة إلى ما لهم لدى النّاس ، والتقدير : (إذا كالوا ما على النّاس) وذلك عند الأخذ منهم ، وهو ما نستفيده من (كال عليه) .. أمّا (كاله) أو (كال له) فهو عند العطاء.

١٥

يستعمل لقياس سعة الماء).

أمّا في حالة البيع ، فكانوا يكيلون لبيع الجملة ، ويزنون لبيع المفرد.

الثّاني : إنّهم كانوا يفضلون استعمال المكيال عند الشراء ، لصعوبة الغش فيه ، ويستغلون الميزان عند البيع لسهولة الغش فيه!

وممّا ينبغي الالتفات إليه .. إنّ الآيات وإن تحدثت عن التطفيف في الكيل والوزن ، ولكن ، لا ينبغي حصر مفهومها بهما ، فالتطفيف يشمل حتى العدد ، وليس من البعيد أن تكون الآيات قد أشارت إلى إنقاص ما يؤدي من خدمة مقابل أجر ، كما لو سرق العامل أو الموظف من وقت عمله ، فإنّه والحال هذه سيكون في حظيرة «المطففين» المذمومين بشدّة في الآيات المباركة المذكورة.

ويتوسع البعض في مفهوم الآية أكثر وأكثر حتى يجعل أيّ تجاوز لحدود الله ، وأيّ إنقاص أو إخلال في الروابط الاجتماعية أو انحلال في الضوابط الأخلاقية ، إنّما هو مفردات ومصاديق لهذا المفهوم.

ومع أنّ ظاهر ألفاظ الآية لا يرمز إلى هذه المعاني ، ولكنّها لا تخلو من مناسبة.

ولذا ، فقد ورد عن ابن عباس ، أنّه قال : (الصلاة مكيال ، فمن وفى ، وفى الله له ، ومن طفف ، قد سمعتم ما قال الله في المطففين) (١).

ويهدد القرآن الكريم المطففين ، باستفهام توبيخي : (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ).

(لِيَوْمٍ عَظِيمٍ).

يوم عظيم في : عذابه ، حسابه وأهواله.

(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ).

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٥٢.

١٦

أي ، إنّهم لو كانوا يعتقدون بالبعث والحساب : وأنّ أعمالهم مسجلة وستعرض كاملة في محكمة العدل الإلهي بخيرها وشرّها ، وكبيرها وحقيرها ، لو كانوا يعتقدون ذلك ، لما ظلموا أحدا ، ولأعطوا النّاس حقوقهم كاملة.

وقد اعتبر كثير من المفسّرين : إنّ «الظن» الوارد في الآية من «يظن» بمعنى (اليقين) : كما هو في الآية (٢٤٩) من سورة البقرة : (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ) ، وهذه الآية كانت تتحدث عن المراحل المختلفة لإيمان واستقامة بعض بني إسرائيل.

وممّا يشهد على ما ذكر أيضا ، ما روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير الآية : (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) ، أنّه قال : «أليس يوقنون أنّهم مبعوثون»؟ (١)

وروي عنه عليه‌السلام أيضا ، أنّه قال : «الظن ظنان ، ظنّ شك وظنّ يقين ، فما كان من أمر المعاد من الظنّ فهو ظنّ يقين ، وما كان من أمر الدّنيا فهو على الشك» (٢).

واحتمل البعض : إنّ «الظنّ» الوارد في الآية ، هو ذات «الظنّ» المتعارف عليه في زماننا ، وهو غير اليقين ، فيكون إشارة إلى أنّ الإيمان بالقيامة يترك أثرا في روح الإنسان ، يجعله يتنزّه عن الوقوع في الذنوب والظلم ، حتى وإن كان ذلك الإيمان بنسبة «الظنّ» .. فكيف به إن كان يقينا؟! ويصطلح العلماء على هذا المعنى ، عنوان (دفع الضرر المظنون) أو (دفع الضرر المحتمل).

فيكون مفهوم الآية ، على ضوء ما ورد : ليس المطففين العاصين لا يملكون اليقين بوجود يوم القيامة ، بل إنّهم لا يظنون بذلك أيضا.

(ويبدو أنّ التّفسير الأوّل أنسب).

و «الظنّ» ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ اسم لما يحصل عن إمارة ، ومتى

__________________

(١) تفسير البرهان ، ج ٤ ، ص ٤٣٨.

(٢) نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٥٢٨.

١٧

قويت أدت إلى العلم ، ومتى ضعفت جدّا لم يتجاوز حدّ التوهم.

وعليه .. فاصطلاح «الظنّ» ـ بخلاف ما يتبادر إليه الذهن في زماننا ـ يشمل العلم والظنّ ، ويستعمل في الحالتين.

* * *

ملاحظة

التطفيف من عوامل الفساد في الأرض :

تعرض القرآن الكريم للتطفيف في الوزن مرارا ، ومن ذلك ما جاء في الآيات (١٨١ ـ ١٨٣) من سورة الشعراء ، حينما خاطب شعيب عليه‌السلام قومه قائلا : (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)

فالتطفيف في الوزن والكيل من الفساد في الأرض ، وذلك لما تنتج عنه من مفاسد اجتماعية ذات أبعاد واسعة.

كما جاء التأكيد في الآيتين (٧ و ٨) من سورة الرحمن على ضرورة الالتزام بالعدالة حين استعمال الميزان ، بعد الإشارة إلى أن العدل أصل قد روعي فيه حتى نظام الخلق في عالم الوجود : (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ).

ولذا ، نجد أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام قد أولوا هذا الموضوع اهتماما بالغا ، حتى روي عن الأصبغ بن نباتة ، أنّه قال : سمعت أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول على المنبر : «يا معشر التجار! الفقه ثمّ المتجر ، الفقه ثمّ المتجر ، الفقه ثمّ المتجر» إلى أن قال : «التاجر فاجر ، والفاجر في النّار ، إلّا من أخذ الحقّ وأعطى الحقّ» (١).

وفي رواية عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال : «كان أمير المؤمنين عليه‌السلام بالكوفة

__________________

(١) اصول الكافي ، ج ٥ ، ص ١٥٠ ، الحديث ١.

١٨

يغتدي كل يوم بكرة من القصر ، فيطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا ، ومعه الدّرة على عاتقه (لمعاقبة المخالفين) ، فينادي : يا معشر التجّار اتقوا الله عزوجل ، فإذا سمعوا صوته عليه‌السلام ألقوا ما بأيديهم ، وأرعوا إليه بقلوبهم ، وسمعوا بآذانهم ، فيقول عليه‌السلام : قدموا الإستخارة ، وتبركوا بالسهولة ، واقتربوا من المبتاعين ، وتزيّنوا بالحلم ، وتناهوا عن اليمين ، وجانبوا الكذب ، وتجافوا عن الظلم ، وأنصفوا المظلومين ، ولا تقربوا الربا ، وأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فيطوف عليه‌السلام في جميع أسواق الكوفة ثمّ يرجع فيقعد للناس» (١).

وبشأن نزول الآيات ، قال النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ولا طففوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين».

وزبدة ما تقدم : يعتبر التطفيف في الميزان من العوامل الأساسية في عذاب وهلاك بعض الأمم السالفة ، حيث أدى ذلك إلى اختلال النظام الاقتصادي عندهم من جهة ، وإلى نزول العذاب الإلهي عليهم من جهة أخرى.

وقد حثّت الرّوايات الواردة في خصوص آداب التجارة على الأخذ ناقصا والعطاء راجحا ، أي بعكس سلوكية من ذمتهم الآيات المبحوثة ، فهم يأخذون بدقّة ويعطون ناقصا. (٢) وكما قلنا في تفسير الآية ، فثمّة من يذهب إلى أنّ مفهوم التطفيف أوسع من أن يحدد بالكيل والميزان ، ويمتد ليشمل أيّ انقاص في عمل ، وأيّ تقصير في أداء وظيفة فردية أو اجتماعية أو إلهية.

* * *

__________________

(١) المصدر السابق ، الحديث ٣.

(٢) ولمزيد من الاطلاع ... راجع وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، ص ٢٩٠ ، أبواب التجارة ، الباب ٧.

١٩

الآيات

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠))

التّفسير

وما أدراك ما سجّين؟!

بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن المطفّفين ، وعن ارتباط الذنوب بعدم الإيمان الراسخ بالمعاد ويوم القيامة ، تشير الآيات أعلاه إلى ما ستؤول إليه عاقبة المسيئين والفجار يوم حلول اليوم المحتوم ، فتقول : (كَلَّا) فليس الأمر كما يظن هؤلاء عن المعاد وأنّه ليس هنا حساب وكتاب ، بل (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ).

(وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ).

(كِتابٌ مَرْقُومٌ).

وتوجد نظرتان في تفسير الآية أعلاه :

الاولى : المراد من «كتاب» : هو صحيفة الأعمال ، التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ، من الأفعال الإنسان إلّا وأحصتها.

والمراد ب «سجّين» : هو الكتاب الجامع لكل صحائف أعمال الإنسان عموما.

٢٠