( فَالمُدبّراتِ أمراً ) (١).
وهذه نماذج من الآيات مما نسب الفعل إلى اللّه سبحانه ، وفي الوقت نفسه نسب إلى عباده ، وما المصحح إلاّ ما ذكرنا ، وهو أنّ المنسب إليه سبحانه غير المنسوب إلى العباد ، وأنّ قيامه سبحانه بالأفعال على وجه الاستقلال من دون أن يعتمد على سبب عال أو قوة عليا ، وأمّا قيام غيره فإنما هو بالسببية والرابطية والمأمورية.
وفي ضوء هذا تقدر على تمييز فعله سبحانه عن فعل غيره ، فليس شفاء المريض وقضاء الدين وردّ الضالة على وجه الإطلاق ، من فعله سبحانه ، ولا من فعل عباده ، بل لكلّ سمة وعلامة ، بها يتميز عن غيره. والحد الفاصل بين فعله سبحانه وفعل غيره هو كون الفاعل مستقلا في الايجاد ، ومالكاً لفعله ، وكونه غير مستقل في الفعل وغير مالك له ، والأول ( أي الّذي يصدر عن الفاعل على وجه الاستقلال ) لا يطلب إلاّ منه ، والثاني يطلب من غيره.
فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ كل خضوع قلبي أو لساني أو خشوع فعلي لا يتصف بالعبادة إلاّ إذا اعتقد الخاضع بأنّ في المخضوع له ، عنصر الألوهية والربوبية ، وأنّه مستقل في الذات والفعل ، أو في الفعل فقط ، وأمّا إذا كان قلب الخاضع خالياً عن الاعتقاد بهذا العنصر ، بل كان معتقداً بعبوديته وعدم مالكيته شيئاً ، وعدم قيامه بأمر إلاّ بإذنه ، وأنّه ليس له دور سوى دور السببية ، فطلب أىّ شيء منه لا يتّسم بالعبادة ، سواء أطلب منه القيام عن طريق أسباب طبيعية ، أم القيام به عن طريق أسباب خارقة للعادة.
وسواء اعتقد أنّ فيه سلطة غيبية يقوم بأعمال خارقة للعادة في ظلها أو لا
وسواء أكان المطلوب منه عاجزاً أم قادراً.
وسواء أطلب أُموراً عادية كالسقي ، أم أُموراً غير عادية كبرء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى.
__________________
١ ـ سورة النازعات : الآية ٥.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

