رسالة قاعدة ضمان اليد

المؤلف:

الشيخ فضل الله النوري


المحقق: الشيخ قاسم شيرزاده
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٦
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ فضل الله النوري

ـ قدس سره ـ

رجل العلم والجهاد

على الشهادة والكرامة والعلى

وحليف علم الدين والآثار

الحمد لله الذي خص أصحاب الشهادة بالسعادة ، واصطفاهم لدار العز والكرامة ، ثم الصلاة والسلام على نبيه وآله الطيبين الطاهرين ، وعلى عباد الله الصالحين ، لاسيما الشهداء والصديقين.

أما بعد : فإن العالم العامل ، يضيئ الطريق للسائر ، والشهيد يكتسح العقبات والعراقيل للسالك ، فالعالم بمداده وحبره ينير العقول ، ويزيل الظلمات والاوهام عن البصائر والافكار ، والشهيد بتضحيته يزيل المانع ، ويقطع أيدي المتطاولين على شرف الامة ودينها ، وثروتها ، فالشهيد والعالم بطلان يسيران على طريق واحد ، يهدفان إلى هدف فارد ، بهما أنيط بقاء الاسلام ، بجهادهما وجهودهما يتهافت الكفر والالحاد.

هذا إذا جردت الشهادة ، عن العلم ، فما ظنك بمن كرس حياته بالعلم والدراسة وكللها بالشهادة في سبيل الله فقد حاز حينئذ فضيلة المزيتين ، وصار رجلا مثاليا في مجالي القلم والسيف ، وفاز القدح المعلى.

إن الانسان يتصور في بادئ الامر : أن الشهداء هم وحدهم الابطال في

٣

ميدان الدفاع والجهاد ، دون حملة الفكر والعلم ، أو قادة البيان والخطابة ، أو أن العلماء هم الذين لا يهمهم شئ سوى تدارس العلم وكتابته ، وإلقاء الخطابة ، وبالتالي هم أمراء البيان وأصحاب الفتيا ، فهم يخوضون الوعظ والارشاد ولا يقتحمون لجج المعارك الدامية ، ولا تعرفهم ساحات القتال.

هذا هو الذي يتصوره البعض من مفهومي العالم والشهيد ، ولكن عند ما يسبر الانسان تاريخ العلم والشهادة ويقرأه بإمعان وهدوء ، ينتبه إلى خطأ الفكرة ، لانه يجد في ثنايا التاريخ بل في متونه ، مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين بين مقتول في المعارك الدامية ، ومستشهد في ميادين الحروب الضارية ، بين مصلوب على المشانق والاعواد ، وبين مقيد في قعر السجون بقي فيها إلى أن لفظ أنفاسه الاخيرة في ظلمها ، وبلين مسموم احترقت أحشاؤه وأمعاؤه إلى غير ذلك من الوان التعذيب.

وكأن شاعرنا المبجل المفلق الفقيه الشيخ محمود البغدادي يشير بقوله إلى هذا لمعنى وفي حق هذا النمط من العلماء الشهداء حيث قال :

رجلان في دنيا الثبات

وهبان الحياة إلى الحياة

رجل الصراع المريع‍

صف باللئام وبالطغاة

والعالم الوثاب أمن‍

ية الشعوب الناهضات

عاشا بلا ذرات وماك‍

ـالعز في سحق الذوات

فكانوا يمثلون قول الامام الوصي أمير المؤمنين ـ عليه أفضل صلوات المصلين ـ : « رهبان بالليل وأسد بالنهار » (١) فلم يحجهم الخوض في المفاهيم السامية والمعاني الدقيقة أو عكوفهم على استنباط الاحكام من الكتاب والسنة ، عن خوض عباب الحروب

__________________

١ ـ بحار الانوار : ٨٣ / ٢٠٧ من كلام الامام ـ عليه السلام ـ لنوف البكالي.

٤

وتحمل قتار الغزوات ، ومجابهة الاعداء ، وفي الحقيقة هؤلاء هم الامة المثالية والطبقة الوسطى في المجتمع أثنى عليهم الذكر الحكيم (١) ، وبجلتهم السنه الكريمة ، وأكبرتهم الشعوب الاسلامية في كل عصر.

وها نحن نوقفك على حياة عالم كبير ، ومصلح عظيم من هذا النمط ... عالم كرس حياته في مدارسة العلم ، وإصلاح المجتمع ، وختمها بالشهادة ، وكان أكبر قائد روحي في عاصمة ايران ـ طهران ـ كافح الضلال والالحاد ، وجابه ضوضاء الباطل بلسانه وقلمه. ألا وهو الشيخ العلامة آية الله العظمى الشيخ فضل الله النوري ـ قدس الله سره ـ : شهيد الصمود في طريق الحق والفضيلة ، ودفع التطاول على المقدسات الاسلامية ، بأيدي رجال متغربين ، أرادوا القضاء على الاسلام وأهله ، تحت غطاء الثورة على الرجعية والتخلف ، وواجهة انشاء نظام ديمقراطي برلماني ، فكان شعارهم هذا ، كلمة حق يراد بها باطل فقد حاولوا إبعاد الاسلام عن الساحة ، وإحلال الكفر والالحاد مكانه ، تحت شعارات خداعة ، وعناوين رنانة ، فكانوا يديفون السم بالعسل.

لقد ظهرت ـ في العقد الثالث من القرن الرابع عشر في المنطقة ـ فكرة الحرية والتخلص من السلطة الاستبدادية والقضاء على حكومة الفرد على الشعب ، بإحلال الحكومة البرلمانية مكان الملكية ، وقد ظهرت هذه الفكرة في المجتمع الايراني بعد ما كانت السلطة عبر القرون والاجيال هي السلطة الفردية المتمثلة في النظام الملكي ، ولما برزت فكرة التحرر بثوبها الرائع ، وجمالها الخداع ، انجذبت إليها القلوب ، وتعلقت بها النفوس ، فصارت فاكهة المجالس وزينة العرائس ، يتحدث عنها الناس في كل مناسبة ، وكل مكان ، حتى استهوت لفيفا

__________________

١ ـ حيث طبقوا العلم على العمل ، دعوا للجهاد والقتال ، فقدموا النفس والنفيس في ذلك المضمار.

٥

من العلماء والآيات والمراجع في العراق ، مثل الشيخ محمد كاظم الخراساني ، والشيخ حسين الطهراني والشيخ عبد الله المازندراني ـ قدس الله أسرارهم ـ فصوتوا مع الامة ، وأفتوا بلزوم تطبيقها على صعيد الحكومة والواقع.

وكان شيخنا المترجم له في عاصمة إيران ، ممن يدعم هذه الفكرة ويؤيدها ، فترة قليلة من الزمن ، ولما أشرفت النظرية على مرحلة النضوج ، وقف على أن الفكرة سراب لا ماء ، وأن الهدف من التظاهر بالحرية ، هو الانحلال والتجرد عن الضوابط الشرعية ، والقوانين الالهية ، وبالتالي إقصاء الاسلام عن جميع المجالات : القضائية ، الثقافية ، والاجتماعية ، والاخذ بالانظمة الالحادية ، وحصر الاسلام في المنازل والبيوت ، وقصره على الاحوال الشخصية كالزواج والطلاق والميراث.

فلما وقف شيخنا المترجم المغفور له على خطورة الموقف ، ثارت ثائرته وأحس أن هذا هو الوقت الذي عناه نبي العظمة صلى الله عليه وآله إذ قال : « إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العامل علمه ، وإلا فعليه لعنه الله » (١) فشرع في إيقاظ الناس من الغفلة ، وتنبيههم على المؤامرات التي تحاك ضدهم ، واستمرت مواجهته للفكرة سنوات عديدة فلقي في ذلك ما يلاقي فيه كل مصلح غيور على أمته ودينه.

لقد كان لخطابات شيخنا وكتاباته إلى الزعماء والرؤوساء ، تأثير بالغ في منع الامة من التسرع إلى التصويت مع أصحاب تلك الفكرة إلى أن بلغ السيل الزبى ، ولم تجد الطغمة المعتدية على شرف الشعب ودينه ، مناصا من المؤامرة على الشيخ وقتله بصورة بشعة تكون عبرة لغيره ، فاختطفوه من داره بعد هجوم عنيف عليها في الثالث عشر من شهر رجب من شهور سنة ١٣٢٧ ه‍ فساقوه وحيدا إلى المديرية العامة للشرطة وحاكموه محاكمة صورية ، وأصدر القاضي حكما بإعدامه شنقا ،

__________________

١ ـ الكافي ١ : ٥٤ باب البدع والرأي.

٦

وقد كان الحكم هذا مهيئا قبل المحاكمة ، ثم أخرجوه من المديرية بعد المحاكمة ولم تمض بضع دقائق حتى رؤي جثمانه الطاهر مشنوقا وأعداؤه حوله يصفقون ويظهرون المسرة والابتهاج ، فلقى ربه بحياة مشرقة وجهاد متواصل ، ومضى شهيدا بيد الظلم والعدوان في سبيل الحمية والدين ، وقد رثاه غير واحد من العلماء والشعراء ، نكتفي بأبيات من قصائد الاديب الاريب والحكيم البارع السيد أحمد الرضوي البيشاوري نزيل طهران ( ت ١٣٤٩ ه‍ ) بقوله :

لا زال من فضل الاله وجوده

جود يفيض على ثراك همولا (١)

روى عظامك وابل من سيبه

يعتاد لحدك بكرة وأصيلا

تلكم عظام كدن أن يأخذن من

جو إلى عرش الاله سبيلا

همت عظامك أن تشايع روحها

يوم الزماع (٢) إلى الجنان رحيلا

فتصعدت معه قليلا ثم ما

وجدت لسنة ربها تبديلا

فالروح ترقى والعظام تنزلت

كالآية اليوحى بها تنزيلا

آمنت إذ حادوا برب محمد

وصبرت في ذات الاله جميلا

خنقوك لا حنقا عليك وإنما

خنقوك كي ما يخنقوا التهليلا (٣)

ولعمر الحق إن القصيدة هي القصيدة الفريدة في باب الرثاء في علو المضمون ، وبداعة المعاني ، ورصانة الاسلوب ، ولو افتخر أبو الحسن التهامي عند رثاء ولده بقصيدته المعروفة التي تنوف على سبعين بيتا وكلها حكم وأمثال ، فليفتخر شاعرنا المبجل الاديب البيشاوري بهذه القصيدة الزاهرة.

__________________

١ ـ هملت السماء : دام مطرها.

٢ ـ يوم الخوف والذعر.

٣ ـ وكأنه اقتفى « الشاعر المعروف بـ « ديك الجن » حيث يرثي الحسين سيد الشهداء بقوله :

ويكبرون بأن قتلت وإنما

قتلوا بك التكبير والتهليلا

تكملة أمل الآمل للسيد حسن الصدر : ٢٦٠.

٧

لقد استقبلت قصيدة التهامي استقبالا رائعا وحل في القلوب حيث يقول :

حكم المنية في البرية جار

ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا يرى الانسان فيها مخبرا

حتى يرى خبرا من الاخبار

وما أحسن قوله في تلك القصيدة :

جاورت أعدائي وجاور ربه

شتان بين جواره وجواري (١)

وما ألطف وأرق قول شاعرنا المفلق :

همت عظامك أن تشايع روحها

يوم الزماع إلى الجنان رحيلا

ويجدر بي أن أقول في حقها كلمة اخرى وهي : إن هذه القصيدة التي نقلنا منها عدة أبيات أشبه بقصيدة أبي الحسن الانباري في رثاء أبي طاهر بن بقية الذي صلبه عضد الدولة ـ بقوله :

علو في الحياة وفي الممات

لحق أنت إحدى المعجزات

يصف المشنوق وصفا عجيبا ويقول :

ولم أر قبل جذعك قط جذعا

تمكن من عناق المكرمات

ومالك تربة فأقول تسقى

لانك نصب هطل الهاطلات

ركبت مطية من قبل زيد

علاها في السنين الماضيات

وتلك قضية فيها تأس

تباعد عنك تعيير العداة (٢)

هكذا كان ختام حياة شيخنا المعظم وإليك لمحة عن أوليات حياته

__________________

١ ـ القصيدة برمتها موجودة في جواهر الادب / ٦١٦.

٢ ـ القصيدة موجودة في جواهر الادب / ٦٢٤ ، توفي أبو الحسن الانباري عام ٣٢٨.

٨

وأوسطها إلى أوان شهادته وهي تسلط الضوء على مكارمه وفضائله.

ولد شيخنا في قرية « لاشك » من توابع كجور من مدن مازندران عام ١٢٥٩ ه‍. ق وتلقى الاوليات في منطقة نور ثم غادر إلى طهران ، وجد في دراسته ، إلى أن نال بعض ما كان يتمناه ولم يكتف بما أخذه في البلدين فأعد العدة للسفر إلى النجف الاشرف ـ عاصمة العلم للشيعة ـ وهو بعد في عنفوان الشباب وفي أوائل العقد الثالث من عمره ، فنزل مدينة النجف بحضر عند أساطين العلم ، وأخص بالذكر منهم :

١ ـ الفقيه الجليل الشيخ راضي من آل خضر النجفي علم الفقه الخفاق ، والزعيم الكبير في النجف الاشرف ( ت ١٢٩٠ ).

٢ ـ الفقيه والتحقيق الشيخ حبيب الله الرشتي ( ١٢٣٤ ـ ١٣١٢ ه‍ ) ، وكان من كبار الفقهاء والمدرسين في عصره ، حضر أبحاثه سنين متمادية وكتب من أبحاثه الشئ الكثير ، منها هذه الرسالة التي يزفها الطبع للقراء وقد عرضها بعد التأليف على أستاذه فكتب عليها كلمة قيمة نأتي برمتها عن قريب.

٣ ـ القائد المناضل الكبير والمرجع الاعلى للشيعة في عصره السيد محمد حسن الشيرازي ( ١٢٣٠ ـ ١٣١٢ ه‍ ) حضر أبحاثه في النجف الاشرف ، ولما غادر الامام الشيرازي ذلك البلد ، وألقى رحله في سامراء سنة ١٢٩١ ه‍ ، ارتحل شيخنا مصطحبا خاله العلامة المحدث الكبير الشيخ حسين النوري ( ت ١٣٢٠ ه‍ ) مؤلف مستدرك الوسائل في السنة التالية ( ١٢٩٢ ه‍ ) ، وبقي بها إلى أوائل القرن الرابع عشر حتى غادرها سنة ١٣٠٣ ه‍ إلى عاصمة ايران ـ طهران ـ ، كقائد روحي وأستاذ كبير ، ومرجع علمي ، فقام بواجبه في مجالات العلم وخدمة المجتمع وإحياء القيم الاسلامية إلى أن لقي ربه شهيدا.

٩

كلمات الثناء في حق المترجم

١ ـ يقول المحدث الكبير خاله الشيخ حسين النوري في حقه : عالم فاضل ، ومجمع المحاسن والفواضل ، مالك أزمة الفروع والاصول ، والآخذ بنواصي المعقول والمنقول ، علم الاعلام ، والحبر القمقام ـ ابن اختنا المفخم الشيخ فضل الله النوري .... (١)

٢ ـ ويقول المجتهد الكبير أستاذه الرشتي في تقريظه لرسالة المترجم له ما هذا نصه :

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الواقف على هذه الاوراق ، لو خضت زواجر البحار ، وضربت آباط الابل في مهامة القفار ، لما وجدت أحسن مما فيها تحقيقا ، وأزيد منه تدقيقا ، فمن الواجب أن ينادى بفضل صاحبها في كل ناد ، ويحث إليها الركاب في كل بلاد ، فقد سرحت فيها لحظي فرأيتها ملحظا وجيها ، وأمعنت فيها نظري فوجدتها منظرا صبيحا ، فكم أودع فيها من الدرر الفاخرة ، واللآلي الباكرة ، فيليق ان يكتب بالتبر على الاحداق ، لا بالحبر على الاوراق ، فلله در مؤلفها وهو العالم الاواه قرة عيني ، الشيخ فضل الله ـ له فضله وعلاه ـ فقد أتعب نفسه وعرق جبينه ، في تحصيل القواعد العلمية ، والاصول الاجتهادية ، التي يدور عليها مدار الاجتهاد وبها يصح أعمال العباد.

وحضر لدي ولدى الاساتيذ العظام ، والاساطين الكرام ، شطرا وافيا من الزمان ، ودهرا طويلا كافيا من الاوان ، فبلغ بحمد الله مناه ، وصار عالما ربانيا ،

__________________

١ ـ مقدمة « شجره طوبى » للمحدث النوري.

١٠

وعلما حقانيا ، مجتهدا ماهرا ، متبحرا كاملا ، جامعا للمعقول والمنقول ، فحقيق أن يرجع إليه عباد الله المؤمنين في أمور دينهم ، وينقادون إليه فيما يتعلق بآخرتهم ودنياهم ، وفي حقه وأمثاله ورد في الاثر من سيد البشر : الراد عليه راد علينا ، وهو في حد الشرك ، معاذ الله منه ومن شر الشيطان ، وسيئات الاعمال ، ورجائي منه هو سلوك طريق الاحتياط في الاحكام والموضوعات ، وأن لا ينساني عن الدعوات عند قاضي الحاجات ، إنه ولي التوفيق.

حبيب الله الغروي الجيلاني

٣ ـ قال العلامة الاميني عند سرد حياته : قفل شيخنا المترجم له إلى طهران ، ولم يبرح بها إماما ، وقائدا روحيا ، وزعيما دينيا ، يعظم شعائر الله ، وينشر مآثر دينه ، ويرفع أعلام الحق ، ويبرز كلمة الحقيقة حتى حكمت بواعث العيث والفساد ، بعد ما جابه الالحاد والمنكر ، زمنا طويلا ، فمضى شهيدا بيد الظلم والعدوان ، ضحية الدعوة إلى الله ، ضحية الدين ، ضحية النهي عن المنكر ، ضحية الحمية والديانة ، ودفن في دار المؤمنين بلدة قم. (١)

وقد أثنى الموافق والمخالف على الشيخ وكثر عليه الثناء من مختلف الطبقات ، حتى لم يجد المعاند منتدحا من الاعتراف بدينه وصلابته في طريق عقيدته ، ومسؤوليته أمام شعبه ودينهم ، وانه هو الذي اختار الشهادة والقتل في سبيل الله ، على التعاون مع هؤلاء رجال العيث والفساد.

وأنا أستميح الشيخ الشهيد عذرا حيث أعيى البيان وضاق المجال عن ترجمته بجميع نواحيه العلمية والسياسية وخدماته الاجتماعية وزمالته لزعماء

__________________

١ ـ شهداء الفضيلة : ص ٣٥٧ وله في بلدة قم مقبرة عامرة ، حيث دفن في إحدى حجرات الصحن الشريف حيث تزور تربته عامة الطبقات.

١١

الدين ، وأخص بالذكر السيد الكبير الشيرازي في مسألة تحريم التدخين الصادر عام ١٣٠٨ ه‍ فقد ذكر غير واحد من المؤرخين مواقفه المشكورة في ذلك المجال ، ولنكتف ببيان آثاره العلمية الواصلة إلينا.

آثاره العلمية

خلف الشيخ آثارا واشتغل بالتأليف من أيام شبابه إلى شيخوخته غير أن مؤلفاته لم تزل مخطوطة لم تر النور إلا القليل النادر منها.

وإليك بعض ما وقفنا على أسمائه وخصوصياته.

١ ـ درر التنظيم

منظومة حول القواعد الفقيه وقد طرح فيها خمسا وعشرين قاعدة فقهية مع الاشارة إلى مبانيها ، صاغها في بوتقة النظم ، وهو في أواخر العقد الثاني من عمره أي شرع فيها عام ١٢٧٩ ه‍ ، يقول فيها :

قد انقضى من سني العشرونا

في سنه التاسعة والسبعونا

من بعد ألف وكذا المائتين

من هجرة النبي دون المين (١)

وقد ختمه بقوله :

قد وقع الفراغ من تصنيف هذه النسخة بيد مؤلفه الفقير فضل الله بن عباس النوري يوم الاحد سابع عشر ذي القعدة الحرام سنة ١٢٨٠ ه‍ في دار الخلافة طهران ويبلغ عدد الابيات خمسمائة بيت ، وإليك القواعد التي طرحها الشيخ في تلك المنظومة :

__________________

١ ـ المين : الكذب.

١٢

١ ـ الاسباب الشرعية معرفات لا علل حقيقية.

٢ ـ الاصل عدم تداخل الاسباب.

٣ ـ في قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

٤ ـ في قاعدة العقد ينحل إلى العقود.

٥ ـ القاعدة العقيلة لا تخصص.

٦ ـ دلالة الالفاظ وضعية لا ذاتية.

٧ ـ الاصل عدم جواز التوكيل إلا ما خرج.

٨ ـ أصالة الطهارة في الشبهة الحدثية والخبثية.

٩ ـ الاصل في الدماء ، النجاسة.

١٠ قاعدة الامكان في الحيض وبيان حدودها.

١١ ـ من جملة أسباب الضمان ، اليد.

١٢ ـ من جملة ما جعل الشرع سببا للضمان ، الاتلاف.

١٣ ـ من جملة اسباب الضمان ، الاخذ بالعقد الفاسد.

١٤ ـ من جملة ما جعله في الشرع سببا للضمان ، الغرور.

١٥ ـ من جملة ما جعله في الشرع سببا للضمان ، التعدي والتفريط.

في مسقطات الضمان :

١٦ ـ من جمله المسقطات في الشرع ، الاحسان.

١٧ ـ من جملة المسقطات في الشرع ، الاقدام.

١٨ ـ من جملة المسقطات في الشرع ، الاستيمان.

١٩ ـ من جمله المسقطات في الشرع ، الاذن من ذي السطان.

١٣

٢٠ ـ قاعدة القرعة وتشخيص مواردها.

٢١ ـ في أن الاصل ، وجوب القضاء ، في ما وجبت فيه الاعادة.

٢٢ ـ في قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به.

٢٣ ـ في بيان حرمة الاسراف ومدركها.

٢٤ ـ عدم حجية عدم القول بالفصل « إذا كان البعض مثبتا بالاصل ».

٢٥ ـ في شأن اشتراط العربية في العقود.

والمنظومة بعيدة عن التكلف والتعسف يقرأها الانسان بسهولة ، وإليك نماذج منها وهو طرح دلالة الالفاظ على المعاني وأنها وضعية أو ذاتية :

وعن سليمان بن عباد حكي

دلالة اللفظ لذاته فاترك

حجته لزوم ترجيح بلا

مرجح ، كذاك منه نقلا

لكنه مخالف المشهور

مخالف لمذهب الجمهور

لانها وضعية تدور

مدار وضع وهو المنصور

لو لم تكن ، لم يكن المنقول

لان ما بالذات لا يزول

وقد أشار في البيت الاخير إلى أن دلالتها وضعية لا ذاتية وإلا لامتنع نقل لفظ من معنى إلى معنى ، والسير في المنظومة يعرب عن أنه قرأ القواعد والفوائد للشهيد الاول ( ٧٣٤ ـ ٧٨٦ ه‍ ) والعوائد للشيخ أحمد النراقي ( ت ١٢٤٨ ه‍ ) ، والعناوين للعلامة السيد فتاح المراغي الذي فرغ منه عام ١٢٤٥ ه‍ ، وتوفي عام ١٢٥٠ ه‍. فربما يرد عليهم أو يقبل قول بعضهم وهو في أوائل العقد الثالث من عمره. (١)

__________________

١ ـ توجد نسخة من هذا الكتاب في المكتبة المركزية لجامعة طهران.

١٤

٢ ـ رسالة المشتق

هذه الرسالة تقرير لآراء أستاذه الكبير السيد المجدد الشيرازي طبعت عام ١٣٠٥ ه‍ ضمن رسائل للشيخ الانصاري وتلميذه الجليل الشيخ أبي القاسم الطهراني المعروف ب‍ : كلانتر ( ت ١٣١٣ ه‍ ) مؤلف مطارح الانظار الذي هو تقرير لدرس أستاذه الانصاري.

٣ ـ حرمة الاستطراق إلى مكة عن طريق جبل

هذه الرسالة ألفها الشيخ بعد ما زار بيت الله الحرام من هذا الطريق ورأى فيها المخاوف التي تحدق بالزائر ذهابا وإيابا ووجد فيه عدم الامن وعدم تخلية السرب ، وقد أفتى بالحرمة غير واحد من مراجع ذلك العصر وطبعت الرسالة عام ١٣٢٠ ه‍.

٤ ـ الصحيفة المهدوية أو القائمية

جمع فيها أدعية الامام المنتظر وهي بعد غير مطبوعة ألفها في أخريات أيام إقامته في سامراء بالعراق عام ١٣٠٢ ه‍. وقد كتب عليها خاله العلامة المحدث النوري تقريظا ، وأطرى فيها على المؤلف ابن أخته وأجازه في الرواية.

٥ ـ تذكره الغافل وإرشاد الجاهل

كانت هذه الرسالة قارعة على رؤوس المخالفين الذين كانوا يؤيدون الحركة الدستورية غير الشرعية وقد طبعت عام ١٣٢٦ ه‍. وقد فضح فيها أهداف

١٥

أصحاب تلك الحركة المشبوهة ، وأيقظ الناس على ما يبيت لهم في تلك المؤامرة الخطيرة.

ثم إن للشيخ خطبا ومكاتيب ، وبيانات بليغة مدوية ، لو جمعت في موضع واحد لتكون منها سفر قيم ، وكتاب ثمين ، تتجلى فيه بلاغة الشيخ الشهيد ، وقوة بيانه ، وعمق تفكيره ، وشجاعة جنانه ، وبعد نظره ، وأصالة رأيه.

٦ ـ رسالة قاعدة ضمان اليد

هذه الرسالة هي التي يزفها الطبع الآن إلى القراء وهي تعرب عن تضلعه في الفقه ، وإحاطته بالفروع وهذه الرسالة موجودة بخطه الشريف في مكتبة مشهد الرضوي برقم ٩٦٣٢.

وبما أنه غادر النجف الاشرف عام ١٢٩٢ ه‍. يرجع تاريخ تأليفها إلى قبيل عام المغادرة ، بشهادة أن المحقق الرشتي قرظها وهو في النجف الاشرف يحضر أندية دروس الاكابر.

ولاجل إحياء مآثر شهيدنا المبجل ونظرا لما في تلك الرسالة من بدائع الافكار ، قام الشيخ الفاضل العلامة الشيخ قاسم شيرزاده بتحقيقها وتصحيحها والتعليق عليها حسب الحاجة ، وقامت مؤسسة النشر الاسلامي لجماعة المدرسين بنشرها ، فشكر الله مساعي المؤلف والمعلق وشكر جهد الناشرين لافكار علمائنا الابرار ، وآثارهم.

مصادر المقدمة

لقد كثر التأليف والتحقيق حول شخصية وحياة شيخنا الشهيد النوري

١٦

من الموافق والمخالف ، ربما تربو على العشرين كتابا بين مختص به أو مشير إليه ضمن دراسات أخرى.

وها نحن نشير إلى بعض تلكم المصادر :

* ـ باللغة العربية

١ ـ أعيان الشيعة ـ للسيد محسن الامين العاملي ( ت ١٣٧١ ه‍ ) ج ٢٤ طبعة بيروت.

٢ ـ شهداء الفضيلة ـ للشيخ عبد الحسين الاميني ( ١٣٢٠ ـ ١٣٩٠ ه‍ ) ص ٣٥٦ ـ ٣٥٨.

٣ ـ معارف الرجال في تراجم العلماء والادباء للشيخ محمد حسين حرز الدين ج ٢ ص ١٥٨.

٤ ـ أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة ، للسيد محمد مهدي الموسوي ج ٢ ص ٩١.

٥ ـ نقباء البشر في علماء القرن الرابع عشر للشيخ آغا بزرگ الطهراني ( ١٢٩٣ ـ ١٣٨٩ ه‍ ) مخطوط.

* ـ المصادر باللغة الفارسية ( فهي كثيرة جدا نشير إلى بعضها )

١ ـ المآثر والآثار ، تأليف اعتماد السلطنة ، طبع في طهران ١٣٠٦ ه‍ ص ١٣١.

٢ ـ مقال « عقائد وآراء شيخ فضل الله نوري » تأليف فريدون آدميت ، نشره ضمن مجلة « جمعه ».

١٧

٣ ـ پايدارى تا پاى دار ، تأليف المحقق البارع الشيخ علي أبو الحسني ، طبع عام ١٣٦٨ ه‍. ش ، وهذا الكتاب أوسع ما ألف حول حياة الشيخ وأهدافه.

٤ ـ شيخ فضل الله نوري ومشروطيت ; روياروئى دو انديشه ، تأليف ولدنا المحقق الشيخ مهدي الانصاري طبع عام ١٤١١ ه‍.

٥ ـ ريحانة الادب لاستاذنا الجليل الشيخ محمد علي المدرس التبريزي ( ١٢٩٦ ـ ١٣٧٣ ه‍ ).

٦ ـ مكتوبات ، اعلامية ها ... پيرامون نقش شيخ شهيد فضل الله نوري ، بقلم محمد تركمان ، ٢ ـ ١.

ومن أراد التوسع في معرفة المصادر فليرجع إلى ما ألف حوله ـ رحمه الله ـ.

قم ـ ٢٠ شعبان المعظم عام ١٤١٢

مؤسسة الامام الصادق عليه السلام

جعفر السبحاني

١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة

«قاعدة ضمان اليد»

من القواعد المقررة عند الاصحاب « قاعدة ضمان اليد » وقد تداول فيهم الاعتماد عليها ، في أغلب الابواب. والاصل في ذلك النبوي المشهور « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » أو « حتى تؤديه » (١) وإرسال الاستدلال به في كتب الاصحاب قديما وحديثا من غير نكير قطعا.

فلنعطف عنان القلم إلى دلالته ، ولقد اطلعت على كلام لبعض المتأخرين ، حيث حكم بإجماله من حيث احتياجه إلى التقدير ، وتردده بين أمور لا يرجح بعضها على بعض ، وأطال الكلام فيه بما لا يخلو كل سطر منه عن وجوه النظر لا يهمنا التعرض لها ونحن نشير إلى ما يساعد إليه النظر بتوفيق الله وإعانة رسول الله والائمة الاثنى عشر ـ عليهم صلوات الله ما طلعت الشمس والقمر ـ.

فنقول : بعد مساعدة الظاهر ، على أن المأخوذ نفسه ، على صاحب اليد ، المعبر عنه باليد ، لمناسبة أنه الآلة في البطش والقبض غالبا بالنسبة إلى سائر

__________________

١ ـ أخرجه أصحاب السنن والمسانيد مسندا ، لاحظ سنن إبن ماجة ٢ / ٨٠٢ ، وسنن البيهقي ٦ / ٩٠ ، ومسند أحمد ٥ / ٨ و ١٢ ، ورواه المحدث النوري في المستدرك ١٧ / ٨٨ مرسلا والحديث ينتهي إلى « سمرة بن جندب » وحاله معلوم ولكن إتقان المتن يحكي عن صحته وإن كان السند ضعيفا.

١٩

الجوارج كإطلاق العين ، على الريبة لمناسبة حصول الاطلاع منها :

إن معنى كون الشئ المأخوذ على صاحب اليد ، أنه في عهدته ، وهو إطلاق شائع في العرف قريب في تفاهمهم. وتوضيح ذلك ; أنه كما أن الذمة أمر معتبر عند العقلاء ، قابلة لان يعتبر ثبوت المال فيها فيحكم باشتغالها ، وأن يعتبر عدمه فيها ، فيحكم بفراغها ، فكذلك العهدة أيضا اعتبار عقلائي ; صح اعتبار ثبوت العين فيها وعدمه.

فكما أن مفاد قول القائل : « علي دين كذا » ; الاخبار بثبوت المال في الذمة ، فكذا قوله : « علي العين الفلاني » ; إخبار بثبوت العين في العهدة ، وكلاهما اعتباران عند العقل والعقلاء ، موجودان في الخارج بوجود منشأ انتزاعهما كسائر الاعتبارات العقلائية الانتزاعية ، كالملك والحق ونحوهما ، سيحكمون عليهما بآثار كثيرة في مقاصدهم ومهماتهم.

بل صح الحكم باعتبارهما في وجه واحد ، وإنما الفارق بينهما ; أنهم يسندون إلى الذمة مطلق المالية الكلية ، وإلى العهدة المقيدة منها بالتشخصات العينية ، فكلمة « علي » في المقامين ; للاستعلاء الحاصل في ثبوت متعلقة على وجه البت والجزم ; بحيث يتقطع به الاختيار.

فصار معنى الرواية على ما يساعده النظر بحسب متفاهم العرف ; أن المال المأخوذ نفسه على عهدة الآخذ ، أي محكوم بأنه على عهدته ، كما هو المحكم في القضايا الشرعية ما لم يثبت أنها اخبار حتى يؤديه إلى مالكه ، ولا يذهب عليك أنها مسوقة حينئذ لبيان الحكم الوضعي وأما وجوب الحفظ والاداء ، عينا أو بدلا فهو من لوازم العهدة ولا حاجة إلى تقديرها ، بل ولا حاجة إلى تقديره العهدة إذ هي عبارة

٢٠