فرسان الهيجاء - ج ١

الشيخ ذبيح الله المحلاتي

فرسان الهيجاء - ج ١

المؤلف:

الشيخ ذبيح الله المحلاتي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
المطبعة: شريعت
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-503-145-7
ISBN الدورة:
978-964-503-144-0

الصفحات: ٤٩٥

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المترجم

الحمد لله ربّ العالمين وصّلى الله على محمّد وآله الطاهرين.

«ذبيح الله المحلّاتي» العالم الكبير والخطيب المصقع والكاتب القدير ، صاحب العلم ، البليغ بالفارسيّة والعربيّة ، بيني وبينه وأنا قد ذرفت على الستّين اليوم مابيني وبين الصبا والكهولة.

فقد عطفني إليه آية الله العالم السيّد علي الشفيعي حين أرشدني إلى كتابه  «فرسان الهيجاء» وعجب منّي أن لا أكون ترجمته ، مع فائدته الكبرى لقرّاء العربيّة ، وما كنت بحاجة إلى حثّ أو تحريض بل يكفيني سماع اسم هذا العالم لتعاودني الذكريات الغضرة التي تداعي بها اسمه إلى خاطري. فقد قضيت مع والدي ورفيق عمره «الحاج موسى دشت بزرگ» رحمهما الله ردحاً من الزمن فقد كانا خليلين صفيّين تحابا في الله فترة الصبا والشباب ، وأنا أتلقّى عنهما كثيراً من معانيهما.

الحاج موسى دشت بزرگ

كان رجلاً عصاميّاً ، فقد بدأ حياته الفنّيّة الثقافيّة من موقع أدنى من الصغر فقد كان من وسط أهوازيّ فلاحيّ ، وقد سألته ذات يوم : أنت من وسط فلاحيّ

٣

وهؤلاء قومك لا يعرفون سوى المحراث والمسحاة والزرع وآلاته ولا شيء وراء ذلك فكيف بلغت هذه المنزلة من الثقافة بحيث لايرى الإمام الأكبر والمرجع الأعلى سيّدنا آية الله العظمى السيّد البهبهاني قدّس الله سرّه الشريف وهو من هو في العلم والورع والتقوى ، الأُنس إلّا في بيتك والراحة والاستجمام إلّا عندك.

قال : أُحدّثك حديثاً عجباً عن شغفي بالعلم وأنا أعمل في الزراعة ، فما تعلّمت على أُستاذ قطّ ، اللّهمّ إلّا شيئاً أخذته من أبيك وجدّك ، ولو رأيتني لعجبت ممّا أصنع ؛ فقد كنت أعمل ومقبض المحراث بيدي والثور أمامي ولقمة الخبز وهي طعامي وأدامي في محزمي ، والكتاب في يدي الأُخرى ، أرفع صوتي تارة بحروفه أُردّدها ، وتارة أزجر الثور بها ليستقيم في الحرث ، وهكذا تقلّبت مع الظروف حلوة وما أقلّها ومرّة حتّى استوت لي القرائة والكتابة ، ووجّه بقيّة خطواتي نحو الفهم والثقافة أبوك.

كان الحاج موسى فارسي الجذم ولكنّه أكثر عروبة من كلّ عربيّ ، يتحف والدي بالكتب الفارسيّة الثمينة وإليه يعود الفضل في أُنسنا بالفارسيّة وحبّنا لها ومعرفتنا بها لأنّه أوقفنا على كنوزها الدفينة وأسرارها الثمينة ، وذات يوم وأنا أغدو وأروح بين أيديهما وأنصت لما يقولانه ، وبين يدي الحاج موسى دشت بزرگ رحمه‌الله كتاب فارسي يقرأ فيه لأبي عن الحجاب ، وكان السفور يومها على أشدّه عندنا هنا في الأهواز على عهد أُسرة «بهلوي» وكان الحاج إذا قرأ في كتاب حرّك أصابعه رافعاً يده إلى أعلى وهذه الحركة تتكيّف بمقاطع الفقرات وأطوال الجمل فتكون عندي أحلى تعبيراً من الألفاظ وأحسن دلالة على جمال المعنى من اللفظ نفسه وأكثر بداعة من الأًسلوب وبلاغة من المعنى يمزجها بغنّة غير متكلفة ، ذات طلاوة تخترق شغاف القلب ، ناهيك بالبسمات العذاب التي يتبادلها مع الوالد الدالّة على انشراح صدريهما بما يقرآن وأنا أستقي من هذين النبعين الثرين وأكنز

٤

في طفولتي السعيدة بهما لشيوختي القاحلة ، وكان الكتاب من كتب الشيخ ذبيح الله المحلّاتي عن الحجاب وقد صدر حديثاً وطار به الحاج المذكور إلى الوالد فكانا يخرجان إلى الحقل وأنا بصحبتهما وهناك حيث الطبيعة الجذلى والخضرة والماء يتمّان قرائته وقرائة ما عداه من الكتب الغنّية بالمحتوى الشهي الدسم.

ومن يؤمئذٍ أكبرت هذا العالم المظلوم المحلّاتي ممّا رأيت من آيات الإعجاب الواضحة على جبين الوالد رحمه‌الله به ، يزجيها في نفسه أخوه في الله «دشت بزرك» للكتاب وصاحبه.

ولم يقتصرا على هذا الكتاب من كتبه ، بل كان الحاجّ موسى يتحف الوالد بكلّ علق نفيس من كنوز قلمه وأنا في بواكير تعلّمي أحضر على والدي مبادي العلوم الأُولى ، فأقفو أثرهما كلّما قرءا كتاباً أو أشارا إليه ، ومن هذه البداية وأنا بزغب الفراخ حتّى نبت الريش والخوافي والقوادم وتعلّمت كيف أطير فأحلّ ضيفاً على أدواحه فأنحوها مختاراً وأحتلّ منها ما بسقت أغصانه وتكاثفت أوراقه وتهدّل جناه ، حتّى ألفت الطلوع إلى عذباتها السامقة ، وكانت روضة العالم المحلّاتي وطن هذا الطائر الصغير المفضّل ، وقرأت له كتباً ، وأحياناً بعضاً منها إلّا أنّها قرائة شابّ ، معزول بأمانيه الطريّة وأحلامه والعريضة عن عالم كبير في مستواه يريد إثراء المكتبتين العربيّة والفارسيّة بصدق وإخلاص وما كانت غايته رحمه‌الله إلّا الخدمة الحقّة.

وكان في مقدوره أن يبذّ أقرانه ويغزوهم من حيث كانت نفوسهم تنازعهم إليه ولكنّه بقي يتألّق في أفق التأليف والكتابة ، يلمع في فلك الثقافة عازفاً عن بريق الأسماء التي تغشي أبصارهم.

وممّا وقف بالشيخ عند هذا الأُفق المجدّد مع اتّساع مداه لأكثر ممّا قنع به ، أنّ عصره عصر الإنصاف والوعي بل عصر الاتّزان ، فقد أقام موازين القسط للرجال

٥

وعلى أساس منه صدرت أحكامه عليهم ، فالكاتب له موازينه التي تغلق على الشاعر وله مثلها وللفيلسوف أيضاً مثلها ، ناهيك بالمراجع ، فلا يمكن أن يوزن هذا بميزان ذاك ، أمّا إذا اجتمعت الصفات في واحد فله عالم من الموازين تقيم ذاتيّته.

وهذه حسنه عصره ، فما كان بوسع أحد أن يدّعي ما ليس عنده لأنّه لن يجد وسطاً يغازله أو يضمّه إلى صدره مطلقاً.

نعم أنت لا تعدم الأدعياء حتّى في دنيا الأنبياء إلّا أنّ الدعي من كلّ صنف كالطحلب ليست له جذور تثبّته ، بل يتقوّم بدعم غيره له ، من قبيل فئات مشبوهة أو سلطات جائرة ، ليس لها سلطان على الاُمّة ، ويبقى الدعي قلقاً في المجتمع تطوح به النسمات فضلاً عن الزعازع.

وقد أدركنا ذيلاً من هذا العصر ونحن في عمر الأخذ والتلقّي ، ورأينا بعضهم مدعوماً بمن وصفنا ورأينا الناس ينفرون منه كما ينفرون من ذي العاهة وفي هؤلاء البعض من خسر رصيده الشعبي تماماً وبقي منبوذاً في الأرض السبخ ، وفارقه الناس إلّا قوماً آثروا دنياهم على دينهم فكانوا بمنزلة ذنب الأبتر ؛ لاتمّت بخ خلقته ولا تمّ به نفعه.

وهكذا عاش شيخنا المحلّاتي رحمه‌الله تعالى في زمن صالح قياساً إلى زماننا ، لذلك أوكل أمر شخصيّته للحقّ يقرّر مدارها وإن كان ـ والحقّ يقال ـ لا تنقصه صفة من صفات العلم التي تزيّن الرجال الأفذاذ.

وغلب عليه الشغف بالقلم فانصرف بكلّه إليه لا يكاد يفلت من بين أصابعه ، من ثمّ كثر إنتاجه وغزر وأثمر قلمه الشريف ثماراً نافعة جدّاً ونافقة جدّاً عند إخوانه العلماء ، ولكنّهم ـ مع مزيد الأسف ـ ظلموه ، وكان من حقّه عليهم أن يُرفع قدره إلى مستواه الحقيقي فلم ينل من عنايتهم ما ناله غيره ممّن يصغر عن قدره

٦

وتكبر البليّة فيه ، ولم يسلم من وخز أقلامهم ، فقد نعتوه بنعت مستحيل عقلاً وإن تعذّر إثباته على الإيجاب والسلب ذلك أنّهم غمزوا بعض إنتاجه الضعف وقلّة التركيز والتثبّت وعلّلوه بأنّ مردّه إلى عدم إعادة النظر فيه بعد كتابته ، وهذا مستحيل عقلاً على من هو في مستواه ، أنا لا أنكر أنّ في واحد أو اثنين من كتبه هناك كان الأجدر بمثله أن ينجو منها ، ولكن لا يستغرب الملمّ بهدفه من وجودها لأن كتبه «كخوان الكريم» يتّسع لأصناف الناس كافّه ، إنّه يكتب ليقرئه العالم والمتعلّم للفائدة أو للمتعة ، لذلك أنت واجد في جلّها فوائد لهؤلاء وهؤلاء بل في كلّ منها لسان يخاطب المستويات جميعاً على قدر حظوظها من العلم ، فلا بدع أن يصيب العالم فيها ما هو دون مستواه وغيره ما هو فوق مستواه ، فالأوّل لغير العالم كتبه ، والثاني كتبه لذويه أيضاً ، وهذه الحقيقة يلزم اعتمادها لزوماً أكيداً عند ناقديه.

وهذا السبب ربّما ألفيناه وجيهاً لوجود الخلل في جانب محصور من نتاج قلمه البديع وليس من العدل أن نفرغ عليه النعوت الظالمة.

أجل ، إنذ الشيخ عزلته من رعيل إخوانه حقيقة تقدّسها الأُمّة كما تقدّس الصلاة ، ولكن تنظر إلى فاعليها بعين الاستخفاف ، تلكم هي امتهان المنبر أي اتّخاذه مهنة ، فالمنبري وإن بلغ ما بلغ من العلم لا يتجاوز الأعواد التي يفترع قمّتها.

رحم الله المقدّس المبرور الشيخ جعفر التستري رضي‌الله‌عنه وأرضاه ، فقد بلغ المرجعيّة واجتازها أشواطاُ وأشواطاً ولكنّك لا تجد اليوم من يذكره إلّا عرضاً وهو سيّد علماء زمانه غير منازع ، ولكنّه ربّما قورن بمن لا يساويه لأنّه جنت عليه مهنة المنبر ، والمحلّاتي من هذا الرعيل ..

ولي أن أصف ما سمّوه عيباً بأنّه ليس بعيب بالمعنى الحقيقي للكلمة ، وإنّما هو

٧

التسوية بين الروايات ثقة بجامعيها ومخرجيها ، والشيخ لا يضمر للروايات المتهالكة خيراً في نفسه بسكوته عنها بل يدعها إلى قارئه ، فما الحاجة إلى نقضها إذا كان القارئ مقتنعاً بمحتواها ، أمّا الصنف الآخر من القرّاء فعليه يقع عبأ الغربلة إن كان من أهلها ليسلم الشيخ رحمه‌الله من تبعات التخريج ، فإنّ الحكم على حديث أهل البيت ورواياتهم لازمهُ رهن النيّة وقبول المسئوليّة أمام الله تعالى.

لهذا لا أعجب من أن يحجزه الورع عن ردّ الرواية أو نقدها ولا مانع من نقلها معزوّة إلى مخرجيها ولا دليل يدلّ على قبولها بالقطع واليقين عند المؤلّف.

كلّ هذا يجب أن يضعه منتقدوه مدّ أبصارهم قبل أن يلمزوا نتاج قلمه بصفة غير مستحبّة ، فهل فعلوا؟!

والشيخ غزير الإنتاج أثرى المكتبتين العربيّة والفارسيّة وإن كان حظّ الأُولى منه قليلاً مع أنّك حين تقرئه بلغة الضاد تحسبه ابن بجدتها ، يجري بالفقرات متدفّقاً تدفّق العذب الفرات ، وبالرجوع إلى كتابه «تاريخ سامرّاء» يتجلّى الحقّ واضحاً لعين القارئ.

فقد قال في نعته الحجّة الثبت العلّامة الطهراني رحمه‌الله :

«تاريخ سامرّاء» الموسوم بمآثر الكبراء للخطيب المعاصر الشيخ ذبيح الله بن محمّد علي المحلّاتي المولود بها سنة ١٣١٠ ، نزيل سامرّاء ، كبير في خمس مجلّدات ضخام ، رأيته بخطّه ، بيّن فيه ما يتعلّق بسامرّاء قبل الإسلام وبعده ، قديماً وحديثاً ، وذكر أحوال أبنتيها وقصورها ومشاهدها وأحوال من دخل إليها ومن ثوى بها من الخلفاء والملوك والعلماء وتفصيل أحوال الإمامين العسكريّين والحجّة المنتظر عليهم‌السلام وأصحابهم والرواة عنهم والعلماء النازلين بساحتهم ، وجعل

٨

لكلّ مجلّد فهرساً لتسهيل التناول ، فرغ من مجلّده الأوّل سنة ١٣٥٤ (١).

وشهادة هذا العليم لكلتاب وسرده لمواضيعه المهمّة تعرب عن أهمّيّته وضرورته لكلّ مكتبه ، وهذه سعادة حظى بها الشيخ العظيم في كتبه وهي نادراً ما تحالف إنساناً وهو قريع الشيخ عبّاس القمي قدس‌سره ، فكلاهما نال السعادة في كتبه وسهلت على القلوب واستساغها المثقّفون وسعوا لاقتنائها ، مع الفارق طبعاً بين العلمين ؛ فالقمّيّ رحمه‌الله عالم يكتب بعد التحقيق ليرضى رعيل العلماء ، والشيخ المحلّاتي رحمه‌الله خطيب ليرضي رعيل المستمعين وإن كان من جهة أُخرى عالماً أيضاً. وقد غلبت عليه طبيعة المهنة حيث يكتب كما يخطب ، ولعلّه يخطب كما يكتب أيضاً.

وكتب الشيخ كتباً كثيرة فأجاد وأفاد ، منها كتابه «الحقّ المبين في أقضية أميرالمؤمنين» في جزئين ، و «خير الكلام في ردّ عدوّ الإسلام» في ثلاث مجلّدات وهو ردّ رسالات السيّد أحمد الكسروي ، و «رجال ذبيح الله المحلّاتي» واسمه الكلمة التامّة ، وهو في خمس مجلّدات في تراجم أحوال أكابر العلماء من الخلفاء المتقدّمين وسائر العلماء المتأخّرين ، و «رياحين الشريعة ومآثر زنان دانشمند شيعه» في مآثر الفضليات من نساء الشيعة ، فارسي و «ساحل النجاة» في مضرّات الخمر والترياك ، طبع بطهران سنة ١٣٧٢ ، و «قرّة العين في حقوق الوالدين» ، و «قلائد النحور في وقايع الأيام والشهور» ، و «قضاوتها اميرالمؤمنين» و «كشف الغرر أو مفاسد السفور» فارسي كبير ، و «لاله زار ذبيحي» فارسي ملمّع يشبه الخزائن النراقيّة يقرب من خمسمائة صحيفة ، و «مطلوب الراغب في حكم اللحى والشارب» فارسي وهو يقرب من خمسة آلاف بيت ، و «نار الله الموقدة على

__________________

(١) الذريعة ، ج ٣ ص ٢٥٥.

٩

الكافرين في حروب أميرالمؤمنين» ، وهذا الكتاب الذي وفّقنا الله لترجمته والحمد لله : «فرسان الهيجاء في شرح أصحاب سيّد الشهداء عليه‌السلام» وقد نعته الطهراني بـ «فرسان الهيجاء في شرح أحوال أبي عبدالله عليه‌السلام». ولست أدري إن كان كتاباً آخر أم هو المترجم نفسه ولكن وقع تصحيف في أصحاب إلى أحوال ، والظاهر الثاني لأنّهما لو كانا كتابين لذكر الشيخ الثاني لأهمّيّته.

وتركنا كتباً للشيخ لم نتعرّض لذكرها لأنّها تحتاج إلى مزيد تتبّع ونكل ذلك إلى القارئ ، وهذا الإنتاج الغزير يدلّ على عمر طويل. نعم لقد عمّر الشيخ حتّى دخل العقد التاسع من عمره الشريف لأنّه ولد سنة ١٣١٠ وتوفّي سنة ١٤٠٥ ، إذن وافاه الأجل المحتوم في الخامسة والثمانين من العمر. ولم يحد الكبر أو العجز من تدفّق قلمه بالتأليف في المواضيع النافعة الشيّقة التي وجد الشيخ الضرورة قاضية بشغلها حيّزاً من فراغ المكتبة الإسلاميّة.

كتاب «فرسان الهيجاء»

تقدّمت إلى القاري الكريم بأنّ الفضل في توجّهي إلى هذا الكتاب القيّم يعود إلى العلّامة آية الله الحاج السيّد علي الشفيعي ، دام ظلّه ، فهو الذي أرشدني إلى أهمّيّته وشجّعني بلسانه إلى ترجمته ، وأعارنيه من مكتبته الغنيّة التي هي أمنع من عقاب الجوّ ، والسيّد المعظّم جزاه الله خيراً خدمة لإخوانه العرب آثرني بالكتاب على نحو الإعارة طبعاً ولبّيت الطلب وشرعت بالترجمة فور قرائته ، واقتضاني زمناً إضافيّاً ، لأنّ حادثة صعبة ألمّت بحياتي فعطّلت مسيرة الترجمة آناً مّا. ذلك أنّي منيت ليلاً بعارض السكتة القلبيّة ـ أعاذكم الله ـ فكنت من الموت قاب قوسين أو أدنى ، ولكنّها خفت حتّى استطعت الرقاد وازدادت سوءاً بعد صلاة الصبح ونقلت على أثرها إلى «المشفى» وبعد الفحص قرّر الأطبّاء وفي مقدّمتهم ولدي

١٠

الدكتور بهاء نقلي إلى العناية المركّزة وبقيت أربعة أيّام تحت العناية الشديدة ثمّ نقلت إلى البيت انتظاراً لعمل القسطرة وبعدها أثبت الأخصّائي وجود تصلّب في أربعة شرايين منه وحينئذٍ لا بدّ من إجراء عمليّة الفتح ، وهنا أيقنت بالموت وآلمني حقّاً أن لا أكون أتممت الكتاب ، ومرّت الأيّام مسرعة وخيّرت بين إجراء العمليّة بطهران أو غيره من بلاد الله الواسعة ، أو على يد طبيب مسلم مؤمن شريف من بلادنا ويُدعى الدكتور «رمضاني» وهذا الطبيب ملاك على هيئة إنسان. ورأيت ليس من الحقّ في شيء الاعتماد على غيره مع ما يتحلّى به من الصفات الإسلاميّة النادرة وهو في رأيي عمل حرام أدباً إن لم يكن حراماً شرعاً ، وفضّلته على غيره بما أحيا الله على يديه من البشر بعد تحقّق موتهم ، فقد كرّمته الحكومة على ألف عمليّة ناجحة وأعطته الجائزة وكنت أول الألف الثاني ، وزارني بعد عمل القسطرة في المشفى ، فرأيت نور الإسلام يتلألأ في وجه الشريف وعرفته من ساعتئذٍ مؤمناً مسلماً مصلّياً يحبّ الخير للجميع ويبذله للأقصى مثلما يبذله للأدنى ، عازفاً عن المادّة وإن كانت مأرباً لكثير من الناس أو للأكثر إن إردنا الدقّة في الحكم ، ولله في خلقه شئون.

وقلت له ـ وهو يحاورني ـ : أنا يا سيادة الدكتور لا أنسبك إلى أُمّة من الناس وإن كنت من إحداها لأنّك أكبر من كلّ أُمّة تنسب إليها ولكنّي أنسبك إلى أُمّتك الحقيقيّة التي صاغت لك هذا الخلق الشريف أنت ابن الإسلام وأُمّتك الإسلام ويباهي بك الإسلام النحل الأُخرى.

وهذا هو الواقع فلا يمكن أن يكون الدكتور رمضاني وأعوانه كالدكتور السيّد رحيم الموسوي الحسيب النسيب والسيّد الجليل ، والدكتور عبادي ؛ دكتور التخدير المؤمن صاحب الأخلاق الفاضلة إلّا أبناء الإسلام.

وهنا ظاهرة غابت عن أكثر الناس وينبغي أن تعطى الأهمّيّة اللّازمة وهي : إنّ

١١

الممرّضات في العهد الشاهاني المقيت كنّ على صفات أقلّ ما يقال فيها بأنّها دنيويّة غير ملتزمة ، وتغيّر الحال بعد الإسلام فقد تحوّلن تحت لواء الدولة الإسلاميّة إلى المثل العليا والقيم الفاضلة والأخلاق الحميدة ، ولقد لمسنا برعايتهنّ لنا نحن المرض الذي خرجنا من تحت سلطان الموت أشدّ ضعفاً من وليد اليوم واليومين ؛ يوم كنّا نرقد تحت رحمتهنّ أقول لمسنا «حنان الأُمّهات» مع الوقار العظيم والعفاف والحبّ الطهور للمرضى جزاهنّ الله خير جزاء المحسنين. هذا ولم يعهد من صبايا في مثل أعمارهنّ وجمالهنّ مثل هذا الأدب الفائق والرحمة والكمال. ولست أدري إن كان صحيحاً تعميم الحكم أو يختصّ بالمشفى الذي رقدت فيه لأنّه خاصّ بشركة النفط ، مهما تكن الحال فإنّي أتحدّث عمّا رأيت ولا يعنيني ما غاب عنّي.

وأخيراً قرّر الدكتور رمضاني يوم العمل وهو يوم الخميس ، ونقلت من حجرتي الخاصّة إلى «دار العمل» وما هي إلّا ثوان ودكتور التخدير يامرني بالإكثار من الصلاة على النبيّ حتّى متُّ على نحو الحقيقة فلم أشعر بشيء ممّا حولي وما يجري عليّ مطلقاً بل تحوّلت إلى حجر من الصوان ، تقلّبني الأيدي يميناً وشمالاً وفتحوا الصدر وأسكتوا القلب والرئتين كليهما وعبّئوا القلب بأكياس الثلج ونابت عنّي الآلة في النفس وفي تنظيم الدورة الدمويّة ، كلّ هذا تلقّيته بعد رجوعي إلى الوعي على شكل حديث وقد جرى في بدني فعلاً وأنا بين الموت والحياة وبقيت هكذا ثماني ساعات حتّى عاودني الوعي على صوت ولدي الدكتور بهاء حفظه الله : «أبتاه الحمد الله لقد تمّ العمل بنجاح ..» والحمد الله ربّ العالمين فكان سمعي وحده الذي يعمل ، وهنّأني دكتور التخدير على عودة الحياة وبارك لي ذلك وبدأت الحياة تدبّ في أوصالي شيئاً فشيئاً حتّى شعرت بها بكلّ وجودي.

وهكذا عبرت الممرّ الموحش بين عالم الدنيا وعالم الآخرة ورجعت إلى الدنيا

١٢

ثانية ، وبدأت العافية تراودني ببطأ وهذا بالطبع زمن باعد بين الكتاب وبين الكتاب وبين الإنجاز وشيء جديد طرأ على الحياة وهو تبرّمي بها بفعل المضادّات الحيويّة التي زرقت في شراييني ، وقوّة التخدير ولكنّها حال تزول ولله الحمد ، وأوّل صفة رجعت إلى عشّها من عقلي بعد أن طارت بعيداً هي حبّي للكتاب والكتابة ، وشرعت ثانية في مواصلة الترجمة وتمّت والحمد لله ربّ العالمين.

نظرة في الكتاب

يمكن أن ننعته بأنه المعجم الوحيد من نوعه الذي يترجم لأصحاب ضالحسين عليه‌السلام على حروف الهجاء وهو أوّل كتاب خرق الإجماع في عدد أصحابه عليهم‌السلام ودعك من المسعودي الذي أوصلهم إلى خمسمائة رجل ، فقد كتب العدد من دون تحقيق وبهذا لا يمكن أن يقارن بالمحلّاتي الذي تولّى تعديد أسمائهم وتحديد هويّاتهم واحداً واحداً ، ونسبنا إليه الأوّليّة لأنّ عهدنا بمن سبقوه بين مكثر لا يتجاوز بهم المائة ، وبين المقلّل يقف بهم عند حدود السبعين ، أمّا الشيخ فقد قفز العدد في كتابه إلى مائتين وخمس وعشرين رجلاً خالٍ من التحقيق ، ويقتصر على ذكر المصدر الذي يعزو إليه الناصر فإذا عدم في غيره أشار إليه بقوله : لم أعثر عليه إلّا في هذا الكتاب ، وأحياناً يكون مصدره الزيارتين : الرجبيّة وزيارة الناحية المقدّسة وحدهما ، فيذكر الناصر إذا ذكر في أحدهما ويكفي في توثيق وجوده ذلك ، يقتصر على العبارة القصيرة الواردة في أحدهما ، ثمّ يتحوّل إلى غيره وهو بين الإطناب والإيجاز ، وقد يكون الأخير مخلّاً لأنّ الباحث يهمّه إشباع الموضوع ولا يرضى بالعبارة والعبارتين ، لاسيّما في المجاهيل من الأصحاب والمشكلة أنّ بعض الموارد من الكتاب تخلو من هذا الإشباع وقد يفقد المؤلّف الخيار اذا فلى التاريخ فلياً فلم يصب بغيته ، فما حيلته عندئذٍ.

١٣

ولست أعرف سباً غير هذا حمل المؤلّف على القناعة بالسرد وحده دون توجيه مشرط النقد إلى الموارد المحتاجة إليه ، فيعزل البهرج عن الجوهر لئلّا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض العقول وكذلك يلزمه على كلّ حال إخراج المدرة عن حبّ الحصيد بالغربلة ، والذي أظنّه ـ والله العالم ـ أنّ التحقيق لا يستدعيه وضع أنصار الحسين عليه‌السلام لعدم ترتّب أثر معتدّ به عند الزيادة أو النقصان ، فلا مانع من زيادة عددهم عن المألوف بين الناس أو نقصانه إذا كانت نتيجة معركة الطفّ في الشهادة وقد حصلت عين اليقين من ثمّ نراه نأى عن التحقيق الدقيق وإن لم يخل منه على نحو مختار ، وكذلك ترك النصوص دونما محاكمة علماً منه أنّ ذلك يبلغه النتيجة المرتضاة له وللباحث هذا كلّه يقال في كتاب الأنصار ..

وهو مع هذا ينطوي على بعض الأخبار المتناهية الضعف القريبة من الأساطير والتي وددت ومخلصاً أن يعافى هذا الكتاب الشريف منها ولكن لابدّ من تسرّبها إليه لأنّ المؤلّف يخوض في وحل الروايات فلا مندوحة من تعرّضه لنقدٍ أو لوم.

ومهما قلنا عن الكتاب مدحاً او نقداً فإنّه كتاب رائع ، فريد في بابه ، وحيد في نوعه حول المادّة المطلوبة للباحث والمحقّق والأديب والخطيب إلى مادّة معجميّة يسهل معها حصول الباحث على غرضه وتختصر له الطريق عندما يضع قدمه في مجاهيل التاريخ ، وخفّف من وطأة المعاجم على المولّفين حين اتّخذ الحرف الأوّل من الاسم دون الثاني والثالث وهذا غرم يدفع ثمنه الباحث إلّا أنّ شهرة الموضوع وحصره هوّن من ثقل هذا العزم.

ولو سلك شيخنا الجليل سلوك المعجميّين لكان أكثر إحكاماً وضبطاً. ولي أن أقول بعد ذلك بأن الشيخ رحمه‌الله جمع مادّة مفيدة وسهل الحصول عليها ووضعها بين يدي المثقّف على اختلاف مذاهبه. فهو مشكور على ذلك مثاب عليه ، لا ريب

١٤

في ذلك وتبقى مسألة التحقيق الذي أجراه ، فلنقل عنه ربّما تعمّد الشيخ ذلك لأنّ كربلاء لا يخلو كمّها وإن داخلته الغرائب ، ومن العبر والفوائد.

مضافاً إلى العنف الذي ارتكب فيها من جهة العدو والوحشيّة التي لم تشهد لها البشريّة نظيراً جعلتها حقيقة أقرب إلى الخيال فاتّسعت له وحمّلها المحبّ والخصم مشاهد ليست منها ، وقبلتها الأُمّه بل صدّقتها وأصبح ردّها مرادفاً لإنكار المسلّمات واليقينيّات ، وهذا وإن لم يكن عذراً للعالم والمحقّق إلّا أنّه عثرة في طريق التحقيق ولا أظنّ بالشيخ المحلّاتي العبقري الفذّ ، والمنبري والمتمرّس في حادثة الطفّ ، إنّ ذلك لم يطرق ذهنه فيحمله على مسّ الموضوع برفق ولين ، وهكذا فعل ، ومرّت حوادث الطفّ مرور العذب المطّرد في مجاري الجدول ، يتساوى جارية في الشكل والطبع ولكنّه متجدّد في الآنات واللحظات ، وأعطى الشيخ من نفسه الجديد المفيد وإن كان بسيطاً مع قدرته على الضرب في أعماق كلّ موضوع طرقه ، ولكنّه آثر أن يظلّ سهل التناول لكلّ أحد يرتاد نواديه أو يحطّ على أيكه.

ذيول الكتاب الثلاث

ثمّ إنّ الشيخ رحمه‌الله ذيّل كتابه بثلاثة ملاحق مختصرة : الأوّل عن محمّد بن الحنفيّة ، والثاني عن المختار ، والثالث عن الرأس الشريف.

ملحق محمّد بن الحنفيّة

فلم يأت فيه بشيء جديد ، وأراد الاعتذار عن سيّدنا محمّد ولكنّه ارتطم بصخرة صمّاء هي صخرة الحقّ فلم تنهض الحجّة بعذره ، ولم يأتنا بعذرٍ يصون محمّداً عن توجيه اللوم بل والنقد الحاد أيضاً وكان عليه انصاف الحقّ ومعرفة محمّد بالحق لا العكس.

أمّا أنا فلي رأيي الخاص في هذا السيّد الجليل مع علمي بأنّه يهيج عليّ جملة

١٥

من الناس لا حبّاً به ولكن بغضاً بي ، وهو لا تحرّك له ساكناً ونكله إلى أبيه وإلّا فسوف ، نواجه لا يخذلانه أخاه الإمام مفترض الطاعة أو نسبة ادغاء منصب الإمامة له فحسب بل بزيارته يزيد بعد شهادة الإمام بأقلّ من عام واحد ولم يأنف من زيارة رجل سبى عقائلهم ولم يوجّه إليه حتّى كلمة لوم في أسره زينب وعقائل الوحي وعرضهنّ في الأندية والمجالس وإبداء وجوههنّ لأهل الشام بل للخاص والعام من كربلاء إلى دمشق وهنّ عرض الله وعرض رسول الله وعرض القرآن وكان عليه أن يقف موقف ذلك الرجل العظي سيّدنا عبدالله بن عبّاس عليه‌السلام وما قابل به يزيد بن معاوية لعنهما الله من الغضب الصاعق الذي ألقمه به حجراً عندما كتب إليه يزيد يخطب ودّه فكان ردّه عليه زلزالاً أحدثه في حياة يزيد قضى على أحلامه في جلب قلوب بني هاشم بعد حادثة الطفّ وتنصّله من قتله الصفوة منهم بهذا ينبغي أن يجاب أسر زينب وأخواتها.

أمّا موقف صاحبنا الغريب وزيارته المتهالكة له وضعفه أمامه فإنّي لو حصلت عن خذلانه الحسين على ألف عذر وعذر وكلّ عذر يقنع أكثر الناس جدلاً فلست واحداً عذراً واحداً يبيح له زيارة يزيد وأخذ جوائزه وأكله على موائده .. وكان عليه أن يغضب لأسر عقائل الوحي ، إن لم يكن به غضب على قتل أهل البيت ولكن مع كلّ هذا أقول :

إنّا نوالي محمّد ين الحنفيّة لأبيه وندعه له ونسكت عنه سكوتاً مطبقاً وجوباً لا حسبة واحتياطاً ولاءاً لأميرالمؤمنين عليه‌السلام وجرياً وراء اتفاق الأُمّة في توجيه أفعاله وحفظاً لمقامه في الجهاد مع أبيه يوم الجمل وصفّين والنهروان ونترضّى عنه ونطيع أميرالمؤمنين عليه‌السلام في ولائنا إيّاه فحسب دون التعرّض لباقي سيرته ، هذا ما أراه لنفسي ولا أًحبّ أن يكلّفني مخلوق من بين آدم أن أقول ما لا أعتقد أو أتّبع غيري في اعتقاده اتّباع الأعمى.

١٦

والمؤلّف رحمه‌الله أجاد في تخصيص موضوع من كتابه لمحمّد بن الحنفيّة ، ولكنّه ويا للأسف لم ينجح في الدفاع عنه وهو مأجور على كلّ حال.

ملحق المختار

والموضوع الذي أبدع المؤلّف في عرضه وفاز في حكايته وردّ الشبهات عنه إنّما هو موضوع المختار وتبرئة هذا الرجل المظلوم ممّا افتري به عليه وموضوع الافتراء على المختار يصب في مستنقع معاداة أهل البيت وأصحابهم المخلصين لأنّه قتل قاتل أهل البيت وتركهم جذاذاً وشفى صدور المؤمنين ، وكان عليه لكي ترضى عنه أُمّة معاوية أن يوالي عمر بن سعد ويوثقه فلا يقتله لأنّه كما تقول اُمّة معاوية «قتل الحسين بسيف جدّه» وأن يأتلف مع شمر بن ذي الجوشن وشبث ابن ربعي وابن زياد وهكذا دواليك وإلّا فليعدّ نفسه إعداداً لتحمّل الطعنات ، وقبول الافتراءات.

وهذا الموقف لا غرابة فيه علينا فنحن الشيعة نلنا من أُمّة معاوية فنوناً من هذه الأكاذيب والافتراءات ، لأنّنا اتّخذنا عدوّ أهل البيت عدوّاً فنسب إلينا أُمور تنافي أبسط العقول وما زلنا نعاني من مهزلة ابن سبأ وتصديق المغفّلين لها وهي إن حقّقت بهم أليق ، لأنّه الذي حرّك أحجار الصحابة على رقعة الجمل وصفّين ، وهذه الأحجار قبلت قوله وصدّقته واتّبعته فهي أولى بأن تسمّى سبئيّة لا نحن الذين نبرأ منه ونلعنه.

وبناءاً على رصد مزاجهم المتقدّم كيف لا ينبزون المختار ويلصقون به مختلف التهم والبهتان ، والمؤلّف أحسن الله إليه أحسن جدّاً بدفاعه عنه لا سيّما ردّه الروايات التي وردت عن طريق الشيعة ردّاً مركّزاً يزيل إليهم وينبغي اللبس ويثبت الحقّ وهو فيما أرى خير ما قرأت في الدفاع عن المختار ويكون بناءاً على هذه المعادلة أفضل ما كتب عنه.

١٧

ملحق الرأس الشريف

أمّا عن الرأس الشريف فقد تمنّيت أن يخلو الكتاب من هذا الملحق ، لأنّه خال من أيّ تحقيق عنه والقارئ حين تقع عينه على موضوع مستقلّ في الرأس الشريف يطمع بتحقيق ثابت محيط بالموضوع من كلّ أطرافه فإذا خاب ظنّه ولم يحصل على بغيته يكون إفراد الحديث عن الرأس بموضوع خاص من دون معنى.

هذا ولم يخلُ الموضوع ومن التحقيق وحده بل ربّما روى الروايات المتناهية الضعف بل الموضوعة ولكن المؤلّف ألقى عليها هالة قدسيّة من شعاع قلمه البليغ فخدعت كثيراً ممّن يحسنون الظنّ بالمؤلّف فأسأل الله أن يحسن إليه فيما أحسن وأن يعفو عنه فيما تساهل في روايته وهو لا يعدّ شيئاً قياساً إلى حسناته التي لا حصر لها.

أُسلوب المؤلّف

بعد أن عشت مع الكتاب وجرت فصوله مع أنفاسي واستمرأت عباراته البليغة النادرة رأيته لا يلحق شأوه في النثر العربي ولا تنال غايته وليس سبب ذلك استبطانه بالعراق ردحاً من الزمن فكم من مستوطن عاد وهو لا يجيد صياغة جملة واحدة ولكنّه الدين الذي حمله على حبّ هذه اللغة فاعتبرها لغته وهي فعلاً لغة كلّ مسلم ولا تختصّ بالعرب وحدهم.

والشيخ المحلّاتي رحمه‌الله مؤمن مكافح عن الإيمان مدافع عن الإسلام حامل لواء الدفاع عنه قلعة حصينة لا يمكن أن تقتحمها القوى المعادية مهما أضرّت وتنمّرت ، ولكنّه مظلوم لم يؤدّ حقّه حملة الأقلام فيكتبون عنه ولو دراسة واحدة تتناوله منشأ وتعلّماً وإنتاجاً وعطاءاً ولست أنفي ذلك نفياً باتّاً ولكنّي لم أعثر على

١٨

هذه الدراسة مع بحثي عنها وتطلّبي لها ولكن عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود.

أمّا الفارسيّة ففي اعتقادي أنّ الرجل رائد من روّاد النثر الفارسي وهو مجدّد في أساليبه وقد ازدادت هذه اللغة الجميلة على يده صقلاً وتشذيباً لا سيّما في نطاق ترجمة النصوص من العربيّة إليها ، فإنّك تجد أًسلوبه أًسلوباً عذباً صحيحاً ذي حبكة متلاحمة لا تجد فيها فواصل غريبة من غير بنيتها ، وقد اعتاد إخوانه أن يترجموا العربيّة أحياناً بالعربيّة حيث يختارون لفظاً دراجاً على الألسن أو الأقلام فيحلونه محلّ اللفظ المترجم وإن كان من لغة النصّ المترجم وهذا في نظري من أكبر العيوب في الترجمة من العربيّة.

لأنّ الفارسيّة ليست لغة فقيرة بل تملك من المفردات ما تغطّي به اكثر من المساحة المراد ترجمتها والشيخ المحلّاتي رحمه‌الله انطلاقاً من هذا المبدأ راح يترجم النصوص على هذا النهج الصحيح وهو أحياناً يضع النصّ المترجم في الهامش لكي يعطيك الفرصة للمقارنة وتمييز الترجمة الصحيحة عن تلك التي اسميها الملمعة التي لا تعني عند أبناء هذا العصر شيئاً .. نعم لأُستاذنا المحلّاتي رضوان الله عليه ولع خاصّ في تطعيم الترجمة بالعبارات البليغة المستوحاة من روح النصّ وهي وإن لم تكن غريبة على الترجمة وللمترجم صياغة النصّ بما يحبّبه إلى القارئى شريطة أن لا يزيد على المعنى المترجم منه شيئاً إلّا أنّه يجعل الترجمة فضفاضة من ثمّ عمدت إلى تجاوز عباراته والاقتناع بالنصّ وحده وربّما أعجبتني العبارات فترجمتها على الاستقلال في الهامش مع الإشارة إلى ذلك طبعاً وذلك فيما إذا عثرت على النصّ كما هو ، أمّا إذا عثرت عليه في معناه دون ألفاظه التي أعاد المؤلّف صياغتها من العربيّة فإنّي أضطرّ حينئذٍ إلى المزج بين ترجمة المؤلّف وعبارات النصّ وهكذا اتّخذت هذا النحو من الترجمة منهجاً حتّى النهاية ..

١٩

وآخر كلمة لي أقولها عن الشعر فقد اعتمدت طريقة خاصّة في ترجمته وذلك أنّي ألممت بالمعنى فضعت القطعة العربيّة على أساس استلهام المعنى فقد تقارب العربيّة على أساس استلهام المعنى ، وقد تقارب القطعة الفارسيّة فتكون ترجمة لها بالمعنى المطابقي للترجمة وقد أضطرّ أحياناً إلى الاقتصار على بعض معاني القطعة الفارسيّة أو على روحها ، وأضيف إليها معاني جديدة منّي لا يعدّ هذا المسلك ترجمة من ثمّ سمّيت هذا وذاك «مباراة» ولم أُسمّه ترجمة لأنّ المترجم ليس ملزماً بترجمة الشعر إلى شعر ولكنّي رأيت هذا المذهب أجمل وأحسن من الترجمة النثريّة وقد تركت قصائد أربعاً من دون ترجمة : أمّا الأُولى فقد تركتها لطولها وعمق معانيها ، وأمّا الآخر فقد تركتها بأمر الطبيب حيث أمرني بتجنّب الضغط على القلب بالإثارة أو الانفعال ولا شيء يثير القلب أكثر من التفكير في نظم الكلام والبحث عن الإلفاظ للمعاني ، وهكذا لذلك تركت ترجمتها رعاية للصحّة وحرصاً على القلب الذي رأى من الأهوال ما لم يكن بالحسبان. حمى الله أحبّائنا القرّاء من كلّ سوء في النفس والأهل وأسألهم الدعاء.

وجزى الله الأخ الكبير أبا زينب ألف خير وخير حيث تعهّد بطبع وإخراج مثل هذه الكتب جرياً على سنّتهم الفاضلة.

كما جزى سيّدي السيّد محمّد المعلّم على تعبه الكبير في رصف الحروف والعناية بالإخراج إخراجاً جيّداً ، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

محمّد شعاع فاخر

٢٠