نهج البلاغة

أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي [ السيّد الرضيّ ]

نهج البلاغة

المؤلف:

أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي [ السيّد الرضيّ ]


المحقق: الدكتور صبحي الصالح
الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار الكتاب اللبناني
الطبعة: ٢
الصفحات: ٨٥٣
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

مقدمة التحقيق

٥
٦

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الطيبين

الطاهرين ، وصحبه المصطفين الأخيار

لمحة خاطفة عن سيرة الإمام عليه‌السلام

ما من مسلم يجهل موضع على كرم الله وجهه من ابن عمه الرسول الكريم بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة : وضعه في حجره وهو ولد يضمه إلى صدره ، ويكنفه في فراشه ، ويمسه جسده ، ويشمه عرفه ، ولقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجاور في كل سنة بحراء فيراه علي ولا يراه سواه. ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير الرسول عليه الصلاة والسلام وخديجة أم المؤمنين ، وكان علي ثالثهما ، يرى نور الوحي والرسالة ، ويشم ريح النبوة.

وعلي كرم الله وجهه واسى نبيه الكريم بنفسه في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتزل فيها الأقدام ، نجدة أكرمه الله بها! وحسبك أنه ليلة الهجرة بات في فراش الرسول غير جازع أن يموت فداه وشهد معه جميع مغازيه إلا ما كان من غزوة تبوك التي خلفه فيها الرسول في أهل بيته قائلا له : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبوة بعدي».

سجل له التاريخ أجل المواقف وأسماها ، فهو أحد المبارزين يوم بدر ، وقاتل عمرو بن ود في غزوة الخندق ، وأحد النفر الذين ثبتوا مع الرسول الكريم في غزوتي أحد وحنين ، وصاحب راية المسلمين يوم خيبر ، وفيها أبلى أحسن البلاء.

أراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكرمه ، فزوجه ابنته الزهراء في السنة الثانية من الهجرة ، فأولدها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ، وعهد إليه أن يتلو على الناس في موسم الحج أول سورة التوبة إيذانا ببراءة الله ورسولة من المشركين.

٧

ولما غربت النبوة ، ولحق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالرفيق الأعلى ، طمع في خلافته كثيرون من المهاجرين والأنصار ، وبدا للناس يومذاك أن بني هاشم كانوا يريدون الخلافة فيهم ، ويرون عليا أحق الصحابة بها ، لمكانته العظمى من الرسول الكريم ، وسعة علمه ، ومواقفه الخالدة في نصرة الإسلام ، فلا غرو إذا أقبل العباس عم النبي على ابن أخيه علي يقول له : «ابسط يدك ولنبايعك» ، لكن عليا كرم الله وجهه تباطأ في قبول هذه البيعة ، وظل متشاغلا بدفن الرسول العظيم. وانطفأت الفتنة ، وبويع أبو بكر رضي‌الله‌عنه بما يشبه الإجماع ، وإذا بعلي كرم الله وجهه يبايعه أيضا بعد فترة يسيرة كان عاتبا فيها عليه ، إذ كان يرى لنفسه من الحق بالخلافة أكثر مما كان لأبي بكر.

ولم يكن شيء أبغض إلى قلب علي من الخلاف يدب بين المسلمين ، فها هو ذا ـ غم ما كان يرى من حقه بالخلافة ـ يبايع أيضا عمر رضي‌الله‌عنه ، ويزوجه ابنته أم كلثوم ، ويبادله عمر من معاني التكريم والإجلال أسماها ، فيستخلفه على المدينة إذا غاب عنها ، ويستشيره في الخطوب ، ويستفتيه في قضايا التشريع قائلا فيه : «لولا على لهلك عمر»!

ولقد رفض عمر أن يعهد بالخلافة إلى ابنه عبد الله من بعده ، وظل في مشكلة الخلافة غير مستقر على رأي ، حتى إذا طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في أواخر سنة ٢٣ ه آثر أن يحصر الأمر في ستة من كبار أصحاب النبي ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون. وأولئك الستة هم : علي بن أبي طالب سيد بني هاشم ، وعثمان بن عفان شيخ بني أمية ، وطلحة بن عبيد الله كبيرا بني تميم ، والزبير بن العوام زعيم بين أسد ، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن ابن عوف رأسا بنى زهرة.

وربما مال أكثرهم ـ منذ بدء الشورى ـ إلى تولية عثمان ، لأن عبد الرحمن بن عوف كان صهره ، وسعدا من أقربائه ، فضلا على سابقته في الإسلام ، وإصهار للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرتين في ابنتيه رقية وأم كلثوم. وبدا على رجال الشورى أن كلا منهم ود لو يتخفف من تلك المسؤولية الضخمة ، إذ خلع كل نفسه وعهد إلى الآخر باختيار الخليفة ، حتى إذا انتهى الأمر إلى عبد الرحمن أعلن في الحرم سنة ٢٤ ه تولية عثمان. وامتعض بنو هاشم لتحامل القوم عليهم ورغبتهم في إقصائهم ، ولكن عليا الذي يكره الخلاف بين المسلمين آثر هذه المرة أيضا أن يطفئ الفتنة ، ويحقن الدماء ، فبايع عثمان كما بايع من قبل أبا بكر وعمر ، وإن في العين قذى ، وفي الحلق شجا.

٨

وقام علي كرم الله وجهه من بين الصحابة يلوم عثمان على تولية أقاربه ، ولما ثار عليه المعارضون من عرب الأمصار أرسل علي لحراسته والدفاع عنه ولديه الحسن والحسين ، ولكن المتمردين حاصروا دار عثمان ، وألزموه أن يخلع نفسه من الخلافة ، فحم القضاء ، ولقي مصرعه وهو جالس في المحراب يقرأ القرآن.

وانثال على علي عرب الأمصار وأهل بدر والمهاجرون والأنصار ، وهرعوا إلي يقولون : أمير المؤمنين ، فلم يجد بدا من قبول الخلافة في ٢٥ من ذي الحجة سنة ٣٥ ه. ولقد كانت مهمته خطيرة ، اضطلع بها قرابة خمس سنين ، ولم يصف له الحال فيها يوما واحدا.

وحرض الثوار عليا على عزل العمال الذين عينهم عثمان ، فأذعنوا جميعا إلا معاوية في الشام ، فإنه علق قميص عثمان على المنبر ، وغدا يحض الناس على الثأر للخليفة الشهيد.

وفوجىء علي بالسيدة عائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ـ وهما من رجال الشورى الستة ـ يخرجون إلى البصرة مطالبين بدم عثمان ، وازدادت الفتنة اشتعالا حين أخذت أم المؤمنين تخمس الجند وهي في هودجها على الجمل ، ثم عقر جملها وقتل دونه سبعون رجلا ، وعرف هذا اليوم بموقعة الجمل ، وأعاد الإمام السيدة عائشة إلى مكة محاطة بالتكريم. وتابت هي إلى الله أسفا على ما أريق من دماء المسلمين.

ثم كان يوم صفين ، وتحكيم الحكمين ، ثم بداية الوهن ، وتصدع الصفوف بين أتباع علي ، وعرف معاوية كيف ينتهز الفرصة بإثارة الاضطرابات في أرجاء البلاد ، فازدادت نقمة الخوارج ، وقرروا قتل معاوية وعلي ، فلم ينجحوا في قتل أولهما ، أما علي فقتله ابن ملجم لعنه الله في المسجد في شهر رمضان ستة ٤٠ ه وهو يردد : «الحكم لله لا لك يا علي». وبمصرعه انتهت خلافة الراشدين ، وخلا الجو لمعاوية ليعلن خلافته بالشام ، ويدخل على نظام الحكم مبدأ الوراثة الذي ينافي روح الإسلام.

موضوعات نهج البلاغة

لا بد لدارس «نهج البلاغة» أن يلم بهذه الوقائع التاريخية ـ ولو من خلال لمحة خاطفة عجلى ـ ليعرف السر في غروب شمس الخلافة الراشدة بين المسلمين الأولين الذين استَروَحوا

٩

شذا النبوة ، ونعموا بظلالها الوارفة ، واستناروا بما يلوح من أضوائها الباقية وقد بدأت تنحسر بعيد الغروب!

ولا بد لدارس «النهج» أن يلم بهذه الحقائق ليرى رأي العين كيف تحولت هذه الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض ، وكيف أشعلت من أجلها الحروب الطاحنة ، وأثخنت الأمة في سبيلها بالجراح الدامية ، وأصيب مقتلها بمصرع إمام الهدى علي كرم الله وجهه ، ثم ارتكبتباسمها فيما بعد أسوأ الجرائم في عهود بعض السفهاء والخلعاء والجائرين الذين أمسوا نقمة على أتباع هذا الدين.

ثم لا بد لدارس «النهج» أن يكون لنفسه صورة حقيقة عن تلك الحقبة من تاريخ المسلمين ، ليستنبط البواعث النفسية التي حملت عليا على الإكثار في خطبه من النقد والتعريض ، والعتاب والتفريع ، والتذمر والشكوى ، فقد عائدته الأيام ، وعجت خلافته عجيجا بالأحداث المريرة ، وخابت آماله في تحقيق الإصلاح. فهل من عجب إذا استغرقت معاني النقد اللاذع والتأنيب الجارح معظم خطبه ومناظراته ، وحتى رسائله إلى منافسيه والمتمردين عليه؟!

وإن خير مثال يصور لنا نفس على الشاكية ، خطبته «الشقشقية» التي فاضت على لسانه هادرة ، فكانت ـ كما قال ـ «شقشقة هدرت ثم قرت» ، وامتلأت بألفاظ التأوه والتوجع والأنين.

ولكم تذمر الإمام من تفرق أصحابه عنه على حقهم واجتماع أصحاب معاوية معه على باطلهم! وكم سماهم «الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم» واصفا كلامهم بأنه «يوهي الصم الصلاب» وفعلهم بأنه «يطمع فيهم الأعداء».

وكان طبيعيا أن تكبر خطب الإمام في الحث على القتال ، فإن ما تخلل حياته السياسة من الأحداث المريرة ألهب مشاعره وأثار عواطفه ، وحمله على الإهابة بقومه إلى القتال الدائب.والجهاد المتواصل. ولعل أفضل نمط لخطبه في الجهاد تلك التي أنب فيها أصحابه على قعودهم عن نصرة الحق ، يوم أغار جنود معاوية على الأنبار ، فقتلوا ونهبوا ، ثم آبوا سالمين ظافرين.

لقد كان ـ كما قال ـ لا يهدد بالحرب ، ولا يرهب بالضرب ، وكان على يقين من ربه وغيره شبهة في دينه ، فليفرطنّ لحزب الشيطان حوضا هو ماتحُهُ لا يصدرون عنه ولا

١٠

يعودون إليه. وليوصينّ ابنه محمد بن الحنيفية يوم الجمل بما يجعله بطلا مرهوبا في ساحات القتال : «تزول الجبال ولا تزول ، عض على ناجذك ، أعر الله جمجمتك ، تِد في الأرض قدمك. ارم ببصرك أقصى القوم ، وغض بصرك ، واعلم أن النصر من عند الله سبحانه».

وبأمر الحرب تتصل السياسة ، فإن بينهما لعلاقة وثقى ، ومن الظلم لشخصية علي أن نتصوره غير متتبع تيارات السياسة في عصره. فقد كان ثاقب الفكر ، راجح العقل ، بصيرا بمرامي الأمور ، وقد أثرت عنه مواقف وأقوال وتصرفات تقوم دليلا على سياسته الحكيمة ، وقيادته الرشيدة ، لكن مثله العليا تحكمت في حياته ، فحالت دون تقبله للواقع ورضاه بأنصاف الحلول ، بينما تجسدت تلك الواقعية في خلفه معاوية ، وكانت قبل متجسدة على سمو ونبل في الخليفة العظيم عمر بن الخطاب.

ومن يرجع إلى «نهج البلاغة» يجد فيه عشرات الحطب ـ مثلما تصح «نماذج» للشكوى والتقريع والنقد ـ تعطي صورة واضحة عن نظراته الثاقبة وآرائه البعيدة في مبادئ السياسة ، وأساليب حكم الرعية ، وإدارة شؤونها ، والحرص على دفع الفن عنها ، حتى تعيش في بحبوحة العز والرخاء.

ولكي تتدبر هذا الأمر ، ما عليك إلا أن تقرأ خطبه لدى بيعته وإعلانه منهاجه في الحكم ، أو تستعبد مواقفه من السيدة عائشة أم المؤمنين. ووساطاته بين عثمان والثائرين عليه ، وصبره الجميل في معالجة أمر معاوية وأهل الشام ، وطول أناته في تفهم آراء شيعته ، ومناظرته الخوارج قبل أن يخوض معهم ساحة القتال.

استمع إليه عليه‌السلام يضبط نفسه عن الانفعال ، ويدحض الباطل بحجاج منطقي وأسلوب يفحم المكابر ، حين يقول للخوارج : «فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ، وأن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن ، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء» ، أو يقول لرجل وفد عليه من قبل أهل البصرة : «أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث ، فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلإ والماء ، فخالفوا إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا؟ قال : كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلإ والماء. فقال له الإمام : «فامدد إذا يدك» ، وإذا ، الرجل يقول : «فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي ، فبايعته».

١١

وإن «نهج البلاغة» ليضم ـ إلى جانب الموضوعات السابقة ـ طائفة من خطب الوصف تبوىء عليا ذروة لا تسامى بين عباقرة الوصّافين في القديم والحديث. ذلك بأن عليا ـ كما تنطق نصوص «النهج» ـ قد استخدم الوصف في مواطن كثيرة. ولم تكد خطبة من خطبه تخلو من وصف دقيق ، وتحليل نفاذ إلى بواطن الأمور : صور الحياة فأبدع ، وشخص الموت فأجزع ، ورسم لمشاهد الآخرة لوحات كاملات فأراع وأرهب ، ووازن بين طبائع الرجال وأخلاق النساء ، وقد للمنافقين «نماذج» شاخصة وللأبرار أنماطا حية ولم يفلت من ريشته المصورة شيطان رجيم يوسوس في صدور الناس ، ولا ملك رحيم يوحي الخبر ويلهم الرشاد.

على أن المهم في أدب الإمام عليه‌السلام تصويره الحسيات ، وتدقيقه في تناول الجزئيات : وقد اشتمل كلامه على أوصاف عجيبة لبعض المخلوقات حملت روعتها ودقة تصويرها بعض النقاد على الارتياب في عزوها إلى أمير المؤمنين ، كما في تصويره البارع للنملة والجرادة ولا سيما للطاووس. ولا بد من تحقيق هذا الأمر في غير هذه المقدمة العجلي ، وهو ما نسأل الله التوفيق لبيانه في كتاب مستقل اكتملت بين أيدينا معالمه ، وسنصدره قريبا بعون الله.

أما النملة فقد وصف منها صغرها وحقارة أمرها ، مشيدا بدقتها وحسن تصرفها ، مسترسلا مع وصفه بأنفاسه الطوال ، وأنغامه العذاب ، وأخيلته الحصاب : إن النملة في صغر جستها ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، وإنها تدب على الأرض دبيبا ، تنصب على الرزق انصبابا ، وتنقل الحب إلى جحرها ، جامعة في حرها لبردها ، وفي وردها لصدرها ، ولا يفوت عليا أن يصف لنا من النملة شراسيفها وغضاريفها وأطراف أضلاعها المشرفة على بطنها ، وما في رأسها من عينها وأذنها ، ثم يسوقنا إلى التفكير بعظمة الحالق الذي خلقها ، ولم يعنه على خلقها قادر ، وفطرها ولم يشركه في فطرتها فاطر!

وأما الجرادة الإمام دقيق أجزائها ، ورهيف حواسها ، وجامع نزواتها ، ويتمهل وهو يصف حمرة عينيها ، وضياء حدقتيها ، وخفاء سمعها ، واستواء فمها ، وقوة حسها.ويتوقف قليلا عند نابيها اللذين بهما تفرض ، ومنجليها اللذين بهما تفيض ، ويعجب

١٢

لسلطتها الرهيبة على الزراع في زرعهم ، فلو أجلبوا بجمعهم لما استطاعوا لها ذبا ولا دفعا مع أن حجمها لا يزيد على إصبع مستدقة!

ويخم الإمام كلامه هذا بالتذكير بعظمة الخالق الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، ويعنو له خدا ووجها ، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا.

وكل هذا ليس بشيء إذا ما قيس بوصف الإمام للطاووس ، فما ترك شيئا من شباته إلا وصفه وصفا دقيقا جميلا : فهو يمشي مختالا كأنه يزهو بما منحته الطبيعة من جمال ، وقوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية ، وألوانه الزاهية المتنوعة تشبه ألوان الربيع أو موشي الحلل «فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت : جنى جني من زهرة كل ربيع ، وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل أو مونق عصب اليمن ، وإن شاكلته بالحي فهو كفصوص ذات ألوان قد نطقت باللجين المكلل»!

وإن الإمام ليعجب لشيء في هذا الحيوان لا بد أن يثير العجب حقا : فكلما سقطت منه ريشة نبتت مكانها ريشة جديدة تحمل الألوان نفسها والتقاسيم ذاتها.

ويتطرق الإمام إلى علاقة الطاووس مع أنثاه ، ويوضح كيف يدرج إليها مختالا ، وينفي زعم من قال : إن الطاووس يلقح أنثاه بدمعة تسفحها مدامعه ، ويثبت أن الملاقحة عند هذا الظائر لا تختلف عن الملاقحة لدى الفحول المغتلمة للضراب.

وينتهي وصف الطاووس أيضا بالتذكير بعظمة الخالق وحكمته في خلقه ، كأن الوصف ـ مهما يبد مستقلا قائما بنفسه ـ إنما يخضع للغرض الديني ، وللعبرة التي لا بد أن ينبه علي إليها الأسماع والقلوب.

ومن المتوقع ـ بعد هذا كله ، بل قبل هذا كله ـ أن يدور معظم خطب الإمام حول العليم والإرشاد ، إذ كان ربيب الرسول ، فنهل العلم من بيت النبوة العظيم.

وكان لزاما ـ عليه فوق هذا ـ بحكم الخلافة ، وما يفترض في الخليفة من توجيه ووعظ وإرشاد ـ أن يخطب الناس كل جمعة ، ويعرفهم رأي الإسلام الصحيح في الفتن والملمات والأحداث. ومن «هنا كثرت خطبه في التحذير من الفتن ، والدعوة إلى الزهد في

١٣

الحياة الدنيا ، والتذكير بالموت هادم اللذات ومفرق الجماعات ، ووصف أهوال القيامة والبعث والنشور ، والترغيب في الجنة والترهيب من النار.

إن الإمام ليحذر من الفتن التي تدوس بأخفافها ، وتطأ بأظلافها ، وتقوم على سنابكها ، وإنه ليدعو الناس إلى شق أمواج هذه الفتن بسفن النجاة ، والتعريج عن طريق المنافرة ، ووضع تيجان المفاخرة.

أما الدنيا فغرارة ضرارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكالة غوالة ، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعيا ، ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف. إنها غرور حائل ، وضوء آفل. وظل زائل ، وسناه مائل. فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة؟ وما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه ، ويبقى عليه تبعته وحسابه؟

فلينظر الناس إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها ، الصادفين عنها ، ولا يغرنهم كثرة ما يعجبهم فيها لقلة ما يصحبهم منها ، وليذكروا دائما أن الدهر موتر قوسه ، لا تخطىء سهامه ، ولا تؤسى جراحه ، يرمي الحي بالموت ، والصحيح بالسقم ، والناجي بالعطب.

وليمنع الناس من اللعب ذكر الموت ، فهذا عائد يعود ، وآخر بنفسه يجود. ولتصيرن الأجساد شحبة بعد بضّتها ، والعظام نخرة بعد قوتها ، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقتة بغيب أنبائها.

ولقد كان للناس في رسول الله أسوة حسنة : عرضت عليه الدنيا فأبي أن يقبلها ، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره. وللناس في علي أسوة حسنة أيضا : رفع مدرعته حتى استحيا من واقعها. ولما سأله سائل : ألا تنبذها عنك؟ أجابه : «اعزب عني ، فعند الصباح يحمد القوم السّرى»!

وإن عليا كرم الله وجهه لا يرى كالنار نام هاربها ، ولا كالجنة نام طالبها ، «حتى إذا انصرف المشيع ، ورجع المتفجع ، أقعد في حقرته نجيا لبهته السؤال وعثرة الامتحان. وأعظم ما هنالك نزول الحميم ، وتصلية الجحيم ، وفورات السعير ، وسورات الزفير»!

ومن أطرف ما جادت به قريحة الإمام خطبه في بدء الخلق ، وأوضحها في هذا الباب

١٤

خطبته الطويلة التي استهل بها الشريف الرضي «نهج البلاغة» ، وفيها يصف خلق السماوات والأرض وخلق آدم ، وخطبته «ذات الأشباح» التي عرض فيها لتصريف الكون وتدبير الخلق ، وتناول فيها بالوصف أبراج السماء ، وفجاج الأرض ، وما حولها من البحار وما تحتها من الماء ، ثم خطبته «القاصعة» التي تضمنت تكوين الخليقة ، وسجود الملائكة لآدم ، واستكبار إبليس عن السجود له ، وتحذير الناس «من مصيدة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبري».

وأغراض علي في كتبه ورسائله وعهوده ووصاياه تشبه أغراضه في خطبه شبها شديدا : كثرت فيها رسائل التعليم والإرشاد. وكتب النقد والتعريض ، والعتاب والتفريع ، وانضمت إليها بعض الوثائق السياسة والإدارية والقضائية والحربية. ورسائله جميعا مطبوعة بالطابع الخطابي. حتى ليكاد الباحث يعدها خطبا تلقى لا كتبا تدبج ، إذ تؤلف فيها الألفاظ المنتقاة , تنق فيها الجمل المحكمات ، فينبعث من أجزائها كلها نغم حلو الإيقاع يسمو بنثرها الرشيق فوق مجالات الشعر الرفيع.

وإذا تجاوزنا خطب علي ورسائله إلى المختار من حكمه ألقيناه برسل من المعاني المعجزة ، والأجوبة المسكتة. ما ينبئ عن غزارة علمه ، وصحة تجربته ، وعمق إدراكه لحقائق الأشياء.

وحكم علي هذه منها ما جمعه الشريف الرضي تحت عنوان مستقل ، نجد فيه مثل قوله «الناس أعداه ما جهلوا» ، «ولم يذهب من مالك ما وعظك» ، «قيمة كل امرئ ما يحسنه» ، «احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع» ، ومنها ما أثبت وتناثر ضمن فقرات خطبه.

ووصايا علي الاجتماعية تتجسد هاهنا بوضوح من خلال كلماته النوابغ وحكمه الحسان.فهو يجلو أبصار صحبه وبصائرهم ، ويود لو يغبقهم كأس الحكمة بعد الصبوح.

يحذر هم من العلم الذي لا ينفع «قرب عالم قد قتله جهله ، وعلمه معه لا ينفعه» ، «والجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل» ، «والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل».

ويخوفهم عاقبة الظلم والجور «فليس في الجور عوض من العدل».

١٥

ويكره إليهم الشر «فالغالب بالشر مغلوب».

ويبغض إليهم النقاق ، فإنما يخاف عليهم كل منافق الجنان ، عالم اللسان ، يقول ما يعرفون ، ويفعل ما ينكرون.

ويستعظم أمر الخيانة ، فإن أعظم الخيانة خيانة الأمة. وأفظع الغش غش الأئمة.

وينتهى عن الإسراف والتبذير ، فإنما المال مال الله! إلا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله.

ويستعيذ بالله من الفقر ، فإنه منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت!

والفكرة في خطب علي ورسائله وحكمه عميقة من غير تعقيد ، بسيطة من غير إسفاف ، مستوفاة من غير إطناب ، يلونها ترادف الجمل ، ويزينها تقابل الألفاظ ، وينسقها ضرب من التقسيم المنطقي يجعلها أنفذ في الحس ، وألصق بالنفس.

وكان ينبغي لعلي أن تقذف بديهته بتلك الحكم الخالدة. والآراء الثاقبة ، بعد أن نهل المعرفة من بيت النبوة ، وتوافرت له ثقافة واسعة ، وتجربة كاملة ، وعبقرية نفاذة إلى بواطن الأمور.

وتتسم أفكار على غالبا بالواقعية ، إذ كان يستمد عناصرها من بيئته الاجماعية والجغرافية ، فأدبه ـ من هذه الناحية ـ مرآة للعصر الذي عاش فيه ، صور منه ما قد كان أو ما هو كائن.ولقد يطيب له أحيانا أن يصور ما ينبغي أن يكون ، فتغدو أفكاره مثالية عصية على التحقيق.

وما من ريب في أن الكتاب والسنة قد رفداه بينبوع ثر لا يغيض ، فتأثر بأسلوب القرآن التصويري لدى صاغة خطبه ورسائله ، واقتطف من القرآن والحديث كثيرا من الألفاظ والتراكيب والمعاني ، وقد حرصنا على إبرازها في فهارس «النهج» من طبعتنا هذه.

وأما عاطفة علي فثائرة جياشة تستمد دوافعها من نفسه الغنية بالانفعالات ، وعقيدته الثابتة على الحق ، فما تكلم إلا وبه حاجة إلى الكلام ، وما خطب إلا ولديه باعث على الخطابة

١٦

وإنما تتجلى رهافة حسه في استعماله الألفاظ الحادة ، وإكثاره من العبارات الإنشائية كالقسم والتمني الترجي والأمور والنهي والتعجب والاستفهام والإنكار والتوبيخ والتفريع ، مصحوبة كلها بترادف بين الفقرات ، وتجانس بين الأسجاع ، وحرص واضح على النغم والإيقاع.

وخيال علي ـ فيما يخلعه على موصوفاته من صور زاهيات ـ ينتزع أكثر ما ينتزع من صميم البيئة العربية إقليمية وفكرية واجتماعية. وتمتاز صور علي بالتشخيص والحركة ، ولا سيما حين يتسع خياله ويمتد مجسما الأفكار ، ملونا التعابير ، باثّاً الحياة في المفردات والتراكيب.

١٧

مزايا هذه الطبعة

منذ تصدى الشريف الرضي (١) لجمع ما تفرق من كلام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام.ووسمه «بنهج البلاغة». أقبل العلماء والأدباء على ذلك الكتاب النفيس بين ناسخ له يحفظ نصه في لوح صدره ، وشارح له ينسخ الناس عنه تفسيراته وتعليقاته ، ولا يحصي إلا الله عدد حفاظ «النهج» ونساخه ، أما شراحه في القديم والحديث فقد أربوا على الخمسين (٢).

وكان طبيعيا ـ بعد أن استفاضت شهرة الكتاب ، وطبقت الآفاق ، وتواتر متنه على ألسنة الأدباء والفضلاء ـ أن يقل الاختلاف في نصه ، وأن ينتقل من جبل إلى جيل برواية تكاد تكون واحدة. وإذا أضفنا إلى شهرته الأدبية ما أحيط به من معاني التعظيم ـ بل التقديس ـ ما وقع فيه من التحريف والتصحيف ، سواء أكان ذلك في نصه المتداول على حدة ، أم في متنه المصحوب ببعض الشروح مسهبة وموجزة.

ولعل شهرة «النهج» ـ على الصورة التي وصفنا ـ هي التي حملت المتأخرين من الشراح كالإمام محمد عبده ومحمد نائل المرصفي ، على الاكتفاء بنسخة واحدة خطية عولوا عليها

_____________________

(١) الشريف الرضي هو أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي ، ويتصل نسبه يجده الأعلى الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ولد سنة تسع وخمسين وثلاث مئة ، وأقبل على العلم والفقه والأدب حتى يأت أبدع أبناء الزمان ، وأنجب سادات العراق. وفي سنة ٣٨٨ تولى نقابة الطالبيين بعد أبيه في حياته ، وعهد إليه بالنظر في المظالم والحج بالناس.

ابتدأ ينظم الشعر وله من العمر عشر سنين أو تريد قليلا ، وحكم بعض النقاد بأنه أشعر الطالبيين ، وكان فوق هذا كاتبا بليغا مترسلا. وقد توفي الرضي سنة أربع وأربع مئة ، رحمه‌الله وأجزل مثوبته.

(٢) هذا ما يقوله السيد هبة الله الشهرستاني في كتابه (ما هو نهج البلاغة؟ ص ٨ ـ ١٠) ومن هؤلاء الشراح القدامى أبو الحسين البيهقي ، والإمام فخر الذين الرازي ، والقطب الراوندي ، وكمال الدين محمد ميثم البحراني ، وعز الدين بن أبي الحديد المدائني ، وهذا الأخير هو أشهر هم جميعا ، ويعد شرحه أفضل الشروح وأطولها. وقدشرع في تأليفه في غرة شهر رجب من سنة ٦٤٤ وأئمة في آخر سلخ من سنة ٦٤٩ ، وكان فقيها أصوليا ، كما كان أديبا ناقدا ، وقد كان مولده بالمدائن في غرة ذي الحجة سنة ٥٨٦ ، أما ووفاته فذكر بعضهم أنها سنة ٦٥٥ ه.

١٨

فيما حاولوه من التحقيق أولا والشرح ثانيا. وإنا لندرك أنه لم يكن يسع أحدا من هؤلاء أن يصنع «للنهج» خيرا مما صنع ، لأن جمهرة المحققين في أيامهم كانوا إذا وجدوا مخطوطة نشروها على حالها ، وأضافوا إليها ما وقع إليهم من الحواشي والشروح ، لا يجشّمون أنفسهم عناء البث عن النسخ المختلفة ، ومقابلة بعضها ببعض ، ضبطا للنص ، وتصحيحا للأصل ، واختيارا للأدق الأكل , وانسجاما مع أمانة العلم ومنهجية التحقيق.

وإن علينا ـ مع ذلك ـ أن نكبر ما قدمه الإمام محمد عبده من خدمة جلى للفكر العربي الاسلامي يوم نشر «نهج البلاغة» وشرحه بإيجاز ، مهما تكن الهنات التي أخذها عليه غيرنا أو نأخذها نحن اليوم عليه ، فله يرتد الفضل في انتشار هذا الكتاب العظيم الذي بات لا يجهله أحد من الأدباء والمتأدبين. وحسب الشيخ محمد عبده فخرا أن عشرات الطبعات التي نشرت شرفا وغربا ظلت إلى عهد قريب تستند إلى النص الذي أثبته ، وتكتفي بالشرح الذي اقتبسه وانتقاه (١).

على أن «نهج البلاغة» ـ لنفاسته ـ جدير بأكثر مما أتيح له حتى اليوم من التحقيق والتدقيق. ولقد طلع علينا منذ سنوات قلائل الأستاذ البحاثة المفضال محمد أبو الفضل إبراهيم بطبعة علمية ممتازة لشرح ابن أبي الحديد في عشرين جزءا ، رجع فيها إلى نسخ مخطوطة مصورة عن أصولها المحفوظة في مكتبة المتحف البريطاني ، ومكتبة الفاتيكان ، والمكتبة الظاهرية ، وبعض المكتبات الأخرى العامة والخاصة (٢) ، ولم تكن تلك المخطوطات المختلفة كلها كاملة ، ولكنها بمجموعها كانت كافية لتقديم أفضل صورة ممكنة «للنهج» متنا وشرحا.

وإفاضتنا في الثناء على هذه الطبعة الأخيرة لا ينبغي أن تحول دون تقريرنا للحقيقة التالية : وهي أن الغرض الذي رمي إليه الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم هو تحقيق شرح «النهج» وليس تحقيق «النهج» ذاته. أما الغاية التي نتصدى لها ، والتي يؤنس جميع الأدباء حاجة إليها ، فهي ضبط مجموعة النصوص التي اختارها الشريف الرضي من كلام الإمام ضبطا

_____________________

(١) نذكر على سبي المثال طبعات الشيخ محيي الدين عبد الحميد في القاهرة ، وطبعة الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل في بيروت. ونضرب ها هنا صفحا عن الطبعات التجارية إلي تصدى بها قوم لما لما لم يكونوا له أهلا.

(٢) انظر ما ذكره محمد أبو الفضل إبراهيم عن هذه المخطوطات في مقدمته (الجزء الأول ابتداء من الصفحة العشرين) ، وأصف إلى ذلك ما نبه إليه في أجزاء الكتاب المختلفة من أصول جديدة وقعت إليه أثناء الطبع الذي استغرق نحو خمس سنوات (من سنة ١٩٥٩ حتى ١٩٦٤). وراجع بصورة خاصة الصفحات الأولى من الأجزاء التالية (الثاني الرابع والخامس والسابع والحادي عشر والخامس عشر والسادس عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين).

١٩

كاملا مستقلا على حدة ، ليتلوها القارئ ـ باحثا فيها أم متبركا بها ـ وهو آمن مطمئن إلى صحتها في ذاتها وليجد فيما ألحق بها من الفهارس العلمية ما يلبي طلبه ، ويشفي غلته ، ويغنيه عن الشروح الطوال.

والأمانة العلمية تفرض علينا أن نعترف بأن ضبطنا لنص «النهج» لا يرتد إلى امتلاكنا النسخ المخطوطة أو المصورة ، ومقابلتنا بعضها ببعض ، ومعارضتها بأصل أو أصول اعتمدناها ، بقدر ما يرتد إلى إثبات ما نطقت الشروح بحسنه وصوابه. ويظلل من حق الأستاذ محمد إبراهيم ـ وإن حقق الشرح لا النهج ـ أن يفخر على الجميع بأنه استجمع من المخطوطات في هذا الصدد ما لم يستجمعه باحث سواه.

ألا وإني بهذا لا أغمط نفسي بنفسي ، فمن يقرأ طبعتي هذه بإمعان وتدبر يدرك لا محالة أني رجعت إلى أصول مخطوطة كثيرة تمكنت ـ بالاستناد إليها ـ أن أثبت أفضل القراءات وأفص الوجوه ، وإن كنت قد جردت نص «النهج» منكل حاشية أو تعقيب أو تفسير أو رمز أو اصطلاح ، اكتفاء بالفهارس العشرين التي أبرزت للناس قيمة الكتاب.

وأنما حملني على إيثار هذا الأسلوب في تحقيق «نهج البلاغة» ما لمسته لدى كثير من القراء من ضيق صدورهم برموز التحقيق أو هوام التفسير تستغرق في أسفل كل صفحة أكثر مما يستغرقه أعلاها من الأصول أو المتون. ومن هنا رأيت أن أقسم عملي قسمين ، ألبي بهما رغبتين : أما القسم الأول فتحقيق نص «النهج» أدق تحقيق وأوفاه ، ألبي به رغبة الذي يريد أن يقرأ كلام الإمام غير شاغل نفسه بتعليقات الشراح. وعلى هذا ، جردت النص من كل زيادة طرأت عليه ، وأرحت القارئ حتى من رموز النسخ التي استصوبت ما ذهبت إليه.وأما القسم الثاني ففهرسة مفصلة كل التفصيل ، ألبي بها رغبات الباحثين فيما اشتمل عليه «ونهج البلاغة» من كنوز فكرية وأدبية ثمينة.

ولسوف يلاحظ الأديب الباحث أن من النادر إلحاق فهارس على هذه الصورة المفصلة بأي كتاب مهما يعظم قدره وتجل مكانته ، حتى لكأني أردت أن أوفر على كل باحث كل عناء : أتعبت نفسي ليستريح ، راجيا من الله وحده حسن المثوبة وكرم الجزاء. وسوف يجد القارئ طلبته من هذه الفهارس بأقصى سرعة ممكنة ، إذ آثرنا طبعها على ورق يختلف لونه عن لون الأصل تسهيلا وتيسيرا.

٢٠