إنّ الاستدلال بهاتين الآيتين على رد التوسل الشائع بين المسلمين من عجيب الأُمور ، فإنّ التوبيخ فيهما متوجّه إلى المشركين الذين كانوا معتقدين بألوهية معبوداتهم ، وأنهم يملكون كشف الضر وتحويل السوء عن الدعاة ، واللّه سبحانه يرد عليهم بأنّ المدعوين في أشد الحاجة إلى طلب التقرب إلى اللّه سبحانه ، فكيف يمكن لهم كشف الضر عنهم؟ وأيّة صلة بين أولئك المشركين المعتقدين بألوهية المدعوين ، والموحدين الذين يعتقدون بأنّه لا يملك كشف الضر إلاّ اللّه ، ولكنّهم يوسّطون بينهم وبين ربّهم أحد عباد اللّه الصالحين ، الّذي له مكانة عند اللّه ، لعلّه سبحانه يجيب دعوته لأجله وحرمته ومقامه ، وليس ذلك ببدعة ، فقد أمر بتوسيط دعاء النبي في طلب المغفرة من اللّه ، وأمر العصاة أن يطلبوا منه صلىاللهعليهوآلهوسلم الاستغفار على ما عرفت.
والقسمان يشتركان في توسيط المخلوق ، سواء أكان ذاته القدسية أمْ دعاءَهُ المستجاب.
ثم إنّه في ذيل كلامه يقول : « إنّ الذين كان العرب يوسطونهم في توسلاتهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة ، فما بال المسلمين المتوسلين لا يقتدون بهم ، ولم لا يفعلون ما يفعلون ما داموا بهم وبصلاحهم واثقين » ؟.
وللملاحظة والتدبّر في كلامه مجال واسع :
أمّا أولا ـ فمن أين علم أنّ هؤلاء الذين كان العرب يوسطونهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة؟ فليس في الآية شيء يدل على ذلك.
وثانياً ـ لو صحّ ذلك فمعنى كلامه أنّ التوسل منحصر في ذلك ، مع أنّه من المجوزين لتوسل المسلم بدعاء النبي في حال حياته ، بل بدعاء أخيه المسلم ، فلماذا صار التخلف هيهنا عن هديهم ومذهبهم جائزاً مع أنهم لم يكونوا متقربين إلاّ بأعمالهم فقط.
والحق أنّ الكاتب اتّخذ موقفاً مسبقاً في مجال التوسل ، وهو إحياء ما بذره ابن تيمية ، فلذلك ترى أنّه يقفو في كتابه أثر شيخه ، بلا تخلّف عنه قيد شعرة ، مع أنه يتظاهر في بدء كتابه بأنه يريد أن يعالج الموضوع علاجاً محايداً
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

