دون أن ينطبق عليه أحد العناوين المحرمة كشرب الخمر واقتراف الميسر ، لا بما انّه من الدين ، بل بما أنّه من العادات والتقاليد المتعارفة في حياة الشعب ، من دون أن يمت إلى الدين بصلة ، مثلا إذا احتفل شعب بيوم استقلالهم ، وخروجهم عن ذل الاستعباد ، أو إذا احتفلوا في أول الربيع بما أنه أول السنة ، وترددوا في أندية الأحبّة والإخوان ، فلا يكون ذلك بدعة ، وذلك لأنّ المحتفلين لا يقومون به بما أنه من الدين ، وأنّ الشارع أمر بذلك ، وإنّما يقومون به باسم التقاليد والعادات الّتي جرت عليها الآباء والأجداد ، أو ابتكرها الجيل الحاضر تشييداً لعزائم الشعب ، في طريق حفظ استقلالهم ، والخروج عن سيطرة القوى الكبرى عليهم ، مع كون العمل غير محرم في ذاته ، بل هو اجتماع وإنشاد قصائد ، وإلقاء خطب وشرب شاي ، ولقاء إخوان ، إلى غير ذلك.
لقد مرّت على الشعب الجزائري أعوام عديدة كان يسيطر عليهم فيها الإستعمار الفرنسي ، ينهب أموالهم وثرواتهم الطائلة ، ويدمر ثقافتهم الإسلامية وهو يتهم الدينية ، ثم إنّ اللّه سبحانه منحهم ـ في ظل عزائمهم القوية واستعدادهم لبذل النفس والنفيس في سبيل هدفهم المنشود ـ الإستقلال والحرية ، والرجوع إلى هويتهم الإسلامية ، فلو عزم هذا الشعب على أن يقيم في ذلك اليوم في كل سنة احتفالا عظيماً غير مقترن باقتراف المنكرات وارتكاب المعاصي ، لا يلامون ولا يذمّون على فعلهم هذا ، بل يمدحهم العقلاء بفطرتهم السليمة ، ولا يدور في خلد أحد أنّهم ارتكبوا بدعة في الدين ، وذلك لأنّهم لم يقوموا بما قاموا به ، باسم الدين والشريعة ، وأنّ النبي أمر بذلك ، بل قاموا بذلك باسم حفظ المصالح الشعبية وتشييد عزائمهم الّذي هو في حد ذاته حلال بلا ريب : فمن حكم بحرمة هذه التقاليد والآداب والرسوم ، سواء أكانت لها جذور في الأعوام السابقة أم كانت من محدثات العصر ، فقد ارتكب الخطأ في تحديد البدعة ، ولم يميّزها عن غيرها من المراسم والآداب.
ولو صحّ تقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة ، فإنما يصحّ في هذا القسم ، أي التقاليد والآداب العرفية ، فقد يتصف بالحسن وأُخرى بالقبح ، وأمّا
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

