🚖

رحلتي من الظلمات إلى النّور

السيد عبد الكريم هاشمي نجاد

رحلتي من الظلمات إلى النّور

المؤلف:

السيد عبد الكريم هاشمي نجاد


المترجم: علاء رضائي
الموضوع : علم‌النفس والتربية والاجتماع
الناشر: مؤسسة المعارف الإسلاميّة
المطبعة: پاسدار إسلام
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦١
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

Description: 03

١
٢

Description: 02

٣

Description: 01

٤



لابدّ من هذه المقدّمة قبل قراءة الكتاب

الكتاب الذي بين ايديكم كتبته قبل عشرين سنة وصدر بعنوان « مناظرة بين الدكتور والشيخ ». وقد تلقّفه الشباب المسلم آنذاك بحيث طبع للمرّة التاسعة بعد فترة قصيرة من صدوره.

لكن وللأسف عُرِّض الكتاب لآفة في تلك الايام حالت دون طبعه من جديد ( بشكل علني علىٰ الاقل ). وتلك الآفة هي من خصوصيات دول معينة ... تنال المطبوعات والصحافة.

لكن اليوم وبعد مرور سنين حيث تغيرت الظروف لحد ما بالنسبة لمثل هذه الكتابات ، وبسبب اصرار بعض الأصدقاء حاولت طبعه من جديد ، لكن المشكلة هي ان كتاب « مناظرة بين الدكتور والشيخ » كتب قبل عشرين سنة وطبيعي فهو يحمل خصوصيات الكاتب الفكرية في تلك المرحلة ، كما أنه يجمل أيضاً أجواء تلك الفترة من حياة المجتمع الفكرية والسياسية ، التي تختلف كثيراً عن الظروف المعاصرة ، لذلك كان من الضروري اعادة نظر اساسية

٥

في مواضيع الكتاب لكي يكون منسجماً مع متطلبات ومستوىٰ وعي المجتمع حالياً.

ومن جهة أُخرىٰ فإن هذا الأمر يحتاج إلىٰ عمل وفرصة كبيرة ، لكي نقوم بتغيير جذري في المسائل التي يطرحها الكتاب ، وللأسف الشديد إن الوقت بالنسبة لي ضيق جداً والفرصة غير سانحة ، لذلك اخترت حلاً وسطاً لهذا الأمر واكتفيت في الوقت الحاضر بأعادة نظر عابرة وسريعة ، بأمل اتاحة فرصة مناسبة لي ـ ان شاء الله ـ لكي أقوم بطرح جميع مواضيع الكتاب علىٰ اساس جديد ، بشكل يتناسب والجو الفكري والسياسي الذي يحكمني ومجتمعي.

إذن ، علىٰ القارىء المحترم معرفة ان التغييرات التي اُجريت علىٰ الكتاب قليلة وسطحية وليست تغييرات اُصولية وجذرية. على أمل ان أوفق في المستقبل القريب ان أخطو خطوات أكثر فائدة لنشر تعاليم الاسلام ومعارفه الغنية والثورية وعلىٰ قدر استطاعتي. وبالله الاستعانة.

السيد عبد الكريم هاشمي نجاد

مشهد ـ ١٩ / ايار / ١٩٧٨ م

٦



بدأت الشمس بتسليط اشعتها علىٰ مدينة « بندر شاه » الصغيرة ، فيما بدأ الناس نشاطهم اليومي بهدوء ، والمسافرون الذين يريدون السفر بالقطار ، اخذوا يستعدون للحركة ، في حين ان صوتاً مزعجاً من عجلات العربات التي كانت مشغولة بحمل المسافرين في شارع المحطة كان يصل الىٰ الآذان ، وكانت ساعة حركة القطار تقترب شيئاً فشيئاً.

في تلك اللحظة نزل من احدىٰ العربات شيخ يضع علىٰ رأسه قبعة صوفية ويحمل بيده حقيبة ، له لحية بيضاء كثّة وشكل نوراني جذّاب ، كان يحفظ رقبته وجزءاً من وجهه بياقة معطفه خوفاً من النسيم البارد الذي كان يهب ، وقف في آخر الصف لأخذ بطاقة القطار ، حتىٰ جاء دوره في النهاية فاشترىٰ البطاقة ودخل الىٰ فناء المحطة ، ولأنه لم يبق لحركة القطار إلّا ربع ساعة فقد صعد القطار ، وكان مكتوباً في بطاقته : العربة ٤ المقعد رقم ٤٤.

كان الشيخ ينظر من خلف الزجاج الىٰ ارقام المقاعد عندما يمر بالغرف ، حتىٰ وجد مقعده في النهاية ، فتح باب الغرفة وبعد ابداء السلام للجالسين في الغرفة ، وضع حقيبته في محلها المخصص وجلس علىٰ مقعده.

٧

بداية الحديث :

نظر الشيخ الىٰ الاشخاص الجالسين في الغرفة فرآهم يتلصصون إليه النظر ، ويشيرون الىٰ بعضهم مستهزئين بقبعته ولحيته. فتغاضىٰ عن اشاراتهم لوقاره الخاص ووجّه نظره الىٰ الاسفل ، وانشغل بقراءة القرآن والدعاء.

لكن الجالسين معه في الغرفة ذهبوا الىٰ أبعد من مجرد الغمز لبعضهم وبدأوا بالكلام وأخذوا يستهزؤون بالشيخ بكلمات نابية ، والشيخ لا يزال ساكتاً ، وهو منشغل بالدعاء ، لكن جلساءه كانوا اكثر وقاحة من ان يتركوا الشيخ لصمته ووقاره. فأصبح الكلام ابعد من مجرد المزاح والاستهزاء الىٰ الجدِّية والضجر منه ، فتوجّه احدهم بصوت عنيف الىٰ الآخر ، وقال : دكتور ! اني اتنفر من هؤلاء الرجعيين اساساً ، وقال آخر : دكتور أنا أيضاً لا اُحبُّ هذه الأشكال.

فقال : الدكتور مجيباً إياهما : أنا أعارض الدين اساساً ، فكيف بهؤلاء القرويين الرجعيين الملتحين.

وقال الرابع : نحن لا حظَّ لنا في السفر أساساً ، اردنا بعد فترة ان نسافر الىٰ طهران ، فإذا بهذا المتعصّب معنا.

خلاصة القول ، لقد تجاوزت تلك الجماعة مجرد اهانة الشيخ والاستهزاء به ، إلى التجاسر على الدين والقضايا الدينية.

٨

الشيخ يتحدث :

وجد الشيخ ان الصمت بعد ذلك غير جائز ، فبدأ الحديث ، وقال : أيُّها السادة : علىٰ حدِّ قولكم أنا رجعي وممّن يضعون علىٰ رؤوسهم قبعة من الصوف ، لكنكم الذين يظهر من ملابسكم وهيئتكم أنكم متعلمون ومثقفون. اُقسم عليكم ، هل اسلوبكم هذا انساني ؟ وأنا رفيقكم في السفر الىٰ طهران فقط ، وقد سلّمت علىٰ الجميع عند دخولي بمنتهىٰ الأدب ، وجلست في مكاني دون ان اُؤذي احداً منكم ، لكنكم في قبال ذلك ، كلتم لي كل تلك الاهانات !! مع ذلك فأنا اغض النظر عما قلتموه بحقي ، فكيف تتجاسرون وتناولون من المقدسات الاسلاميّة.

سؤال الشيخ :

لكني اسألكم سؤالاً واحداً ، مع كل هذا التشاؤم وسوء الظن بالدين والمسائل الدينية ، هل انتم تعرفون الدين ( بالمعنىٰ الصحيح للكلمة ) ؟ أم إنّ إهانتكم للإسلام هي بدون أيّة معرفة صحيحة عنه ؟!

رفقاء السفر : ماذا تقصد بالمعرفة ، نحن لا نوافقك هذا الكلام من الاساس.

ثم أضاف أحدهم : أنا لا طاقة لي بقراءة الكتب الدينية ولست مستعداً للحديث مع واحد من المعمّمين.

٩

الشيخ : أيُّها السيد المحترم ! أنت الذي تعترف بعدم اطلاعك علىٰ اصول الدين ومبادئه ، ولم تتحدث في جميع عمرك مع أي مسلم واعٍ ، إذن كيف تجيز لنفسك اساءة الأدب بحق المقدسات الدينية إلىٰ هذا الحدّ ، وتتصور ان الدين والمتدينيين بشكل عام يقفون أمام سعادتك ؟!

أنتم الذين تعترفون بجهلكم لابسط المعلومات حول الاسلام ، كيف تسمحون لانفسكم بمثل هذه الاحكام المستعجلة والارتجاليّة البعيدة عن الواقع ، وتدينون الدين واتباعه في محكمتكم غير الصالحة الاهانة والاستهزاء والكلام الباطل ؟!

أيُّها السيد المحترم ! اتصور انّك وكما يقول المثل ذهبت للقاضي فقط (١) وحكمت بدون أية صلاحية في الحكم.

قضاء باطل

رفيق سفر آخر : أيُّها الشيخ دعك من ذلك ، هل هناك اصل أو اساس علمي للدين ، حتىٰ يحتاج الخوض فيه الىٰ صلاحية أو معرفة واسعة ؟! فكل شخص يمكنه الكلام حول الدين ، وابداء الرأي فيه ثم قبوله أو عدم قبوله.

الشيخ : كلامك هنا لا ينسجم والقواعد المنطقية والعلمية والعقلية ، لأن العقل يحكم برجوع الاشخاص الذين لا يلمون بموضوع ما الىٰ المختصين فيه ،

________________

(١) مثل ايراني معناه : أن الكلام لا يستند إلى دليل حقيقي. ( المترجم )

١٠

وليس لهم ابداء الرأي دون علم سابق والحكم فيه.

ففي جميع العصور وبين جميع الاشخاص والاقوام ، هناك اشخاص متخصّصون في كل فن ، يرجع اليهم باقي الناس في مجال تخصّصهم ، ولا نذكر ان أحداً من الناس استعان بجاهل في موضوع معين لحل معضلة ، او انهم سَعَوْا الىٰ حلِّ أمر جاهلين له.هل رأيتم مريضاً راجع حداداً ليعالجه من مرضه ؟ أو ان احداً عاد طبيباً ليسأله عن امور الزراعة ؟ حتىٰ لو ان احداً في غير المتخصصين ابدىٰ رأياً في أمر ، فإن رأيه لن يعار له أي اهتمام ، خاصة في عالمنا المعاصر ، وفي الدول المتقدمة ، لربّما يكون عرض نظريات باطلة وأحكام غير صحيحة من قبل اشخاص غير مختصين يعتبر ويستدعي ملاحقة قانونية.

قصّة حول الاحكام الباطلة

هنا نورد هذه القصة علىٰ سبيل المثال :

حكىٰ لي احد الاصدقاء : انني كنت اعبر بحر المانش بين فرنسا ( ميناء ديب ) وانجلترا ( ميناء نيوهيون ) بالباخرة. وكنت جالساً الىٰ جانب رجل انجليزي يظهر عليه الألم ، وبعد قليل من التردد سألته عما يؤلمه ، فأشتكى من الصداع ، فعرضت عليه تناول حبة « كالمين » جلبتها معي من فرنسا ، فوافق وتناولها ، وبعد فترة قصيرة ذهب عنه الصداع ، فشكرني وسأل : هل انت طبيب ؟ أجبته : لا. فسألني متعجباً : إذن كيف تجيز الدواء ؟!

علىٰ أيّة حال ، وبعد نزولنا من الباخرة ... سلّمني للشرطة ، بأن قال لهم اشكر هذا السيد الذي أذهب عني الصداع بأعطائي الدواء ، لكنه ارتكب مخالفة

١١

قانونية بتجويزه دواءً دون رخصة.

وهذا نموذج لرد فعل ايجابي ازاء الذين اعتادوا ابداء الرأي حول كل شيء دون علم ومعرفة به كافية ، وهو رد فعل مقابل عمل لربما تكون نتيجته الموت بالنسبة لعشرات المرضىٰ (١).

أجل ، هذا هو الاسلوب الصحيح ، ففي كل أمر تجب مراجعة المختصين به ، وهو اصل ثابت في جميع انحاء العالم ، وبين جميع الشعوب الواعية ، لكني لا اعلم لماذا عندما يصل الأمر الىٰ موضوع الدين نشاهد اولئك الناس ـ انفسهم ـ يريدون ابداء الرأي فيه دون علم ومعرفة كافية ، ويحكمون فيه مثلما يتكلم فيه العالم الديني الواعي ؟! واذا لم يستطيعوا فهمه من زاوية نظرهم ، ينفونه بكل شدّة ويقولون اننا لن نرضخ لمثل هذا القانون !!

أليس من غير الانصاف ان يقوم المزارع الذي أفنىٰ عمره ـ وللأسف حسب رغبة المستعمر ـ مع الارض والماء والقمح فقط ، أو العطار الذي عاش حياته كلها في بيع وشراء السكر والرز والتبغ ، أو العامل الماهر المختص في انتاج القماش أو الطبيب الحاذق الذي يتعامل مع اعضاء الانسان وجوارحه بسكين الجراحة في بعض الأحيان ، ابداء الرأي في المسائل الدينية وكأنه عالم دين واعٍ وصل الىٰ من التخصّص تمكّنه من الحكم في الدين ؟!

اتصوّر أن الاُمّة التي تريد التدخل في أُمور ليست من صلاحيتها ، ولا

________________

(١) صحيفة اطلاعات : العدد ١٣٧١٥ ـ ٣ شباط ١٩٧٢.

١٢

ترتبط بها علمياً عليها أن تقرع طبول شقائِها.

اجل ، يجب ان ترد الاُمور الىٰ اصحابها ، فالبلد السعيد هو الذي يعرف اهله حدود وظائفهم ويحفظونها ، ولا يتعدّىٰ أحد فيهم حدوده العلمية.

رفاق السفر : ماالذي تقوله أيُّها الشيخ ، فدنيا اليوم هي دنيا العلم ، والجميع يستطيعون معرفة كل شيء.

الشيخ : نعم ـ يستطيع كل واحد ان يفهم « كل شيء » لكن هناك مشاكل عديدة يلزم تجاوزها لتطبيق ذلك الامكان ، بمعنىٰ لابدّ من تحمل متاعب جمّة للحصول علىٰ معلومات كافية فيما يتعلق بحقيقة معينة ، لكي يمكنه فهم القضايا المرتبطة بتلك الحقيقة مثل متخصص واعٍ ، ومن العجب ! كيف لا يستطيع الشخص الذي لم يدرس الطب فهم المسائل الطبية ولكن هذا الشخص نفسه يحق له ابداء الرأي في المسائل الدينية بدون أية معلومات عن الدين ؟!

لماذا لا يتسطيع الذي لم يدرس الطب وسائر المواضيع العلمية تعلم مسائلها دفعة واحدة ( مع ان الدنيا ، هي دنيا العلم ) ، ولكن حينما تطرح قضايا الدين يستطيع كل جاهل ان يبدي نظرياته فيها لمجرد ان دنيانا هي دنيا العلم ؟!

علىٰ انني لا اقصد بالمتخصّص في المسائل الدينية ، الذين يرتدون الزي الروحاني ( الجبّة والعمامة ) ، لان مجرد الملابس لا تأتي بالتخصّص ، بل الذي اقصده هو « التخصّص العلمي » امتلاك معرفة دينية كافية وصحيحة ، أمّا

١٣

ما تقولونه فهو يشبه الاعتراض علىٰ شخص يقول : يجب علىٰ البصير أن يأخذ بيد الأعمىٰ ويوصله الىٰ مقصده من بين الطرق الملتوية ، فماذا يعني ضوء النهار مع وجوب الآخذ بيد الأعمىٰ ، في حين ان الاعمىٰ يتساوىٰ لديه الليل والنهار وفي كلتا الحالتين يحتاج الىٰ شخص بصير يأخذ بيده.

أيُّها السادة ! صحيح ان دنيانا هي دنيا العلم ، لكنه وفي دنيا العلم هذه لا يستطيع احد ابداء نظريات في مجال اختصاصه والحكم في القضايا ، إلّا الذي يمتلك وعياً ومعرفة كافيين.

أمّا الذي تقولونه فهو « عطاء من خزانة الأمير » (١) ، وهو للأسف منطق المتفرجين من بعيد ، وهذا النوع من الناس ، إذا ما وجدوا احدىٰ المباحث الدينية لا تنسجم مع تفكيرهم القاصر ، يلوذون مباشرة بتطور الآخرين العلمي والتكنولوجي ، ويقولون فخورين !! : هو عصر العلم ، عصر الذرة ، العصر الذهبي البراق ، وفي مثل هذا العالم الذي نحيا فيه لا يمكن انت نترك موضوعاً دون فهم ! أليس من ضروري أن نقول لمثل هؤلاء الاشخاص : اعزاءنا في عصر العلم ايضاً لا يحق لأحد التنظير في قضية إلّا ان يكون عالماً ومتخصّصا فيها وهؤلاء هم الذين يلتذون بالمسائل العلمية.

اصدقائي الاعزاء !

أنا لا أقول انه لا يحق لغير المتخصّص البحث والاستقصاء في الدين والمسائل التي تتعلق به ، بل ما اقصده هوان لا يجلس الشخص

________________

(١) مثل ايراني ، يقال للشخص الذي يتبرع من مال ( أو علم ) غيره. ( المترجم )

١٤

الذي ليست له جدارة علمية في المسائل الدينية علىٰ كرسي القضاء ويصدر احكامه بهذه القطعية ، وكأنما جميع الحقائق الدينية تتلخص في دائرة فكره ، وفهمه فقط.

وعاء أحرّ من الأكل (١)

هنا تذكرت قصّة حدثت قبل سنوات ، خلاصتها :

كان أحد العلماء الغربيين قد كتب مقالاً يقول فيه : نأمل ان تحلّ في المستقبل القريب مشاكل السفر الىٰ سطح القمر وان يصل الانسان الىٰ امنيته هذه (٢).

بعد نشر ذلك المقال ، كتب أحد الكتّاب الايرانيين مقالاً في احدىٰ الصحف حول السفر الىٰ سطح القمر علىٰ أساس مقال ذلك العالم الغربي ، لكن صاحبنا استرسل في مقالة للحد الذي قال فيه : سوف يقضي عرائسنا شهر عسلهم ـ بالقريب ـ علىٰ سطح القمر ، ولسوف يستأجر الاغنياء الفيلات المبنية علىٰ سطح القمر بأسعار باهضة لكي يفرّوا من حرارة شمس الصيف الىٰ هناك.

وقد وصل بالكاتب الحدّ لأن يقول : في المستقبل القريب ، سوف تشير الاجيال التي ستأتي بعدنا نحو الأرض وتقول ان آباءنا كانوا يسكنون تلك

________________

(١) مثل ايراني ، يقال للشخص الذي يتحمس إلى موضوع لا يرتبط به. ( المترجم )

(٢) اليوم ونحن نعد هذه الطبعة الجديدة من الكتاب ، تحقّق حلم الانسان في السفر الىٰ سطح القمر قبل سنوات.

١٥

الكرة!!

جميع تلك الخزعبلات صاغها الكاتب الايراني علىٰ اساس مقال ذلك العالم الغربي في حين ان العالم الغربي كان يتحدّث عن احتمال وامكان السفر الىٰ سطح القمر. ( وهنا ، ينفجر رفاق السفر ضاحكين ).

الشيخ : أيُّها السادة : أليس بعض مواطنينا يفكرون مثل ذلك الكاتب الايراني ، لأنهم يفتخرون بالتطور العلمي الذي أوجده الآخرون !

١٦

حقائق العالم وآراء العلماء

احد رفاق السفر : أيُّها الشيخ لقد تطرفت في كلامك ! لربّما يصحّ كلامك فيما يتعلق بغير المتعلمين ، لكنه مرفوض فيما يتعلّق بالعلماء والمتعلّمين ، لأنهم يحقُّ لهم ان يجعلوا آراءهم ملاكاً لصحّة وسقم أي موضوع ، ويمكنهم اصدار حكم قطعي في كلِّ شيء.

الشيخ : لا ، لم أتطرّف في كلامي ، كما انّ آراء العلماء أيضاً ليست معياراً كاملاً لصحّة أو خطأ موضوع ما في كل حال ، لان التاريخ يحدّثنا عن تكامل البشر علمياً.

فقد حدّث ان مجموعة من العلماء أقرت مسألة خاطئة علىٰ أنّها حقيقة علمية واستندت اليها عشرات السنين للحد الذي قدمت على اساسها عشرات النظريات والفرضيات الاُخرىٰ. ولكن ، ومع تطور العلوم ، ظهرت الحقيقة بالتدريج وبان خطأ « النظرية الاُم » ، وعلىٰ حدِّ قول عالم الاحياء الفرنسي المشهور الدكتور الكسيس كارل (١) :

« ليس من الضروري ان تكون الحقيقة بسيطة علىٰ الدوام وقابلة للفهم بالنسبة لنا» (٢)

________________

(١) Dr. Alexis carrel.

(٢) الانسان ذلك المجهول.

١٧

وفي تاريخ الحياة الانسانية نشاهد العديد من النظريات العلمية ظهرت علىٰ انّها قواعد علمية واقعية لفترة طويلة بين العلماء ، وكانت ملاكاً لصحّة وفساد المسائل الاُخرىٰ ، لكن ، وبمرور الايام ، ثبت بالتدريج مخالفتها للواقع ، ومن انها لم تكن سوىٰ نظرية.

أحد النماذج التامة فيما نتحدث عنه هو قصة الذرّة ، لقد كانت الذرّة لسنوات طويلة غير قابلة للتقسيم عند الفلاسفة والعلماء ، وكان « موقريطس » (١) أوّل من قال أنّ ظواهر العالم تتألف من أجزاء صغيرة غير قابلة للتجزئة والتقسيم ، ( وقد سمي فيما بعد ذلك الجزء غير القابل للتقسيم ذرّة ).

بقيت هذه النظرية مقبولة علىٰ مدىٰ قرون من قبل الكثير من الفلاسفة والعلماء ، وكان في عداد حقائق العالم العلمية ، ومع تطور العلم ، اصبح عصرنا ينظر الىٰ تلك النظرية كأسطورة لا اكثر ، بل تم عملياً شطر الذرة والاستفادة من طاقتها المتحررة ، للحد الذي ارعبت قدرتها التخريبية العالم.

وحقيقة ان الانسان جائز الخطأ وليس مصوناً منه يمكن تعميمها لتشمل العلماء ايضاً ، والاعترافات التي يبدونها حول امكان خطئهم طريفة جداً ، هنا ننقل بعض ذلك :

________________

(١) لابد من الاشارة الىٰ ان عالماً باسم « ليوسيبوس » طرح أصل نظرية الذرة وتكون جميع ظواهر العالم منها ، وذلك قبل دموقريطس ، لكن الاخير قام بأكمال تلك النظرية.

تاريخ التطورات الاجتماعية ، ص ١٧٦ ، تأليف : متروبوسكي.

١٨

يقول عالم الرياضيات المعروف ، البرت انشتاين :

« يندر ان نجد اليوم عالماً يعتبر المواضيع التي يصل اليها حقائق نهائية. بل العكس نجد اصحاب النظريات المهمة مثل نيوتن (١) يذعنون ان ما يرونه واضحاً اليوم لربّما يكون مبهماً وغير واضح بالنسبة للاجيال اللاحقة ، ولربّما سينظر اخلافنا الىٰ اعمالنا بنفس العين التي ننظر فيها نحن الى اسلافنا» (٢).

ويقول احد الكتاب الفرنسيين :

« الجميع يمكن ان يخطأوا. ولربما يخطىء العالم الكبير في حكمه ، وقد رأينا خطأ جميع اعضاء مؤسسة علمية في مبحث تخصصي بالنسبة لهم ... لذلك يجب ان لا نعتبر فتاوىٰ العلماء والمفكرين حتىٰ تلك التي ضمن اختصاصاتهم حجة لا يمكن الزيغ عنها. ويبقىٰ الزمان هو المحك الاساس في اختبار هذه الموارد » (٣).

مجهولات الانسان

الىٰ هنا من البحث تكلمنا عن امكان خطأ العلماء وعدم حصانتهم قباله ؛ أي أن بعض العلماء أو مجموعة منهم لربما تصوروا انهم توصلوا الىٰ حقيقة ما واستطاعوا كشفها ، لكن واقع الامر هو غير ذلك ، هنا نضيف الىٰ المسألة حقيقة

________________

(١) Newton.

(٢) العالم وانشتاين : ١٣٠.

(٣) صحيفة اطلاعات ، العدد ١١٧٦٠ ، بتاريخ ٢١ / تموز / ١٩٦٥.

١٩

اخرىٰ ذات دائرة لشمولية أكبر ، وتلك الحقيقة هي المجهولات التي يواجهها العلماء ، ففي عالمنا العديد من الاسرار والحقائق لا تزال يد الفكر والكشف الانساني لم تَطَلْها.

أحد رفاق السفر : أيُّها العمّ العزيز ، لا تنظر الىٰ الاُمور التي نجهلها نحن ، لانّ كلامنا يدور حول كبار علماء العالم ، الذين لا يعرفون ابداً لفظة « لا علم » أو « أجهل ذلك » !

الشيخ : أيُّها السيد المحترم ، أنا مضطر لحمل كلامك هذا من باب التفاؤل غير المنطقي بعلماء العالم ، لان الظاهر انك تحدثت دون دراسة ودراية.

صديقي العزيز ! لو طالعت كتب العلماء ، ومؤلفاتهم لوجدتهم يعترفون بجهل الكثير من حقائق العالم ، وهذه حقيقة الىٰ جانب كل حقيقة علمية تكتشفها ، فعندما نصل الىٰ كشف معين نواجه عشرات الاسئلة ، والمجهولات الجديدة ، وبهذه الكيفية ليست هناك حقيقة موضوعية واحدة في عالم الوجود مكشوفة جميع قضاياها بشكل عام ، ومن أجل اثبات هذا الادعاء ، نورد بعض اعترافات اعظم علماء عصرنا حول مجاهيل العالم :

يقول عالم الفيزياء المعاصر البرت انشتاين (١) في احدىٰ مؤلفاته :

« وعلىٰ الرغم من المعلومات التجريبية التي حصلنا عليها فيما يتعلق بنواة الذرة ، لكننا لا نزال في ظلمة فيما يتعلق بالعديد من المسائل

________________

(١) A. Enshtien.

٢٠