🚘

المحكم والمحيط الأعظم - ج ١

أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ ابن سيده ]

المحكم والمحيط الأعظم - ج ١

المؤلف:

أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ ابن سيده ]


المحقق: الدكتور عبد الحميد الهنداوي
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN: 2-7451-3034-X
ISBN الدورة:
2-7451-3034-X

الصفحات: ٥٦١
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المحقق

منذ أن قامت الجامعة العربية بالعمل فى تحقيق هذا السفر العظيم ، وقرّاء العربية لا سيما المتخصصون منهم يتلقفون أجزاء هذا الكتاب واحداً تلو الآخر ، حتى إذا ما بلغ عدد هذه الأجزاء سبعة ـ وطال بالقراء والدارسين انتظار طويل ، حتى يئسوا أو كادوا من إتمام هذا الكتاب ، واكتمال صرحه العظيم ـ راودنى حلم بإكمال تحقيق هذا السفر الكبير ، ولقد كان هذا الحلم يراودنى ويراود غيرى من الباحثين كذلك ، لا سيما كلما تطلع المرء إلى البحث عن لفظة من غريب العربية ، فيقلب أجزاء المحكم السبعة فلا يجدها فيه.

وشاء العليم القدير أن يتحول هذا الحلم إلى حقيقة حينما عهدت إلىّ دار الكتب العلمية بإتمام تحقيق هذا الكتاب.

وعملت على الفور فى نسخ بقية أجزاء الكتاب وتحقيقه وضبطه.

وقد أشار علىّ قيّم دار الكتب العلمية بالاعتناء بالكتاب كلّه تحقيقاً وضبطاً وتخريجاً لشواهده وشرحاً لغريبه وترجمة لأهم أعلامه وغير ذلك ، حتى يخرج الكتاب كلّه فى ثوب متجانس.

ونظراً لندرة وجود الكتاب بأجزائه الأولى فقد ارتأى صاحب دار الكتب العلمية ضرورة طبع الكتاب كله وإخراجه جملة واحدة لئلا نعوز القارئ إلى البحث والتفتيش عن الأجزاء السبعة الأولى إذا لم تكن لديه ؛ فإن كانت عنده كان بوسعه أن يستكمل بقية أجزاء الكتاب التى لم تصدر بعد ، أو لم يتمكن من الحصول عليها.

وفى أثناء عملنا بهذا الكتاب عاد للجامعة العربية نشاطها فاستأنفت العمل فى استكمال أجزاء الكتاب بعد الجزء السابع.

ومع ذلك فقد أسعفتنا عناية المولى سبحانه فتمكنا من إنهاء تحقيق الكتاب كاملا بجميع أجزائه ، وإخراج ما كان مخطوطا منه حبيسا بمعهد المخطوطات وغيره من الدور ، فانتهيت من تحقيق الكتاب كاملا ودفعته إلى الناشر لطباعته ـ بحمد الله تعالى ـ قبل أن ينتهى معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية من إكمال تحقيق بقية أجزاء الكتاب.

ولكن لا يسعنا فى هذا المقام إلا أن نسجل الشكر والعرفان والتقدير لهذه الهيئة العظيمة المتفانية فى خدمة العربية وسائر العلوم أقصد معهد مخطوطات جامعة الدول العربية ؛ فإن

٣

لهم أكبر الفضل فى إخراج هذا السفر العظيم إلى النور لقراء العربية ودارسيها ؛ وذلك بما لهم من فضل السبق فى إخراج وتحقيق أجزائه الأولى ، وبما لهم من فضل فى تيسير تصوير مخطوطات أجزائه الأخيرة لنا.

أما عن هذا الكتاب ومنهاج ابن سيده فى تصنيفه ، فنقول : إن ابن سيده قد سلك فى تأليف هذا الكتاب طريقة الخليل فى كتاب العين (١) ، تلك الطريقة التى تعتمد على ترتيب الحروف وفقا لمخارجها بدءا من الأبعد وانتهاء بالأقرب ، فكان ترتيبه كالتالى :

(ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط ت د ظ ذ ث ر ل ن ف ب م ء ى و ا).

ومن ثم بدأ كتابه بكتاب العين ، ويضم كتاب العين كل المواد اللّغوية التى تكون العين من حروفها ، سواء أكانت حرفها الأول أم الأوسط أم الأخير.

ويضم كتاب الحاء جميع المواد اللغوية التى تشتمل على الحاء ، فى أى مكان منها ، بشرط ألا تكون قد وردت فى كتاب العين السابق ، وهكذا فى بقية الكتب.

وصنف بعد الخليل عدد من المعاجم اتبع أصحابها منهج الخليل فى كتابه العين على الجملة مع محاولة التعديل والتغيير بعض الشىء داخل الأبواب التى ضمتها تحت كل كتاب. وقد أفاد صاحب المحكم من هذه المعاجم التى اتبعت ترتيب الخليل وأضافت إليه.

وأهم هؤلاء الذين أفاد منهم ابن سيده فى محكمه :

١ ـ أبو على القالى صاحب كتاب البارع.

٢ ـ أبو منصور الأزهرى صاحب كتاب التهذيب.

٣ ـ الصاحب بن عبّاد صاحب المحيط.

٤ ـ أبو بكر محمد بن الحسن الزّبيدى ، صاحب مختصر العين.

ويهمّنا أن المحكم أفاد من جميع هذه التغييرات والتطوّرات التى حدثت قبله ، والتزم ما رآه أحسنها وأدقها. فقسّم كلّ كتاب إلى الأبواب التالية : الثنائى المضاعف الصحيح ، ثم الثلاثى الصحيح ، ثم الثنائى المضاعف المعتلّ ، ثم الثلاثى المعتلّ ، ثم الثلاثى اللّفيف ، ثم الرباعىّ ، ثم الخماسىّ. وأراد بالثنائىّ المضاعف ما ندعوه اليوم الثلاثى المضاعف ، مثل « شدّ ». وقد أخذ ابن سيده هذا التّقسيم كله من الزّبيدىّ ، الذى اتبعه فى مختصره للعين ، ثم زاد عليه باباً ذكره فى مواضع قليلة نادرة ، ودعاه مرّة السداسىّ ، وأخرى الملحق

__________________

(١) سبق الحديث بالتفصيل عن طريقة الخليل فى ترتيب كتاب العين فى مقدمة تحقيقنا لكتاب العين طبعة دار الكتب العلمية.

٤

بالسداسىّ. ووضع فيه ألفاظاً أعجمية وأسماء أصوات. وذلك أمر لا يوافقه عليه الصرفيون ، إذ يذهبون إلى أنه لا توجد ألفاظ سداسية الأصل ، وأن الألفاظ الأعجمية لا يصحّ وزنها ، لأن الوزن خاصّ بالعربية.

ثم رتّب المؤلّف الموادّ فى داخل الأبواب ، وفقا لما تتألّف منه من حروف ، ووفقا لما تتصرّف إليه ، وتتقلّب فيه من وجوه أو تقاليب. فبدأ كتاب العين مثلاً بباب الثّنائىّ المضاعف ، وبدأ هذا الباب بالعين حين تتّصل بالحاء ، فوجدهما لا يأتيان فى كلمة عربية ثنائية مضاعفة ، فانتقل إلى العين مع الهاء ، فوجد « عه » ومقلوبها « هع » ؛ ثم انتقل إلى العين مع الخاء ، فوجد « خع » ولم يجد مقلوبها « عخ » ؛ ثم انتقل إلى العين مع القاف ، فوجد « عق » ومقلوبها « قع ». وهكذا فرض عليه منهجه أن ينتقل بالعين إلى بقية الحروف ، على الترتيب الذى ذكرناه ، وبحث كل حرف يتركّب معها ، وجميع الصّور التى تقع فى هذا التركيب.

وكذا فعل فى بقية الأبواب. فقد بحث فى باب الثلاثى الصحيح العين ، هل تتألف مع الحرف الذى يليها وهو الحاء ، ومعهما حرف ثالث ، فلم يجد. فانتقل بالعين إلى الحرف الذى يلى الحاء وهو الهاء ، فوجد أنهما اقترنا معا. فسار بهما معاً إلى الحرف الذى يليهما وهو الخاء ، فوجد أنهما لا يأتيان معه. فانتقل إلى الحرف الذى يليه وهو الغين ، فوجد أنهما لا يأتيان معه. فانتقل بهما إلى القاف ، فوجد أن اللغة تشتمل على ألفاظ من هذا الثلاثىّ ، هى « عهق » ، ومقلوبه « هقع » ، فعالجهما ، ولم يجد بقية التقاليب الممكنة ، وهى « عَقَهَ ، هَعَقَ ، قَعَهَ ، قَهَعَ » فأهملها. ثم انتقل بالعين والهاء إلى الحرف الذي يلى القاف ، وهو الكاف ، فوجد اللغة تحتوى على ألفاظ مؤلّفة منها ، وهى « هكع » ، ولكنه لم يجد لها أىّ مقلوب. وهكذا انتقل بالعين والهاء حتى أتى على جميع الحروف الصحيحة ، ثم أهمل الحروف المعتلة ، لأن موضعها فى باب الثلاثىّ المعتلّ. وانتقل إلى العين مع الحرف الذى يلى الهاء ، وهو الخاء ، وبحث عنهما مركَبين مع القاف ، فالكاف ، فالجيم ... إلخ. ثم بحث عن العين مع الغين مقترِنَين بالقاف فالكاف فالجيم ... إلخ. وهلمّ جَرّا فى بقية الحروف ، وبقية الأبواب. وهذا الترتيب كله موجود بجميع تفاصيله فى مختصر العين للزّبيدىّ.

ويجدُر بنا أن نُوجِّهَ النظر إلى أن أبواب الثنائىّ المضاعف : الصحيح منها والمعتلّ ، تختلف عن بقية الأبواب قليلاً ، إذ لم يملأها المؤلِّف بالمقلوبات وحدها ، بل جعل فيها أقساما خاصَّة بالثنائى المخفّف ، مثل مِن وصَه ، وبالمضاعف الفاء واللام ، مثل كَعك وهِيه ،

٥

وبالمضاعف الفاء والعين مثل هَوْهاء ، إلى جانب نثره للمضاعف الرباعىّ فيها. وهذا التقسيم متَّبع أيضاً فى مختصر العين للزبيدىّ.

وإذن فابن سِيدَه ، التقط منهجه المحكم ، الذى يعتبر أدق منهج التزمته المعاجم التى سارت وفق كتاب العين للخليل من مختصر العين للزبيدى وأحسن تطبيقه فى معجمه الكبير بعد أن كان مطبَّقاً على معجم مختصر وتطلَّع ابن سيده إلى جانب الترتيب والتقسيم اللذين سبق توضيحهما ، إلى منهج آخر جدير بالإعجاب كله ، أراد تطبيقه على المواد التى أدخلها فى معجمه. وفصَّل القول فى مقدمته عن هذا المنهج وتفاصيله. وبالرّغم أن ابن سِيده لم يف بجميع تفاصيل هذا المنهج وفاء تامّا ، نحبّ أن نبين هذا المنهج هنا ، لأنه يمثِّل الصورة التى كان يستشرف إليها المؤلف ، لتكون صورة معجمه.

يقوم هذا المنهج على ثلاث شُعَب : حذف أمور ، وتنبيه على أمور ، وتمييز بين أمور متشابهة.

أما الحذف فللمشتقَّات القياسية ، لاطرادها ، والأمور التى تُفهم من سياق العبارة ، قال المؤلف عن كتابه : « ومن طريف اختصاره ، ورائق بديع نظم تِقصاره : أنى إذا ذكرت مِفْعَلا لم أذكر « مِفْعالا » ، لعلمى أن كل مِفْعل مقصور عن مِفْعال ، على ما ذهب إليه الخليل. ولذلك صحَّت العين من مِفْعل إذا كانت واواً أو ياء ، نحو مِجْوب ومِخْيَط ، لأنهما فى نية مِجْواب ومخياط.

ومنه أى لا أذكر ( افعالّ ) إذا ذكرت ( افعلّ ) من الألوان ، لأن كل ( افعلّ ) عند سيبويه من الألوان محذوفة من ( افعالّ ) إيثار التخفيف.

ومنه أى إذا ذكرت فُعَلِلاً أو فَعَلِلاً لم أذكر « فُعالِلا » ولا « فَعالِل » ، نحو عُلَبِط وجَنَدل ، وذلك لأن كل « فُعَلِل » مقصور من « فُعالِل » ، وكل « فَعَلِل » مقصور عن « فَعالِل » ، لأنه ليس من كلامهم التقاء أربع متحرّكات وضعا ، إلا بعد توسُّط الحذف ... (١).

وأما التنبيه على أمور فمن أمثلته :

قوله فى المقدّمة : « ومن أغرب ما تضمنه هذا الكتاب ، أن يكون الاسم يُكسَّر على بناء من أبنية أدنى العدد أو أكثره ، لا يتجاوزه إلى غيره. فإذا جاء مثل هذا ، قلنا : إنه لا يكسَّر على غير ذلك ، وذلك نحو الأفئدة ، والأذرع ، والأكُفّ ، والأقدام ، والأرجُل ، فإنه لا يكسر واحد من هذه عند سيبويه ، على غير هذه الأبنية الدالة على أدنى العدد وإن عُنِى به الكثير.

__________________

(١) انظر مقدمة المحققين لكتاب المحكم ص ( ١٦ ـ ١٨ ) ط. معهد المخطوطات العربية ، بتصرف يسير.

٦

ومنه التنبيه على شاذّ النسب ، والجمع ، والتصغير ، والمصادر ، والأفعال ، والإمالة ، والأبنية ، والتصاريف ، والإدغام ...

ومنه أنى إذا رأيت صيغة مفعول لا فعل له ، أشعرت بذلك ، نحو مُدَرْهَم ، ومَفْئُود ، أعنى الجبان ، لا المصاب الفؤاد ، وماء مَعِين فى قول بعضهم. فإن كان له فعل غير متعدّ أعلمت به ، وقلت : إنه لم يُصَغ لفظ مفعول منه ، نحو ما حكاه الفارسىّ من قول العرب : دَرْهَمَتِ الخُبَّازَى ، أى صارت على شكل الدرهم ...

ومنه أنى إذا رأيت فعلاً لا مصدر له ، أشعرت بمكانه ، وذلك نحو يَذَرُ ويَدَع ، فإنى أقول فى مثل هذا : وليس لهذا مصدر. وكذلك إن لم يكن للفعل ماض أعلمت به أيضا ، وذلك كهذين الفعلين اللذين لا مصدر لهما ، فإنه لا ماضىَ لهما. فإن كان للفعل مصدر قد عُوّض إياه من غير لفظه. قلت : لا مصدر له إلا هذا ، نحو ما حكاه سيبويه من قولهم : هو يَدَعُه تركا ».

وقال المؤلف عن تمييز المشتبهات : « ومن غريب ما تضمنَّه هذا الكتاب ، تمييز أسماء الجموع من الجموع ، والتنبيه على الجمع المركَّب ، وهو الذى يسمِّيه النحويون جمع الجمع ، فإن اللُّغويين جمّا لا يميزون الجمع من اسم الجمع ، ولا ينبهون على جمع الجمع.

ومن طريف ما اشتمل عليه هذا الكتاب ، الفرق بين التخفيف البَدَلىّ ، والتخفيف القياسىّ ، وهو نوعا تخفيف الهمز ، كقولى : إن قول العرب أخْطَيْت ليس بتخفيف قياسىّ ، وإنما هو تخفيف بَدَلىّ محض ، لأن همزة أخطأت همزة ساكنة قبلها فتحة ، وصورة تخفيف الهمزة التى هَذِى نِصْبَتُها ، أن تُخلَص ألفاً محضة ، فيقال : أخْطَات ، كقولهم فى تخفيف كأس : كاس ... وهذا الذى أبَنْتُ لك ، فى أخطيت ونحوه ، باب لطيف قد نبا عنه طبع أبى عبيد وابن السّكِّيت وغيرهما من متأخِّرى اللغويين. فأما قدماؤهم فأضيق باعا ، وأنْبَى طباعا ...

ومما انفرَد به كتابنا ، الفرق بين القلب والبدل ، وعَقْد اسم الفاعل بالفعل إذا كان جارياً عليه ، بالفاء ؛ وعقده إذا لم يك جارياً عليه ، بالواو ، وذلك لسبب دقيق فلسفىّ ، لطيف خفىّ نحوىّ ...

ومن ذلك أن أفرّق بين الفعل المنقلب عن الفعل ، وبين الفعل الذى هو لغة فى الفعل ، وليس بمنقلب عنه ، بوجود المصدر وعدمه ، كجَذَب وجَبَذ ، فإنهما لغتان ، لأن لكلّ واحد منهما مصدرا ، وأما يَئِس وأيِس ، فالأخيرة مقلوبة عن الأولى ، لأنه لا مصدر لأيس ؛ ولا

٧

يُحتجّ بإياس : اسم رجل ، فإنه فِعال من الأَوْس ، وهو العطاء ، كما يسمَّى الرجل عطيَّة ، وهبة الله ، والفضل ... ».

وقد أخذ المصنف على نفسه فى مقدمة كتابه أن يلتزم الاختصار وتنظيم المادة ، وتقريب التأليف ، وتهذيب التصنيف حيث يقول :

« إن كتابنا هذا مشفوع المِثْل بالمثل ، مقترن الشكل بالشكل ، لا يفصل بينهما غريب ، ولا أجنبىّ بعيد ولا قريب ، مهذَّب الفصول ، مرتَّب الفروع بعد الأصول ... هذا إلى ما تحلى به من التهذيب والتقريب ، والإشباع والاتساع ، والإيجاز والاختصار ، مع السَّلامة من التَّكرار ، والمحافظة على جمع المعانى الكثيرة ، فى الألفاظ اليسيرة ...

ومن بديع تلخيصه ، وغريب تخليصه ، أنى أذكر صيغة المذكر ، ثم أقول : والأنثى بالهاء ، فلا أُعيد الصيغة ، وإن خالفت الصيغة ، أعلمت بخلافها إن لم يكن قياسيّا ، نحو بِنْت أو أخت ..

وفى كتابى هذا أشياء من الاختصار وتقريب التأليف وتهذيب التصنيف ، ما لو ذكرته لكان فيه سِفْر جامع ، ولكنى بهذا الذى أرَيْت منه قانع ».

ولكن بمطابقة هذا المذكور بكتاب المصنف نجد أنه لم يستطع التزام ما ألزم به نفسه فى مقدمته.

وكان أعظم سبب عاقه عن تحقيق ذلك ، هو : « اعتماده على المراجع اللغوية السابقة عليه ، واغترافه موادّه منها ، وهى لا تلتزم نظاماً شبيهاً بالنظام الذى كان يضعه نصب عينه » (١).

ولكننا نستطيع أن نقرر أنه قد التزم ذلك ـ فيما تفرد به ولم ينقله عن غيره ـ إلى حدٍّ كبير.

وقد سرد المؤلف فى مقدمته أسماء المعاجم والكتب التى استعان بها فى تأليف محكمه وقد نقل منها بالنص فى أكثر الأحيان ، مما يدل على ما سبق.

بقى أن نقول : إن محكم ابن سيده يعد أحسن المعاجم التى التزمت منهج الخليل فى العين ، من حيث ترتيب مواده ، ووجازة تعبيراته وألفاظه ، ومن حيث ما اشتمل عليه من علوم النحو والصرف والعروض وغير ذلك ؛ حيث ظهرت براعة المؤلف واضحة فى تلك العلوم حتى ليخيل إليك فى بعض الأحيان أنك لست فى معجم لغوى بل فى كتاب من

__________________

(١) من مقدمة محققى المحكم ( ص ٢٢ ).

٨

كتب الصرف أو النحو أو العروض وذلك حينما يستطرد المؤلف فى عرض المسائل النحوية والصرفية خاصة لأدنى ملابسة تعرض له ليفيض علينا من علمه الذى كان يعتز به ، والذى يرى أن علم اللغة والمعجم الذى برع فيه وذاع صيته بسببه أنه إذا ما قورن بعلومه الأخرى فى النحو والصرف والعروض والقافية والمنطق وغيرها لظهر أنه أقل بضائعه ، وأيسر صنائعه ، وذلك حيث يقول فى مقدمته : « إنى أجد علم اللغة أقلّ بضائعى ، وأيسر صنائعى ، إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيقِ النحو ، وحُوشِىّ العروض ، وخفىّ القافية ، وتصوير الأشكال المنطقية ، والنَّظر فى سائر العلوم الجَدَلية ».

سبب تأليفه لكتاب المحكم :

الذى يظهر من مقدمة ابن سيده للمحكم أن « الموفق » أراد تصنيف كتاب فى اللغة لكن لاشتغاله بأمور السياسة والإدارة أمر ابن سيده بتصنيفه.

صعوبته :

قال ابن سيده فى مقدمة المحكم : « وليست الإحاطة بعلم كتابنا هذا إلا لمن مهر بصناعة الإعراب وتقدم فى علم العروض والقوافى ».

ولصعوبة طريقته ذكر صاحب كشف الظنون (١) أنه رتبه على نسق حروف أوائل كلمات هذه الأبيات :

علقت حبيبا هنت خيفة غدره

قليل كرى جفن شكا ضر صده

سبا زهوه طفلا ديانة تائب

ظلامته ذنب توى ربع لحده

نواظره فتاكة بعميده

ملاحته أجرت ينابيع وجده

ونظم ناصر الدين محمد بن قرناص أيضا فى ترتيب حروفه هذه الأبيات :

عليك حروفاً هن خير غوامض

قيود كتاب جل شأنا ضوابطه

صراط سوى زل طالب دحضه

تزيد ظهوراً إذ تناءت روابطه

لذلكم نلتذ فوزا بمحكم

مصنفه أيضاً يفوز وضابطه

تهذيبه :

هذبه صفى الدين محمود بن محمد الأرموى العراقى المتوفى سنة ٧٢٣.

__________________

(١) كشف الظنون ( ٢ / ١٦١٦ ، ١٦١٧ ).

٩

أيهما كان أولاً؟

مما أثار انتباه بعض الباحثين أن ابن سيده ذكر كتابه المحكم فى كتابه المخصص (١) وذكر كتابه المخصص فى كتابه المحكم فأيهما كان أولاً؟

إذا نظرنا إلى كلامه فى مقدمة المحكم نستشعر أن المخصص كان أولاً إذ يقول : « وألفت كتابى الملخص ، الذى سميته « المخصص » وهو على التبويب فى نهاية التهذيب ... ثم أمرنى بالتأليف على حروف المعجم فصنفت كتابى الموسوم بـ « المحكم ». وقال فى موضع آخر : « وقد ذكرت فساد بنائه فى كتابى الموسوم بالمخصص ».

أما ذكره للمحكم فى المخصص فهو قوله (٢) : « لما وضعت كتابى الموسوم بـ « المحكم » مجنساً ».

فذهب صاحب كشف الظنون (٣) إلى أن ابن سيده صنف المخصص قبل المحكم وقد ذكر فى أوله أنه على ترتيبه.

لكن لعل الذى يترجح ما ذهب إليه الأستاذ محمد الطالبى حيث قال : « نعتقد أن ابن سيده قد شرع فى المصنفين فى آن واحد. والذى يحملنا على هذا الاعتقاد ، هو أن المادة واحدة ، وأن ما أعده الكاتب من جذاذات ومراجع ، فإنه كان يستثمره فى كلا الكتابين على السواء ؛ فإن مصادر الكتابين لا تكاد تختلف ... على أنه إن شرع الكاتب فى الكتابين فى وقت واحد ، واستغل مراجع واحدة بطرق مختلفة ، فلا شك أنه قد انتهى من المخصص وأتمه قبل الانتهاء من معجمه الموسع (٤).

__________________

(١) انظر المخصص ( ١ / ١٠ ).

(١) انظر المخصص ( ١ / ١٠ ).

(٢) كشف الظنون ص ١٦٣٩.

(٣) انظر مقدمة محققى المحكم. ط. معهد المخطوطات العربية. ص ١١ ، نقلاً عن كتاب المخصص لابن سيده دراسة ـ دليل.

١٠

منهجنا فى تحقيق الكتاب

١ ـ استكملنا نسخ المخطوط من حيث انتهى معهد المخطوطات.

٢ ـ قمنا بمقابلة المنسوخ على ما تيسر لنا من النسخ الخطية المذكورة.

٣ ـ تخريج الشواهد القرآنية فى جميع الكتاب.

٤ ـ تخريج الشواهد الحديثية فى أهم المصادر مع بيان الحكم ما أمكن.

٥ ـ تخريج الشواهد الشعرية المذكورة فى جميع الكتاب فى دواوينها الأصلية إن وجدت أو فى مصادرها فى كتب الأدب واللغة ، وقد اعتنينا بتتبع ورود تلك الشواهد فى المعاجم اللغوية الأخرى على كثرتها لما فى ذلك من فائدة يعرفها باحث اللغة والمعجم.

٦ ـ قمنا بشرح الغريب فى مقدمة المصنف وفى كلامه ، وفيما تدعو إليه الحاجة من الشواهد الشعرية.

٧ ـ قدمنا بترجمة للمصنف ، ومنهجه فى الكتاب.

٨ ـ الفهارس الشاملة لترتيب مواد الكتاب كله على الترتيب الألفبائى المعهود تيسيراً على الدارسين من المتخصصين وغير المتخصصين.

٩ ـ الفهارس الشاملة لجميع الشواهد الواردة بالكتاب فى القرآن ، والحديث ، والأمثال ، والشعر ، والرجز.

* * *

١١

ترجمة ابن سيده صاحب المحكم

اسمه وكنيته :

هو أبو الحسن على بن إسماعيل بن سيده المرسى الضرير ، المعروف بابن سيده.

وهناك اختلاف فى اسم أبيه فقيل : اسم أبيه إسماعيل ، وقيل : محمد ، وقيل : أحمد.

وأكثر ما وقفت عليه من المراجع أن اسم أبيه إسماعيل ثم يذكر بعضهم الخلاف ، إلا السيوطى فقد ذكر أولاً أحمد ثم ذكر الخلاف إلا أنه لما ترجم لأبيه ترجم له فى إسماعيل.

وقد حرر الحافظ ابن حجر فى لسان الميزان الخلاف فقال بعد أن سماه على بن إسماعيل : « هكذا سمى أباه ابن بشكوال ، وسماه الحميدى : أحمد » (١).

ولقد نص ابن حجر فى تبصير المنتبه على أن « سيده » بالتخفيف ـ أى تخفيف الياء ـ وبالكسر ـ أى كسر السين. وقد نصُّوا كذلك على أن « سيده » بالهاء (٢).

مولده ومحل نشأته :

ولد ابن سيده عام ٣٩٨ هـ / ١٠٠٧ م كما فى الأعلام فى « مُرْسِية » وهى محلة من مملكة « تُدْمير » فى شرق الأندلس ، و « مرسية » من بنيان عبد الرحمن بن الحكم المروانى سلطان الأندلس ، و « مرسية » أخت « إشبيلية » ، هذه بستان شرق الأندلس ، وهذه بستان غربها ، قد قسم الله بينهما النهر الأعظم ، ولمرسية مزية تيسير السقيا منه ، ولمرسية فضل ما يصنع فيها من أصناف الحلل والديباج ، وهى حاضرة عظيمة شريفة المكان كثيرة الإمكان ، قال الحضرمى : كما يتجهز الفارس من تلمسان كذلك تتجهز العروس من مرسية (٣).

صفته :

كان ابن سيده ضرير البصر ، واشتهر بذلك حتى لقب به فصار من يترجم له يقول : ابن سيده الأعمى ـ كما فى المغرب ـ أو الضرير ـ كما فى السير والبغية وغيرهما.

__________________

(١) هذا وقد وقع فى تذكرة الحفاظ : « أبو الحسن على بن إسماعيلى بن سيده ... » ولم يذكر أحد ذلك فلعله تصحيف.

(٢) الذى وقفت عليه فى ترجمته أن « سيده » بالهاء ، إلا فى لسان الميزان فهى بالتاء « سيدة » وهى تصحيف لأنه ذكرها فى تبصير المنتبه بالهاء ، ولم أقف على من ضبط « سيده » بالهاء بالحروف.

(٣) المغرب فى حُلى المغرب ( ٢ / ٢٣٩ ـ ٢٤٦ ).

١٢

قال أبو عُمر الطَّلَمَنْكى : « دخلت مرسية فتشبث بى أهلها ليسمعوا على « غريب المصنَّف » فقلت : انظروا من يقرأ لكم ، وأمسك أنا كتابى ، فأتونى بإنسان أعمى يعرف بابن سيده ... » قال الحميدى : كان أعمى بن أعمى.

والده :

ترجم له السيوطى فى البغية (١) قائلا : « إسماعيل بن سيده أبو بكر المرسى. الأديب الضرير ، والد مصنف المحكم ، أخذ عن أبى بكر الزبيدى ، وكان من النحاة ومن أهل المعرفة والذكاء. مات بعد الأربعمائة ».

وقال ابن حجر فى تبصير المنتبه : « لقى أبا بكر الزبيدى ، وأخذ عنه ، وكانت له معرفة ، ذكره ابن بشكوال ».

وكان أعمى أيضاً ، وقال الذهبى : وكان أبوه أيضاً لغويّا.

شيوخه :

أخذ ابن سيده عن أبيه ، وقرأ على الشيخ الإمام المقرئ أبى عمر أحمد بن محمد الطلمنكى (٢) كتاب الغريب لأبى عبيد سرداً من حفظه ، واشتغل على أبى العلاء صاعد بن الحسن البغدادى اللغوى.

وذكرت دائرة المعارف أنه أخذ عن صالح بن الحسن البغدادى ، ودرس على أبى العلاء سعيد البغدادى ، فأخشى أن يكون ذلك فيه تصحيف لما ذكرناه من مشايخه أولاً.

فضله وثناء الناس عليه :

صدر الذهبى ترجمته بقوله : « إمام اللغة » ثم قال : « أحد من يضرب بذكائه المثل ».

قال أبو عمر الطلمنكى : دخلت مرسية ، فتشبث بى أهلها ليسمعوا على « غريب المصنف » ، فقلت : انظروا من يقرأ لكم ، وأمسك أنا كتابى ، فأتونى بإنسان أعمى يعرف بابن سيده ، فقرأه على كله ، فعجبت من حفظه.

قال الحميدى : هو إمام فى اللغة والعربية ، حافظ لهما ، على أنه كان ضريراً ، وقد جمع فى ذلك جموعاً ، وله مع ذلك حظ فى الشعر وتصرف.

وقال فيه الحافظ ابن كثير : كان إماماً حافظاً فى اللغة.

__________________

(١) بغية الوعاة : ( ١ / ٤٤٨ ).

(٢) وقع فى البداية لابن كثير / ط. دار الفكر / ط. دار الكتب العلمية : « الطملكنى » وهو تصحيف انظر ترجمته فى السير ( ١٧ / ٥٦٦ ).

١٣

وقال عنه الحافظ ابن حجر : كان من أعلم أهل عصره باللغة ، حافظاً لها. ومدحه السيوطى فقال : كان حافظاً لم يكن فى زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها ، متوفراً على علوم الحكمة. وأثنى عليه صاحب المغرب قائلاً : لا يعلم بالأندلس أشد اعتناء من هذا الرجل باللغة ، ولا أعظم تواليف ، تفخر مرسية به أعظم فخر ، طرّزت به برد الدهر ، وهو عندى فوق أن يوصف بحافظ أو عالم.

علومه وتخصصه :

كان ابن سيده فقيهاً (١) لغويّا نحويّا أديباً منطيقاً ، قال فيه السيوطى : لم يكن فى زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها متوفراً على علوم الحكمة.

وكان له علم بالقراءات ، ولقد كان شيخه أبو عمر الطلمنكى إماماً مقرئاً ، « ويتبين من المحكم أن مؤلفه كان على جانب كبير من العلم بالقراءات ، ولعله أخذ علمه بها من إقامته بمدينة « دانية » التى اشتهرت بأن أهلها أقرأ أهل الأندلس ؛ لأن أميرها مجاهد العامرى ـ كان يستجلب القراء ، ويتفضل عليهم وينفق عليهم الأموال » (٢).

وإلى جانب دراسته اللغة والنحو والأدب عنى بالمنطق عناية طويلة ، وارتضى فيه مذهب متى بن يونس (٣). ولعل ذلك مما حدى بالسيوطى أن يقول : « متوفراً على علوم الحكمة » على اعتبار أن المشتغلين بالمنطق كانوا يسمونه بهذا الاسم. ولذا قالت عنه دائرة المعارف : منطيق. بل صرح هو باشتغاله به كما سيأتى.

وكان لابن سيده اشتغال بالشعر حتى أنه كانت بينه وبين الأمير الموفق نبوة فبعث إليه بقصيدة يعتذر فيها.

قال فى المغرب : ومن شعره قوله :

لا تضجرن فما سواك مؤمَّلُ

ولديك يحسنُ للكرام تذلُّلُ

وإذا السحاب أتت بواصل درها

فمنِ الذى فى الرِّىِّ عنها يسأل

أنت الذى عودتنا طلب المنى

لا زلت تعلم فى العلا ما يُجْهلُ

لكن أكثر شهرته فى علم اللغة حتى لقب به كما فى لسان الميزان والمغرب ، ولقد عرف

__________________

(١) لم يصفه بذلك إلا دائرة المعارف ، وسيأتى فى اعتذار ابن حجر عن الطعون الموجهة فى ابن سيده وأن ابن حجر قال : لم يكن فقيهاً.

(٢) انظر معجم البلدان لياقوت ( دانية ).

(٣) مقدمة محققى المحكم ص ٥.

١٤

ذلك هو من نفسه فقال فى مقدمته للمحكم : « أنا الجواد الخوار العنان ، المخترق للميدان ، فى غير فن من الفنون ، واليقين قاتل لخوالج الظنون ، وذلك أنى أجد علم اللغة أقل بضائعى ، وأيسر صنائعى ، إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيق النحو ، وحوشى العروض ، وخفى القافية ، وتصوير الأشكال المنطقية ، والنظر فى سائر العلوم الجدلية ».

ولقد كان سيبويه مهتمّا بأن يورد كتبه الجديد ، وأن يصقل معلوماته ـ المعجمية ـ ويرتبها ـ حتى كان أسلوبه ذا طابع جديد فى كتبه (١).

وكان ابن سيده فى موسوعيته فى جمع المادة المعجمية يقف على أخطاء وزلات من سبقه من اللغويين والنحاة فنبه على شىء من ذلك فى كتبه (٢).

انتقادات موجهة إلى ابن سيده :

مع شهرة ابن سيده وفضله وثناء الناس عليه إلا أنه لم يسلم من الطعون والانتقادات.

قال اليسع بن حزم : كان شعوبيّا يفضل العجم على العرب. وحط عليه أبو زيد السهيلى فى « الروض » عند الكلام على نقض الصحيفة فقال : « تعثر فى « المحكم » وغيره عثرات يَدْمى منها الأظل ، ويدحض دحضات تخرجه إلى سبيل من ضل ، حتى إنه قال فى الجمار : هى التى ترمى بعرفة ».

وقال أبو عمرو بن الصلاح : أضرت به ضرارته.

قال الصفدى : كان ابن سيده ثقة فى اللغة حجة ، لكنه عثر فى المحكم عثرات ...

وكذلك يهم فى النسب.

وألف أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن ( أو عبد الرحمن بن عبد السلام ) المعروف بابن برْجان ردّا عليه ، بين فيه أغلاطه فى المحكم ولم يصل إلينا نقد ابن برجان ) (٣).

تفنيد هذه الطعون :

نقل هذه الطعون الذهبى فى السير وابن حجر فى لسان الميزان ، وعقبها ـ الذهبى بقوله : « قلت : هو حجة فى نقل اللغة ».

واعتذر عنه ابن حجر فقال : « والغالط فى هذا يعذر ، لكونه لم يكن فقيهاً ، ولم يحج ، ولا يلزم من ذلك أن يكون غلط فى اللغة التى هى فنه الذى يحقق به من هذا القبيل ».

__________________

(١) انظر كلام ابن سيده نفسه فى مقدمته للمحكم.

(٢) نقلاً عن مقدمة محققى طبعة المحكم ص ٢٣.

١٥

قلت : وقد يخفى على الذكى الأمور اليسيرة ، وينسى اللبيب الأشياء القليلة ، وليس هذا مدعاة باتهام الذكى بالغباء ولا الحافظ اللبيب بالنسيان والوهم.

لكن يبقى أن هذا فيه رد على كلام السهيلى وغيره. ولم أر أحداً تعرض لكلام اليسع ابن حزم بالرفض والدفاع عن ابن سيده ، غير أن الحافظ ابن حجر ترجم لليسع فى لسان الميزان فقال : « اليسع بن عيسى بن حزم الغافقى أبو يحيى : قد تكلم فى نقله ، ويظهر على عبارته مجازفة ، وله تآليف وأدب وفنون ... وله تصنيف سماه : المغرب فى محاسن المغرب » (١).

ويحسن بنا ويجمل أن نورد كلام ابن سيده نفسه ، حيث قال بعد ثنائه على كتابه المحكم : .. ولا أنكر فى كل ذلك أن تختل قضية بين خمسة آلاف ، أو حرف بين حروف عديدة أضعاف ».

علاقته بالأمراء وأثر ذلك فى مصنفاته :

ذكر الحميدى : أنه كان فى خدمة الموفق مجاهد العامرى ملك دانية (٢).

وكان الموفق مجاهد بن عبد الله ملك الجزر (٣) جليل القدر ، له غزوات فى النصارى فى البحر مشهورة ، ومن أعظم ما فتحه جزيرة سردانية الكبيرة ، وكان محبّا فى العلماء محسناً لهم ، كثير التولع بالمقرئين للكتاب العزيز ، حتى عرف بذلك بلده ، وقصد من كلّ مكان ، وشكر فى الأقطار بكل لسان.

وقد أثنى عليه ابن حيان فى كتاب المتين بهذا الشأن ، وقد وفد عليه أفراد الشعراء كإدريس بن اليمان وجلة العلماء كابن سيده.

قال ابن حيان : جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه وأتت إليه العلماء من كل صقع ، فشاع العلم فى حضرته ، حتى فشا فى جواريه وغلمانه (٤).

ولما توفى هذا الأمير اتصل بخلفه ابنه الأمير إقبال الدولة (٥) ، وهو إقبال الدولة على بن

__________________

(١) لسان الميزان ( ٦ / ٣٦٧ ).

(٢) تصحفت فى لسان الميزان : دابية.

(٣) ترجمته فى المغرب ( ٢ / ٤٠١ ) ، والأعلام ( ٥ / ٢٧٨ ).

(٤) نقله د / شوقى ضيف فى تحقيقه للمغرب فى ترجمة الموفق.

(٥) فى دائرة المعارف : « بخلفه الأمير الموفق » وهو وهم. وانظر مقدمة محققى المحكم ص ٦. ط معهد المخطوطات العربية.

١٦

مجاهد (١) وكان قد حذا حذو أبيه فى الإقبال على العلماء إلا أنه كان ذلك تطبعاً لا طبعا ، وكانت همته فى التجارة وجمع الأموال.

وكانت بين ابن سيده وبين موفق الدولة نبوة ؛ ولهذا بعث إليه بقصيدة يعتذر فيها.

ولقد أثرت علاقة ابن سيده بهذين الأميرين فى مصنفاته فنراه يثنى عليهما فى كتبه :

فيقول فى أول مقدمة المحكم : « وكل بيمن « الموفق » محيى المكارم » ويقول فى آخرها : « وفاظت عن أبدانها له فيظاً من صحبة الأمير الجليل « إقبال الدولة » مولاى نثرته ... ونسأله فى أجل « الموفق » الملك الأجل ».

وقال فى مقدمة المخصص (٢) : « وتولى دولة إعمال اللفظ والقلم فى طاعة الله وسبيل المجد ، والنفع بالمال والجاه لاقتناء المجد ، واجتلاب الحمد ، حتى نفذ ما لوى من عنانى إليه ، وعوى من لسانى وجنانى عليه ، وهو المتقبل المطاع ، والمتقيّل غير المضاع ، أمر « الموفق » الأعظم ، والهمام الأكرم ... ».

مصنفاته :

قبل أن نسرد شيئاً من مصنفات ابن سيده نود أن ننوه بأن ابن سيده كان موسوعيّا فى مادة بحثه مكثراً من المصادر التى يصنف منها وليس أدل على ذلك من أنه يسرد أسماء الكتب التى رجع إليها فى صفحات من مقدمات كتبه كما هو الحال فى المخصص والمحكم (٣).

وأما مصنفاته فمنها :

١ ـ المحكم والمحيط الأعظم فى مجلدات عديدة.

٢ ـ المخصص.

٣ ـ شرح مشكل أبيات المتنبى.

٤ ـ الأنيق فى شرح الحماسة فى ستة مجلدات كما قال ابن كثير.

٥ ـ شرح كتاب الأخفش.

٦ ـ العويص فى شرح إصلاح المنطق.

__________________

(١) ترجمته فى المغرب ٢ / ٤٠١ ، ٤٠٢ والأعلام ٤ / ٣٢٢.

(٢) مقدمة المخصص ١ / ٨. ط. دار الكتب العلمية.

(٣) انظر المخصص ( ١ / ١١ ـ ١٤ ). ط. دار الكتب العلمية ، والمحكم ص ١٥ من ط. معهد المخطوطات العربية.

١٧

٧ ـ كتاب شواذ اللغة فى خمسة أسفار كما قال الذهبى (١).

٨ ـ كتاب العالم فى اللغة نحو مائة سفر كما قال الذهبى. بدأ بالفلك وختم بالذرة ، ورتبه على الأجناس.

٩ ـ كتاب العالم والمتعلم على المسألة والجواب.

١٠ ـ الوافى فى علم القوافى.

١١ ـ وذكر فى مقدمة كتابه المحكم أنه أفرد بالتذكير والتأنيث كتابا.

والذى وصلنا من هذه المصنفات الثلاثة الأولى منها كما فى دائرة المعارف ومقدمة محققى المحكم.

وفاته :

اختلف فى سنة وفاته ، فقيل : إنه توفى فى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وقيل : توفى فى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة والثانى هو الذى عليه الأكثر ، قال الذهبى : وأرخ صاعد ابن أحمد القاضى موته فى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وقال : بلغ الستين أو نحوها.

لكن فى أى شهر كانت وفاته؟

قال ابن كثير : توفى فى ربيع الأول منها ـ أى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ـ وله ستون سنة.

وقال ابن حجر فى لسان الميزان : فى ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وله ستون سنة أو نحوها ، أرخه صاعد بن أحمد القاضى.

أما عن محل وفاته :

فلقد كانت وفاة أبى الحسن بن سيده بدانية (٢).

ففى يوم جمعة كان صحيحاً سويّا إلى وقت صلاة المغرب ثم دخل المتوضَّأ ، فأخرج منه وقد سقط لسانه ، وانقطع كلامه ، وبقى على تلك الحال يومين. وفى عشية يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ـ توفى على بن سيده بدانية (٣).

__________________

(١) وسماه ابن حجر وغيره : شاذ اللغة.

(٢) تصحفت فى لسان الميزان إلى : دابية.

(٣) مقدمة محققى المحكم ط. معهد المخطوطات العربية ص ٧.

١٨

مصادر الترجمة :

١ ـ الأعلام : خير الدين الزركلى / دار العلم للملايين ( ٤ / ٢٦٣ ).

٢ ـ البداية والنهاية : الحافظ ابن كثير / دار الفكر ( ١٢ / ٩٥ ).

٣ ـ بغية الوعاة : السيوطى / المكتبة العصرية ( ٢ / ١٤٣ ).

٤ ـ تبصير المنتبه بتحرير المشتبه : الحافظ ابن حجر / المؤسسة المصرية العامة ( ٢ / ٧٠٦ ).

٥ ـ تذكرة الحفاظ : الذهبى / دار الكتب العلمية ( ٣ / ١١٣٥ ).

٦ ـ دائرة المعارف الإسلامية : مجموعة / الشعب ( ١ / ٣١٧ ).

٧ ـ سير أعلام النبلاء : الذهبى / الرسالة ( ١٨ / ١٤٤ ـ ١٤٦ ).

٨ ـ لسان الميزان : الحافظ ابن حجر / دار الفكر ( ٤ / ٢٣٧ ).

٩ ـ المحكم مقدمة محققى طبعة معهد المخطوطات بجامعة الدولة العربية.

١٠ ـ المغرب فى حلى المغرب : لابن سعيد المغربى / دار المعارف ( ٢ / ٢٥٩ ).

١١ ـ مفتاح دار السعادة : طاشكبرى زاده / دار الكتب العلمية ( ١ / ١١٣ ).

١٢ ـ هدية العارفين : إسماعيل باشا البغدادى / دار الكتب العلمية ( ١ / ٦٩١ ).

١٩
٢٠