تيمية من بعدهم بأكثر من قرن فقال : « إنّه اشتراك في الإسم لا في الحقيقة » فإن فسّروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الإقعاد والجلوس ، والجسمية لازمة لا محالة ، وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل ، وقد وقعوا فيهما نهوا عنه ، وفي الحالين قد خالفوا التوقف الّذي سلكه السلف » (١).
أقول : ليس ابن تيمية فريداً في هذا الباب ، بل المذهب الّذي أرسى قواعده شيخه ابن حنبل من التعبد بالظواهر بحرفيتها ومعانيها التصورية لا ينفك عن التجسيم والتشبيه ، ومهما حاولوا الفرار عنه وقعوا فيه من حيث لا يشعرون. نعم حاول ابن الجوزي أن يدافع عن أُستاذ مذهبه فوجّه اللوم إلى تلاميذه ، فقال : « رأيت من أصحابنا من تكلم في الأُصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبداللّه بن حامد (٢) وصاحبه القاضي ( أبو يعلي ) (٣) وابن الزاغواني (٤) ، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس; فسمعوا أنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق آدم عليهالسلام على صورته ، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات ، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وأضواءً لوجهه ، ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس.
وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة ، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى
__________________
١ ـ ابن تيمية حياته وعصره ص ٢٧٢ ـ ٢٧٣.
٢ ـ شيخ الحنابلة في عصره ، البغدادي ، الوراق ، المتوفى سنة ٤٠٣ له كتاب في أصول الإعتقاد سماه « شرح أُصول الدين » وفيه أقوال تدل على التشبيه والتجسيم.
٣ ـ القاضي أبو يعلى محمد الحسين بن خلف بن الفراء الحنبلي المتوفى سنة ٤٥٨ وقد تكلم في أُصول الإعتقاد كلاماً تبع أُستاذه ابن حامد وأكثر من التشبيه والتمثيل حتّى قال فيه بعض العلماء :
« لقد شان أبويعلى الحنابلة شيئاً لا يغسله ماء البحار ».
٤ ـ هو أبو الحسن علي بن عبيداللّه بن نصر الزاغواني الحنبلي المتوفى سنة ٥٢٧ وله كتاب في أصول الإعتقاد اسمه « الإيضاح » قال فيه بعض العلماء : « إنّ فيه من غرائب التشبيه ما يحار فيه النبيه ».
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

