قال الشيخ : فلمّا حضرنا عنده قلت له : يا محمود ما الّذي أخرجك عن ملّة أهلك ، وأدخلك مع الشيعة؟ فقال : يا شيخ لمّا اتّضح لي الحقّ تبعته ، اعلم أنّه قد جرت عادة أهل الفرس (١) أنّهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم ، خرجوا يتلقّونهم ، فاتّفق أنّا سمعنا بورود قافلة كبيرة ، فخرجت ومعي صبيان كثيرون وأنا إذ ذاك صبيّ مراهق ، فاجتهدنا في طلب القافلة ، بجهلنا ، ولم نفكّر في عاقبة الأمر ، وصرنا كلّما انقطع منّا صبيّ من التعب خلوه إلى الضعف ، فضللنا عن الطريق ، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه ، وفيه شوك ، وشجر ودغل ، لم نر مثله قطّ فأخذنا في السير حتّى عجزنا وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش ، فأيقنّا بالموت ، وسقطنا لوجوهنا.
فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض ، قد نزل قريبا منّا ، وطرح مفرشا لطيفا لم نر مثله تفوح منه رائحة طيّبة ، فالتفتنا إليه وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض ، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان ، فنزل على ذلك المفرش ثمّ قام فصلّى بصاحبه ، ثمّ جلس للتعقيب.
فالتفت إليّ وقال : يا محمود! فقلت : بصوت ضعيف لبّيك يا سيّدي ، قال : ادن منّي ، فقلت : لا أستطيع (٢) لما بي من العطش والتعب ، قال : لا بأس عليك.
فلمّا قالها حسبت كأن قد حدث في نفسي روح متجدّدة ، فسعيت إليه حبوا فمرّ (٣) يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى
__________________
(١) الظاهر أنّه بالفتح ، موضع للهذيل أو بلد من بلدانهم كما في القاموس ، منه رحمهالله. أقول : بل هو بالضم لما سبق قبل أسطر من قوله « وأهل فارس مشهورون بشدّة التسنّن والنصب والعداوة ».
(٢) هذا هو الظاهر ، والنسخة « لم استطع » ، منه رحمهالله.
(٣) فأمرّ ظ.
