🚘

مرآة العقول

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

مرآة العقول

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار الكتب الإسلاميّة
المطبعة: خورشيد
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٣٢
🚘 نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

(باب الرضا بالقضاء)

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن صالح ، عن بعض أشياخ بني النجاشي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحب العبد أو كره ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو كره إلا كان خيرا له فيما أحب أو كره.

______________________________________________________

باب الرضا بالقضاء

الحديث الأول : مجهول.

« رأس طاعة الله » وفي بعض نسخ الحديث : كل طاعة الله ، أي أشرفها أو ما به بقاؤها فشبه الطاعة بإنسان وأثبت له الرأس ، وفي القاموس : الرأس معروف وأعلى كل شيء وسيد القوم ، وفي بعض كتب الحديث كل طاعة الله.

« فيما أحب » أي العبد مثل الصحة والسعة والأمن « أو كره » كالسقم والضيق إلا كان أي ما قضاه الله بقرينة المقام ، فإن الرضا عن الله هو الرضا بقضائه وإرجاعه إلى الرضا بعيد ، والرضا به لا ينافي الفرار عنه والدعاء لرفعه لأنهما أيضا بأمره وقضائه سبحانه.

١

٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن ليث المرادي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عز وجل.

٣ ـ عنه ، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين عليه‌السلام قال الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله ومن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحب أو كره لم يقض الله عز وجل له فيما أحب أو كره إلا ما هو خير له.

______________________________________________________

الحديث الثاني : صحيح.

« إن أعلم الناس » إلخ يدل على أن الرضا بالقضاء تابع للعلم والمعرفة وأنه قابل للشدة والضعف مثلهما ، وذلك لأن الرضا مبني على العلم بأنه سبحانه قادر قاهر عدل حكيم لطيف بعباده لا يفعل بهم إلا الأصلح وأنه المدبر للعالم وبيده نظامه ، فكلما كان العلم بتلك الأمور أتم كان الرضا بقضائه أكمل وأعظم ، وأيضا الرضا من ثمرات المحبة ، والمحبة تابعة للمعرفة ، فإذا كملت المحبة كلما أتاه من محبوبة التذ به وهذه أعلى مدارج الكمال.

الحديث الثالث : صحيح.

وضمير عنه راجع إلى أحمد ، ومضمونه موافق للحديث الأول فإن قوله عليه‌السلام ومن صبر ورضي ، إلخ المراد به أن الصبر والرضا وقعا موقعهما ، لأن المقضي عليه لا محالة خير له لا أنه إذا لم يرض ولم يصبر لم يكن خيرا له ، ولو حمل على هذا الوجه واعتبر المفهوم يحتمل أن يكون الرضا سببا لمزيد الخيرية ، ولو لم يكن إلا الأجر المترتب على الصبر والرضا لكفى في ذلك مع أنه قد جرب أن الراضي بالسوء من القضاء تتبدل حاله سريعا من الشدة إلى الرخاء ، وقيل : لا بد من القول بأن المفهوم غير معتبر ، أو القول بأن ما قضاه الله شر له لفقده أجر الصبر والرضا ، أو في نظره بخلاف الصابر والراضي فإنه خير في نظرهما وفي الواقع.

٢

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن داود الرقي ، عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عز وجل إن من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالغنى والسعة والصحة في البدن فأبلوهم بالغنى والسعة وصحة البدن فيصلح عليهم أمر دينهم وإن من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم فيصلح عليهم أمر دينهم وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين

______________________________________________________

الحديث الرابع : مختلف فيه صحيح على الظاهر.

والغناء بالكسر والقصر وبالفتح والمد ضد الفقر ، والسعة بالفتح والكسر مصدر وسعه الشيء بالكسر يسعه سعة وهي تأكيد للغنى أو المراد بها كثرة الغناء وقد مر تأويل الاختبار مرارا ، فظهر أن اختلاف أحوالهم مبني على اختبارهم فيختبر بعضهم بالغنى ليظهر شكره أو كفرانه ، ولعلمه بأنه أصلح لدينه ، وبعضهم بالفقر ليظهر شكره أو شكايته ، ولعلمه بأنه أصلح لدينه وهكذا.

وبالجملة يختبر كلا منهم بما هو أصلح لدينه ، ودنياه ، والرقاد بالضم النوم أو هو خاص بالليل ، والوساد بالفتح المتكإ والمخدة كالوسادة مثلثة ، وإضافة اللذيذ إليه إضافة الصفة إلى الموصوف ، والاجتهاد السعي والجد في العبادة ، والليالي منصوب بالظرفية.

« فأضربه بالنعاس » كأنه على الاستعارة أي أسلطه عليه أو هو نظير قوله تعالى : « فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ » (١) وقال الراغب : الضرب إيقاع شيء على شيء ، ولتصور

__________________

(١) سورة الكهف : ١١.

٣

نظرا مني له وإبقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه زارئ عليها ـ ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن

______________________________________________________

اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد والعصا وضرب الأرض بالمطر وضرب الدراهم اعتبارا بضربه بالمطرقة والضرب في الأرض الذهاب فيه لضربها بالأرجل ، وضرب الخيمة لضرب أوتادها ، وقال : « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ » (١) أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة لو ضربت عليه ، ومنه أستعير « فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ » وضرب اللبن بعضه ببعض بالخلط.

وفي القاموس : نظر لهم رثى لهم وأعانهم ، وفي النهاية : أبقيت عليه أبقى إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه ، والاسم البقيا.

وقال : المقت أشد البغض ، وقال : زريت عليه زراية إذا عبته ، والعجب ابتهاج الإنسان وسروره بتصور الكمال في نفسه وإعجابه بأعماله بظن كمالها وخلوصها ، وهذا من أقبح الأدواء النفسانية وأعظم الآفات للأعمال الحسنة حتى روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب ، ولا ينشأ ذلك إلا من الجهل بآفات النفس وأدوائها ، وبشرائط الأعمال ومفسداتها ، وعظمة المعبود وجلاله وغنائه عن طاعة المخلوقين.

« فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله » أي إلى أن يفتتن بها ويحبها ويراها كاملة فائقة على أعمال غيره أو إلى الضلالة أو الإثم بسبب الأعمال ، والأول أظهر قال في القاموس : الفتنة بالكسر إعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر ، والفضيحة قال في القاموس : الفتنة بالكسر إعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر ، والفضيحة والعذاب والمحنة.

__________________

(١) سورة البقرة : ٦١.

٤

أنه يتقرب إلي فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع درجاتي العلى في جواري ولكن فبرحمتي فليثقوا وبفضلي فليفرحوا وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا فإن رحمتي عند ذلك تداركهم ومني يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت.

______________________________________________________

« فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي » لأنها وإن كانت كاملة فهي في جنب عظمة المعبود ناقصة وفي جنب الثواب الذي يرجونها قاصرة وكان في العبارة إشعارا بذلك ، وأيضا قد عرفت أن شرائط الأعمال وآفاتها كثيرة تخفى أكثرها على الإنسان ، وفيه دلالة على جواز العمل بقصد الثواب كما مر تحقيقه.

« فيما يطلبون » أي في جنب ما يطلبونه عندي وهي كرامتهم علي في الدنيا والآخرة « وقربهم عندي في جواري » أي مجاورة رحمتي أو مجاورة أوليائي أو في أماني « ولكن فبرحمتي » وفي مجالس الشيخ برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا وفي غيره : ومن فضلي فليرجوا ، وما في الكتاب أنسب بقوله تعالى : « قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » (١) والباء متعلقة بفعل يفسره ما بعده ، والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : إن وثقوا بشيء فبرحمتي فليثقوا « وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا » أي ينبغي أن يروا أعمالهم قاصرة ويظنوا بسعة رحمته وعفوه قبولها.

« فإن رحمتي عند ذلك تداركهم » أي تتلافاهم بحذف إحدى التائين ، وفي المجالس وغيره تدركهم ، قال الجوهري : الإدراك اللحوق ، واستدركت ما فات وتداركته بمعنى ، وتدارك القوم أي تلاحقوا و « مني » بالفتح أي نعمتي يبلغهم رضواني أو يوصلهم إليه ، وفي المجالس وبمني أبلغهم رضواني وألبسهم عفوي ، وفي فقه

__________________

(١) سورة يونس : ٥٨.

٥

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن صفوان الجمال ، عن أبي الحسن الأول عليه‌السلام قال ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه.

٦ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن النعمان ، عن عمرو بن نهيك بياع الهروي قال قال أبو عبد الله عليه‌السلام قال الله عز وجل عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلا جعلته خيرا له فليرض بقضائي وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي أكتبه يا محمد من الصديقين عندي.

٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أن فيما أوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمران عليه‌السلام يا موسى بن عمران ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي

______________________________________________________

الرضا عليه‌السلام ومنتي تبلغهم ورضواني ومغفرتي [ وعفوي ] تلبسهم.

الحديث الخامس : ضعيف وقد مر مضمونه الحديث السادس : مجهول.

« بياع الهروي » أي بياع الثوب المعمول في هراة بخراسان « لا أصرفه في شيء » بالتخفيف وكان في بمعنى إلى كقوله تعالى : « وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ » (١) أو على بناء التفعيل يقال : صرفته في الأمر تصريفا فتصرف ، قلبته فتقلب ، والصديق الكثير الصدق في الأقوال والأفعال بحيث يكون فعله لقوله موافقا ، أو الكثير التصديق للأنبياء المتقدم في ذلك على غيره.

الحديث السابع : صحيح.

والبلاء يكون في الخير والشر والأول هنا أظهر ، قال في النهاية : قال القتيبي : يقال من الخير أبليته أبليه إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء ، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما ، ومنه قوله تعالى

__________________

(١) سورة الأحقاف : ٤٩.

٦

المؤمن فإني إنما أبتليه لما هو خير له وأعافيه لما هو خير له وأزوي عنه ما هو شر له لما هو خير له وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضائي وأطاع أمري.

٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن فضيل بن عثمان ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيرا له وإن قرض بالمقاريض كان خيرا له وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له.

______________________________________________________

« وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً » (١) وقال في حديث الدعاء : وما زويت عني مما أحب ، أي صرفته عني وقبضته ، انتهى.

الحديث الثامن : صحيح.

« للمرء المسلم » كان المراد المسلم بالمعنى الأخص أي المؤمن المنقاد لله ، وربما يقرأ بالتشديد من التسليم « وإن قرض » على بناء المجهول من باب ضرب أو على بناء التفعيل للتكثير والمبالغة ، في المصباح قرضت الشيء قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين ، والمقراض أيضا بكسر الميم والجمع مقاريض ولا يقال إذا جمع بينهما مقراض كما تقوله العامة وإنما يقال عند اجتماعهما قرضته قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين ، وفي الواحد قطعته بالمقراض ، انتهى.

« وإن ملك » على بناء المجرد المعلوم من باب ضرب أو على بناء المفعول من التفعيل ، وربما يحمل التعجب هنا علي المجاز إظهارا لغرابة الأمر وعظمه فإنه محل التعجب وأما التعجب حقيقة فلا يكون إلا عند خفاء الأسباب وهي لم تكن مخفية عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٣٥.

٧

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن صالح بن عقبة ، عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله عز وجل من عرف الله عز وجل ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظم الله أجره ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره

______________________________________________________

الحديث التاسع : ضعيف.

« أن يسلم » بفتح الهمزة بتقدير الباء أي بأن يسلم على بناء التفعيل ويحتمل الأفعال « بما قضى الله » أي من البلايا والمصائب وتقتير الرزق وأمثال ذلك مما ليس له فيه اختيار « وعظم الله أجره » الضمير راجع إلى القضاء ، فالمراد بالأجر العوض على طريقة المتكلمين لا الثواب الدائم ، ويحتمل رجوع الضمير إلى « من » فالأجر يشملهما أي ثواب الرضا وأجر القضاء أو الأعم منهما أيضا فإن الصفات الكمالية تصير سببا لتضاعف أجر سائر الطاعات أيضا ، وكذا قوله عليه‌السلام : أحبط الله أجره ، يحتمل الوجوه ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد به إحباط ثواب الرضا وإحباط أجر القضاء أيضا ويؤيد الأول ما روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنة ، صبر أو لم يصبر.

فائدة

قال المحقق الطوسي قدس الله روحه في التجريد : بعض إلا لم قبيح يصدر منا خاصة ، وبعض حسن يصدر منه تعالى ومنا ، وحسنه إما لاستحقاقه أو لاشتماله على النفع أو دفع الضرر الزائدين أو لكونه عاديا أو على وجه الدفع ، ويجوز في المستحق كونه عقابا ولا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن ، ولا يشترط في الحسن اختيار المتألم بالفعل ، والعوض نفع مستحق خال عن تعظيم وإجلال ويستحق عليه تعالى بإنزال الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير وإنزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري أو مكتسب أو ظن ، لا ما يستند إلى فعل العبد وأمر عباده

٨

.................................................................................................

______________________________________________________

بالمضار وإباحته أو تمكين غير العاقل بخلاف الإحراق عند الإلقاء في النار ، والقتل عند شهادة الزور ، والانتصاف عليه تعالى واجب عقلا وسمعا فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم من دون عوض في الحال يوازي ظلمه ، فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله أعواضه على الأوقات أو تفضل عليه بمثلها ، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق الناقص على الأوقات ولا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختار معه الألم وإن كان منقطعا ، ولا يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير والألم على القطع ممنوع مع أنه غير محل النزاع ، ولا يجب إشعار صاحبه بإيصاله عوضا ولا يتعين منافعه ولا يصح إسقاطه والعوض عليه تعالى يجب تزايده إلى حد الرضا عند كل عاقل ، وعلينا تجب مساواته.

وقال العلامة نور الله ضريحه في شرحه : اعلم أنا قد بينا وجوب الألطاف والمصالح وهي ضربان مصالح في الدين ومصالح في الدنيا أعني المنافع الدنيوية ، ومصالح ، الدين إما مضار أو منافع والمضار منها آلام وأمراض وغيرهما كالآجال والغلاء ، والمنافع الصحة والسعة في الرزق والرخص ، واختلف الناس في قبح الألم وحسنه ، فذهب الثنوية إلى قبح جميع الآلام وذهبت المجبرة إلى حسن جميعها من الله تعالى ، وذهبت البكرية وأهل التناسخ والعدلية إلى حسن بعضها وقبح الباقي ، واختلفوا في وجه الحسن إلى أن قال :

وقالت المعتزلة : إنه يحسن عند شروط « أحدها » : أن يكون مستحقا « وثانيها » أن يكون فيها نفع عظيم يوفى عليها « وثالثها » أن يكون فيها دفع ضرر أعظم منها « ورابعها » أن يكون مفعولا على مجرى العادة كما يفعله الله تعالى بالحي إذا ألقيناه في النار « وخامسها » أن يكون مفعولا على سبيل الدفع عن النفس كما إذا آلمنا من يقصد قتلنا ، لأنا متى علمنا اشتمال الألم علي أحد هذه الوجوه حكمنا

٩

.................................................................................................

______________________________________________________

بحسنه قطعا ، وشرط حسن الألم المبتدأ الذي يفعله الله تعالى كونه مشتملا على اللطف إما للمتألم أو لغيره لأن خلو الألم عن النفع الزائد الذي يختار المولم معه الألم يستلزم الظلم ، وخلوه عن اللطف يستلزم العبث وهما قبيحان ، ولذا أوجب أبو هاشم في أمراض الصبيان مع الأعواض الزائدة اشتمالها على اللطف لمكلف آخر وجوز المصنف كأبي الحسين البصري أن تقع الآلام في الكفار والفساق عقابا للكافر والفاسق ومنع قاضي القضاة من ذلك وجزم بكون أمراضهم محنا لا عقوبات.

وذهب المصنف كالقاضي والشيخين إلى أنه لا يكفي اللطف ، في ألم المكلف في الحسن بل لا بد من عوض خلافا لجماعة اكتفوا باللطف ولو فرضنا اشتمال اللذة على اللطف الذي اشتمل عليه الألم هل يحسن منه تعالى فعل الألم بالحي لأجل لطف الغير مع العوض الذي يختار المكلف لو عرض عليه؟ قال أبو هاشم : نعم ، وأبو الحسين منع ذلك وتبعه المصنف ، ولا يشترط في حسن إلا لم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل ، وقيد الخلو عن تعظيم وإجلال ليخرج به الثواب.

والوجوه التي يستحق بها العوض على الله تعالى أمور « الأول » إنزال الآلام بالعبد كالمرض وغيره.

« الثاني » تفويت المنافع إذا كانت منه تعالى لمصلحة الغير فلو أمات الله تعالى ابنا لزيد وكان في معلومه تعالى أنه لو عاش لانتفع به زيد لاستحق عليه تعالى العوض عما فاته من منافع ولده ، ولو كان في معلومه تعالى عدم انتفاعه به لأنه يموت قبل الانتفاع به لم يستحق منه عوضا لعدم تفويت المنفعة منه تعالى ، ولذلك لو أهلك ماله استحق العوض بذلك سواء أشعر بهلاك ماله أو لم يشعر لأن تفويت المنفعة كإنزال الألم ، ولو آلمه ولم يشعر به لاستحق العوض ، وكذا لو قوت عليه منفعة لم يشعر بها وعندي في هذا الوجه نظر.

١٠

.................................................................................................

______________________________________________________

« الثالث » إنزال الغموم بأن يفعل الله تعالى أسباب الغم أما الغم الحاصل من العبد نفسه فإنه لا عوض فيه عليه تعالى.

« الرابع » أمر الله تعالى عباده بإيلام الحيوان أو إباحته سواء كان الأمر للإيجاب أو للندب فإن العوض في ذلك كله على الله تعالى.

« الخامس » تمكين غير العاقل مثل سباع الوحش وسباع الطير والهوام وقد اختلف أهل العدل هنا على أربعة أقوال فذهب بعضهم إلى أن العوض على الله تعالى مطلقا ويعزى إلى الجبائي ، وقال آخرون أن العوض على فاعل الألم عن أبي علي وقال آخرون : لا عوض هنا على الله تعالى ولا على الحيوان ، وقال القاضي : إن كان الحيوان ملجئا إلى إلى الإيلام كان العوض عليه تعالى وإن لم يكن ملجئا كان العوض على الحيوان ، وإذ أطرحنا صبيا في النار فاحترق فإن الفاعل للألم هو الله تعالى والعوض علينا ويحسن لأن فعل الألم واجب في الحكمة من حيث إجراء العادة والله قد منعنا من طرحه ونهانا عنه فصار الطارح كأنه الموصل إليه الألم ، فلهذا كان العوض علينا دونه تعالى ، وكذلك إذا شهد عند الإمام شاهدا زور بالقتل فإن العوض على الشهود وإن كان الله تعالى قد أوجب القتل والإمام تولاه وليس عليهما عوض لأنهما أوجبا بشهادتهما على الإمام إيصال الألم إليه من جهة الشرع ، فصارا كأنهما فعلاه لأن قبول الشاهدين عادة شرعية يجب إجراؤها على قانونها كالعادات الحسية.

واختلف أهل العدل في وجوب الانتصاف عليه تعالى ، فذهب قوم منهم إلى أن الانتصاف للمظلوم من الظالم واجب على الله تعالى عقلا لأنه هو المدبر لعباده فنظره كنظر الوالد لولده ، وقال آخرون منهم أنه يجب سمعا والمصنف (ره) اختار وجوبه عقلا وسمعا ، وهل يجوز أن يمكن الله تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي ظلمه ، فمنع منه المصنف قدس‌سره.

١١

.................................................................................................

______________________________________________________

وقد اختلف أهل العدل هنا فقال أبو هاشم والكعبي : أنه يجوز لكنهما اختلفا فقال الكعبي : يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له يوازي ظلمه ، وقال : إن الله تعالى يتفضل عليه بالعوض المستحق عليه ، ويدفعه إلى المظلوم ، وقال أبو هاشم : لا يجوز بل يجب التبقية لأن الانتصاف واجب والتفضل ليس بواجب ، ولا يجوز تعليق الواجب بالجائز ، وقال السيد المرتضى رضي‌الله‌عنه : أن التبقية تفضل أيضا فلا يجوز تعليق الانتصاف بها ، فلهذا وجب العوض في الحال ، واختاره المصنف (ره) لما ذكرناه.

واعلم أن المستحق للعوض إما أن يكون مستحقا للجنة أو للنار ، فإن كان مستحقا للجنة فإن قلنا أن العوض دائم فلا بحث ، وإن قلنا أنه منقطع توجه الإشكال بأن يقال لو أوصل العوض إليه ثم انقطع عنه حصل له الألم بانقطاعه.

والجواب من وجهين : الأول ، أنه يوصل إليه عوضه متفرقا على الأوقات بحيث لا يتبين له انقطاعه فلا يحصل له الألم ، الثاني : أن يتفضل الله تعالى عليه بعد انقطاعه بمثله دائما فلا يحصل له ألم وإن كان مستحقا للعقاب جعل الله عوضه جزءا من عقابه ، بمعنى دائما فلا يحصل له ألم وإن كان مستحقا للعقاب جعل الله عوضه جزءا من عقابه ، بمعنى أنه يسقط من عقابه بإزاء ما يستحقه من الأعواض إذ لا فرق في العقل بين إيصال النفع ودفع الضرر في الإيثار ، فإذا خفف عقابه وكانت آلامه عظيمة علم أن آلامه بعد إسقاط ذلك القدر من العقاب أشد ولا يظهر له أنه كان في راحة.

أو نقول : أنه تعالى ينقص من آلامه ما يستحقه من أعواضه متفرقا على الأوقات ، بحيث لا تظهر له الخفة من قبل ، واختلف في أنه هل يجب دوام العوض أم لا ، فقال الجبائي : يجب دوامه ، وقال أبو هاشم : لا يجب ، واختاره المصنف (ره) ولا يجب إشعار مستحق العوض بتوفيره عوضا له بخلاف الثواب ، وحينئذ أمكن أن يوفره الله تعالى في الدنيا على بعض المعوضين غير المكلفين وأن ينتصف لبعضهم من بعض في الدنيا ، ولا تجب إعادتهم في الآخرة ، والعوض لا يجب إيصاله في منفعة معينة

١٢

.................................................................................................

______________________________________________________

دون أخرى ، بل يصح توفيره بكل ما يحصل فيه شهوة المعوض بخلاف الثواب لأنه يجب أن يكون من جنس ما ألفه المكلف من ملاذه ولا يصح إسقاط العوض ولا هبته ممن وجب عليه في الدنيا ولا في الآخرة سواء كان العوض عليه تعالى أو علينا ، هذا قول أبي هاشم والقاضي وجزم أبو الحسين بصحة إسقاط العوض علينا إذا استحل الظالم من المظلوم وجعله في حل ، بخلاف العوض عليه تعالى فإنه لا يسقط لأن إسقاطه عنه تعالى عبث لعدم انتفاعه به.

ثم قال بعد إيراد دليل القاضي على عدم صحة الهبة مطلقا : والوجه عندي جواز ذلك لأنه حقه وفي هبته نفع للموهوب ، ويمكن نقل هذا الحق إليه ، وعلى هذا لو كان العوض مستحقا عليه تعالى أمكن هبة مستحقه لغيره من العباد ، أما الثواب المستحق عليه تعالى فلا يصح منا هبته لغيرنا لأنه مستحق بالمدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه.

ثم قال : العوض الواجب عليه تعالى يجب أن يكون زائدا على الألم الحاصل بفعله أو بأمره أو بإباحته أو بتمكينه لغير العاقل زيادة تنتهي إلى حد الرضا من كل عاقل بذلك العوض في مقابلة ذلك الألم لو فعل به لأنه لو لا ذلك لزم الظلم ، أما مع مثل هذا العوض فإنه يصير كأنه لم يفعل ، وأما العوض علينا فإنه يجب مساواته لما فعله من الألم أو فوته من المنفعة لأن الزائد على ما يستحق عليه من الضمان يكون ظلما ، ولا يخرج ما فعلناه بالضمان عن كونه ظلما قبيحا ، فلا يلزم أن يبلغ الحد الذي شرطناه في الآلام الصادرة عنه تعالى ، انتهى ملخص ما ذكره قدس‌سره.

وإنما ذكرناها بطولها لتطلع على ما ذكره أصحابنا تبعا لأصحاب الاعتزال وأكثر دلائلهم على جل ما ذكر في غاية الاعتلال ، بل ينافي بعض ما ذكروه كثير من الآيات والأخبار ، ونقلها وتحصيلها وشرحها وتفصيلها لا يناسب هذا المقام ، والله أعلم بالصواب.

١٣

١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن علي بن هاشم بن البريد ، عن أبيه قال قال لي علي بن الحسين صلوات الله عليهما الزهد عشرة أجزاء أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا.

١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن علي بن أسباط عمن ذكره ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال لقي الحسن بن علي عليه‌السلام ـ عبد الله بن جعفر فقال يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه ويحقر منزلته والحاكم

______________________________________________________

الحديث العاشر : ضعيف.

ويدل على أن للزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الورع أي ترك المحرمات والشبهات ، وله أيضا مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الورع أي ترك المحرمات والشبهات وله أيضا مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الرضا بقضاء الله فهو أعلى درجات القرب والكمال.

الحديث الحادي عشر : ضعيف.

و « كيف » للإنكار « مؤمنا » أي كاملا في الإيمان مستحقا لهذا الاسم « وهو » الواو للحال « يسخط قسمه » القسم بالكسر وهو النصيب أو بالفتح مصدر قسمه كضربه أو بكسر القاف وفتح السين جمع قسمة بالكسر مصدرا أيضا ، وعلى الأول الضمير البارز راجع إلى المؤمن ، وعلى الأخيرين إما راجع إليه أيضا بالإضافة إلى المفعول أو إلى الله « ويحقر منزلته » الضمير راجع إلى المؤمن أيضا أي يحقر منزلته التي أعطاه الله إياها بين الناس في المال والعزة وغيرهما ، وقيل : أي منزلته عند الله ، لأنه تعالى جعل ذلك قسما له لرفع منزلته فتحقير القسم السبب لها تحقير لها وما ذكرنا أظهر ، ويمكن إرجاعه إلى القسم أو إلى الله بالإضافة إلى الفاعل « والحاكم عليه الله » الواو للحال وضمير عليه للمؤمن أو للقسم ، وقيل : والحاكم عطف على منزلته ، والله بدل

١٤

عليه الله وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له.

١٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن سنان عمن ذكره ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال قلت له بأي شيء يعلم المؤمن بأنه مؤمن قال بالتسليم لله والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط.

١٣ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن سنان ، عن الحسين بن المختار ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال لم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لشيء قد مضى لو كان غيره.

______________________________________________________

عن الحاكم أي ويحقر الحاكم عليه وهو الله لأن تحقير حكم الحاكم تحقير له ، ولا يخفى بعده.

وفي القاموس هجس الشيء في صدره يهجس خطر بباله أو هو أن يحدث نفسه في صدره مثل الوسواس ، ويدل على أن الرضا بالقضاء موجب لاستجابة الدعاء.

الحديث الثاني عشر : ضعيف على المشهور.

« بأنه مؤمن » أي متصف بكمال الإيمان « بالتسليم لله » أي في أحكامه وأو أمره ونواهيه « فيما ورد عليه » أي من قضاياه وتقديراته.

الحديث الثالث عشر : كالسابق.

« لو كان غيره » لو للتمني ، وكان تامة.

وأقول : روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : إن أصابك شيء فلا تقل إني لو فعلت كذا لم يصبني كذا ، فإن لو تفتح عمل الشيطان ، وقال الآبي :

وألحق الشاطبي بلو « ليت » وهو كذلك إذا أريد بليت الندم والتأسف على عدم فعل ما لو فعله لم يصبه ، لا تمنى لو فعل ذلك ، وقال عياض : النهي عن هذا القول مختص بالماضي ، لأن النهي إنما هو عن دعوى رد القدر بعد وقوعه ، وأما المستقبل فيجوز فيه ذلك ، ومنه قوله عليه‌السلام : لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند

١٥

باب

التفويض إلى الله والتوكل عليه

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال أوحى الله عز وجل إلى داود عليه‌السلام ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك

______________________________________________________

كل صلاة ، لأنه مستقبل لا اعتراض فيه على قدر مضى وإنما أخبر فيه أنه كان يفعل ما هو في قدرته لو لا المانع وأما ما مضى وذهب فليس في القدرة والإمكان فعله ، وقال الآبي : والذي عندي أن النهي على عمومه ولكنه نهي تنزيه ، وقال المازري : النهي عن هذا القول في الماضي ينافي ما جاء عنه : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ، وأجاب : بأن الظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه نهي تنزيه ، وأما من يقول تأسفا على فعل طاعة فلا بأس به ، وعليه يحمل أكثر ما جاء من استعمال ذلك في الأحاديث.

باب التفويض إلى الله والتوكل عليه

الحديث الأول : ضعيف على المشهور.

« عبد من عبادي » أي مؤمن « عرفت » نعت للعبد ، والكيد المكر والحلية والحرب ، والظاهر أن تكيد كتبيع وربما يقرأ على بناء التفعل ، وأسخت بالخاء المعجمة وتشديد التاء من السخت وهو الشديد ، وهو من اللغات المشتركة بين العرب والعجم ، أي لا ينبت له زرع ولا يخرج له خير من الأرض أو من السوخ وهو الانخساف على بناء الأفعال أي خسفت الأرض به ، وربما يقرأ بالحاء المهملة

١٦

من نيته إلا قطعت أسباب السماوات والأرض من يديه وأسخت الأرض من تحته ولم أبال بأي واد هلك.

٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن محبوب ، عن أبي حفص الأعشى ، عن عمر [ و ] بن خالد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكأت عليه فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي ثم قال يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا أعلى الدنيا فرزق الله حاضر للبر والفاجر قلت ما على هذا أحزن وإنه لكما تقول قال فعلى الآخرة فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر أو قال قادر قلت ما على هذا أحزن وإنه لكما تقول فقال مم حزنك؟

______________________________________________________

من السياحة كناية عن الزلزلة « ولم أبال » كناية عن سلب اللطف والتوفيق عنه وعدم علمه سبحانه الخير فيه وعدم استحقاقه للطف.

الحديث الثاني : مجهول بسنديه.

وفي القاموس وجاهك وتجاهك مثلثتين تلقاء وجهك ، وفي النهاية وطائفة تجاه العدو أي مقابلهم وحذاؤهم والتاء فيه بدل من واو وجاه ، أي مما يلي وجوههم « فرزق الله حاضر » جزاء للشرط المحذوف ، وأقيم الدليل مقام المدلول ، والتقدير إن كان على الدنيا فلا تحزن لأن رزق الله. وكذا قوله : فوعد صادق ، وقوله : أو قال قادر ، ترديد من الثمالي أو أحد الرواة عنه.

وفي هذا التعليل خفاء ويحتمل وجوها « الأول » أن يكون المعنى أن الله لما وعد على الطاعات المثوبات العظيمة وقد أتيت بها ولا يخلف الله وعده فلا ينبغي الحزن عليها مع أنك من أهل العصمة ، وقد ضمن الله عصمتك ، فلأي شيء حزنك فيكون مختصا به عليه‌السلام فلا ينافي مطلوبية الحزن للآخرة لغيرهم عليهم‌السلام.

الثاني : أن الحزن إنما يكون لأمر لم يكن منه مخرج ، وهنا المخرج موجود

١٧

قلت [ مما ] نتخوف من فتنة ابن الزبير وما فيه الناس قال فضحك ثم قال

______________________________________________________

لأن وعد الله صادق وقد وعد على الطاعة الثواب وعلى المعصية العقاب ، فينبغي فعل الطاعة وترك المعصية لنيل الثواب والحذر عن العقوبات ولا فائدة للحزن.

الثالث : ما قيل : أن المراد بالحزين من به غاية الحزن لضم الكئيب معه فلا ينافي استحباب قدر من الحزن للآخرة والأول أظهر وأنسب بالمقام.

« وما فيه الناس » أي من الاضطراب والشدة لفتنته ، أو المراد بالناس الشيعة لأنه كان ينتقم منهم ، وابن الزبير هو عبد الله ، وكان أعدى عدو أهل البيت عليهم‌السلام وهو صار سببا لعدول الزبير عن ناحية أمير المؤمنين عليه‌السلام حيث قال عليه‌السلام : لأزال الزبير معنا حتى أدرك فرخه (١).

والمشهور أنه بويع له بالخلافة بعد شهادة الحسين عليه‌السلام لسبع بقين من رجب سنة أربع وستين في أيام يزيد ، وقيل : لما استشهد الحسين عليه‌السلام في سنة ستين من الهجرة دعا ابن الزبير بمكة إلى نفسه وعاب يزيد بالفسوق والمعاصي وشرب الخمور ، فبايعه أهل تهامة والحجاز فلما بلغ يزيد ذلك ندب له الحصين بن نمير ، وروح بن زنباع ، وضم إلى كل واحد جيشا واستعمل على الجميع مسلم بن عقبة ، وجعله أمير الأمراء ولما ودعهم قال : يا مسلم لا ترد أهل الشام عن شيء يريدونه لعدوهم ، واجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك فحاربهم فإن ظفرت بهم فأبحهم ثلاثا.

فسار مسلم حتى نزل الحرة ، فخرج أهل المدينة فعسكروا بها وأميرهم عبد الله ابن حنظلة الراهب غسيل الملائكة فدعاهم مسلم ثلاثا فلم يجيبوا ، فقاتلهم فغلب أهل الشام وقتل عبد الله وسبعمائة من المهاجرين والأنصار ، ودخل مسلم المدينة وأباحها ثلاثة أيام.

ثم شخص بالجيش إلى مكة وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة ومات مسلم

__________________

(١) الفرخ بمعنى الولد.

١٨

.................................................................................................

______________________________________________________

لعنه الله في الطريق فتولي أمر الجيش الحصين بن نمير حتى وافى مكة فتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه ، ونصب الحصين المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على الحصين بموت يزيد لعنة الله عليهما ، فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة فأجابه إلى ذلك ، وفتح الأبواب واختلط العسكران يطوفون بالبيت ، فبينما الحصين يطوف ليلة بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير فأخذ الحصين بيده وقال له سرا : هل لك في الخروج معي إلى الشام فأدعو الناس إلى بيعتك فإن أمرهم قد مرج ولا أدري أحدا أحق بها اليوم منك ، ولست أعصي هناك فاجتذب ابن الزبير يده من يده وهو يجهر : دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من الشام ، فقال الحصين : لقد كذب الذي زعم أنك من دهاة العرب ، أكلمك سرا وتكلمني علانية ، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب.

ثم انصرف بمن معه إلى الشام وقالوا بايعه أهل العراق وأهل مصر وبعض أهل الشام إلى أن بايعوا المروان بعد حروب واستمر له العراق إلى سنة إحدى وسبعين ، وهي التي قتل فيها عبد الملك بن مروان أخاه مصعب بن الزبير وهدم قصر الإمارة بالكوفة.

ولما قتل مصعب انهزم أصحابه فاستدعى بهم عبد الملك فبايعوه وسار إلى الكوفة ودخلها واستقر له الأمر بالعراق والشام ومصر ثم جهز الحجاج في سنة ثلاث وسبعين إلى عبد الله بن الزبير فحصره بمكة ورمى البيت بالمنجنيق ثم ظفر به وقتله واجتز الحجاج رأسه وصلبه منكسا ، ثم أنزله ودفنه في مقابر اليهود.

وكانت خلافته بالحجاز والعراق تسع سنين واثنين وعشرين يوما وله من العمر ثلاث وسبعون سنة ، وقيل : اثنان وسبعون سنة ، وكانت أمه أسماء بنت أبي بكر.

وأقول : الظاهر أن خوفه عليه‌السلام كان من ابن الزبير عليه وعلى شيعته ،

١٩

يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا دعا الله فلم يجبه قلت لا قال فهل رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه قلت لا قال فهل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه قلت لا ثم غاب عني

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب مثله.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن حسان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال إن الغنى والعز يجولان فإذا

______________________________________________________

ويحتمل أن يكون من الحجاج وغيره ممن حاربه ، وكان الفرق بين الدعاء والسؤال أن الدعاء لدفع الضرر ، والسؤال لجلب النفع.

« فهل رأيت أحدا » أي من الأئمة عليهم‌السلام فإنهم لا يدعون إلا لأمر علموا أن الله لم يتعلق إرادته الحتمية بخلافه ، أو هو مقيد بشرائط الإجابة التي منها ما ذكر كما فصلناه في كتاب الدعاء.

ثم الظاهر أن هذا الرجل إما كان ملكا تمثل بشرا بأمر الله تعالى ، أو كان بشرا كخضر وإلياس عليهما‌السلام ، وكونه عليه‌السلام أفضل وأعلم منهم لا ينافي إرسال الله تعالى بعضهم إليه لتذكيره وتنبيهه وتسكينه كإرسال بعض الملائكة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كونه أفضل منهم ، وكإرسال خضر إلى موسى عليهما‌السلام ، وكونه عليه‌السلام عالما بما ألقي إليه لا ينافي التذكير والتنبيه ، فإن أكثر أرباب المصائب عالمون بما يلقى إليهم على سبيل التسلية والتعزية ومع ذلك ينفعهم ، لا سيما إذا علم أن ذلك من قبل الله تعالى.

وقيل : أنه عليه‌السلام كان مترددا في أن يدعو على ابن الزبير وهل هو مقرون برضاه سبحانه ، فلما أذن بتوسط هذا الرجل أو الملك في الدعاء عليه دعا فاستجيب له ، فلذا لم يمنع الله من ألقى المنجنيق إلى الكعبة لقتله كما منع الفيل لأن حرمة الإمام عليه‌السلام أعظم من الكعبة ، انتهى.

الحديث الثالث : ضعيف بسنديه.

« يجولان » من الجولان أي يسيران ويتحركان لطلب موطن ومنزل يقيمان فيه ،

٢٠