🚘

مرآة العقول

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

مرآة العقول

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: دار الكتب الإسلاميّة
المطبعة: مروي
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٥٤
🚘 نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

باب النهي عن الجسم والصورة

١ ـ أحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن علي بن أبي حمزة قال قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم صمدي نوري معرفته ضرورة يمن بها على من يشاء من خلقه فقال عليه‌السلام سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » لا يحد

______________________________________________________

باب النهي عن الجسم والصورة

الحديث الأول : موثق.

قوله : معرفته ضرورة : أي تقذف في القلب من غير اكتساب أو تحصل بالرؤية تعالى الله عن ذلك ، وقد يؤول كلامه بأن مراده بالجسم الحقيقة العينية القائمة بذاتها لا بغيرها وبالصمدي ما لا يكون خاليا في ذاته عن شيء فيستعد أن يدخل هو فيه ، أو مشتملا على شيء يصح عليه خروجه عنه ، وبالنوري ما يكون صافيا عن ظلم المواد وقابلياتها ، بل عن المهية المغايرة للوجود وقابليتها.

قيل : ولما كان السائل فهم من هذا الكلام ما هو الظاهر ولم يحمله على ما ذكر ، أجاب عليه‌السلام لا بتخطئة إطلاق الجسم بل بنفي ما فهمه عنه سبحانه ، فقال : سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو ، أي ليس لأحد أن يصفه بصفة يعرفها من صفات ذاته الفانية وصفات أشباهه من الممكنات ، فإنه لا يكون معرفة شيء منها معرفة « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » أي لا بآلة وقوة وهو « لا يحد » وكل جسم محدود متناه « ولا يجس » أي لا يمس وكل جسم يصح عليه أن يمس و « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » أي الأوهام ، ولا الحواس الظاهرة والجسم يدرك بالحواس الباطنة والظاهرة ولا

١

ولا يحس ولا يجس و « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ولا الحواس ولا يحيط به شيء ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد.

٢ ـ محمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن حمزة بن محمد قال كتبت إلى أبي الحسن عليه‌السلام أسأله عن الجسم والصورة فكتب سبحان من « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » لا جسم ولا صورة ورواه محمد بن أبي عبد الله إلا أنه لم يسم الرجل.

٣ ـ محمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن محمد بن زيد قال جئت إلى الرضا عليه‌السلام أسأله عن التوحيد فأملى علي الحمد لله فاطر الأشياء إنشاء ومبتدعها ابتداعا بقدرته وحكمته لا من شيء فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته لا تضبطه العقول ولا تبلغه الأوهام و « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ولا يحيط به مقدار عجزت دونه العبارة وكلت دونه الأبصار وضل فيه تصاريف الصفات احتجب بغير حجاب محجوب واستتر بغير ستر مستور عرف بغير رؤية ووصف بغير صورة ونعت بغير جسم لا إله إلا الله الكبير المتعال.

______________________________________________________

يحيط به شيء إحاطة عقلية أو وهمية أو حسية « ولا جسم » لأن معناه حقيقة مقتدر محدود « ولا صورة ولا تخطيط » أي تشكل كيف ، والصورة والتشكل لا ينفك عن التحديد ولا تحديد.

الحديث الثاني : ضعيف وآخره مرسل ومحمد بن أبي عبد الله هو محمد بن جعفر ابن عون.

قوله : لم يسم الرجل أي الراوي.

الحديث الثالث : ضعيف.

قوله : بقدرته وحكمته ، متعلق بالابتداع أو به وبالفطر والإنشاء وقد مر شرح تلك الفقرات في شرح خطبة الكتاب.

٢

٤ ـ محمد بن أبي عبد الله عمن ذكره ، عن علي بن العباس ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن محمد بن حكيم قال وصفت لأبي إبراهيم عليه‌السلام قول هشام بن سالم الجواليقي وحكيت له قول هشام بن الحكم أنه جسم فقال إن الله تعالى لا يشبهه شيء أي فحش أو خنا أعظم من قول من يصف خالق الأشياء بجسم أو صورة أو بخلقة أو بتحديد وأعضاء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

٥ ـ علي بن محمد رفعه ، عن محمد بن الفرج الرخجي قال كتبت إلى أبي الحسن عليه‌السلام أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم وهشام بن سالم في الصورة فكتب دع عنك حيرة الحيران واستعذ بالله من الشيطان ليس القول ما قال الهشامان.

______________________________________________________

الحديث الرابع : مرسل والجواليقي بائع الجواليق وهو جمع جولق معرب جوال ، والخنى : الفحش والفساد.

قوله : أو بخلقة ، أي مخلوقية أو بأعضاء كأعضاء المخلوقين.

الحديث الخامس : مرفوع ولا ريب في جلالة قدر الهشامين وبراءتهما عن هذين القولين ، وقد بالغ السيد المرتضى قدس الله روحه في براءة ساحتهما عما نسب إليهما في كتاب الشافي مستدلا عليها بدلائل شافية ، ولعل المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندة كما نسبوا المذاهب الشنيعة إلى زرارة وغيره من أكابر المحدثين ، أو لعدم فهم كلامهما ، فقد قيل إنهما قالا بجسم لا كالأجسام ، وبصورة لا كالصور فلعل مرادهم بالجسم الحقيقة القائمة بالذات ، وبالصورة المهية وإن أخطئا في إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى.

قال المحقق الدواني : المشبهة منهم من قال : أنه جسم حقيقة ثم افترقوا فقال بعضهم : إنه مركب من لحم ودم ، وقال بعضهم : هو نور متلألئ كالسبيكة البيضاء ، طوله سبعة أشبار بشبر نفسه ، ومنهم من قال : أنه على صورة إنسان ، فمنهم من يقول : إنه شاب أمرد جعد قطط ، ومنهم من قال : إنه شيخ أشمط الرأس واللحية ، ومنهم من قال : هو من جهة الفوق مماس للصفحة العليا من العرش ، ويجوز عليه الحركة

٣

______________________________________________________

والانتقال ، وتبدل الجهات ، وتأط العرش تحته أطيط الرحل الجديد تحت الراكب الثقيل ، وهو يفصل عن العرش بقدر أربع أصابع ، ومنهم من قال : هو محاذ للعرش غير مماس له وبعده عنه بمسافة متناهية ، وقيل : بمسافة غير متناهية ، ولم يستنكف هذا القائل عن جعل غير المتناهي محصورا بين حاصرين ، ومنهم من تستر بالبلكفة (١) فقال : هو جسم لا كالأجسام وله حيز لا كالأحياز ، ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها ، وهكذا ينفي جميع خواص الجسم عنه حتى لا يبقى إلا اسم الجسم وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية « انتهى ».

قال الشهرستاني : حكى الكعبي عن هشام بن الحكم أنه قال : هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ، ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا تشبهه ، ونقل عنه أنه قال : هو سبعة أشبار بشبر نفسه ، وأنه في مكان مخصوص ، وجهة مخصوصة وأنه يتحرك وحركته فعله ، وليست من مكان إلى مكان ، وقال : هو متناه بالذات غير متناه بالقدر ، وحكي عنه أبو عيسى الوراق أنه قال : أن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل عنه شيء من العرش ، ولا يفصل عنه شيء ، وقال هشام بن سالم : أنه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت ، وهو نور ساطع يتلألأ ، وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وإذن ، وعين ، وفم ، وله وفرة سوداء ، هو نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم ، ثم قال : وغلا هشام بن الحكم في حق علي عليه‌السلام ، حتى قال : إنه إله واجب الطاعة ، وهذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم ، ودون ما يظهره من التشبيه وذلك أنه ألزم العلاف ، فقال : إنك تقول إن الباري تعالى عالم بعلم ، وعلمه ذاته فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم ويباينها في أن علمه ذاته فيكون عالما لا كالعالمين ، فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام ، وصورة لا كالصور ، وأنه قدرة لا كالأقدار إلى غير ذلك.

__________________

(١) نسخة « بالبفكة » ولم أقف على معنى لها ـ على اختلاف النسخ ـ في كتب اللّغة.

٤

٦ ـ محمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن إسماعيل ، عن الحسين بن الحسن ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن سعيد ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن محمد بن زياد قال سمعت يونس بن ظبيان يقول دخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام فقلت له إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما إلا أني أختصر لك منه أحرفا فزعم أن الله جسم لأن

______________________________________________________

أقول : فظهر أن نسبة هذين القولين إليهما إما لتخطئة رواة الشيعة وعلمائهم لبيان سفاهة آرائهم ، أو أنهم لما ألزموهم في الاحتجاج أشياء إسكاتا لهم ، نسبوها إليهم ، والأئمة عليهم‌السلام لم ينفوها عنهم إبقاء عليهم ، أو لمصالح أخر ، ويمكن أن يحمل هذا الخبر على أن المراد : ليس القول الحق ما قال الهشامان بزعمك أو ليس هذا القول الذي تقول ، ما قال الهشامان بل قولهما مباين لذلك ، ويحتمل أن يكون هذان مذهبهما قبل الرجوع إلى الأئمة عليهم‌السلام ، والأخذ بقولهم ، فقد قيل : إن هشام بن الحكم قبل أن يلقي الصادق عليه‌السلام كان على رأي جهم بن صفوان ، فلما تبعه عليه‌السلام تاب ورجع إلى الحق ، ويؤيده ما ذكره الكراجكي في كنز الفوائد من الرد على القائلين بالجسم بمعنييه ، حيث قال : وأما موالاتنا هشاما (ره) فهي لما شاع عنه واستفاض من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره ، ورجوعه عنه وإقراره بخطائه فيه وتوبته منه ، وذلك حين قصد الإمام جعفر بن محمد عليهما‌السلام إلى المدينة فحجبه وقيل له :إنه أمرنا أن لا نوصلك إليه ما دمت قائلا بالجسم ، فقال : والله ما قلت به إلا لأني ظننت أنه وفاق لقول إمامي عليه‌السلام ، فأما إذا أنكره علي فإنني تائب إلى الله منه فأوصله الإمام عليه‌السلام إليه ، ودعا له بخير ، وحفظ عن الصادق عليه‌السلام أنه قال لهشام : إن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه ، وروي عنه أيضا أنه قال : سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا يحد ولا يحس ولا تدركه الأبصار ، ولا يحيط به شيء ، ولا هو جسم ولا صورة ولا بذي تخطيط ولا تحديد.

الحديث السادس : ضعيف.

٥

الأشياء شيئان جسم وفعل الجسم فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ويجوز

______________________________________________________

قوله : جسم وفعل الجسم ، هذا الكلام يحتمل وجهين « الأول » أن يكون مبنيا على ما يذهب إليه وهم أكثر الناس من أن الموجود منحصر في المحسوس وما في حكمه وكل ما لا وضع له ولا إشارة حسية إليه ، فعندهم فرض وجوده مستحيل ، فالشيء عندهم إما جسم وإما عرض قائم بالجسم وهو المراد بفعل الجسم لأنه تابع له في الوجود.

الثاني : أن يكون أراد بالجسم الحقيقة القائمة بذاتها المغايرة للأفعال من غير اعتبار التقدر والتحدد كما مرت الإشارة إليه ، فالمراد بقوله عليه‌السلام : أما علم أن الجسم محدود ، أنه مخطئ في إطلاق الجسم على كل حقيقة قائمة بالذات ، وعلى التقديرين قوله : فإذا احتمل ، استدلال على نفي جسميته سبحانه بأنه لو كان جسما لكان محدودا بحدود متناهيا إليها لاستحالة لا تناهي الأبعاد وكل محتمل للحد قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم والحد ، فله حقيقة كلية غير متشخصة بذاتها ولا موجودة بذاتها أو هو مركب من أجزاء ، حال كل واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقا أو بأن كل جسم متناه ، وإذا كان متناهيا كان محدودا بحد واحد معين أو حدود معينة فيكون مشكلا ، فذلك الحد المعين والشكل المخصوص إما أن يكون من جهة طبيعة الجسمية بما هي جسمية ، أو لأجل شيء آخر ، والأول باطل ، وإلا لزم كون جميع الأقسام محدودة بحد واحد وشكل واحد ، لاشتراكها في معنى الجسمية بل يلزم أن يكون مقدار الجزء والكل وشكلهما واحد ، فيلزم أن لا جزء ولا كل ولا تعدد في الأجسام وهو محال ، والثاني أيضا باطل ، لأن ذلك الشيء إما جسم أو جسماني أو مفارق عنهما ، والكل محال ، لأنه إن كان جسما آخر فيعود المحذور ويلزم التسلسل وإن كان جسمانيا فيلزم الدور إذ وجوده لكونه جسمانيا يتوقف على تحدد ذلك الجسم ، لأن الجسم ما لم يتحدد لم يوجد ، وإذا كان وجود ذلك الجسم وتحدده متوقفين عليه كان وجوده متوقفا على ما يتوقف عليه وجوده ، فيتوقف وجود ذلك الشيء على وجوده ، وكان تحدد الجسم متوقفا على ما يتوقف على تحدده ، فيتوقف

٦

أن يكون بمعنى الفاعل فقال أبو عبد الله عليه‌السلام ويحه أما علم أن الجسم محدود متناه والصورة محدودة متناهية فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا قال قلت فما أقول قال لا جسم ولا صورة وهو مجسم الأجسام ومصور الصور لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص لو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ولا بين المنشئ والمنشإ لكن هو المنشئ فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئا.

٧ ـ محمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن العباس ، عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني قال قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام إن هشام

______________________________________________________

تحدد ذلك الجسم على تحدده ، فيلزم تقدم الشيء على نفسه وهذا محال ، وإن كان أمرا خارجا عن الأجسام والجسمانيات فيلزم كون الجسم المفروض إلها مفتقرا في وجوده إلى أمر مفارق لعالم الأجسام ، فيكون هو إلا له لا الجسم ، وقد فرض الجسم إلها وهذا خلف ، على أنه عين المطلوب ، وهو نفي كونه جسما ولا صورة في جسم.

ثم استدل عليه‌السلام بوجه آخر وهو ما يحكم به الوجدان : من كون الموجد أعلى شأنا وأرفع قدرا من الموجد ، وعدم المشابهة والمشاركة بينهما ، وإلا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلة دون الآخر ، وكيف صار هذا موجدا لهذا بدون العكس ، ويحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة والمشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلة فيحتاج إلى علة أخرى.

قوله : فرق ، بصيغة المصدر أي الفرق حاصل بينه وبين من صوره ، ويمكن أن يقرأ على الماضي المعلوم ، أي فرق بين من جسمه وصوره ، وبين من لم يجسمه ولم يصوره ، أو بين كل ممن جسمه وغيره من المجسمات ، وقوله : إذ كان لا يشبهه شيء أي من غير مشابهة شيء له ، أو مشابهته لشيء أو المراد أنه لما لم يكن بينه وبين الأشياء المفرقة مشابهة صح كونه فارقا بينها.

الحديث السابع : ضعيف.

٧

ابن الحكم زعم أن الله جسم « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » عالم سميع بصير قادر متكلم ناطق والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد ليس شيء منها مخلوقا فقال قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلام غير المتكلم معاذ الله وأبرأ إلى الله من هذا القول لا جسم ولا صورة ولا تحديد وكل شيء سواه مخلوق إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في نفس ولا نطق بلسان.

٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن محمد بن حكيم قال :

______________________________________________________

قوله : ليس كمثله شيء ، يومئ إلى أنه لم يقل بالجسمية الحقيقية ، بل أخطأ في إطلاق لفظ الجسم عليه تعالى ، ونفي عنه صفات الأجسام كلها ، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يشبهه شيء من الأجسام ، بل هو نوع مباين لسائر أنواع الأجسام فعلى الأول نفي عليه‌السلام إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى ، بأن الجسم إنما يطلق على الحقيقة التي يلزمهما التقدر والتحدد فكيف يطلق عليه تعالى.

وقوله : يجري مجرى واحد ، إشارة إلى عينية الصفات وكون الذات قائمة مقامها ، فنفى عليه‌السلام كون الكلام كذلك ولم ينفه من سائر الصفات ، ثم نبه على بطلان ما يوهم كلامه من كون الكلام من أسباب وجود الأشياء ، فلفظة « كُنْ » في الآية الكريمة كناية عن تسخيره للأشياء ، وانقيادها له من غير توقف على التكلم بها ، كما قال سيد الساجدين عليه‌السلام : « فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة ، وبإرادتك دون نهيك منزجرة » على أقرب الاحتمالين ، ثم نفي عليه‌السلام كون الإرادة على نحو إرادة المخلوقين من خطور بال أو تردد في نفس ، ويحتمل أن يكون المقصود بما نسب إلى هشام : كون الصفات كلها مع زيادتها مشتركة في عدم الحدوث والمخلوقية فنفاه عليه‌السلام بإثبات المغايرة أولا ، ثم بيان أن كل ما سواه مخلوق ، والأول أظهر ، وقوله : تكون يمكن أن يقرأ على المعلوم من المجرد أو المجهول من بناء التفعيل.

الحديث الثامن : مجهول.

٨

وصفت لأبي الحسن عليه‌السلام قول هشام الجواليقي وما يقول في الشاب الموفق ووصفت له قول هشام بن الحكم فقال إن الله لا يشبهه شيء.

باب صفات الذات

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن خالد الطيالسي ، عن صفوان بن يحيى ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم والسمع على

______________________________________________________

باب صفات الذات

الحديث الأول : مجهول.

قوله : وقع العلم منه على المعلوم ، أي وقع على ما كان معلوما في الأزل وانطبق عليه ، وتحقق مصداقه ، وليس المقصود تعلقه به تعلقا لم يكن قبل الإيجاد أو المراد بوقوع العلم على المعلوم العلم به على أنه حاضر موجود ، وكان قد تعلق العلم به قبل ذلك على وجه الغيبة ، وأنه سيوجد والتغير يرجع إلى المعلوم لا إلى العلم وتحقيق المقام : أن علمه تعالى بأن شيئا وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بأنه سيوجد ، فإن العلم بالقضية إنما يتغير بتغيرها ، وهو إما بتغير موضوعها أو محمولها ، والمعلوم هيهنا هي القضية القائلة بأن زيدا موجود في الوقت الفلاني ، ولا يخفى أن زيدا لا يتغير معناه بحضوره وغيبته ، نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصة بالموجود حين وجوده ولا يمكن في غيره ، وتفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية ، ونفس تفاوت الإشارة راجع إلى تغير المعلوم لا العلم.

وأما الحكماء فذهب محققوهم إلى أن الزمان والزمانيات كلها حاضرة عنده تعالى ، لخروجه عن الزمان كالخيط الممتد من غير غيبة لبعضها دون بعض ، وعلى هذا فلا إشكال لكن فيه إشكالات لا يسع المقام إيرادها.

٩

المسموع والبصر على المبصر والقدرة على المقدور قال قلت فلم يزل الله متحركا قال فقال تعالى الله عن ذلك إن الحركة صفة محدثة بالفعل قال قلت فلم يزل الله متكلما قال فقال إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية كان الله عز وجل ولا متكلم.

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال سمعته يقول كان الله عز وجل ولا شيء غيره ولم يزل عالما بما يكون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه.

٣ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن الكاهلي

______________________________________________________

ثم اعلم أن صفاته سبحانه على ثلاثة أقسام منها سلبية محضة كالقدوسية والفردية ومنها إضافية محضة كالمبدئية والخالقية والرازقية ، ومنها حقيقية سواء كانت ذات إضافة كالعالمية والقادرية أو لا ، كالحياة والبقاء ، ولا شك أن السلوب والإضافات زائدة على الذات ، وزيادتها لا توجب انفعالا ولا تكثرا ، وقيل : إن السلوب كلها راجعة إلى سلب الإمكان ، والإضافات راجعة إلى الموجدية ، وأما الصفات الحقيقية فالحكماء والإمامية على أنها غير زائدة على ذاته تعالى ، وليس عينيتها وعدم زيادتها بمعنى نفي أضدادها عنه تعالى ، حتى يكون علمه سبحانه عبارة عن نفي الجهل ليلزم التعطيل ، فقيل : معنى كونه عالما وقادرا أنه يترتب على مجرد ذاته ما يترتب على الذات والصفة ، بأن ينوب ذاته مناب تلك الصفات ، والأكثر على أنه تصدق تلك الصفات على الذات الأقدس ، فذاته وجود وعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر ، وهو أيضا موجود عالم قادر حي سميع بصير ، ولا يلزم في صدق المشتق قيام المبدأ به ، فلو فرضنا بياضا قائما بنفسه لصدق عليه أنه أبيض.

الحديث الثاني : صحيح.

الحديث الثالث : حسن.

١٠

قال كتبت إلى أبي الحسن عليه‌السلام في دعاء الحمد لله منتهى علمه فكتب إلي لا تقولن منتهى علمه فليس لعلمه منتهى ولكن قل منتهى رضاه.

٤ ـ محمد بن يحيى ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن عيسى ، عن أيوب بن نوح أنه كتب إلى أبي الحسن عليه‌السلام يسأله عن الله عز وجل أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكونها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها فعلم ما خلق عند ما خلق وما كون عند ما كون فوقع بخطه لم يزل الله عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء.

٥ ـ علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد بن حمزة قال كتبت إلى الرجل عليه‌السلام أسأله أن مواليك اختلفوا في العلم فقال بعضهم لم يزل الله عالما قبل فعل الأشياء وقال بعضهم لا نقول لم يزل الله عالما لأن معنى يعلم يفعل

______________________________________________________

قوله فليس لعلمه : أي لمعلوماته عدد متناه ، فلا يكون لعلمه عدد ينتهي إلى حد أو ليس لعلمه بحمده نهاية بانتهاء حمده إلى حد لا يتصور فوقه حمد ، ولكن للرضاء نهاية بالمعنيين ، فإن لرضاه بحمد العبد منتهى عددا أو لرضاه بحمد العبد حدا لا يتجاوزه.

الحديث الرابع : صحيح.

الحديث الخامس : ضعيف.

قوله : لأن معنى يعلم يفعل ، أي يفعل العلم ويوجده ، على أن العلم إدراك والإدراك فعل ، وقال بعض المحققين : هذا الكلام يحتمل وجهين :

أحدهما أن تعلق علمه بشيء يوجب وجود ذلك الشيء وتحققه ، فلو كان لم يزل عالما كان لم يزل فاعلا فكان معه شيء في الأزل في مرتبة علمه أعني ذاته ، أو غير مسبوق بعدم زماني ، وهذا على تقدير كون علمه فعليّا.

وثانيهما أنّ تعلق العلم بشىء يستدعي انكشاف ذلك الشىء واكشاف الشىء يستدعي نحو حصول له ، وكلّ حصول ووجود لغيره سبحانه مستند إليه سبحانه فيكون

١١

فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئا فإن رأيت جعلني الله فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فكتب عليه‌السلام بخطه لم يزل الله عالما تبارك وتعالى ذكره.

٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الصمد بن بشير ، عن فضيل بن سكرة قال قلت لأبي جعفر عليه‌السلام جعلت فداك إن رأيت أن تعلمني هل كان الله جل وجهه يعلم قبل أن يخلق الخلق أنه وحده فقد اختلف مواليك فقال بعضهم قد كان يعلم قبل أن يخلق شيئا من خلقه وقال بعضهم إنما معنى يعلم يفعل فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل فعل الأشياء فقالوا إن أثبتنا أنه لم يزل عالما بأنه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليته فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني ما لا أعدوه إلى غيره فكتب عليه‌السلام ما زال الله عالما تبارك وتعالى ذكره.

______________________________________________________

من فعله ، فيكون معه في الأزل شيء من فعله فأجاب عليه‌السلام بأنه لم يزل عالما ولم يلتفت إلى بيان فساد متمسك نافيه ، لأنه أظهر من أن يحتاج إلى البيان ، فإنه على الأول مبني على كون العلم فعليا وهو ممنوع ، ولو سلم فلا يستلزم فعلية العلم عدم انفكاك المعلوم عنه عينا بمعنى عدم مسبوقيته بعدم زماني ، أو كون المعلوم في مرتبة العالم وعلى الثاني مبني على كون الصور العلمية صادرة عنه صدور الأمور العينية ، فيكون من أقسام الموجودات العينية ومن أفعاله سبحانه وهو ممنوع ، فإن الصور العلمية توابع غير عينية لذات العالم ولا تحصل لها عدا الانكشاف لدى العالم ، ولا حظ لها من الوجود والحصول العيني أصلا ، ولا مسبوقية لها إلا بذات العالم ، لكنها ليست في مرتبة ذاته ، ولا يجب فيها نحو التأخر الذي للأفعال الصادرة عن المبدأ بالإيجاد.

الحديث السادس : ضعيف.

١٢

باب آخر وهو من الباب الأول

١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه قال في صفة القديم إنه واحد صمد أحدي المعنى ليس بمعاني كثيرة مختلفة قال قلت جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق أنه يسمع بغير الذي يبصر ويبصر بغير الذي يسمع قال فقال كذبوا وألحدوا وشبهوا تعالى الله عن ذلك إنه سميع بصير يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع قال قلت يزعمون أنه بصير على ما يعقلونه قال فقال تعالى الله إنما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس الله كذلك.

٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن العباس بن عمرو ، عن هشام بن الحكم قال

______________________________________________________

باب آخر وهو من الباب الأول

الحديث الأول : صحيح ، ولعل المراد بوحدته أنه لا يشاركه غيره في حقيقته لتشخصه بذاته ، وبصمديته كونه غير محتمل لأن يحله غيره ، ولا يصح عليه الخلو عما يمكن أن يدخل فيه ، وبأحديته أن لا يصح عليه الائتلاف من معان متعددة ، أو الانحلال إليها ، وقوله : ليس بمعان كثيرة ، تفسير لإحدى المعنى ، ويحتمل أن يكون تفسيرا لكل واحد من الثلاثة.

قوله : على ما يعقلونه ، أي من الإبصار بآلة البصر فيكون نقلا لكلام المجسمة أو باعتبار صفة زائدة قائمة بالذات ، فيكون نقلا لمذهب الأشاعرة ، والجواب أنه إنما يعقل بهذا الوجه من كان بصفة المخلوق ، أو المراد : تعالى الله أن يتصف بما يحصل ويرتسم في العقول والأذهان ، والحاصل أنهم يثبتون لله تعالى ما يعقلون من صفاتهم والله منزه عن مشابهتهم ومشاركتهم في تلك الصفات الإمكانية.

الحديث الثاني : مجهول ، وقد مر الكلام فيه ، ويدل على نفي زيادة الصفات

١٣

في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه‌السلام أنه قال له أتقول إنه سميع بصير فقال أبو عبد الله هو سميع بصير سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه وليس قولي إنه سميع بنفسه أنه شيء والنفس شيء آخر ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا وإفهاما لك إذ كنت سائلا فأقول يسمع بكله لا أن كله له بعض لأن الكل لنا له بعض ولكن أردت إفهامك والتعبير عن نفسي وليس مرجعي في ذلك كله إلا أنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى.

______________________________________________________

أي نفي صفات موجودة زائدة على ذاته سبحانه ، وأما كونها عين ذاته تعالى بمعنى أنها تصدق عليها أو أنها قائمة مقام الصفات الحاصلة في غيره تعالى أو أنها أمور اعتبارية غير موجودة في الخارج ، واجبة الثبوت لذاته تعالى فلا نص فيه وفي أمثاله على شيء منها ، وإن كان ظاهر أكثرها أحد الأولين.

قال المحقق الدواني : لا خلاف بين المتكلمين كلهم ، والحكماء ، في كونه تعالى عالما قديرا مريدا متكلما ، وهكذا في سائر الصفات ، ولكنهم تخالفوا في أن الصفات عين ذاته أو غير ذاته أو لا هو ولا غيره ، فذهبت المعتزلة والفلاسفة إلى الأول وجمهور المتكلمين إلى الثاني ، والأشعري إلى الثالث ، والفلاسفة حققوا عينية الصفات بأن ذاته تعالى من حيث أنه مبدء لانكشاف الأشياء عليه علم ، ولما كان مبدء الانكشاف عين ذاته كان عالما بذاته ، وكذا الحال في القدرة والإرادة وغيرهما من الصفات قالوا : وهذه المرتبة أعلى من أن تكون تلك الصفات زائدة عليه ، فإنا نحتاج في انكشاف الأشياء علينا إلى صفة مغايرة عنا قائمة بنا ، والله تعالى لا يحتاج إليه بل بذاته ينكشف الأشياء عليه ، ولذلك قيل محصول كلامهم نفي الصفات وإثبات نتائجها وغاياتها ، وأما المعتزلة فظاهر كلامهم أنها عندهم من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج « انتهى ».

١٤

باب

الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل

١ ـ محمد بن يحيى العطار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، عن الحسين بن سعيد الأهوازي ، عن النضر بن سويد ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال قلت لم يزل الله مريدا قال إن المريد لا يكون إلا لمراد معه ـ لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد.

______________________________________________________

باب الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل

الحديث الأول : صحيح ، واعلم أن إرادة الله سبحانه عند متكلمي الإمامية هي العلم بالخير والنفع وما هو الأصلح ولا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئا ، ولعل المراد بتلك الأخبار الدالة على حدوث الإرادة هو أنه يكون في الإنسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النفع فيه ، ثم الرؤية ، ثم الهمة ، ثم انبعاث الشوق منه ، ثم تأكده حتى يصير إجماعا باعثا على الفعل ، وذلك كله فينا إرادة متوسطة بين ذاتنا وبين الفعل وليس فيه سبحانه بعد العلم القديم بالمصلحة من الأمور المقارنة سوى الأحداث والإيجاد فالإحداث في الوقت الذي تقتضي المصلحة صدور الفعل فيه قائم مقام ما يحدث من الأمور في غيره تعالى ، فالمعنى أن ذاته تعالى بصفاته الكمالية الذاتية كافية في حدوث الحادث من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث الفعل.

قوله عليه‌السلام : إلا لمراد معه : قال بعض المحققين أي لا يكون المريد بحال إلا حال كون المراد معه ، ولا يكون مفارقا من المراد ، وحاصله أن ذاته تعالى مناط لعلمه وقدرته ، أي صحة الصدور واللاصدور بأن يريد فيفعل ، وأن يريد فيترك ، فهو بذاته مناط لصحة الإرادة وصحة عدمها ، فلا يكون بذاته مناطا للإرادة وعدمها ، بل المناط فيها الذات مع حال المراد ، فالإرادة أي المخصصة لأحد الطرفين لم يكن من صفات الذات فهو بذاته عالم قادر مناط لهما ، وليس بذاته مريدا مناطا لها ، بل بمدخلية مغاير متأخر عن الذات ، وهذا معنى قوله : لم يزل عالما قادرا ثم أراد.

١٥

٢ ـ محمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن إسماعيل ، عن الحسين بن الحسن ، عن بكر بن صالح ، عن علي بن أسباط ، عن الحسن بن الجهم ، عن بكير بن أعين قال قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام علم الله ومشيئته هما مختلفان أو متفقان فقال العلم ليس هو المشيئة ألا ترى أنك تقول سأفعل كذا إن شاء الله ولا تقول سأفعل كذا إن علم الله فقولك إن شاء الله دليل على أنه لم يشأ فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء وعلم الله السابق للمشيئة.

٣ ـ أحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى قال قلت لأبي الحسن عليه‌السلام أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق قال فقال الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل وأما من الله تعالى فإرادته إحداثه

______________________________________________________

الحديث الثاني : ضعيف ولعل المراد المشية المتأخرة عن العلم ، الحادثة عند حدوث المعلوم ، وقد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد ، ومغايرته للعلم ظاهر ، ويحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما ، إذ ليست الإرادة مطلق العلم ، إذ العلم يتعلق بكل شيء ، بل هي العلم بكونه خيرا وصلاحا ونافعا ولا يتعلق إلا بما هو كذلك ، وفرق آخر بينهما ، وهو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص ، فالسبق على هذا يكون محمولا على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص ، والأول أظهر كما عرفت.

قوله عليه‌السلام وعلم الله السابق المشية (١) : بنصب المشية ليكون معمولا للسابق ، أو بجرها بإضافة السابق إليه ، وربما يقرأ بالرفع ليكون خبرا ، ويكون السابق صفة للعلم ، ولا يخفى بعده ، وفي التوحيد سابق للمشية.

الحديث الثالث : صحيح ، قال بعض المحققين في شرح هذا الخبر : الظاهر أن المراد بالإرادة مخصص أحد الطرفين وما به يرجح القادر أحد مقدورية على الآخر لا ما يطلق في مقابل الكراهة ، كما يقال يريد الصلاح والطاعة ، ويكره الفساد والمعصية.

وحاصل الجواب : أن الإرادة من الخلق الضمير ، أي أمر يدخل في خواطرهم

__________________

(١) كذا في النسخ ، ويظهر منها أنها موافقة لنسخة الشارح (ره) من كتاب الكافي ولكن في ما عندنا من النسخ « سابق للمشيئة » وكأنها غير محتاجة إلى الاحتمالات المذكورة في كلام الشارح (ره).

١٦

لا غير ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه لا كيف له.

______________________________________________________

وأذهانهم ، ويوجد في نفوسهم ويحل فيها ، بعد ما لم يكن فيها ، وكانت هي خالية عنه ، وقوله : وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، يحتمل أن يكون جملة معطوفة على الجملة السابقة والظرف خبرا للموصول ، ويحتمل أن يكون الموصول معطوفا على قوله الضمير ، ويكون قوله من الفعل بيانا للموصول ، والمعنى على الأول أن الإرادة من الخلق الضمير والذي يكون لهم بعد ذلك من الفعل ، لا من إرادتهم ، وعلى الثاني أن إرادتهم مجموع ضمير يحصل في قلبهم وما يكون لهم من الفعل المترتب عليه ، فالمقصود هنا من الفعل ما يشمل الشوق إلى المراد وما يتبعه من التحريك إليه والحركة ، وأما الإرادة من الله فيستحيل أن يكون كذلك فإنه يتعالى أن يقبل شيئا زائدا على ذاته ، بل إرادته المرجحة للمراد من مراتب الأحداث لا غير ذلك ، إذ ليس في الغائب إلا ذاته الأحدية ، ولا يتصور هناك كثرة المعاني ولا له بعد ذاته وما لذاته بذاته إلا ما ينسب إلى الفعل ، فإرادة الله سبحانه من مراتب الفعل المنسوب إليه لا غير ذلك.

أقول : ويحتمل على الاحتمال الأول أن يكون المراد بالضمير تصورا لفعل وبما يبدو بعد ذلك اعتقاد النفع والشوق وغير ذلك ، فقوله : من الفعل ، أي من أسباب الفعل أو من جهة الفعل ، وقوله عليه‌السلام : ولا كيف لذلك ، أي لا صفة حقيقية لقوله ذلك وإرادته كما أنه لا كيف لذاته ، أو لا يعرف كيفية إرادته على الحقيقة ، كما لا يعرف كيفية ذاته وصفاته بالكنه.

وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه : إن الإرادة من الله جل اسمه نفس الفعل ومن الخلق الضمير وأشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة والنقص ، وذلك لأن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلا بقلب ، كما لا تكون الشهوة والمحبة إلا لذي

١٧

٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة.

______________________________________________________

قلب ، ولا تصح النية والضمير والعزم إلا على ذي خاطر يضطر معها في الفعل الذي يغلب عليه إلى الإرادة له ، والنية فيه والعزم ، ولما كان الله تعالى يجل عن الحاجات ويستحيل عليه الوصف بالجوارح والأدوات ، ولا يجوز عليه الدواعي والخطرات بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى القصود والعزمات ، وثبت أن وصفه بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد ، وأنها نفس فعله الأشياء ، وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى ثم أورد هذه الرواية ، ثم قال : نص على اختياري في الإرادة ، وفيه نص على مذهب لي آخر ، وهو أن إرادة العبد تكون قبل فعله ، وإلى هذا ذهب البلخي ، والقول في تقدم الإرادة للمراد كالقول في تقدم القدرة للفعل ، وقوله عليه‌السلام : إن الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد الفعل ، صريح في وجوب تقدمها للفعل ، إذا كان الفعل يبدو من العبد بعدها ، ولو كان الأمر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل باديا في حالها ولم يتأخر بدوه إلى الحال التي هي بعد حالها.

الحديث الرابع : حسن ويحتمل وجوها من التأويل :

الأول : أن لا يكون المراد بالمشية الإرادة بل إحدى مراتب التقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشيء كالتقدير في اللوح ، مثلا والإثبات فيه ، فإن اللوح وما أثبت فيه لم يحصل بتقدير آخر في لوح سوى ذلك اللوح ، وإنما وجد سائر الأشياء بما قدر في ذلك اللوح ، وربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار كما سيأتي في كتاب العدل ، وعلى هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير.

الثاني : أن يكون خلق المشية بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقفة على تعلق إرادة أخرى بها ، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحققها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقف على مشية أخرى أو أنه كناية عن أنه اقتضى علمه الكامل ، وحكمته الشاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح ، فالمعنى أنه

١٨

______________________________________________________

لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلا على الوجه الأصلح والأكمل ، فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلا بإرادته المقتضية لذلك.

الثالث : ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه : أن المراد بالمشية هنا مشية العباد لأفعالهم الاختيارية لتقدسه سبحانه عن مشية مخلوقة زائدة على ذاته عز وجل وبالأشياء أفاعيلهم المترتب وجودها على تلك المشية ، وبذلك تنحل شبهة ربما أوردت هاهنا وهي أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى ، وتسلسلت الإرادات لا إلى نهاية.

الرابع : ما ذكره بعض الأفاضل وهو أن للمشية معنيين « أحدهما » متعلق بالشائي وهي صفة كمالية قديمة هي نفس ذاته سبحانه وهي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير والصلاح.

« والآخر » يتعلق بالمشيء وهو حادث بحدوث المخلوقات لا يتخلف المخلوقات عنه وهو إيجاده سبحانه إياها بحسب اختياره ، وليست صفة زائدة على ذاته عز وجل وعلى المخلوقات ، بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيتها المنتسبين معا فنقول : إنه لما كان هيهنا مظنة شبهة هي أنه إن كان الله عز وجل خلق الأشياء بالمشية فبم خلق المشية؟ أبمشية أخرى فيلزم أن تكون قبل كل مشية مشية إلى ما لا نهاية له ، فأفاد الإمام عليه‌السلام أن الأشياء مخلوقة بالمشية ، وأما المشية نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشية أخرى ، بل هي مخلوقة بنفسها لأنها نسبة وإضافة بين الشائي والمشي تتحصل بوجوديهما العيني والعلمي ، ولذا أضاف خلقها إلى الله سبحانه لأن كلا الوجودين له وفيه ومنه ، وفي قوله عليه‌السلام بنفسها دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك ، نظير ذلك ما يقال : إن الأشياء إنما توجد بالوجود ، فأما الوجود نفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر ، بل إنما يوجد بنفسه.

الخامس : ما ذكره بعض المحققين بعد ما حقق أن إرادة الله [ المتحققة ]

١٩

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد البرقي ، عن محمد بن عيسى ، عن المشرقي حمزة بن المرتفع ، عن بعض أصحابنا قال كنت في مجلس أبي جعفر عليه‌السلام إذ دخل عليه عمرو بن عبيد فقال له جعلت فداك قول الله تبارك وتعالى « وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى » (١) ما ذلك الغضب فقال أبو جعفر عليه‌السلام هو العقاب يا عمرو إنه من زعم أن الله قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق وإن الله تعالى لا يستفزه شيء فيغيره.

______________________________________________________

المتجددة هي نفس أفعاله المتجددة الكائنة الفاسدة ، فإرادته لكل حادث بالمعنى الإضافي يرجع إلى إيجاده ، وبمعنى المرادية ترجع إلى وجوده ، قال : نحن إذا فعلنا شيئا بقدرتنا واختيارنا فأردناه أولا ثم فعلناه بسبب الإرادة ، فالإرادة نشأت من أنفسنا بذاتها لا بإرادة أخرى ، وإلا لتسلسل الأمر لا إلى نهاية ، فالإرادة مرادة لذاتها ، والفعل مراد بالإرادة ، وكذا الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها ، لذيذة بنفسها ، وسائر الأشياء مرغوبة بالشهوة ، فعلى هذا المثال حال مشية الله المخلوقة ، وهي نفس وجودات الأشياء ، فإن الوجود خير ومؤثر لذاته ، ومجعول بنفسه ، والأشياء بالوجود موجودة ، والوجود مشيئ بالذات والأشياء مشيئة بالوجود وكما أن الوجود حقيقة واحدة متفاوتة بالشدة والضعف والكمال والنقص ، فكذا الخيرية والمشيئية ، وليس الخير المحض الذي لا يشوبه شر إلا الوجود البحث الذي لا يمازجه عدم ونقص ، وهو ذات الباري جل مجده ، فهو المراد الحقيقي. إلى آخر ما حققه ، والأوفق بأصولنا هو الوجه الأول ، والله يعلم.

الحديث الخامس : ضعيف.

قوله عليه‌السلام : هو العقاب ، أي ليس فيه سبحانه قوة تغير عن حالة إلى حالة تكون إحداهما رضاه والأخرى غضبه ، إنما أطلق عليه الغضب باعتبار صدور العقاب عنه ، فليس التغير إلا في فعله صفة مخلوق من إضافة المصدر إلى المفعول « لا يستفزه » أي لا يستخفه ولا يزعجه ، وقيل : أي لا يجده خاليا عما يكون قابلا له فيغيره للحصول له تغير الصفة لموصوفها.

__________________

(١) سورة طه : ٨٤.

٢٠