الطبّ النبوي

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

الطبّ النبوي

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : الطّب المطبعة: دار إحياء الكتب العربية ـ قاهرة
نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين ، وصلواته على أشرف المرسلين : محمد خاتم النبيين ، وآله وصحبه أجمعين.

أما بعد : فهذه فصول نافعة في هديه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، في الطب الذي تطبب به ، ووصفه لغيره. نبين (١) ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكبر (٢) الأطباء عن الوصول إليها (٣). فنقول ـ وبالله نستعين ، ومنه نستمد الحول والقوة ـ :

( فصل ) المرض نوعان : مرض القلوب ، ومرض الأبدان (٤). وهما مذكوران في القرآن.

__________________

(١) في زاد المعاد ( ٣ / ٦٣ : ط المصرية ) : « ونبين » وهو ملائم لما ورد فيه قلبه.

(٢) في الزاد : « أكثر ». أي : خبرة ومعرفة ، لا عددا.

(٣) في الزاد زيادة بعد ذلك ، هي : « وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم ». وسيأتى قريبا نحوها.

(٤) إن هذا التقسيم فيه من الحكمة الإلهية والاعجاز الكثير ، ما لم يتوصل إليه الأطباء إلا حديثا : في منتصف القرن الثامن عشر. فقد قسمت الأمراض عموما إلى قسمين :

١ ـ الأمراض العضوية. وهى : الأمراض التي تنتج من عدم أداء أي جزء من أجزاء الجسم وظيفته كاملا ، أو توقفه عن العمل بالكلية. أو تنتج من دخول ميكروبات مختلفة الأنواع إلى الجسم ، وتصيب أي عضو فيه بالتلف. وينتج عن ذلك أعراض المرض. وكل مرض عضوي له أعراض وتاريخ ومواصفات ومضاعفات خاصة به : بحيث يمكن التفرقة بين الأمراض العضوية ، وتشخيص كل منها.

وهذا هو المقصود بمرض الأبدان ، كما ذكره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وأمثال هذه الأمراض هي : الشلل ، الحميات ، الدرن ، الصفراء ، إلخ.

٢ ـ الأمراض النفسية. وهى ـ في الحقيقة ـ : أعراض أمراض متنوعة وكثيرة جدا ، يشعر بها المريض. وبالكشف عليه بواسطة الطبيب ، مع الاستعانة بجميع الأبحاث اللازمة ـ مثل الأشعة والتحاليل المختلفة إلخ ـ يوجد المريض في حالة طبيعية ، أي : عدم وجود مرض عضوي بالجسم.

وهذه الاعراض تنتج عن مؤثرات خارجية في الحياة العامة. مثل : الخوف ، الشك ، الغرام ، عدم الاكتفاء الجنسي. كثرة الاجهاد ، إلخ.

وهذا هو مرض القلوب ، كما ذكره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وحكمة تقسيمه إلى أمراض شبه وشك ، ومرض شهوة وغى ، ففيه كل الحكمة حسب النظريات الحديثة في علم النفس. ١ ه‍ د.

١

ومرض القلوب نوعان : مرض شبهة وشك ، ومرض شهوة وغى. وكلاهما في القرآن ، قال تعالى في مرض الشبهة : ( في قلوبهم مرض ، فزادهم الله مرضا ) ، وقال تعالى : ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون : ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ ) ، وقال تعالى في حق من دعى إلى تحكيم القرآن والسنة ، فأبى وأعرض : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم : إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفى قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ بل أولئك هم الظالمون ). فهذا مرض الشبهات والشكوك.

وأما مرض الشهوات ، فقال تعالى : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ، إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ). فهذا مرض شهوة الزنا. والله أعلم.

( فصل ) وأما مرض الأبدان ، فقال تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ). وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء ، لسر بديع : يبين لك عظمة القرآن ، والاستغناء به لمن فهمه وعقله ، عن سواه.

وذلك : أن قواعد طب الأبدان ثلاثة : حفظ الصحة ، والحمية عن المؤذى ، واستفراغ المواد الفاسدة. فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة ، في هذه المواضع الثلاثة ، فقال في آية الصوم (١) : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر : فعدة من أيام أخر ) ، فأباح الفطر للمريض : لعذر المرض ، وللمسافر : طلبا لحفظ صحته وقوته ، لئلا يذهبها الصوم في السفر : لاجتماع شدة الحركة ، وما يوجبه : من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل ، فتخور القوة وتضعف. فأباح للمسافر الفطر : حفظا لصحته وقوته ، عما يضعفها.

وقال في آية الحج : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه ـ : من قمل ، أو حكة ،

__________________

(١) كذا في الزاد (ص ٦٤). وفى الأصل : « الطعام ».

٢

أو غيرهما ـ أن يحلق رأسه في الاحرام : استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه ، باحتقانها تحت الشعر. فإذا حلق رأسه ففتحت المسام ، فخرجت تلك الأبخرة منها ـ : فهذا الاستفراغ ، يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه.

والأشياء التي يؤذى انحباسها ومدافعتها عشرة : الدم إذا هاج ، والمنى إذا تتابع (١) ، والبول ، والغائط ، والريح ، والقئ ، والعطاس ، والنوم ، والجوع ، والعطش. وكل واحد ـ من هذه العشرة ـ يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسه. وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها ـ وهو : البخار المحتقن في الرأس. ـ على استفراغ ما هو أصعب منه ، كما هي طريقة القرآن : التنبيه بالأدنى على الاعلى.

وأما الحمية ، فقال تعالى في آية الوضوء : ( وإن كنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء ، : فتيمموا صعيدا طيبا ) ، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب : حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه. وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذله من داخل أو خارج.

فقد أرشد سبحانه عباده إلى أصول الطب الثلاثة ، ومجامع قواعده.

ونحن نذكر هدى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك ، ونبين أن هديه فيه أكمل هدى.

فأما طب القلوب ، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم (٢) فإن صلاح القلوب : أن تكون عارفة بربها وفاطرها ، وبأسمائه وصفاته ، وأفعاله وأحكامه ، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ولمحابه ، متجنبة لمناهيه ومساخطه. ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل. وما يظن ـ : من حصول صحة القلب بدون اتباعهم. ـ فغلط ممن يظن ذلك. وإنما ذلك : حياة نفسه البهيمية الشهوانية ، وصحتها وقوتها. وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل.

__________________

(١) كذا في الأصل. وفى الزاد : « سبغ ».

(٢) إن الايمان بالله وبرسله ، والعقيدة الراسخة ـ لمن أهم علاج حالات مرض القلوب ، أي : المرض النفسي. اه‍ د.

٣

ومن لم يميز بين هذا وهذا : فليبك على حياة قلبه : فإنه من الأموات ، وعلى نوره : فإنه منغمس في بحار الظلمات.

( فصل ) وأما طب الأبدان ، فإنه نوعان : نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقة وبهيمه ، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب : كطب الجوع والعطش والبرد والتعب ، بأضدادها وما يزيلها.

والثاني ما يحتاج إلى فكر وتأمل : كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج ، بحيث يخرج بها عن الاعتدال : إما إلى حرارة ، أو برودة ، أو يبوسة ، أو رطوبة ، أو ما يتركب من اثنين منها. وهى نوعان : إما مادية ، وإما كيفية. أعنى : إما أن يكون بانصباب مادة ، أو بحدوث كيفية. والفرق بينهما : أن أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها ، فتزول موادها ، ويبقى أثرها كيفية في المزاج. وأمراض المادة أسبابها معها تمدها. وإذا كان سبب المرض معه : فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولا ، ثم في المرض ثانيا ، ثم في الدواء ثالثا.

أو الأمراض الالية ، وهى : التي تخرج العضو عن هيئته : إما في شكل ، أو تجويف ، أو مجرى ، أو خشونة ، أو ملامسة ، أو عدد ، أو عظم ، أو وضع. فإن هذه الأعضاء إذا تألفت ، وكان منها ، البدن ـ سمى تألفها : اتصالا ، والخروج عن الاعتدال فيه يسمى : تفرق الاتصال.

أو الأمراض العامة : التي نعم المتشابهة والالية.

والأمراض المتشابهة هي : التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال ، وهذا الخروج يسمى

مرضا : بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا. وهى على ثمانية أضرب : أربعة بسيطة ، وأربعة مركبة. والبسيطة : البارد ، والحار ، والرطب ، واليابس. والمركبة : الحار الرطب ، والحار اليابس ، والبارد الرطب ، والبارد اليابس. وهى إما أن تكون بانصباب مادة ، أو بغير انصباب مادة.

وإن لم يضر المرض بالفعل (١) ، يسمى خروجا عن الاعتدال صحة.

__________________

(١) كذا بالزاد (ص ٦٥). وفى الأصل : « بالعقل » وهو تصحيف.

٤

وللبدن ثلاثة أحوال : حال طبيعية ، وحال خارجة عن الطبيعية ، وحال متوسطة بين الامرين. فالأولى بها يكون البدن صحيحا ، والثانية يكون بها مريضا ، والحال الثالثة هي متوسطة بين الحالتين : فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط (١).

وسبب خروج البدن عن طبيعته : إما من داخله ، لأنه مركب من الحار والبارد ، والرطب واليابس. وإما من خارج : فلان ما يلقاه قد يكون موافقا ، وقد يكون غير موافق.

والضرر الذي يلحق الانسان قد يكون من سوء المزاج : بخروجه عن الاعتدال ، وقد يكون من فساد العضو ، وقد يكون من ضعف في القوى أو الأرواح الحاملة لها ويرجع ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته ، أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه ، أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله ، أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه ، أو امتداد ما الاعتدال في انقباضه ، أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله : بحيث يخرجه عن اعتداله.

فالطبيب هو الذي يفرق ما يضر بالانسان جمعه ، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه ، أو ينقص منه ما يضره زيادته ، أو يزيد فيه ما يضره نقصه. فيجلب الصحة المفقودة ، أو يحفظها بالشكل والشبه ، ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ويخرجها ، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية. وسترى هذا كله في هدى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شافيا وكافيا ، بحول الله وقوته ، وفضله ومعونته.

( فصل ) فكان من هديه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فعل التداوي في نفسه ، والامر به لمن أصابه مرض من أهله أو أصحابه (٢). ولكن لم يكن من هديه ولا هدى أصحابه ، استعمال هذه الأدوية المركبة التي تسمى : أقراباذين (٢). بل كان غالب أدويتهم بالمفردات ، وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه ، أو يكسر سورته. وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها : من العرب ، والترك ، وأهل البوادي قاطبة. وإنما عنى بالمركبات الروم واليونانيون. وأكثر طب الهند بالمفردات.

__________________

(١) كذا بالأصل وفى الزاد : « لمتوسط ». وكلاهما صحيح.

(٢) كذا بالأصل. وفى الزاد : « وأصحابه .. أقرباذين ».

٥

وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء : لا يعدل إلى الدواء ، ومتى أمكن بالبسيط : لا يعدل إلى المركب. قالوا : وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية ، لم يحاول دفعه بالأدوية. قالوا : ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقى الأدوية (١) ، فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله ، أو وجد داء لا يوافقه ، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته ـ : تشبث بالصحة وعبث بها.

وأرباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالبا ، وهم أحد فرق الطب الثلاث :

والتحقيق في ذلك : أن الأدوية من جنس الأغذية ، والأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات : أمراضها (٢) قليلة جدا ، وطبها بالمفردات. وأهل المدن الذين غلبت. عليهم الأغذية المركبة ، يحتاجون إلى الأدوية المركبة. وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة ، فالأدوية المركبة أنفع لها. وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة : فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة. فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية.

ونحن نقول : إن ههنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه ، كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم. وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم. فإن ما عندهم من العلم بالطب ( منهم ) من يقول : هو قياس ، ( ومنهم ) من يقول : هو تجربة ، ( ومنهم ) من يقول : إلهامات ومنامات وحدس صائب ، ( ومنهم ) من يقول : أخذ كثير منه (٣) من الحيوانات البهيمية ، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم : تعمد إلى السراج ، فتلغ في الزيت تتداوى به. وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض ـ وقد غشيت أبصارها ـ : تأتى إلى ورق الرازيانج ، فتمر عيونها عليها. وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه. وأمثال ذلك : مما ذكر في مبادئ الطب.

__________________

(١) عند وجود مرض معين ، يجب استعمال الدواء اللازم بدون إسراف. لان كل دواء سلاح ذو حدين يفيد المريض من المرض من ناحية ، فإن زادت كميته وجرعته وطالت مدة استعماله : فربما يؤدى إلى مرض أي عضو من أعضاء الجسم السليمة. ويوجد كثير من الأمراض لا يحتاج علاجها إلى أكثر من الراحة التامة ، ونظام معين في التغذية. اه‍ د.

(٢) كذا بالأصل. وفى الزاد : « فأمراضها ». وكل صحيح.

(٣) هذه الكلمة ساقطة من الزاد ، وهى متعينة أو جيدة.

٦

وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره؟! فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي : كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء. بل ههنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم ـ : من الأدوية القلبية والروحانية ، وقوة القلب ، واعتماده على الله ، والتوكل عليه ، والالتجاء إليه ، والانطراح والانكسار بين يديه ، والتذلل له ، والصدقة والدعاء ، والتوبة والاستغفار ، والاحسان إلى الخلق ، وإغاثة الملهوف ، والتفريج عن المكروب. فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم ـ على اختلاف أديانها ومللها ـ فوجدوا لها : من التأثير في الشفاء ، ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ، ولا تجربته ، ولا قياسه.

وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية ، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة الأدوية الطرقية عند الأطباء. وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية : ليس خارجا عنها. ولكن الأسباب متنوعة : فإن القلب متى اتصل برب العالمين ، وخالق الداء والدواء ، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء ـ : كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه ، المعرض عنه. وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة : تعاونا على دفع الداء وقهره ، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به ، وحبها له ، وتنعمها بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ، وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه ـ أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، وتوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلمة؟! ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس ، وأعظمهم حجابا ، وأكثفهم نفسا ، وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الانسان (١). وسنذكر ـ إن شاء الله ـ السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ ، التي رقى بها فقام حتى كان ما به قلبة (٢).

__________________

(١) كذا بالأصل. وفى الزاد (ص ٦٦) : « الانسانية ».

(٢) القلبة (بزنة سبلة) : الداء أو الألم الذي يتقلب منه صاحبه. اه‍ ق.

٧

فهذان نوعان من الطب النبوي ، نحن ـ بحول الله ـ نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة ، ومبلغ علومنا القاصرة ، ومعارفنا المتلاشية جدا ، وبضاعتنا المزجاة. (١) ولكنا نستوهب من بيده الخير كله ، ونستمد من فضله. فإنه العزيز الوهاب.

( فصل ) روى مسلم في صحيحه ـ من حديث أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أنه قال : « لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء : برأ بإذن الله عز وجل » (٢).

وفى الصحيحين : (٣) عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « ما أنزل الله من داء ، إلا أنزل له شفاء » (٤).

وفى مسند الإمام أحمد ، من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك ، قال : « كنت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجاءت الاعراب ، فقالوا : يا رسول الله ، أنتداوى؟ فقال : نعم يا عباد الله ، تداووا : فإن الله عز وجل لم يضع داء ، إلا وضع له شفاء ، غير داء واحد. قالوا : ما هو؟ قال : الهرم ». وفى لفظ : « إن الله لم ينزل داء ، إلا أنزل له شفاء : علمه من علمه وجهله من جهله » (٥). وفى المسند ـ من حديث ابن مسعود يرفعه ـ : « إن الله عز وجل لم ينزل داء ، إلا أنزل له شفاء : علمه من علمه ، وجهله من جهله » (٦).

وفى المسند والسنن ، عن أبي خزامة ، قال : « قلت يا رسول الله ، أرأيت رقى

__________________

(١) البضاعة المزجاة هي : القليلة : أو التي لم يتم صلاحها. والكلام على التمثيل. اه‍ ق.

(٢) وأخرجه أيضا : أحمد ، والحاكم. اه‍ ق.

(٣) أي : صحيحي الامامين البخاري ومسلم في الحديث. وهما على الترتيب ـ بإجماع الأمة ـ أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. اه‍ ق.

(٤) وأخرجه أيضا : النسائي ، وابن ماجة. ولم أره بمسلم. وأخرجه الحاكم ـ عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ـ بنحوه ، وقال : صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي. اه‍ ق.

(٥) وأخرجه أيضا : أبو داود ، والترمذي ـ وقال : حسن صحيح. ـ والنسائي ، وابن ماجة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم من عشر طرق عن زياد عنه ، على شرط البخاري ومسلم ، وجعله أصلا لهذا الباب. اه‍ ق.

(٦) وأخرجه أيضا : النسائي ، وابن ماجة ، والحاكم ، وابن حبان في صحيحيهما ، والطبراني ، ورجاله ثقات. وهو ـ أيضا ـ في مسند أبي حنيفة. اه‍ ق.

٨

نسترقيها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال : هي من قدر الله » (١).

فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات ، وإبطال قول من أنكرها.

ويجوز أن يكون قوله : « لكل داء دواء » ، على عمومه : حتى يتناول الأدواء القاتلة ، والأدواء التي لا يمكن طبيبا أن يبرئها. ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها ، ولكن طوى علمها عن البشر ، ولم يجعل لهم إليه سبيلا. لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله. ولهذا علق النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ الشفاء ، على مصادفة الدواء للداء. فإنه لا شئ من المخلوقات إلا له ضد ، فكل (٢) داء له ضد من الدواء : يعالج بضده. فعلق ـ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ البرء ، بموافقة الداء للدواء. وهذا قدر زائد على مجرد وجوده. فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي ـ : نقله إلى داء آخر. ومتى قصر عنها : لم يف بمقاومته ، وكان العلاج قاصرا. ومتى لم يقع المداوى على الدواء : لم يحصل الشفاء. ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء : لم ينفع. ومتى كان البدن غير قابل له (٣) ، أو القوة عاجزة عن حمله ، أو ثم مانع يمنع من تأثيره ـ : لم يحصل البرء ، لعدم المصادفة. ومتى تمت المصادفة : حصل البرء ولابد. وهذا أحسن المحملين في الحديث.

والثاني : أن يكون من العام المراد به الخاص ، لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف (٤) الخارج منه. وهذا يستعمل في كل لسان. ويكون المراد : أن الله لم يضع داء يقبل

__________________

(١) السنن المذكورة هي سنن الترمذي. وقد أخرج الحديث أيضا : ابن ماجة ، والحاكم في صحيحه. وقال الترمذي : حسن صحيح. اه‍ ق. وانظر : الدرة البهية للسعدي وهامشها (ص ٣٤ و ٧٢).

(٢) في الزاد (ص ٦٧) : « وكل ». وما في الأصل أحسن.

(٣) أي : للدواء. وهذا ما يعرف في الطب الحديث : بالحساسية للدواء ، أي عدم قبول الجسم لهذا الدواء ، مع شيوع استعماله في أجسام أخرى. اه‍ د.

(٤) كذا بالأصل. وفى الزاد : « أضعاف أضعاف ».

٩

الدواء ، إلا وضع له دواء. فلا يدخل في هذا (١) الأدواء التي لا تقبل الدواء.

وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد : ( تدمر كل شئ بأمر ربها ) أي : كل شئ يقبل التدمير ، ومن شأن الريح أن تدمره. ونظائره كثيرة.

ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم ، ومقاومة بعضها لبعض ، ودفع بعضها ببعض ، وتسليط بعضها على بعض ـ : تبين له كمال قدرة الرب تعالى وحكمته وإتقانه ما صنعه ، وتفرده بالربوبية والوحدانية والقهر ، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه ، كما أنه الغنى بذاته ، وكل ما سواه محتاج بذاته.

وفى هذه الأحاديث الصحيحة : الامر بالتداوي ، وأنه لا ينافي التوكل : كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات (٢) لمسبباتها قدرا وشرعا. وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل ، كما يقدح في الامر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن معطلها : أن تركها أقوى في التوكل. فإن تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته : اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلا : كان معطلا للحكمة والشرع. فلا يجعل العبد عجزه توكلا ، ولا توكله عجزا.

وفيها : رد على من أنكر التداوي ، وقال : إن كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا يفيد ، وإن لم يكن قدر فكذلك. وأيضا : فإن المرض حصل بقدر الله ، وقدر الله لا يدفع ولا يرد.

وهذا السؤال هو الذي أورده الاعراب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأما أفاضل الصحابة : فأعلم بالله وحكمته وصفاته ، من أن يوردوا مثل هذا.

__________________

(١) كذا بالزاد ، وهو الظاهر. وفى الأصل : « هذه ».

(٢) في الزاد زيادة بعد ذلك ، هي : « معطلها أن تركها ». وهى مقدمة عن موضعها ، وساقطة منه فيه.

١٠

وقد أجابهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما شفى وكفى ، فقال : هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله ، فما خرج شئ عن قدره ، بل يرد [ قدره ] (١) بقدره. وهذا الرد من قدره. فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما. وهذا : كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، وكرد قدر العدو بالجهاد. وكل من قدر الله : الدافع ، والمدفوع ، والدفع.

ويقال لمورد هذا السؤال : هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببا من الأسباب التي تجلب بها منفعة ، أو تدفع بها مضرة. لان المنفعة والمضرة : إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما ، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما. وفى ذلك خراب الدين والدنيا ، وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا دافع للحق ، معاند له فيذكر القدر : ليدفع حجة المحق (٢) عليه. كالمشركين الذين قالوا (٣) : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) ، و ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ). فهذا قالوه : دفعا لحجة الله عليهم بالرسل.

وجواب هذا السائل أن يقال : بقى قسم ثالث لم تذكره ، وهو : أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب ، فإن أتيت بالسبب حصل المسبب ، وإلا فلا.

فإن قال : إن كان قدر لي السبب فعلته ، وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله.

قيل : فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك وأجيرك ، إذا احتج به عليك ـ

فيما أمرته به ، ونهيته عنه ـ فخالفك. فإن قبلته : فلا تلم من عصاك وأخذ مالك ، وقذف عرضك ، وضيع حقوقك. وإن لم تقبله : فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق الله عليك!!.

وقد روى في أثر إسرائيلي : « أن إبراهيم الخليل قال : يا رب ، ممن الداء! قال :

__________________

(١) هذه الزيادة عن الزاد : ( ص ٦٧ ).

(٢) كذا بالزاد. وفى الأصل : « المحقق » ولعله تحريف.

(٣) على ما حكى الله عنهم : في سورة الأنعام ( ١٤٨ ) ، وسورة النحل (٣٥).

١١

منى. قال : فممن الدواء؟ قال : منى. قال : فما بال الطبيب؟ قال : رجل أرسل الدواء على يديه ».

وفى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « لكل داء دواء » ، تقوية لنفس المريض والطبيب ، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه. فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله : تعلق قلبه بروح الرجاء ، وبرد من حرارة اليأس ، وانفتح له باب الرجاء. ومتى قويت نفسه : انبعثت حرارته الغريزية ، وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية. ومتى قويت هذه الأرواح : قويت القوى التي هي حاملة لها : فقهرت المرض ودفعته. وكذلك الطبيب : إذا علم أن لهذا الداء دواء ، أمكنه طلبه والتفتيش عليه.

وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب ، وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له شفاء بضده. فإن علمه صاحب الداء واستعمله ، وصادف داء قلبه ـ : أبرأه بإذن (١) الله تعالى.

( فصل ) في هديه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : في الاحتماء من التخم والزيادة في الاكل على قدر الحاجة ، والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشرب.

في المسند وغيره ـ عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أنه قال : « ما ملا آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لابد فاعلا : فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » (٢).

( فصل ) الأمراض نوعان : أمراض مادية تكون عن زيادة مادة : أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية ، وهى الأمراض الأكثرية. وسببها : إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول ، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن ، وتناول الأغذية القليلة النفع ، البطيئة الهضم ، والا كثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة. فإذا ملا الآدمي بطنه من هذه الأغذية ، واعتاد ذلك ـ : أورثته أمراضا متنوعة ، منها بطئ

__________________

(١) كذا بالزاد (٦٨) وفى الأصل : « بأن » وهو تحريف.

(٢) وأخرجه أيضا : الترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم وابن حبان في صحيحيهما. وقال الترمذي : حسن وفى نسخة : حسن صحيح. ومعنى « بحسب ابن آدم » : يكفيه. وصلبه : ظهره ، مجازا في جميع البدن : لأنه عماده الذي يقوم به. اه‍ ق.

١٢

الزوال أو سريعه. فإذا توسط في الغذاء ، وتناول منه قدر الحاجة ، وكان معتدلا في كميته وكيفيته ـ : كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.

ومراتب الغذاء ثلاثة : ( أحدها ) : مرتبة الحاجة ، ( والثانية ) مرتبة الكفاية ، ( والثالثة ) : مرتبة الفضلة. فأخبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه ، فلا تسقط قوته ولا تضعف معها ، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه ، ويدع الثلث الاخر للماء ، والثالث للنفس. وهذا من أنفع ما للبدن والقلب : فإن البطن إذا امتلا من الطعام ، ضاق عن الشراب. فإذا أورد عليه الشراب : ضاق عن النفس ، وعرض له الكرب والتعب ، وصار محمله بمنزله حامل الحمل الثقيل. هذا إلى ما يلزم ذلك : من فساد القلب ، وكسل الجوارح عن الطاعات ، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع.

فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن (١). هذا إذا كان دائما أو أكثريا. وأما إذا كان في الأحيان ، فلا بأس ( به ) (٢) : فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من اللبن ، حتى قال : « والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا » ، وأكل الصحابة بحضرته مرارا ، حتى شبعوا. والشبع المفرط يضعف القوى والبدن : وإن أخصبه. وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء ، لا بحسب كثرته.

ولما كان في الانسان جزء أرضي ، وجزء هوائي ، وجزء مائي ـ : قسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، طعامه وشرابه ونفسه ، على الاجزاء الثلاثة.

فإن قيل : فأين حظ جزء النار (٣)؟. قيل : هذه المسألة تكلم فيها الأطباء ، وقالوا : إن في البدن جزءا ناريا بالفعل ، وهو أحد أركانه وإسطقساته (٤).

__________________

(١) قال الشافعي رضي الله عنه : « ما شبعت منذ ست عشرة سنة ، إلا شبعة طرحتها. لان الشبع : يثقل البدن ، ويقسى القلب ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة ». انظر : آداب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي ، وهامشه (ص ١٠٦).

(٢) زيادة جيدة : عن الزاد (٦٨).

(٣) كذا بالأصل. وفى الزاد : « الجزء الناري ».

(٤) أي : أصوله. جمع « إسطقس ». وهو لفظ يوناني بمعنى : الأصل. وسموا العناصر الأربع ـ التي هي : الماء ، والأرض ، والهواء ، والنار. ـ إسطقسات : لأنها أصول المركبات التي هي : الحيوانات والنباتات والمعادن ، عندهم. اه‍ ق

١٣

ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء ـ من الأطباء وغيرهم ـ وقالوا : ليس في البدن جزء ناري بالفعل. واستدلوا بوجوه :

( أحدها ) : أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى : أنه نزل عن الأثير واختلط بهذه الاجزاء المائية والأرضية ، أو يقال : إنه تولد فيها وتكون.

والأول مستبعد لوجهين : أحدهما : أن النار بالطبع صاعدة ، فلو نزلت لكانت بقاسر من مركزها إلى هذا العالم. الثاني : أن تلك الأجزاء النارية لابد في نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد. ونحن نشاهد في هذا العالم : أن النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل ، فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة الزمهرير ـ التي هي في غاية البرد ، ونهاية العظم ـ أولى بالانطفاء.

وأما الثاني ـ وهو أن يقال : إنها تكونت ههنا. ـ فهو أبعد وأبعد : لان الجسم الذي صار نارا ، بعد أن لم يكن كذلك ، قد كان قبل صيرورته : إما أرضا ، وإما ماء ، وإما هواء. لانحصار الأركان في هذه الأربعة. وهذا الذي قد صار نارا أولا ، كان مختلطا بأحد هذه الأجسام ومتصلا بها. والجسم الذي لا يكون نارا : إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها ، لا يكون مستعدا لان ينقلب نارا. لأنه في نفسه ليس بنار. والأجسام المختلطة به باردة. فكيف يكون مستعدا لانقلابه نارا؟!.

وإن قلتم : لم لا تكون هناك أجزاء نارية تقلب هذه الأجسام وتجعلها نارا ، بسبب مخالطتها إياها؟.

قلنا : الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية ، كالكلام في الأول.

فإن قلتم : إنا نرى في رش الماء على النورة (١) المطفأة تنفصل منها نار ، وإذا وقع شعاع الشمس على البلورة ظهرت النار منها ، وإذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت

__________________

(١) النورة (بزنة ثومة) : حجر الكلس ، أي الجير. ثم غلب على أخلاط تضاف إلى الكلس : من زرنيخ وغيره. اه‍ ق.

١٤

النار. وكل هذه النارية حدثت عند الاختلاط. وذلك يبطل ما قررتموه في القسم الأول أيضا.

قال المنكرون : نحن لا ننكر أن تكون المصاكة (١) الشديدة محدثة للنار ، كما في ضرب الحجارة على الحديد ، أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار ، كما في البلورة. لكنا نستبعد ذلك جدا في أجرام النبات والحيوان : إذ ليس في أجرامها من الاصطكاك ما يوجب حدوث النار ، ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ إلى حد البلورة. كيف : وشعاع الشمس يقع على ظاهرها ، فلا نتولد النار البتة؟!. فالشعاع الذي يصل إلى باطنها كيف يولد النار؟!.

( الوجه الثاني في أصل المسألة ) : أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع ، فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزء النارية : لكانت محالا. إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها ، كيف يعقل بقاؤها في الاجزاء المائية الغالبة دهرا طويلا ، بحيث لا تنطفئ؟! مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل.

( الوجه الثالث ) : أنه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل ، لكان مغلوبا بالجزء المائي الذي فيه ، وكان الجزء الناري مقهورا به ، وغلبة بعض الطبائع والعناصر على بعض ، يقتضى انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب. فكان يلزم بالضرورة انقلاب تلك الأجزاء النارية القليلة جدا ، إلى طبيعة الماء الذي هو ضد النار.

( الوجه الرابع ) : أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الانسان في كتابه ، في مواضع متعددة ، يخبر في بعضها : أنه خلقه من ماء ، وفى بعضها : أنه خلقه من تراب ، وفى بعضها : أنه خلقه من المركب منهما ، وهو : الطين ، وفى بعضها : أنه خلق من صلصال كالفخار ، وهو : الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالا كالفخار. ولم يخبر في موضع واحد : أنه خلقه من نار ، بل جعل ذلك خاصية إبليس.

__________________

(١) المصاكة مفاعلة من الصك. وهى : المصادمة. اه‍ ق.

١٥

وثبت في صحيح مسلم ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم ». وهذا صريح : في أنه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط ، ولم يصف لنا سبحانه : أنه خلقه من نار ، ولا أن في مادته شيئا من النار.

( الوجه الخامس ) : أن غاية ما يستدلون به ، ما يشاهدون : من الحرارة في أبدان الحيوان. وهى دليل على الاجزاء النارية. وهذا لا يدل : فإن أسباب الحرارة أعم من النار ، فإنها تكون من النار تارة ، وعن الحركة أخرى ، وعن انعكاس الأشعة ، وعن سخونة الهواء ، وعن مجاورة النار. وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضا. وتكون عن أسباب أخر. فلا يلزم من الحرارة النار.

قال أصحاب النار (١) : من المعلوم أن التراب والماء : إذا اختلطا فلابد لهما من حرارة تقتضى طبخهما وامتزاجهما ، وإلا : كان كل منهما غير ممازج للآخر ولا متحدا به. وكذلك إذا ألقينا البذر في الطين ـ بحيث لا يصل إليه الهواء ولا الشمس ـ فسد. فلا يخلو إما أن يحصل في المركب جسم منضج طابخ بالطبع ، أولا. فإن حصل : فهو الجزء الناري ، وإن لم يحصل : لم يكن المركب مسخنا بطبعه ، بل إن سخن : كان التسخين عرضيا. فإذا زال التسخين العرضي : لم يكن الشئ حارا في طبعه ، ولا في كيفيته ، وكان باردا مطلقا. لكن : من الأغذية والأدوية ما يكون حارا بالطبع ، فعلمنا أن حرارتها إنما كانت : لان فيها جوهرا ناريا.

وأيضا : فلو لم يكن في البدن جزء مسخن ، لوجب أن يكون في نهاية البرد. لان الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد ، وكانت خالية عن المعاون والمعارض ـ : وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية. ولو كان كذلك : لما حصل [ لها ] (٢) الاحساس بالبرد ، لان البرد الواصل إليه : إذا كان في الغاية كان مثله ، والشئ لا ينفعل عن مثله. وإذا لم ينفعل عنه :

__________________

(١) أي : القائلون بدخولها في العناصر التي خلق منها الانسان. وفيه تعريض بكفرهم : على سبيل التورية والايهام. اه‍ ق. (٢) زيادة جيدة : عن الزاد (ص ٧٠).

١٦

لم يحس به ، وإذا لم يحس به : لم يتألم عنه. وإن كان دونه : فعدم الانفعال يكون أولى. فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع : لما انفعل عن البرد ، ولا تألم به.

قالوا : وأدلتكم إنما تبطل قول من يقول : الاجزاء النارية باقية في هذه المركبات على حالها وطبيعتها النارية. ونحن لا نقول بذلك ، بل نقول : إن صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج.

قال الآخرون : لم لا يجوز أن يقال : إن الأرض والماء والهواء إذا اختلطت : فالحرارة المنضجة الطابخة لها ، هي : حرارة الشمس وسائر الكواكب. ثم ذلك المركب ، عند كمال نضجه ، يستعد لقبول الهيئة التركيبية بواسطة السخونة : نباتا كان ، أو حيوانا ، أو معدنا؟ وما المانع أن تكون السخونة والحرارة التي في المركبات ، هي بسبب خواص وقوى يحدثها الله تعالى. عند ذلك الامتزاج. لا من أجزاء نارية بالفعل؟ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الامكان البتة. وقد اعترف جماعة من فضلاء الأطباء بذلك.

وأما حديث إحساس البدن بالبرد ، فنقول : هذا يدل على أن في البدن حرارة وتسخينا ، ومن ينكر ذلك؟! لكن : ما الدليل على انحصار المسخن في النار؟ فإنه وإن كان كل نار مسخنا ، فإن هذه القضية لا تنعكس كلية ، بل عكسها الصادق : « بعض المسخن نار ».

وأما قولكم بفساد صورة النار النوعية ، فأكثر الأطباء على بقاء صورتها النوعية. والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضل متأخريكم ، في كتابه المسمى : « بالشفاء » (١) ، وبرهن على بقاء الأركان أجمع ، على طبائعها في المركبات. وبالله التوفيق.

( فصل ) وكان علاجه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ للمرض ، ثلاثة أنواع : ( أحدها ) بالأدوية الطبيعية. ( والثاني ) : بالأدوية الإلهية. ( والثالث ) : بالمركب من الامرين.

__________________

(١) هو كتاب الشيخ الرئيس : أبى على الحسين بن [ عبد الله بن ] سينا ، أكبر فلاسفة المسلمين : في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية. وله شطحات لا يرضى عن مثلها العلماء ومنهم المؤلف. ولهذا عرض به بقوله : « متأخريكم » ، بدل « منكم » مثلا!!!. اه‍ ق

(٢ ـ الطب النبوي)

١٧

ونحن نذكر الأنواع الثلاثة من هديه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي وصفها واستعملها ، ثم نذكر الأدوية الإلهية ، ثم المركبة.

وهذا إنما يشير إليه إشارة : فإن رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ إنما بعث : هاديا ، وداعيا إلى الله وإلى جنته ، ومعرفا بالله ، ومبينا للأمة مواقع رضاه وآمرا لهم بها ، ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها ، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم ، وأخبار تخليق العالم ، وأمر المبدأ والمعاد ، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها ، وأسباب ذلك.

وأما طب الأبدان ، فجاء من تكميل شريعته ، ومقصودا لغيره : بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه. فإذا قدر الاستغناء عنه : كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح ، وحفظ صحتها ، ودفع أسقامها ، وحميتها مما يفسدها ـ هو المقصود بالقصد الأول. وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع ، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدا ، وهى مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة. وبالله التوفيق.

ذكر القسم الأول وهو العلاج بالأدوية الطبيعية

فصل في هديه في علاج الحمى

ثبت في الصحيحين ، عن نافع عن ابن عمر ، أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : « إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم ، فابردوها بالماء » (١).

وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء ، ورآه منافيا لدواء الحمى وعلاجها. ونحن نبين ـ بحول الله وقوته ـ وجهه وفقهه ، فنقول :

__________________

(١) كل حالات الحميات عند اشتداد الحرارة ، تعالج بالماء بطريقتين : ١ ـ من الخارج على هيئة مكمدات باردة أو مثلجة ، لغرض تهبيط درجة الحرارة. ٢ ـ تعاطى الماء بالفم بكثرة أثناء الحميات ، يساعد جميع أعضاء الجسم ـ خصوصا الكليتين ـ على النهوض بوظائفها الحيوية للجسم اه‍ د.

وأخرج الحديث أيضا : النسائي وابن ماجة ، ومالك ، وأحمد. و (الفيح) : سطوع الحر وفورانه و « من » : بيانية. وعلى ذلك ما سيأتي في الوجه الثاني ـ من شرح المؤلف للحديث ـ : من أن الكلام على التشبيه. اه‍ ق.

١٨

خطاب النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ نوعان : عام لأهل الأرض ، وخاص ببعضهم. فالأول : كعامة خطابه. والثاني كقوله : « لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ، ولا تستدبروها ، ولكن شرقوا أو غربوا ». فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق ولا المغرب (١) ولا العراق ، ولكن لأهل المدينة وما على سمتها : كالشام وغيرها. وكذلك قوله : « ما بين المشرق والمغرب قبلة ».

وإذا عرف هذا : فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز وما والاهم ، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم ، من نوع الحمى اليومية العرضية ، الحادثة عن شدة حرارة الشمس. وهذه ينفعها الماء البارد : شربا ، واغتسالا. فإن الحمى حرارة غريبة تشتعل بالقلب ، وتنبث منه (٢) ـ بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق ـ إلى جميع البدن ، فتشتعل فيه اشتعالا : يضر بالافعال الطبيعية.

وهى تنقسم إلى قسمين : عرضية ، وهى الحادثة : إما عن الورم ، أو الحركة ، أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ (٣) الشديد ، ونحو ذلك. ومرضية ، وهى ثلاثة أنواع. وهى لا تكون إلا في مادة أولى ، ثم منها يسخن (٤) جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح ، سميت : حمى يوم ، لأنها في الغالب تزول في يوم ، ونهايتها ثلاثة أيام. وإن كان مبدأ تعلقها بأخلاط ، سميت : عفنية ، وهى أربعة أصناف : صفراوية ، وسوداوية ، وبلغمية ، ودموية. وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية ، سميت : حمى دق. وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة.

وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء ، وكثيرا ما يكون حمى يوم وحمى

__________________

(١) كذا بالأصل. وفى الزاد (٧١) : « والمغرب ».

(٢) كذا بالأصل. وفى الزاد : « تشتعل في القلب ، وتنبت منه » ولعل فيه بعض التحصيف.

(٣) كذا بالزاد. وفى الأصل : « أو الغيظ » وهو تصحيف.

(٤) في الزاد : « تسخن » ، وهو تصحيف.

١٩

العفن ، سببا لانضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها ، وسببا لتفتح سدد لم تكن (١) تصل إليها الأدوية المفتحة.

وأما الرمد الحديث والمتقادم : فإنها تبرئ أكثر أنواعه برءا عجيبا سريعا. وتنفع من الفالج واللقوة والتشنج الامتلائي ، وكثيرا من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة.

وقال لي بعض فضلاء الأطباء : إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى : كما يستبشر المريض بالعافية ، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير : فإنها تنضج من الاخلاط والمواد الفاسدة ، ما يضر بالبدن ، فإذا أنضجتها صادفها الدواء : متهيئة للخروج بنضاجها ، فأخرجها. فكانت سببا للشفاء (٢).

وإذا عرف هذا فيجوز : أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية. فإنها تسكن على المكان : بالانغماس في الماء البارد ، وسقى الماء البارد المثلوج. ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر. فإنها مجرد كيفية حارة (٣) متعلقة بالروح ، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة : تسكنها وتخمد لهبها ، من غير حاجة إلى استفراغ مادة ، أو انتظار نضج.

ويجوز : أن يراد به جميع أنواع الحميات.

وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس : بأن الماء البارد ينفع فيها ، قال في المقالة العاشرة من كتاب « حيلة البرء » : « ولو أن رجلا شابا ، حسن اللحم ، خصب البدن ـ في وقت القيظ ، وفى وقت منتهى الحمى ـ وليس في أحشائه ورم ، استحم بماء بارد ، أو سبح فيه ـ : لانتفع بذلك ». وقال : « ونحن نأمر بذلك بلا توقف ».

__________________

(١) كذا بالأصل. وفى الزاد (ص ٧١) : « يكن » وكلاهما صحيح.

(٢) إن بعض الأمراض الزمنة ـ : مثل مرض الروماتزم المفصلي الزمن ، الذي تتصلب فيه المفاصل ، وتصبح غير قادرة على التحرك. أو مرض الزهري الزمن في الجهاز العصبي ـ تتحسن كثيرا بارتفاع درجة حرارة الجسم ، أي : في حالات الحميات. ولذلك من ضمن طرق العلاج الطبي ـ في مثل هذه الحالات ـ : الحمى الصناعية. أي : خلق حالة حمى في المريض بحقنة بمواد معينة اه‍ د.

(٣) كذا بالأصل. وفى الزاد : « حادة » ، وهو تصحيف.

٢٠