🚘

البهجة المرضيّة على ألفيّة ابن مالك

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي

البهجة المرضيّة على ألفيّة ابن مالك

المؤلف:

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: مؤسسة اسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع
المطبعة: وفا
الطبعة: ١٩
ISBN: 978-964-6397-13-2
الصفحات: ٥٩٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

قال محمّد هو ابن مالك

أحمد ربّى الله خير مالك

بسم الله الرّحمن الرّحيم

أحمدك الّلهمّ على نعمك وآلائك ، وأصلّي وأسلّم على محمّد خاتم أنبيائك وعلى آله وأصحابه والتّابعين (١) إلى يوم لقائك.

أمّا بعد : فهذا شرح لطيف مزجته بألفيّة ابن مالك ، مهذّب المقاصد ، واضح المسالك ، يبيّن مراد ناظمها ويهدى الطّالب لها إلى معالمها ، (٢) حاو لأبحاث منها ريح التّحقيق تفوح ، وجامع لنكت لم يسبقه إليها غيره (٣) من الشّروح. وسمّيته بـ «البهجة المرضيّة فى شرح الألفيّة» ، وبالله أستعين (٤) إنّه خير معين.

قال النّاظم : (بسم الله الرّحمن الرّحيم. قال محمّد هو) الشيخ الإمام أبو عبد الله جمال الدّين محمّد بن عبد الله (ابن مالك) الطّائيّ الأندلسيّ الجّيانيّ الشّافعيّ (أحمد ربّى الله خير مالك) أي أصفه بالجميل تعظيما له وأداءا لبعض ما يجب [علينا] له

__________________

(١) أصحاب الرسول الذين أدركوا صحبته ، والتابعون هم الذين لم يدركوا صحبة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولكنهم أدركوا صحبة الأصحاب.

(٢) جمع معلم علامة الطريق.

(٣) نعوذ بالله من العجب وتزكية النفس فايّاك أيّها الطالب وهذه الرذيلة التي هي أمّ الرذائل.

(٤) عجبا كيف يستعين بالله سبحانه من يستمدح المخلوق.

٥

مصلّيا على النّبيّ المصطفى

وآله المستكملين الشّرفا

والمراد إيجاده (١) لا الإخبار بانّه سيوجد (مصلّيا) بعد الحمد أي داعيا بالصّلاة أي الرّحمة (على النّبيّ) هو إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه ، فإن أمر بذلك فرسول أيضا ، ولفظه بالتّشديد من النّبوة (٢) أي الرّفعة لرفعة رتبة النّبيّ على غيره من الخلق ، وبالهمزة (٣) من النّبأ أي الخبر لأنّ النّبيّ مخبر عن الله تعالى ، والمراد به نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم (المصطفى) ، أي المختار من النّاس كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديث رواه التّرمذي وصحّحه : «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم». وقال في حديث رواه الطّبرانى : «إنّ الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثمّ اختار بني آدم فاختار منهم العرب ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم ثمّ اختار بني هاشم فاختارني فلم أزل خيارا من خيار» (و) على (آله) أي أقاربه المؤمنين من بني هاشم والمطّلب (٤) (المستكملين الشّرفا) ، بفتح الشّين بانتسابهم إليه.

وأستعين الله في ألفيّة

مقاصد النّحو بها محويّة

تقرّب الأقصى بلفظ موجز

وتبسط البذل بوعد منجز

(وأستعين الله في) نظم أرجوزة (الفيّة) عدتها الف بيت أو ألفان بناءا على أنّ كلّ

__________________

(١) أي : مراد الناظم بقوله أحمد إنشاء الحمد لا إخبار بأنه سيحمد الله.

(٢) بكسر النون وسكون الياء.

(٣) عطف على قوله بالتشديد ، أي : نبئة.

(٤) هذا عند العامّة ، وأما عند الخاصّة فأكثرهم على أن المراد بآل الرسول هم : فاطمة والأئمّة الاثنى عشر عليهم السّلام

٦

شطر بيت ولا يقدح ذلك في النّسبة كما قيل ، (١) لتساوي النّسب إلى المفرد والمثنّى كما سيأتي (مقاصد النّحو) أي مهمّاته والمراد به (٢) المراد لقولنا علم العربيّة المطلق على ما يعرف به أواخر الكلم إعرابا وبناءا وما يعرف به ذواتها صحّة واعتلالا ، لا ما يقابل التّصريف (بها) أي فيها (محويّة) أي مجموعة.

(تقرّب) هذه الألفيّة لأفهام الطّالبين (الأقصى) أي الأبعد من غوامض المسائل فيصير واضحا (بلفظ موجز) قليل الحروف كثير المعنى ، والباء للسّببيّة ولا بدع (٣) فى كون الإيجاز سببا لسرعة الفهم كما في «رأيت عبد الله وأكرمته» دون «أكرمت عبد الله» ويجوز أن يكون بمعنى مع ـ قاله ابن جماعة (وتبسط البذل) بسكون الذّال المعجمة أي العطاء (بوعد منجز) أي سريع الوفاء ، والوعد في الخير لا وإيعاد في الشّرّ إذا لم تكن قرينة.

وتقتضي رضا بغير سخط

فائقة ألفيّة ابن معطي

وهو بسبق حائز تفضيلا

مستوجب ثنائي الجميلا

والله يقضي بهبات وافره

لى وله فى درجات الآخره

(وتقتضى) بحسن الوجازة المقتضية لسرعة الفهم (رضا) من قاريها بأن

__________________

(١) توهّم بعض أن الألفية نسبة إلى ألف فكيف يمكن عدّ الأبيات ألفين فأجاب بأنّ النسبة إلى المفرد والتثنية سواء.

(٢) أي : بقوله النحو دفع دخل وهو أنّ النحو على ما هو المعروف يطلق على العلم الذي يعرف به أحوال أواخر الكلم مع أنّ الألفية مشتملة على الصرف أيضا ، فأجاب : بأنّ المراد بالنحو هنا أعمّ من النحو المعروف ، بل المراد به مطلق علم العربيّة.

(٣) أي : على فرض كون الباء للسببيّة ربّما يتوهّم انّه كيف يكون الإيجاز والاختصار سببا للتقّرب إلى الأقصى أي : الإيضاح ، بل الأمر بالعكس ، كما هو ظاهر ، فأجاب بأنّه لا بدع ولا منافاة بين الإيجاز والإيضاح ، كما ترى أنّ أكرمته مع إيجازه أوضح من أكرمت عبد الله.

٧

لا يعترض عليها (بغير سخط) يشوبه (فائقة ألفيّة) لا إمام أبي زكريّا يحيى (ابن معط) عبد النور الزّواويّ الحنفيّ ، (و) لكن (هو بسبق) أي بسبب سبقه إلى وضع كتابه وتقدّم عصره (حائز) أي جامع (تفضيلا) لتفضيل السّابق شرعا (١) وعرفا وهو أيضا (مستوجب ثنائى الجميلا) عليه لانتفاعي بما ألّفه واقتدائي به.

(والله يقضي بهبات) أي عطايا من فضله (وافرة) أي زائدة والجملة (٢) خبريّة أريد بها الدّعاء أي اللهمّ اقض بذلك (لي) قدّم نفسه لحديث أبي داود «كان رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا دعا بدأ بنفسه» (وله في درجات الآخرة) أي مراتبها العليّة.

__________________

(١) لقوله تعالى : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ...) (الواقعة ، الآية : ١٠).

(٢) أي : جملة ، الله يقضي.

٨

الكلام وما يتألّف منه

كلامنا لفظ مفيد كاستقم

واسم وفعل ثمّ حرف الكلم

هذا باب شرح الكلام

و

شرح ما يتألّف منه الكلام وهو الكلم الثلاث

(كلامنا) أي معاشر النّحويّين (١) (لفظ) أي صوت معتمد على مقطع الفم ، (٢) فيخرج به ما ليس بلفظ من الدّوالّ (٣) الأربع لا كإشارة والخطّ.

وعبّر به دون القول لإطلاقه (٤) على الرّأي لا وإعتقاد وعكس في الكافية (٥) لأنّ

__________________

(١) وأما في اللغة فالكلام بمعنى التكلّم ، سواء كان مفيدا أم لا.

(٢) أى : مقطع الحرف من الفم ، فإنّ لكلّ حرف في الفم مقطعا ومخرجا كمخرج القاف مثلا.

(٣) جمع دالّ ، وهو : ما يدلّ على الشيء ، فلفظ زيد دالّ على وجوده الخارجي ، كما أنّ زيدا المكتوب أيضا كذلك ، والإشارة إلى شيء دالّ على ذلك الشيء ١.

(٤) أي : القول : فيقال : هذا قول الشيخ مثلا ، ويراد به رأيه ، وهذا قول الشيعة ، والمراد : اعتقادهم.

(٥) فقال كلامنا قول ، ويمتاز القول عن اللفظ بأنّ القول جنس قريب للكلام ، بخلاف اللفظ فإنّه بعيد عنه ، والجنس القريب للشيء ما كان شموله للشيء أضيق من شمول الجنس البعيد له كما في شمول الحيوان والجسم للإنسان ، فالحيوان يشمل الإنسان فى دائرة الحيوانات ، وهي أضيق من شمول الجسم للإنسان ،

٩

القول جنس قريب لعدم إطلاقه على المهمل بخلاف اللّفظ (مفيد) أي مفهم معنى يحسن السّكوت عليه (١) ـ كما قال في شرح الكافية ـ والمراد سكوت المتكلم وقيل سكوت السّامع وقيل كليهما. وخرج به ما لا يفيد كإن قام مثلا (٢) واستثنى منه فى شرح التّسهيل نقلا عن سيبويه وغيره بمفيد ما لا (٣) يجهله أحد نحو «النّار حارّة» فليس بكلام.

ولم يصرّح باشتراط كونه (٤) مركّبا ـ كما فعل الجزولي كغيره (٥) ـ للاستغناء عنه إذا ليس لنا لفظ مفيد وهو غير مركّب.

وأشار إلى اشتراط كونه موضوعا ـ أي مقصودا ـ ليخرج ما ينطق به النّائم والسّاهي ونحوهما بقوله : (٦) (كاستقم) إذ من عادته إعطاء الحكم بالمثال وقيّد في التّسهيل المقصود بكونه لذاته ، ليخرج المقصود لغيره كجملة الصّلة والجزاء. (٧)

__________________

لشموله له في دائرة الأجسام ، من حجر وشجر وحيوان.

ففيما نحن فيه شمول القول للكلام أضيق من شمول اللفظ له ، لأنّ القول يشمله في دائرة المستعملات ، لأنّ القول خاصّ بالمستعمل ، وأمّا اللفظ فمن حيث إنّه شامل للمهمل والمستعمل فشموله للكلام في دائرة أوسع ، والتعريف بالجنس القريب أحسن من التعريف بالبعيد.

(١) بخلاف غير المفيد ، فمن قال زيد ثم سكت ، يقبّحه العقلاء على سكوته.

(٢) فانّ جملة الشرط لا فائدة فيها ، إذا لم يلحقه الجزاء.

(٣) ما مفعول لأستثنى ، أي قال : خرج بقولنا مفيد ما لا يجهله أحد ، لأنّ الإفادة عبارة عن إعلام الجاهل.

(٤) أي : الكلام مركّبا ، لأنّ اشتراط المفيد يغني عن اشتراط المركّب ، إذ التركيب لازم للمفيد.

(٥) غير المصنف.

(٦) لأنّ الأمر بالاستقامة يحتاج إلى التفكّر والالتفات ، والنائم والساهي إذا تكلّما فلا يتكلّمان إلّا بألفاظ بسيطة عادّية ، كأخرج وأدخل ونحوهما أو إشارة إلى الأية (فاستقم).

(٧) أمّا الصلة فلأنّ ذكرها لتعريف من يراد الإخبار عنه لا للإخبار عنه بها فقولنا جاء الذي أكرمك لا يريد المتكلّم الإخبار بالإكرام ، لأنه أمر معلوم للسامع بل مراده الإخبار بالمجيء ، وإنّما أتى بجملة الصلة لتعريف صاحب المجيء وفاعله ، فليست مقصودة بالإخبار.

وأمّا الجزاء : فلأنّ الغرض الأصلي للمتكلّم في قوله إن جئتني إكرمتك ، اشتراط اكرام المخاطب بالمجيء فالمقصود الأصلي هو الشرط ، وأمّا الجزاء فتابع.

١٠

(واسم وفعل ثمّ حرف) هي .. (الكلم) الّتى .. يتألّف منها الكلام لا غيرها ، كما دلّ عليه الإستقراء ، (١) وذكره الإمام علىّ بن أبي طالب عليه الصّلاة والسّلام المبتكر لهذا الفنّ. (٢)

وعطف النّاظم الحرف بثمّ إشعارا بتراخي رتبته عمّا قبله لكونه فضلة دونهما ، ثمّ الكلم على الصّحيح إسم جنس جمعي. (٣)

واحده كلمة والقول عمّ

وكلمة بها كلام قد يؤمّ

(واحده كلمة) (٤) وهي كما قال في التّسهيل : «لفظ مستقل (٥) دالّ بالوضع تحقيقا (٦) أو تقديرا أو منويّ (٧) معه كذلك».

__________________

(١) أي : التتبّع والتحقيق في لغة العرب.

(٢) فن النحو والأدب.

(٣) اسم الجنس ما يطلق على القليل والكثير كالإنسان والحيوان والبقر والغنم ، يقال : هذه النجعة حيوان ، وهذا القطيع من الغنم حيوان والجمع ما أطلق على الثلاثة فصاعدة كالرجال ، واسم الجنس الجمعي ، جمع لاسم الجنس فهو في الحقيقة جمع إلّا ان آحاده أجناس ، فالكلم جمع للكلمة ، ولكن المرادة هنا كلّ من الاسم والفعل والحرف ، وكلّ واحد منها جنس وكلّي بخلاف الجمع المتعارف فإنّ أحاده أشخاص فإنّ مفردات الرجال مثلا كلّ رجل في الخارج لا كلّي الرجل والكلم الطّيب في القرآن جمع وليس باسم جنس جمعي لأنّ مفردتها الكلمات الشخصيّة.

(٤) أي : واحد الكلم كلمة فالكلم كما قلنا جمع الكلمة لكن الكلمة التي هي مفرد الكلم جنس الاسم ، أو جنس الفعل ، أو الجنس الحرف لا فرد منها.

(٥) أي مستقلّ في اللفظ ليخرج أجزاء الكلمة كزاء زيد مثلا فلا يرد عليه ما يتوهّم من أنّ الحرف غير مستقل ، وهو كلمة لأنّه وإن كان غير مستقل في المعني لكنّه مستقل في اللفظ.

(٦) تحقيقا حال من اللفظ يعني الكلمة قد تكون لفظا حقيقة ، وقد تكون لفظا تقديرا ، فالأوّل كزيد وقام وإلى ، والثاني كما إذا سئلك أحد ما فعل بك زيد؟ أو سئلك شخص إلى أين تسافر؟ فتقول : مكّة ، أي : إلى مكّة.

(٧) عطف على لفظ أي وهى : اما لفظ أو منوي مع اللفظ ، والمنوي معه على قسمين : فقد يكون تحقيقا ، وقد

١١

(والقول عمّ) الكلام والكلم والكلمة أي يطلق على كلّ واحد منها ولا يطلق على غيرها. (١)

(وكلمة بها كلام قد يؤمّ) (٢) أي يقصد كثيرا في اللّغة (٣) لا في الاصطلاح كقولهم في «لا إله إلّا الله» كلمة الإخلاص ، وهذا من باب تسمية الشّيء باسم جزئه. (٤)

ثمّ شرع في علامة كلّ من الاسم والفعل والحرف وبدأ بعلامة الاسم لشرفه على قسيميه (٥) باستغنائه عنهما (٦) لقبوله الإسناد بطرفيه واحتياجهما إليه فقال :

__________________

يكون تقديرا.

فالأوّل : أي المنوي مع اللفظ التحقيقي كضمير المخاطب في قولك أضرب.

والثاني : أي المنوي مع اللفظ التقديري ، كما إذا سئلك أحد : من قام؟ فتقول : زيد ، أي : زيد قام فضمير هو منوي مع قام المنوى ، وقوله «كذلك» إشارة إلى اللفظ المعطوف عليه ، وتشبيه به يعني المنوي معه أيضا كاللفظ على قسمين : حقيقي وتقديرى.

(١) ومراده من الغير الألفاظ المهملة.

(٢) أي : قد يقال لشيء كلمة ، والحال ان المقصود به الكلام.

(٣) أي : في ألسنة العرب لا في اصطلاح النحاة ، لأنّ الكلمة في اصطلاحهم لا يطلق إلّا على المفرد.

(٤) يعنى : وهذا النوع من الاستعمال له باب في الأدب ، وهو : باب تسمية الشىء ، والشيء هنا الكلام باسم هو لجزئه ، والجزء هنا الكلمة ، لأنّ الكلمة جزء الكلام ، كما يسمّي العبد رقبة.

(٥) قسيم الشيء عدله في التقسيم ، فإذا قلنا : الحيوان على قسمين : ناطق ، وصامت ، فالناطق قسيم للصامت ، والصامت قسيم للناطق ، وإن قلنا : الكلمة اسم ، وفعل وحرف ، فالاسم قسيم للفعل والحرف ، وكذا الفعل والحرف قسيمان للاسم.

(٦) استدلّ لشرف الاسم على الفعل والحرف بدليلين :

أحدهما : استغناء الاسم عنهما في تشكيل الكلام ، لقبوله الإسناد بطرفيه ، أي : لأنه قابل لأن يكون مسندا ومسندا إليه ، نحو زيد قائم ، فتكوّن الكلام من اسمين من دون حاجة إلى الفعل والحرف.

ثانيهما : احتياج الفعل والحرف إليه ، في تشكيل الكلام لعدم تشكيله من فعلين أو حرفين أو فعل وحرف.

١٢

بالجرّ والتّنوين والنّدا وأل

ومسند للاسم تمييز حصل

(بالجرّ) وهو أولى من ذكر حرف الجرّ لتناوله الجرّ بالحرف والإضافة (١) قاله في شرح الكافية. قلت : لكن سيأتي أنّ مذهبه أنّ المضاف إليه مجرور بالحرف المقدّر (٢) فذكر حرف الجرّ شامل له إلّا أن يراعي مذهب غيره (٣) فتأمّل. (٤)

(والتنوين) المنقسم للتّمكّن والتّنكير والمقابلة والعوض ، وحدّه (٥) نون تثبت لفظا لا خطّا.

(والندا) أي الصّلاحيّة لأن ينادى ، (وأل) المعرفة وما يقوم مقامها كأم في لغة طي وسيأتي أنّ أل الموصولة تدخل علي المضارع. (٦)

(ومسند) أي الإسناد إليه (٧) أي بكلّ من هذه الأمور (للاسم تمييز) أي انفصال عن قسيميه (حصل) لاختصاصها به (٨) فلا تدخل على غيره ، فقوله «بالجرّ» متعلّق بحصل و «للإسم» متعلّق بتمييز. (٩)

مثال ما دخله ذلك «بسم الله الرّحمن الرّحيم» (١٠) و «زيد» و «صه» بمعني طلب

__________________

(١) ولو قال بحرف الجرّ لما شمل الجرّ بالإضافة.

(٢) فعلي هذا لو قال المصنف : بحرف الجر لشمل الجرّ ، بالإضافة لأنه أيضا بالحرف على مذهبه.

(٣) ممّن يقول بأنّ المضاف إليه مجرور بالمضاف.

(٤) لعلّه إشارة إلى انكار أن يكون مذهب المصنف في باب الاضافة ان جر المضاف اليه بالحرف ، لأنه قال هناك :

(وأنومن أو في أو اللام) فيمكن أن يكون مراده ان معني هذه الحروف منويّة لا ألفاظها ، والمعنى لا يعمل جرّا.

(٥) أى : تعريف التنوين.

(٦) يعنى : لهذا قيّدناها بالمعرفة.

(٧) يعني كونه مسندا إليه مبتداء أو فاعلا أو مفعولا.

(٨) أي لاختصاص هذه الأمور بالاسم.

(٩) فتقدير البيت : حصل بالجرّ والتنوين والندا وأل تمييز للاسم.

(١٠) مثال للجرّ بقسميه ، لأن اسم مجرور بالحرف والله مجرور بالإضافة.

١٣

سكوت ما (١) و «مسلمات» و «حينئذ» و «كلّ» و «جوار» (٢) و «يا زيد» و «الرّجل» و «أم سفر» و «أنا قمت». (٣)

ولا يقدح في ذلك وجود ما ذكر في غير الاسم (٤) نحو

ألام على لوّ وإن كنت عالما

بأذناب لوّ لم تفتني أوائله

و «إيّاك واللّو» (٥) و «يا ليتنانردّ» (٦) و «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه». (٧)

لجعل لو (٨) في الأوّلين اسما وحذف المنادي في الثّالث أي يا قوم ، وحذف أن (٩) المنسبك مع الفعل بالمصدر في الأخير أي سماعك خير.

__________________

(١) ما هنا للإبهام ، أي : سكوت غير معلوم.

(٢) فالتنوين على أربعة أقسام : التمكّن ، والتنكير ، والمقابلة ، والعوض والعوض على ثلاثة أقسام : عوض الجملة ، وعوص الكلمة ، وعوض الحرف ، فزيد للتمكّن ، والتمكن كون اللفظ معربا ومنصرفا ، وصه للتنكير ، ومسلمات للمقابلة أي : مقابل نون الجمع المذكّر السالم ، وحينئذ لعوض الجملة ، إذ التقدير حين إذ كان كذا فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين ، وكلّ لعوض الكلمة ، فإن الأصل كلّ شيء ، وجوار لعوض الحرف ، فإن أصله جواري بالتنوين رفعا وجرّا ، فحذفت الضمّة أو الكسرة لثقلهما على الياء فالتقي الساكنان : الياء ونون التنوين ، فحذف الياء ، وعوض عنها التنوين ، وأما في حالة النصب فيقال : جواري بفتح الياء.

(٣) مثال للمسند إليه فأنا مسند إليه لكونه مبتدءا وتاء قمت مسند إليه لكونه فاعلا وهما إسمان.

(٤) أي : لا يضرّ في اختصاص هذه الأمور بالاسم وجودها إحيانا في غير الاسم ، لأن ذلك في ظاهر الأمر والواقع خلافه.

(٥) فدخل حرف الجرّ والتنوين وأل على لو مع أنه حرف ظاهرا.

(٦) فوقع الحرف وهو ليت منادى.

(٧) فصار الفعل وهو تسمع مسندا إليه لأنه مبتداء ، وخير خبره.

(٨) دليل لعدم القدح ، أي : لا يضرّ ذلك ، لأن لو في البيت وفي إيّاك واللو ليست بحرف ، بل اسم للو الحرفيّة. كما أن جيم اسم لحرف (ج) ـ مثلا ـ وكذا قولنا في للظرفية فجعلتها مبتداء لأنها اسم لفي الحرفيّة.

(٩) المصدريّة ، والتقدير ان تسمع فينسبك ، أي : يؤول بقولنا سماعك بالمعيدي ، فالمبتدا في الحقيقة هو الاسم ، لا الفعل.

١٤

ثمّ أخذ (١) في علامة الفعل مقدّما له على الحرف لشرفه عليه لكونه (٢) أحد ركني الكلام دونه فقال :

بتا فعلت وأتت ويا افعلي

ونون أقبلنّ فعل ينجلي

(بتا) الفاعل سواء كانت لمتكلّم أم مخاطب أم مخاطبة نحو (فعلت) وبتاء التأنيث السّاكنة نحو (اتت) و «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» (٣) والتّقييد بالسّاكنة يخرج المتحرّكة اللّاحقة للأسماء نحو «ضاربة» فإنّها متحرّكة بحركة الإعراب (٤) ولا وربّ وثمّ. (٥)

(ويا) المخاطبة نحو (افعلي) وهاتي وتعالي وتفعلين (ونون) التّأكيد مشدّدة كانت أو مخفّفة نحو (أقبلنّ) وليكونن (فعل ينجلى) أي ينكشف ، وبه (٦) يتعلّق قوله «بتا».

ولا يقدح (٧) في ذلك دخول النّون على الاسم في قوله : «أقائلنّ أحضروا الشّهودا» لأنّه ضرورة.

__________________

(١) أي : شرع المصنف.

(٢) أي : الفعل أحد ركني الكلام لكونه مسندا دون الحرف.

(٣) مثال للحوق التاء الساكنة بالفعل غير المتصرّف ، وأتت للفعل المتصرف.

(٤) بخلاف تا فعلت فأن حركتها حركة بناء.

(٥) بفتح الثاء ، اسم إشارة ، أو بضمها فحرف عطف أي : ويخرج أيضا التاء المتحرّكة اللاحقة بهذه الثلاثة فتقول لات وربّة وثمة.

(٦) أي : بينجلي فتقدير البيت ينجلي فعل بتا فعلت واتت ويا افعلي ونون إقبلن.

(٧) أي : لا يضرّ بقولنا إنّ نون التأكيد مختص بالفعل ، لحوقها باسم الفاعل في قول الشاعر : أقائلنّ ، لأنه لضرورة الشعر.

١٥

سواهما الحرف كهل وفي ولم

فعل مضارع يلي لم كيشمّ

(سواهما) أي سوي الاسم والفعل (الحرف) وهو على قسمين : (١) مشترك بين الأسماء والأفعال (كهل) ، ولا ينافي هذا (٢) ما سيأتي في باب الاشتغال من اختصاصه بالفعل لأنّ ذلك حيث كان في حيّزها فعل (٣) قاله الرّضي ، (و) مختصّ (٤) وهو على قسمين : مختصّ بالأسماء نحو (في و) مختصّ بالأفعال نحو (لم).

والفعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : مضارع وماض وأمر.

ذكر المصنّف علاماتها مقدّما (٥) المضارع والماضي على الأمر للاتّفاق على إعراب الاوّل وبناء الثّاني والاختلاف في الثّالث ، وقدّم الأوّل (٦) لشرفه بالإعراب ، فقال :

(فعل مضارع يلي لم كيشمّ) أي يقع بعد لم فإنّه يقال فيه : «لم يشمّ».

وماضي الأفعال بالتّا مز وسم

بالنّون فعل الأمر ان امر فهم

(وماضي الأفعال بالتّا) السّاكنة (مز) عن قسيميه ، وكذا بتاء الفاعل ، قال في شرح

__________________

(١) أي : الحرف على قسمين : قسم يدخل على الفعل والاسم ، وقسم مختص إمّا بالاسم أو بالفعل ، كما سيأتى.

(٢) أي : لا ينافي قولنا إنّ هل مشترك بين الاسم والفعل ما يأتي في باب الاشتغال من أنّ هل مختص بالفعل إذ المراد بالاختصاص بالفعل أنّه إذا وقع في جملة وفيها فعل واسم دخلت هل على الفعل لا على الاسم وأما إذا كانت الجملة خالية من الفعل ، فلا مانع من دخولها على الاسم.

(٣) أي : الاختصاص بالفعل في مورد يكون بجنبها فعل.

(٤) عطف على قوله : «مشترك».

(٥) يعنى : إنّ المصنف قدّم الماضي والمضارع على الأمر ، لعدم الاختلاف في الماضي والمضارع. فإن الماضي مبنيّ باتفاق علماء النحو ، والمضارع معرب باتفاقهم أيضا ، وأما الأمر فاختلفوا في إعرابه وبنائه ، والاختلاف في الشيء نقص فيه ، فلذلك أخّره.

(٦) أي : المضارع لشرفه على الماضي بالإعراب.

١٦

الكافية (١) وعنى (٢) بذلك علامة تختصّ الموضوع للمضىّ (٣) ولو كان مستقبل المعنى. (وسم (٤) بالنّون) المؤكّدة (فعل الأمر إن أمر فهم) عمّا يقبلها. (٥)

والأمر ان لم يك للنّون محلّ

فيه هو اسم نحوصه وحيّهل

(والأمر) أي مفهم الأمر بمعنى طلب إيجاد الشّيء (إن لم يك للنّون) المؤكّدة (محلّ فيه) فليس بفعل بل (هو اسم) الفعل (نحوصه) بمعنى أسكت (وحيّهل) مركّب من كلمتين بمعنى أقبل ، وقابل النّون إن لم يفهم الأمر فهو فعل مضارع. (٦)

__________________

(١) كأنّ متن الكافية كمتن المصنّف هنا جعل التاء الساكنة علامة للفعل الماضى ، ويرد إشكال على المتنين ، وهو : إن معنى فعل الماضي أن الفعل واقع في الزمان الماضى ، مع أنّا نعلم أنّ الفعل قد يكون بمعنى المستقبل ، والتاء تلحقه أيضا ، نحو : إن جائتني أكرمتها ، لأن إن الشرطية يقلب الماضي إلى المستقبل ، فأجاب المصنف في شرح الكافية عن هذا الإشكال بأنّ المراد من قوله تاء التأنيث علامة للماضي أنّ التاء علامة للفعل الذي كان في الأصل موضوعا للماضي ، وإن تحوّل لعارض إلى الزمان المستقبل.

(٢) أي : صاحب الكافية بذلك أي بقوله إن التاء علامة للماضي.

(٣) أي : الفعل الذي وضع للماضي في الأصل.

(٤) فعل أمر من الوسم وهو العلامة.

(٥) أي يقبل النون.

(٦) نحو ينصرنّ فإذا اجتمع الأمران وهما قبول النون وفهم الأمر منه في كلمة يعلم آنها فعل أمر.

١٧

(تتمّة)

إذا دلّت كلمة على حدث ماض (١) ولم تقبل التّاء ـ كشتّان ـ (٢) أو على حدث (٣) حاضر أو مستقبل ولم تقبل لم ـ كأوّه ـ (٤) فهي إسم فعل أيضا ـ قاله المصنّف في عمدته.

__________________

(١) الحدث الأمر الحادث فشتان يدل على حدوث الافتراق في الزمان الماضي.

(٢) أي : تفرّق.

(٣) أي : حدوث أمر في الحال.

(٤) اسم فعل مضارع بمعنى أتضجّر وأتأسّف فإنّه قد يراد منه الحال ، وقد يراد منه الاستقبال.

١٨

هذا باب المعرب والمبنيّ

والاسم منه معرب ومبنيّ

لشبه من الحروف مدني

(والاسم منه) أي بعضه (١) متمكّن وهو (معرب) جار على الأصل (٢) وبعضه الآخر غير متمكّن (و) هو (مبنيّ) جار على خلاف الأصل ، وإنّما يبنى (لشبه) فيه (من الحروف) متعلّق بقوله : (٣) (مدني) أي مقرّب له ، واحترز (٤) عن غير المدني ، وهو (٥) ما عارضه ما يقتضي الإعراب كأي في الاستفهام والشّرط فإنّها أشبهت الحروف في المعنى لكن عارضها (٦) لزومها الإضافة.

ويكفي في بناء الاسم شبهه بالحرف من وجه واحد بخلاف منع الصّرف فلا بدّ من شبهه بالفعل من وجهين ، وعلّله ابن حاجب (٧) في أماليه بأنّ الشبه الواحد بالحرف يبعّده

__________________

(١) أي : بعض الاسم.

(٢) أي : على القاعدة الأصلية ، فإن قاعدة الاسم أن يكون معربا.

(٣) فالمعني لشبه في الاسم مدن من الحروف ، أي : مقرب منها.

(٤) أي : بالمدني.

(٥) أي : غير المدني الشبه يعارضه حالة في الاسم يطلب الإعراب.

(٦) أي : عارض تلك الشباهة حالة في أي وهي كونها لازمة الإضافة وهذه الحالة تطلب الاعراب لأنها من خواص الاسم فيقربها إلى الاسميّة.

(٧) توضيح ذلك أن الاسم والفعل والحرف كلّها مشتركة في كونها كلمة ولكن الاسم والفعل مشتركان في

١٩

عن الاسميّة ويقرّبه ممّا (١) ليس بينه وبين الاسم مناسبة إلّا في الجنس الأعمّ وهو كونه كلمة ، وشبه الاسم بالفعل وإن كان (٢) نوعا آخر إلّا أنّه (٣) ليس في البعد عن الاسم كالحرف.

وفهم من حصر المصنّف علّة البناء في شبهه (٤) الحرف فقطّ ، عدم اعتبار غيره (٥) وسبقه إلى ذلك (٦) أبو الفتح وغيره وإن قيل إنّه لا سلف له في ذلك.

كالشّبه الوضعي في اسمى جئتنا

والمعنوي في متى وفي هنا

(كالشّبه الوضعيّ) (٧) بأن يكون الاسم موضوعا على حرف واحد أو حرفين ـ كما هو الأصل في وضع الحرف (٨) ـ كما (في اسمي جئتنا) وهما التّاء والناء فإنّهما إسمان وبنيا لشبههما الحرف فيما هو الأصل أن يوضع الحرف عليه ، ونحو يد ودم أصله ثلاثة. (٩)

__________________

شيء أخص من الكلمة أيضا ، وهو الاسناد لكون الفعل قابلا للإسناد ، كالاسم بخلاف الحرف ، فإنها غير قابلة للإسناد ، فالحرف يشترك مع الاسم في الجنس الأعم فقطّ ، وهو الكلمة ، وأما الفعل فيشترك مع الاسم في الجنس الأخصّ أيضا وهو الإسناد فالفعل أقرب إلى الاسم من الحرف ، فإذا تشابه الاسم بالفعل بشبه واحد لا يخرجه عن الانصراف لا أن يتشابه معه بشبهين ليمنع عن الصرف وأما إذا تشابه مع الحرف فقد تشابه بشيء بعيد عنه فيكفي لبنائه شبه واحد.

(١) أي : الحرف.

(٢) أي الفعل نوعا آخر عن الاسم ، فإن الفعل ليس باسم.

(٣) أي : الفعل.

(٤) أي : الاسم.

(٥) أي : غير شبه الحرف فإن النحاة قالوا : إن شبه الاسم بالفعل أيضا يؤثّر في بناء الاسم.

(٦) أي : إلى القول بانحصار شبه الحرف في تأثير بناء الاسم.

(٧) أي : الشكلي.

(٨) أي : الأكثر في شكل الحروف أن تكون بحرف واحد كحروف القسم أو حرفين كمن وفي.

(٩) أي : ثلاثة حروف فأصل يد يدي ، ولهذا تجمع على أيدي وأصل دم دمو فإن جمعه دماء وهو في الأصل دماو ، قلبت الواو بالهمزة لوقوعه بعد الألف الزائدة كما في الرجاء.

٢٠